النص المفهرس

صفحات 1-20

تَارِيخُ القُصُل
صر
وَأَثَرُهُمْ فِي الحَدِيْثِ النََّوِيّ
وَرَأَيُ العُلماءِ فِيهَمْ
تَأليفُ
الدكتور محمّدبن الطفى الصباغ
المكتب الاسلامي

تَّارِيخُ الفَصُلِ
وَأَثَرُهُمْ في الحَدِيثِ النَّوِيّ
وَرَأَيُ العُلَاءِ فِيهِمْ
تَأليفُ
١
الدكتُور محمّدِن طفى الصبّاغْ
المكتب الإسلامي

مقَدّمَة
بسم الله الرحمن السـ
الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك
يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلّغ
الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح للامة فجزاه الله عنا ما
هو أهله، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله كما صلى
وسلم وبارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ورضي الله
عن أصحابه الهداة المهديين، وعن التابعين لهم بإحسان،
وعن الأئمة الدعاة العالمين العاملين إلى يوم الدين.
أما بعد،
فهذه رسالة موجزة في موضوع عملت فيه سنوات
عدة، وهي في تاريخ القصاص وأثرهم في الحديث
النبوي وآراء العلماء فيهم، كنت كتبتها لتكون فصلاً من
فصول مقدمتي التي صدرت بها كتاب القصاص

والمذكرين لابن الجوزي الذي حققته ونشرته. فاطلع
على هذا الفصل عدد من العلماء والأدباء، فاقترحوا أن
تفرد ليعمَّ النفع بها، فنشرتها أولاً في مجلة ((رسالة
الخليج)) العدد التاسع السنة الثالثة بتاريخ ١٤٠٣هـ.
ثم رأيت نشرها رسالة صغيرة مستقلة لأن
الرسائل الصغيرة مقروءة ذائعة عسى أن تسهم في تبصير
الناشئة من المسلمين بالغث والسمين من الرجال، فما كل
من رقي منبرا خطيب .. وما أكثر المدعين !!
وكل يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
ذلك لأن هذا الضغط الشديد، والسحق الطاحن
للإِسلام في هذا الزمان أورث ردّ فعل كبيراً عند كثير من
الشباب فاتجهوا إلى الإِسلام وحرصوا على التزام
أحكامه .. فكانت هناك عملية التفاف عليهم من أعداء
الإِسلام فعمدوا إلى استخدام نفر من القصاص والوعاظ
أفسحوا لهم مجالات في المساجد والندوات وغيرها،
وأطلقوا عليهم ألقاباً رنانة من نحو: العالم، والداعية وما
إلى ذلك.
وكلفوهم بمهمة تفريغ الدعوة الاسلامية من
مضمونها وبربطها بهم وبتسخيرها لهم وليس عند عدو
٦

من أعداء الإِسلام مانع من أن ينادي المنادون بالاسلام
بشرط أن يكون في مفهوم معين وأن يكون مرتبطاً بهم
سائراً وفق خططهم.
وأودُّ أن أسوق إلى القراء الكرام عبرة من الماضي
سمعتها من والدي رحمه الله وأكرم نزله - وكم سمعت
منه تغمده الله بالرحمة الحكم العميقة والنظرات
النافذة - قال رحمه الله تعليقاً على موقف بعض القصاص
من معركة انتخابية جرت في بلادنا وكنت يومها صغير
السن قال :
(لقد رفع هذا الشيخ القاصّ فلاناً الذي يدعو
الناس لتأييده إلى درجة لم يصل إليها سيدنا عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، وهو يعلم أنه كاذب فيما يقول،
ولو كانت له مصلحة مع من يعارضه لما كان منه إلا هذا
الموقف).
إن هذا القاصّ كان ذا تأثير كبير على العامة وكان
يدعو لتأييد إنسان ليس له أي غيرة على الإِسلام ويخالفه
في حياته مخالفة علنية واضحة. وقد نجح هو وأمثاله في
هذا التدليس إلى حد بعيد.
٧

ولو اتقى الله وآثر الدار الآخرة لما كان منه ما كان
ولربما كان الوضع على غير ما انتهى إليه.
إن هذا الماضي الذي كان يضحك فيه على الناس
باسم الاسلام يتراءى أنه مقبل على جيلنا الصاعد بألوان
وأدوار تتفق وسمة العصر.
إنَّ على الواعين من العلماء أن يحذروا من تكرار
المأساة ولكنها على شكل أشد وأفظع.
إن على أبناء أمتنا أن يتعظوا وأن يتبصروا وأن
يستمعوا إلى من جرّب قبلهم.
فالسعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه .
ولسنا نملك إلا أن نقول كلمة الحق مدعمة
بالدليل من الكتاب والسنة وواقع الأمة وتاريخها والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من
قبلنا .
٨

ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا
على القوم الكافرين.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك
رحمة إنك أنت الوهاب والحمد لله رب العالمين.
مستشفى الملك عبد العزيز الجامعي
٢١ من ذي القعدة سنة ١٤٠٤
وكتبه
محمّد بن الطفى لصبّاغْ
?'
٩

F

القصص والقصاص :
١ - القصّ (في اللغة): القطع والتتبع وإيراد الخبر المقصوص.
وقصّ الشعر والصوف: قطعه، والقصّ: أخذ الشعر بالمقصّ.
وأصل القص القطع والقص: فعل القاص إذا قص القصص.
ويقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء ومنه
قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصّيه﴾ (١) أي تتبّعي أثره.
والقصة: الخبر وهو القصص. وقصّ عليَّ خبره يقصه قصّاً
وقصصاً أورده.
والقَصص: الخبر المقصوص (بالفتح) وضع موضع المصدر
حتى صار أغلب عليه.
والقصّ (في الاستعمال) هو فنّ مخاطبة العامّة ووعظهم
بالاعتماد على القصّة، والمقصد من القصص - في الأصل - مقصد
ديني طيب، إذ في إيراد القصة موعظة وعبرة.
(١) سورة القصص: ١١.
١١

ومن أجل ذلك نرى القرآن الكريم يقصّ علينا أخبار الأمم
السابقة .
قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾(١)
وقال سبحانه: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾ (٢).
والقصة سلاح فعّال، إذا أحسن الانسان استعماله استطاع أن
يحقق كثيراً من الخير والاصلاح، لأن النفس ترتاح لسماع القصة
وتستمتع ، وتتأثر بالمغزى الذي تحويه.
إن القصص الذي يكون في خدمة العقيدة - إن جانَبَ
الكذب - سلاح من أسلحة الخير، ولقد قال بعض أهل العلم:
القصص جند من جند الله .
والانسان بفطرته يميل إلى القصة لما يرى في سماعها من الأنس
والمتعة، فإذا استطاع الداعية أن يستخدم هذه الأداة الممتازة ضمن
دائرة الإِسلام ولمصلحة الدين والخلق كان القصص محموداً وطيباً(٣).
ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى وجود القصة الهادفة بالإِطار الفني
المتعارف عليه، وهناك قصص جيدة تخدم قضية الدين والخلق ، ولكننا
نريد الإكثار منها .
(١) سورة يوسف: ١١١.
(٢) سورة القمر: ٤.
(٣) كتبت كلمة عن القصة ودورها في خدمة الدعوة، ستراها في كتاب يصدر قريباً إن
شاء الله عنوانه ((كلمات ونظرات)).
١٢

والقَاص - كما قال ابن الجوزي(١) - : هو الذي يتبع القصة
الماضية بالحكاية عنها والشرح لها. وذلك القصص. وهو في الغالب
مستعمل فيمن يروي أخبار الماضين .
ويحاول ابن الجوزي في كتاب ((القصاص والمذكرين)) أن يفرّق
بين القصص والوعظ والتذكير تفريقاً يرفع من شأن الوعظ والتذكير
ويحط من القصص فيقول في تعريف التذكير:
بأنه تعريفُ الخلق نعم الله عز وجل عليهم وحثّهم على شكره
وتحذيرهم من مخالفته.
ويقول في تعريف الوعظ: بأنه تخويف يرقُّ له القلب.
ويقول: إن القصص مذموم، والتذكير والوعظ محمودان.
ثم قال بعد أن عرف القصص:
(وهذا لا يذّم لنفسه لأن في إيراد أخبار السالفين عبرة لمعتبر
وعظة لمزدجر .. وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء).
ثم أوردها وتتلخص بما يأتي:
١ - لأن القصص بدعة لم يكن على عهد رسول الله اله .
٢ - لندرة صحة أخبار المتقدمين.
٣ - لأن القصص يشغل عن قراءة القرآن ورواية الحديث
والتفقه في الدین.
(١) كتاب ((القصاص والمذكرين)) صفحة ١٥٧١ .
١٣

٤ - لأن القصص في واقعه أفسد قلوب العوام.
٥ - لأنَّ في القرآن والسنة من العظة ما يكفي عن غيره مما لم
يصح.
٦ - لأن معظم القصاص لا يتحرون الصواب.
وليس ابن الجوزي منفرداً بالتفريق بين هذه الكلمات بل إنَّ
آدم متز(١) يذكر نقلاً عن ((كشف المحجوب))(٢) أنَّ الصوفية كانوا
يسمّون خطباءهم بهذا الاسم ((المذكرين)).
ويبدو أنَّ آدم متز وهم إذ اقتنع بأنَّ المذكرين غير القصّاص
فقال :
( .. وبدأت الثقة تتحول عنهم إلى طائفة خلفتهم وهي طائفة
المذكرين، ويسمى مجلسهم مجلس الذكر)(٣) ..
وقال في تعليل تسمية مجلس الذكر:
(١) ((الحضارة الاسلامية في القرن الرابع)) ٢/ ١٠٩.
(٢) وهو كتاب في التصوف ومؤلفه علي بن عثمان الجلابي الهجوي ولد في أواخر القرن
الرابع وتوفى في لاهور حوالي سنة ٤٦٥، ويُعَدُّ أقدم مؤلف في التصوف باللغة
الفارسية وأول كتاب منظم في الأصول النظرية والعملية للتصوف، وقد نوّه بقيمته
المشتغلون بالتصوف من عرب ومستشرقين طبع بالفارسية في ليننغراد ١٩٢٦ ثم طبع
في طهران ١٩٥٧ وترجمه إلى الانجليزية نيكولسون ونشرت الترجمة ١٩١١ وترجمته
إلى العربية الدكتورة إسعاد عبد الهادي قنديل ودرست الكتاب ومؤلفه ونشر
المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية بمصر عملها ١٣٩٤ (١٩٧٤).
(٣) ((الحضارة الاسلامية في القرن الرابع)) ٢/ ١١١ ينقل ذلك عن المقدسي.
١٤

(وقد نشأ مجلس الذكر من قعود بعض الصالحين للتسبيح
متنفلين بعد انقضاء الصلاة)(١).
ثم قال: (وقد أجهد المذكر نفسه في أن يظهر بمظهر يكسبه من
التقدير ما يزيد على سلفه القاصّ، وأكبر مظهر لذلك أنه لا يتكلم
ارتجالاً ومن غير تقيد. بل كان يقرأ من دفتر)(٢).
وهذا - في ظني - غير صحيح، لأنها تسميات متعددة لمسمى
واحد، ربما فرَّ من تسمية ((القصَّاص)) من يقوم بهذه المهمة هرباً ممّا
لصق بها من ذم. والله أعلم.
ويحسن أن نورد بعض ما ذكره ابن الجوزي عن القصاص في
كتبه ونبدأ بكتابه ((تلبيس إبليس)) ثم نعرّج على ((صيد الخاطر)) ثم
كتاب ((السر المعلوم)) ثم ((الموضوعات)).
قال ابن الجوزي في ((تلبيس إبليس))(٣).
[ومن تلبيسه عليهم أن يحسّن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من
الحضور عندهم فيقولون: من هؤلاء؟ هؤلاء قصاص. ومراد
الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع ،والقصاص
لا يُذَمُّون من حيث هذا الاسم، لأن الله عز وجل قال: ﴿نحن
(١) ((الحضارة الاسلامية في القرن الرابع)) ١١٢/٢.
(٢) ((الحضارة الاسلامية في القرن الرابع)) ١١٢/٢.
(٣) ((تلبيس إبليس)) ١٣٤.
١٥

نقصُّ عليك أحسن القصص﴾(١) وقال: ﴿فاقصص
القصص﴾ (٢)].
وإنما ذم القصّاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص
دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلطفیما یورده، وربما اعتمد على ما
أکثره محال .
فأما إذا كان القصص صدقاً ويوجب وعظاً فهو ممدوح، وقد
كان أحمد بن حنبل يقول: (ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق).
ثم قال(٣): [ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص.
قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد
حضر مجلس عبيد بن عمير عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما وكان
عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص. ثم خست هذه الصناعة
فتعرض لها الجهال، فبعد عن الحضور عندهم المميزون من الناس،
وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص
وما يعجب الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن وقد ذكرنا آفاتهم في
كتاب القصاص والمذكرين إلا أننا نذكر هنا جملة:
((فمن ذلك أن قوماً منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب
والترهيب ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد حث الناس على الخير،
(١) سورة يوسف: ٣ .
(٢) سورة الأعراف: ١٧٦ .
(٣) ((تلبيس إبليس)) ١٣٥.
١٦

وكفهم عن الشر وهذا افتئات منهم على الشريعة، لأنها عندهم - على
هذا الفعل - ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثم قد نسوا قوله له: ((من كذب
عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج
النفوس ويطرب القلوب ، فَنَوَّعوا فيه الكلام، فتراهم ينشدون
الأشعار الرائقة الغزلية في العشق، ولَبَّس عليهم بأننا نقصد الاشارة إلى
محبة الله عز وجل، ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين
بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويُضل .
ومن ذلك ما يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه،
وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل، فتسمع الناس بفضل بكاء
وخشوع، فمن كان منهم كاذباً فقد خسر الآخرة، ومن كان صادقاً لم
يسلم صدقه من رياء يخالطه .
ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان،
والألحان التي أخرجوها اليوم مشابهة للغناء، فهي إلى التحريم أقرب
منها إلى الكراهة، والقارىء يطرب، والقاصّ ينشد الغزل مع
تصفيق بيديه، وإيقاع برجليه، فتشبه السكر، ويوجب ذلك تحريك
الطباع وتهييج النفوس، وصياح الرجال والنساء، وتمزيق الثياب، لما
في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس
طيباً، ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز.
ومنهم من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها، لكنه ينشد
أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة
ومن مات غريباً، فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم،
١٧

وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع.
ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه، فلبَّس
عليه إبليس أنك من جملة الموصوفين بذلك، لأنك لم تقدر على
الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق. وكشف هذا التلبيس
أن الوصف علم والسلوك غير العلم.
ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع
ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على
كلام فاسد .
وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها.
وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل، وزليخا ويوسف، ولا
يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب.
فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا؟ وتعرف المرأة حق
زوجها؟ وتحفظ صلاتها؟ .
هيهات !!! هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت
سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف.
ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل، ولا يبين للعامة
المقصود، فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية، أو خرج إلى جبل
فبقيت عائلته لا شيء لهم.
ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما
يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي. ثم يقوي ما
١٨

ذكر بميله الى الدنيا من المراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، فيفسد
القلوب بقوله وفعله.
وقال ابن الجوزي في ((تلبيس إبليس))(١):
[وقد يكون الواعظ صادقاً قاصداً للنصيحة إلا أن منهم من
أشرب الرئاسة قلبه مع الزمان، فيحب أن يعظم، وعلامته أنه إذا.
ظهر واعظ ینوب عنه أو يعينه كره ذلك، ولو صح قصده لم يكره أن
یعینه] .
وقال: [ومن القصاص(٢) من يخلط في مجلسه الرجال
والنساء، وترى النساء يكثرن الصياح وجداً على زعمهنّ، فلا ينكر
ذلك عليهن جمعاً للقلوب عليه.
ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس
لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشاً يستمنحون به
الأمراء والظلمة ، والأخذ من أصحاب المكوس ، والتكسب به في البلدان.
وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى وفراق الأحبة فيبكي النسوة
ولا يحث على الصبر.
وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا
يغظ ، وإنما يعظ مُتَيَقِّظ. فيحمله على السكوت والانقطاع
وذلك من دسائس إبليس، لأنه يمنع فعل الخير، ويقول: إنك تلتذ بما
تورده وتجد لذلك راحة، فربما دخل الرياء في قولك، وطريق الوحدة
(١) ((تلبيس إبليس)) ١٣٦.
(٢) ((تلبيس إبليس)) ١٣٧.
١٩

أسلم. ومقصوده بذلك سد باب الخير وعن ثابت قال: كان الحسين
في مجلس فقيل للعلاء: تكلم.
فقال: أوهناك أنا؟ ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته.
قال ثابت: فأعجبني.
قال: ثم تكلم الحسين فقال: وإننا هناك. يود الشيطان أنكم
أخذتموها عنه فلم يأمر أحد أحداً بخير ولم ينهه عن شر].
وقال ابن الجوزي في ((صيد الخاطر))(١).
[وقد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص، فينهون عن
الحضور عندهم، وهذا على الاطلاق لا يحسن اليوم، لأنه كان الناس
في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم، فرأوا حضور القصص صاداً لهم،
واليوم كثر الاعراض عن العلم فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ يرده عن
ذنب، ويحركه إلى توبة، وإنما الخلل في القاص فليتق الله عزّ وجل]
وقال ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)):
[ ... ولقد أدخل المتزهدون في الدين ما ينفر الناس منه، حتى
إنهم يرون أفعالهم فيستبعدون الطريق، وأكثر أدلة هذه الطريق
القصاص فإن العامي إذا دخل مجلسهم وهو لا يحسن الوضوء كلموه
بدقائق الجنيد وإشارات الشبليّ، فرأى ذلك العامي أن الطريق
الواضح لزوم زاوية، وترك الكسب للعائلة، ومناجاة الحق في خلوة
على زعمه، مع كونه لا يعرف أركان الصلاة، ولا أدّبه العلم ولا قوّم
(١) ((صيد الخاطر)) ١٠٠.
٢٠

أخلاقه شيء من مخالطة العلماء فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد
الحمار من الإصطبل، فإن امتد عليه الزمان في تقلله زاد يبسه، فربما
خايلت له ((الماليخولي)) (١) أشباحاً يظنهم الملائكة ثم يطأطىء رأسه
ويمد يده للتقبيل .
فكم رأينا من أكار ترك الزرع وقعد في زاوية، فصار إلى
هذه الحالة فاستراح من تعبه، فلو قيل له : عد مريضاً قال: ما لى
عادة، فلعن اللّه عادة تخالف الشريعة .
فيرى العامة بما يورده هؤلاء القصاص أن طريق الشرع هذه لا
التي عليها الفقهاء فيقعون في الضلال](٢).
وقال ابن الجوزي في كتاب ((السر المعلوم)) (٣):
[لا يصلح لإبداع الأسرار كل أحد، ولا ينبغي لمن وقع بكنز
أن يكتمه مطلقاً، فربما ذهب هو ولم ينتفع بالكنز.
وكما أنه لا ينبغي للعالم أن يخاطب العوام بكل علم فينبغي أن
يخص الخواص بأسرار العلم لاحتمال هؤلاء ما لا يحتمله أولئك.
وقد عُلم تفاوت الأفهام وقد قال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى
(١) جاء في كتاب ((تسهيل المنافع في الطب والحكمة)) تأليف إبراهيم الأزرق ص
١٦٩: (الماليخوليا ضرب من الجنون، وهو أن يحدث بالإنسان أفكار رديئة
فيغلبه الخوف والحزن وربما صرع وربما نطق بتلك الأفكار وخلط فى كلامه.
قاله في فقه اللغة). وقال الأستاذ الدكتور العوا: إن أهل مصر يقولون مناخوليا
للمجنون .
(٢) ((صيد الخاطر)) ١١٨ - ١١٩.
(٣) نقلاً عن ((الآداب الشرعية)) ٩٥/٢.
٢١

الرسول .. ﴾ الآية وقال ﴿وما يعقلها إلّ العالمون﴾ وقال: ﴿ادع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة .. ﴾ الآية وقال عليه السلام
(لِيَلِنِي منكم أولو الأحلام والنهي)) وقال أبو هريرة رضي الله عنه:
سمعت من رسول اللّه الله وعائين بثئت أحدهما ولو بثثت الآخر
لقطع هذا الحلقوم.
وهذا يشكل فيقال: كيف كتم هذا العلم؟
ولا أحسب المكتوم إلا مثل قوله ((إذا بلغ بنو أبي العاص
ثلاثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً)) ومثل ذكر قتل عثمان وما سيظهر من
الفتن. ومن التغفيل تكلم القصاص عند العوام الجهلة بما لا
ينفعهم، وإنما ينبغي أن يخاطب الإنسان على قدر فهمه.
ومخاطبة العوام صعبة، فإن أحدهم ليرى رأياً يخالف فيه
العلماء ولا ينتهي، وقد رأينا أنَّ امرأة قالت لولدها من غير زوجها:
هذا زوجي كافر.
وقال : وكيف؟
قالت: طلقني بكرة وضاجعني في الليل.
فقال: أنا أقتله.
وما علم أن الرجعية (١) زوجة وأنه أشهد على ارتجاعها من غير
علمها أو أنه يعتقد أن الوطء رجعة !!
(١) أي المطلقة طلاقاً رجعياً غير بائن، وهي المطلقة للمرة الأولى أو الثانية قال تعالى:
﴿ الطلاق مرتان﴾ البقرة: ٢٢٩.
٢٢
٠٠