النص المفهرس
صفحات 21-40
1 زارها . فليس هذا مجاله ، ولكن غرضنا أن نوضح أبعاد اشعاعه الثقافى فى مختلف الأمصار الاسلامية وفى مختلف الاختصاصات التى برّز فيها ، وذلك بعرض قائمة تحتوى على بعض مشاهير تلاميذه الذين أخذوا عنه العلم وكان له الأثر في تكوينهم . فمن أهل تونس والمغرب والأندلس : 1 - أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ (1) . 2 - الامام أبو عبد الله محمد بن عرفة فقيه تونس (2) . 3 - محمد بن أحمد بن مرزوق الجد المعروف بالخطيب (3) . 4 - أحمد بن علي بن خاتمة الأنصاري (4) . 5 - لسان الدين بن الخطيب السلماني (5) . 6 - فرج بن قاسم بن لبّ الغرناطي (6) . 7 - يوسف بن الحسن التسولي (7) . 8 - محمد بن جُزَيّ الكلبي (8) . (I) ابن خلدون: التعريف 16 . 197 . 305 . 307 . (2) البلوى : البرنامج ( مخطوط الاسكوريال 1725) ورقة 21 أ. السراج : الحلل I : 578، ابن فرحون : الديباج المذهب 2 : 331 . (3) المقرى : نفح الطيب 3: IIO ، أبن الخطيب: دائرة الاحاطة (مخطوط باريس ) ورقة 75 أ. العباس بن ابراهيم: الاعلام 5: 13 . الكتانى : فهرس الفهارس I : 395 . 2 : 47 ، 425 . (4) ابن الخطيب : الاحاطة I : 249 . (5) العباس بن ابراهيم : الاعلام 4 : 444 . (6) الكتانى : فهرس الفهارس 2 : 435 . (7) نفس المصدر 2 : 435 . (8) أبن بطوطة : الرحلة 24 - 25 . ٢١ 9 - أبو العباس أحمد بن محمّد الأنصارى المعروف بابن الشماع (1) . 10 - عبد اللّه بن محمّد الزقندي (2) . أمّا من أهل مصر والشام والحجاز والعراق فقد أخذ عنه الكثير منهم : 1 - شمس الدين الذهبي (3) . 2 - علم الدّين البرزاني (4) . 3 - برهان الدّين ابراهيم بن فرحون (5) . 4 - أبو اسحاق التنوخى (6) . وغيرهم كثير مما جعل ابن حجر يصرح بقوله : ((وحدثنا عنه جماعة بمصر والشام والاسكندرية)) (7) . مكانته العلمية اتفق كلّ المؤلفين من تلاميذ الوادى آشىٍ مع المصادر الأخرى التي ترجمت له على أنّ الرجل كان على درجة عالية من العلم : فقد وصفه ابن خلدون بإمام المحدّثين بتونس (8) وشيخ المسندين (I) العباس بن ابراهيم : الاعلام 2 : 220 : الكتانى : فهرس الفهارس 2 : . 435 . 413 (2) ابن الخطيب : نفاضة الجراب 64 . (3) الذهبى : المعجم ورقة 130 أ . (4) ابن جابر الوادى آشى : البرنامج 28 ب . (5) ابن فرحون: الديباج 2 : 299 - 300 . (6) ابن حجر : الدرر الكامنة 4 : 34 . (7) نفس المصدر . (8) ابن خلدون : التعريف 18 . ٢٢ بها (1) . ووصفه الذهبى بالفقيه المقرىء المحدث الرحّال (2) . وقال عنه ابن الخطيب: الرّاوية المحدّث المكثر الرحّال (3). وذكر ابن فرحون بأنه : جمَّاعة المغرب وراوية الوقت وأنه أصبح نسيج وحده انفساح راوية وعلو اسناد . وانّه كان محدثا مقرئا مجوّدا ، له معرفة بالنحو واللغة والحديث ورجاله وكان فقهه قليلا (4) . وعلى مثل هذه الشهادات درجت كلّ المصادر التى كتبها المتأخرون عن تلاميذه كالصفدي والبلوى وابن حجر وابن الجزرى والمقرى وابن القاضى وغيرهم . ولم نجد منهم من يذكر ما يمس بمكانته العلمية غير الاشارة السابقة من تلميذه ابن فرحون الذى قال فيها انّه قليل الفقه. وهو أمر لا يغضّ من قيمة ابن جابر نظّرا الى انه مال الى اختصاصات أخرى غير الفقه ولم يأخذ من الفقه إلاّ ما كان فى حاجة اليه لتكوينه الثقافى . فالوادى آشى مقرىء محدث نحوى لغوى عارف بالرجال ، وهو وان لم يكنّ فقيها بارعًا فانه لم يكن أيضًا جاهلا بهذا الفن . فقد ذكرت أكثر المصادر أنّه كان مالكى المذهب وقال عنه ابن خلدون ((وناولنى كتبا كثيرة في العربية والفقه)) (5). ومع ذلك فان" الوادي آشي لم يدّع التبريز في الفقه ولم يذكر فى برنامجه الذى بين أيدينا أنّه أخذ كتبا فقهية كثيرة . ولعله جمع ذكر كل الكتب الفقهية التى سمعها فى كتابه الذى حدثنا عنه ابن فرحون نفسه وهو جزء فى اسانيد كتب المالكية منه الى مؤلفيها . مكتبته من خلال مصادر ترجمة ابن جابر الوادى آشى لاحظنا أن بعض المؤلفين يشيرون إلى كثرة الكتب التى قيّدها : فابن حجر (I) نفس المصدر 305 . (2) الذهبى : المعجم ورقة 130 أ . (3) ابن الخطيب : الاحاطة I : 249 . (4) ابن فرحون: الديباج 2: 299 - 300 . (5) ابن خلدون : التعريف 18 . ٢٣ والمقرى يقولان: ((كتب بخطة كثيرا)) (1) وابن القاضى يذكر انه ((قيد بخطه أجزاء كثيرة من تواليف المتاخرين وتقييداتهم)) (2) . وعندما تتبعنا نصّ البرنامج الذى بين أيدينا لاحظنا أيضا أنه يشير أحيانا الى بعض الكتب التي نسخها أو التي نقلها بخطه مقيّدة : فمن ذلك ماصرح به عند ذكر كتاب الشفاء للقاضي عياض : ((كتبت نسخته ابتغاء ثواب العلم الجسيم)) (3) . وفي حديثه عن كتابين من كتب القراءات قال ((فانى تناولتهما من يده (أى شيخه) ونسختهما من أصله)) (4). وعند ذكره لكتاب الألفاظ لابن السكِّيت قال ((سمعت نحو الثلث الأول منها فى أصلي بتونس)) (5). وكذلك بالنسبة لكتاب سقط الزند لأبى العلاء المعرى ((قرأته بالقاهرة المعزّبة على الأستاذ المحدث أثير الدين أبي حيان المذكور في أصلي)) (6) . صفاته الخلقية والخلقية أشارت بعض مصادر ترجمة الوادى آشى الى ماكان يتمتع به الرجل من صفات خَلقية وخُلقية فقال عنه تلميذه ابن الخطيب : ((عظيم الوقار. حسن الأخلاق لطيف الذات)). ووصفه تلميذه ابن فرحون بانه ((كان عظيم الوقار والأبهة، قويم السمت)) . أما غير تلاميذه من المتأخرين عنهم فقد ساروا على نفس المنهج . فى أوصافه فقال الصفدى ((كان حسن المشاركة فى الفضائل)). وقال المقرى: ((شيخ ممتَّعْ نبيل، رحال متقن)). وقال ابن القاضى (I) ابن حجر: الدرر الكامنة 4 : 34. المقرى: النفح 3 : 110 . (2) ابن القاضى : درة الحجال 2 : 102 . (3) الوادى آشى : البرنامج 78 أ . (4) نفس المصدر 61أ. (5) نفس المصدر II5 ب . (6) نفس المصدر II7 ب . ٢٤ ((كان شيخا عفيفا ظريفا، له مشاركة فى الطلب ، واقبال على حال الأدب)) . ولعلّ هذه الأوصاف التى تميّز بها مترجمنا هى التى هيّأت له حظوظا وافرة من غاياته العلمية التى رحل من أجلها ومكّنته من جمع زاد علمي ثرى وسمحت له بان ينال مكانة مرموقة عند شيوخه وطلبته وعامة أهل العلم من معاصريه . وفاته فى سنة 1348/749 ظهر الطاعون الجارف فى كل البلاد المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط ، فى شرق البلاد الاسلامية وفى غربها وفى جنوب البلاد الأروبية ، فقضى على الكثير ، وأصيبتْ الثقافة الانسانية فى العديد من رجالها . وكان نصيب إفريقية والمغرب والأندلس فى هذه المصيبة عظيما ، حيث قضى الطاعون على كثير من رجال العلم من أمثال عبد المهيمن الحضرمى وابن الحباب ومحمد السكونى وابن عبد الستار وابن عبد النور وأبو موسى ابن الامام ومحمّد الأجمى ، ومترجمنا محمد بن جابر الوادى آشى الذى توفى فى شهر ربيع الأول من نفس السنة 749 (جوان 1348) ودفن بمقبرة الزلاج بتونس . واذا كنا لانعرف تفاصيل عن حياته العائلية وعدد أبنائه فان ابن الخطيب مؤرخ الأندلس ذكر أن للوادى آشی ابنا اسمه محمد تولى القضاء ببسطة فى الأندلس - فحسنت سيرته بها ومات بعد والده بثلاث سنين أي في سنة 1350/752 . آثار ابن جابر الأدبية والعلمية لم يشتهر ابن جابر الوادى آشى بالأدب أو بالشعر وانما كان كالكثير من أبناء عصره الذين لا تخلو أعمالهم الثقافية عن بعض ٢٥ انتاج شعري أو نثري فنى، وهو ما جعل ابن القاضى يقول عنه : (أقبل على حال الأدب، وربما قرض الشعر)) (1) وفعلا فزيادة على مقدمة برنامجه أمكننا أن نتعرف على نصين أدبيين قصيرين له أحدهما نثري والثاني شعري : فالنص النثرى رواه عنه تلميذه محمد بن جُزْىّ الكلبى فى رحلة ابن بطوطة فبعد ان ذكر ابياتا في مدح دمشق قال : وذكرهاً (الأبيات) شيخنا المحدّث الرحّال شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن جابر بن حسان الوادى آشى نزيل تونس . فقال (أى الوادى آشى): ((ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد، وتوّق الأنفسّ للتطلّع على صورتها بما أفاد ، هذا وان لم تكن له بها اقامة ، فيعرب عنها بحقيقة علامة ، ولا وصف ذهبيات أصيلها ، وقد حان من الشمس غروبها ، ولا أزمان حفولها المنوعات ، ولا أوقات سرورها المنبهات ، وقد اختصر من قال : ألفيتُها كما تصف الألسن ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين)) (2) . أما النص الشعري فيتمثل فى خمسة أبيات له فى وصف تمثال نعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومدح دمشق وهي : فيها رأت عيناي نعل المصطفى دار الحديث الأشرفية لي الشفا نفسي انعمى، أكفاك؟ قالت لي: كفى ولثمته حتى قنعتُ وقلتُ : يا من بعد طيبة ما أجلّ وأشرفا للّه أوقات وصلتُ بها المنى أيامك الأعياد لازمها الصفا لك يادمشق على البلاد فضيلة ذيلا ولا برح هواى وما اختفى (3) ولكم بجَیْرُون جررتُ ولم أضف (1) ابن القاضى : درة الحجال 2: 103 . (2) ابن بطوطة : الرحلة 84 - 85 . (3) المقرى: أزهار الرياض 3 : 272 . ابن القاضى : درة الحجال 2 : 103 . ٢٦ ٠ ونحن نعتقد أن هذه المقطوعة القصيرة ليست هى كل ما كتبه الوادى آشى من شعر خصوصا وقد ذكر بنفسه فى البرنامج ان صاحبه علم الدين القاسم البرزالي سمع منه قصيدة من نظمه (1) . أما انتاجه العلمى فهو قليل ومحدود بالنسبة لرجل مثل الوادي آشى اذ لعل اهتمامه بالرحلة والدروس ألهاه عن التأليف والكتابة . والكتب التي نسبت إليه هي : 1) البرنامج : وهو الذى ننشره محقّقا بعد هذه المقدمة . ذكره ابن خلدون فى التعريف (2) وابن القاضى فى درة الحجال (3) . والكتانى فى فهرس الفهارس (4) . ومخلوف في شجرة النور (5) . 2) ترجمة القاضى عياض : ذكرها الوادى آشى فى البرنامج فقال بعد أن أورد قصيدة شيخه ابن هارون السابقة الذكر في مدح كتاب الشفاء للقاضى عياض ما نصّه : ((وحملتني هذه القصيدة على أن جمعتُ قطعة جيدة تضمنت التعريف بالقاضى عياض وتواليفه وما قيل فيها وما وقع لدي مما خاطب به الحافظ السلفى وغيره وما وجدت له من نظم أو قيل فيه، واثبتُّها فى آخر الشفاء الذى كتبتُ نسخته ابتغاء ثواب العلم الجسيم)) (6) . واذا كنا لم نعثر على هذا الكتاب فقد أمكننا أن نجد منه نصّا قصيرا نقله عنه المقرى فى كتابه أزهار الرياض فى أخبار (I) الوادى آشى : البرنامج 28 ب . (2) ابن خلدون : التعريف 19 . (3) ابن القاضى : درة الحجال : 2 : 102 . (4) الكتانى : فهرس الفهارس 2 : 434 - 435 وغيرها . (5) مخلوف : شجرة النور الزكية I : 210 . (6) الوادى آشى : البرنامج 73 ب . ٢٧ القاضى عياض فقال : قال الشيخ الإمام الرحّال أبو عبد اللّه محمد بن جابر الوادى آشي الملقب بشمس الدين ، رحمه الله ورضى الله عنه: ((هو عياض بن موسى بن عمرون بن موسى ابن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتى ، هكذا نسبه الشيخ أبو القاسم الملاحى . وعمرون : ثبت عنده ، بنون بعد الواو (1) . 3) الأربعون حديثا البلدانية : نسبها له ابن فرحون والصفدى وابن حجر والكتانى ، وقال الصفدى: ((كتبها عنه الحافظ البرزالي)) (2) أما ابن فرحون فقد وصفها بقوله : ((أربعون حديثا أغرب فيها بما دلّ على سعة خاطر وانفساح رحلة)) (3) 4) عشاريات: ذكرها الكتانى بقوله: ((عشاريات الحافظ محمد بن جابر الوادى آشىّ . وهي أربعون حديثا (4))). 5) أسانيد كتب المالكية : ذكرها تلميذه ابن فرحون والكتاني الذى قال: (( أسانيد كتب المالكية للامام مفخرة تونس مسند المغاربة أبى عبد الله محمد بن جابر الوادى آشي التونسي . له برنامج كتب المالكية وأسانيدها منه الىّ مؤلفيها ، ذكر له هذا المؤلّف ابن فرحون في ترجمته من الديباج (5) . ولعل ابن جابر خص كتب الفقه المالكي التي رواها ببرنامج منفرد وهو ما يفسّر عدم ذكره لأيّ كتاب فقه فى برنامجه هذا . (1) المقرى: أزهار الرياض 1 : 23 - 27. (2) الصفدى : الوافى بالوفيات 2 : 283 . (3) ابن فرحون : الديباج 2 : 299 . (4) الكتانى : فهرس الفهارس 2 : 250 . (5) نفس المصدر I : 127. ابن فرحون : الديباج 2 : 299 . ٢٨ ٠ 6) كتاب زاد المسافر وأنس المسامر : اختص بذكره الكتانى وقال عنه: ((هو تأليف بديع ذكر فيه بلدانا دخلها وما فيها من أشياخ)) (1) . 7) تقييد على القصيدة العروضية المسماة بالمقصد الجليل في علم الخليل للامام أبي عمرو بن الحاجب : اختص بذكرها ابن القاضي (2). 8) مسلسلات : انتخبها الوادى آشى من مرويات القاضي تاج الدين عبد الغفار بن عبد الكافي مع أناشيد . ذكرها المؤلف نفسه فى البرنامج (3) . 9) تعاليق مفيدة : ذكرها ابن فرحون، هكذا دون توضيح (4) . 10) الإنشادات البلدانيه : ذكرها الكتاني (5) . برامج الشيوخ والمرويات في عصر المؤلف لقد كان لعلم الحديث أبعد الأثر فى المنهجية العلمية عند المسلمين عبر مختلف القرون ، وكان من أهم أصول هذه المنهجية وقواعدها نقد مصادر المعرفة وتتبع طرائق الأخذ لضمان سلامة وسائل الرواية، وهو مادفع بالمحدثين الى ضبط أسانيدهم والتحقق من صدق وصحة طرقهم فيها . وبعد أن وضعت أمهات كتب الحديث واستبان الناس أنواعه ، ووضعت كتب أصول هذا العلم وقواعده ، فاتضحت للناس منهجيته ، تواصل من المحدّثين الاعتناء بطرق الأخذ والرواية ووضعت قواعد الاجازة التى تسمح للمحدّث بالابلاغ والتعليم وتقوم حجة على أهليته فى هذا المجال . (٢) الكتانى : فهرس الفهارس I : 349 . (2) ابن القاضى : درة الحجال 2 : 103 . (3) الوادى آشى : البرنامج 109 ب . (4) ابن فرحون : الديباج 2 : 299 . (5) الكتانى : فهرس الفهارس 2 : 435 . ٢٩ وعندما تتعدّد الاجازات التى يحصل عليها العالم في رواية الحديث وكتبه ، يلجأ الى ترتيبها وجمعها فى جزء يعرض فيه مجموعة شيوخه واجازاتهم التى نالها منهم وجملة الكتب التي رواها عنهم واذا كانت العادة قد جرت عند المثقفين فى عصورنا الحاضرة أنْ يقدّموا عناوينهم الجامعية وشهادتهم العلمية لتقوم حجة ودليلا على المستوى الثقافى الذى بلغوه والزاد العلمى الذى يحملونه ، فانه لم يكن للقدماء مثل هذه الأنظمة ، لذلك كانت إقامة الدليل على مستوياتهم الثقافية تتمثل فى ما يقدّمونه من إجازات تثبت ما تحصلوا عليه من زاد علمى وما أخذوه عن الشيوخ الكبار المشهورين ولذلك ظهرت عندهم كتب تدلّ على ما جمعوه ، سمِّيتْ عند أهل المشرق بالمشيخات او المعاجم او الأثبات ، وعند أهل المغرب كتب البرامج أو الفهارس ، وهى أكثر شيوعا عند المحدّثين . ويعتبر الشيخ عبد الحىّ الكتّانى من أعرف الناس بهذا النوع من الكتب ومن أكثر الباحثين اطلاعاً عليها وأجمعهم لها ، وكتابه فهرس الفهارس والأثبات ، ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات يقوم أكبر دليل على سعة معرفته بها ، لذلك يمكننا أن نعتمد تعريفه لهذا النمط من التآليف ، الذى تعددت أسماؤه فى حين أن مدلولات هذه التسميات تتّحد أحيانا وتتقارب . فهو يقول: ((وأعلم أنه بعد التتبع والتروّى ظهر أن الأوائل كانوا يطلقون لفظة المشيخة على الجزء الذي يجمع فيه المحدّث أسماء شيوخه ومروياته عنهم . ثم صاروا يطلقون عليه بعد ذلك اسم المعجم ، لما اصبحوا يفردون أسماء الشيوخ ويرتّبونهم على حروف المعجم ، فكثر استعمال واطلاق المعاجم مع المشيخات . وأهل الأندلس يستعملون ويطلقون البرنامج . أما فى القرون الأخيرة ٣٠ فأهل المشرق يقولون الى الآن الثبت ، وأهل المغرب إلى الآن يسمونه الفهرسة (1))) . ثم يعرف المعجم فيقول: (( المعجم عبارة عن الكتاب الذى يترجم فيه الشيخ شيوخه مرتبين على حروف المعجم، ويذكر مارواه عن كلّ واحد في ترجمته من حرفه . وتوسع المتأخرون فسموا المعجم : الكتاب الذى يخصّه الشيخ بشيوخه وأقرانه أو من أخذ عنه ، أو يفرده أحد المحدثين بشيوخ حافظ أو تلاميذه كمعجم شيوخ الصدفي لعياض ومعجم تلاميذه لابن الابار . سُمَّ بذلك لذكرهم الرواة فيه على ترتيب حروف المعجم تسهيلا للمطالع والمستفيد . وذهب السخاوى إلى أن الترتيب قد يكون على حروف المعجم أو على الفضيلة والتقدم فى العلم والتقوى . والغالب هو الترتيب على حروف الهجاء )) (2) . ويبيّن الفارق بين المعاجم والمشيخات فيقول : ((والمشيخات في معنى المعاجم الاّ انّ المعاجم يرتّب فيها المشايخ على حروف المعجم بأسمائهم ، بخلاف المشخيات ، قاله ابن حجر)) (3) . وفى تعريف الفهرسة والبرنامج يقول: (( الفهرسة في الاصطلاح هو الكتاب الذى يجمع فيه الشيخ شيوخه وأسانيده وما يتعلق بذلك .. الفهرسة ترادف البرنامج . وكلمة البرنامج يستعملها كثيرا أهل الأندلس بمعنى الفهرسة )) (4) . وبالاضافة الى هذه التسميات الخمسة يمكن أن نعتبر كتب الرحلات العلمية وخاصة رحلات المغاربة والأندلسيين من بين كتب المعاجم . 38 : I الكتانى : فهرس الفهارس (I) (2) نفس المصدر 2 : 41 . (3) نفس المصدر 2 : 42 . (4) نفس المصدر I : 40 . 41 . ٣١ ٠ والبرامج ، إذ كان كثير من الرحّالة إلى المشرق لطلب الرواية والعلم يضعون وصفا لرحلاتهم العلمية فى كتب يتلزمون فيها ذكر اتصالاتهم العلمية فى كل مصر من الأمصار التى زاروها ، والترجمة للشيوخ الذين التقوا بهم وأخذوا عنهم ، مع وصف المجالس العلمية والأدبية والمناقشات والمناظرات التى كانوا قد حضروها . فتكون رحلاتهم حاوية لشيوخهم ، جامعة لمروياتهم ، مسجلة للصّلات العلمية التى جمعت بينهم وبين معاصريهم فى مختلف البلاد الاسلامية التى زاروها . ذلك أن طول رحلة المغاربة والأندلسيين جعلهم يتتبعون مراحلهم التى سلكوها وينظمون برامجهم حسب هذه المراحل والمدن والمراكز العلمية ، ويطلقون عليها اسم الرحلة . وقد ازدهر هذا النوع من التاليف فى النصف الثانى من القرن السابع الهجري فكان من أشهر هذه الرحلات وأبرعها : - رحلة ابن رشيد الفهرى 683 - 686 هـ. وعنوانها : ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة فى الوجهة الوجيهة الى الحرمين مكة وطيبة وهي تقع في ستة أجزاء فقد أحدها (1) . - رحلة العبدري الحاحى سنة 688 هـ. وقد زار فيها افريقية ومصر والشام والحرمين وعنوانها : الرحلة المغربية (2) . - رحلة أبي القاسم التجيبى سنة 695 هـ. هو عنوانها مستفاد الرحلة والاغتراب تقع في ثلاثة أجزاء ولم يبق منها غير الجزء الثاني (3) . (I) الاجزاء الخمسة الباقية توجد فى مكتبة الاسكوريال بالارقام 1735 ، 1736، 1737، 1739، 1680. أربعة منها بخط المؤلف والجزء الثالث الذى رقمه 1739 بخط مغاير . ويعكف على تحقيق هذه الرحلة شيخنا الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة . ومن الرحلة جزآن تحت الطبع بتونس . (2) طبعت بالمغرب سنة 1968 . (3) طبعت بتونس سنة 1975 . ٣٢ واذا كانت كتب البرامج المغربية الأندلسية تتفق فى الغرض وتتّحد فى الغاية ، فان أصحابها لم يلتزموا طريقة واحدة من التاليف ، ولا أسلوبا واحدا من التنظيم ، وهو ماجعل الدكتور عبد العزيز الاهوانى (1) يلاحظ ذلك ويعرض لبعض طرائق مؤلفى البرامج ويذكر أربعة منها متقدما بمثال أو أمثلة لكل طريقة من تلك الطرائق ، نذكرها هنا موجزة للافادة والتذكير . أولى هذه الطرائق : يبوَّبُ فيها البرنامج على أساس ذكر الكتب مرتبة حسب موضوعاتها واختصاصاتها : القرآن وعلومه ثم الحديث وعلومه والسير والانساب ثم الفقه فروعا وأصولا وأخيرا اللغة والنحو والأدب نثرا وشعرا (المثال: فهرسة ابن خير الاشبيلي) وبذلك يكون الاعتناء بالكتب والمرويات أظهر من الاعتناء بتراجم الشيوخ والرواة ثانية الطرائق : أن يورد المؤلف ترجمات شيوخه ذاكرا في كل ترجمة الكتب التى أخذها عن كل واحد منهم : مثل برنامج عبد الحق بن عطية المحاربي الغرناطي (2) وبرنامج شيوخ أبي الحسن على بن محمد الرعيني الإشبيلي . الطريقة الثالثة : أن يجعل المؤلف برنامج شيوخه فى قسمين أولهما يخص ترجمات الشيوخ ، والثانى يخص ذكر الكتب المأخوذة عنهم ، مثل برنامج ابن أبي الربيع الذى وضعه تلميذه ابن الشاط ، وبرنامج ابن جابر الوادي آشي الذي نقدمه محققا. الطريقة الرابعة : يتوسّع فيها المؤلف فى ذكر الفوائد الكثيرة التى تخرج بالكتاب عن حد الفهارس الى كتب الأمالي المفيدة . مثل كتاب بغية الراغب ومنية الطالب لأبي الحسن علي بن مؤمن الاندلسي . (1) الدكتور عبد العزيز الاهوانى : دراسة البرامج الاندلسية فى مجلة معهد المخطوطات العربية . العدد الاول ص 91 . (2) طبع ببيروت سنة 1980 بتحقيق محمد ابو الاجفان ومحمد الزاهى ٣٣ منهج ابن جابر الوادي آشي في برنامجه ذكر المؤلف في مقدمة البرنامج انه وضع كتابه هذا استجابة لرغبة صدرت من بعض مثقفى عصره فقال : ((أما بعد ، فان بعض أرباب الرواية ، ذا الشغف بها والعناية ، أحبَّ أن أقيّد له أسماء من لقيتُه من شيوخى الجلّة ، زمن مقامي بتونس وفي زمنَىْ الرحلة ، وأسمّى له ما أخذته عنهم كائنا من كان ، على حسب الوسع والإمكان، ومن أجازنى ممن لقيته وأخذتُ عنه أو ممن لم آخذ عنه ، أو كتب لي بها من المشرق والمغرب ، وأفصح له عن جملة ذلك وأعرب ، فأجبتُه لما سأل)). ثم عرضٍ بعد ذلك الخطوط الرئيسية لمنهجه فى برنامجه هذا فقال: ((وجعلتُه له فى جزأين كما أمّل ، فى أحدهما أسماء الشيوخ وأنسابهم وكناهم وما أمكن من ذكر مواليدهم ووفياتهم وأناشيدهم ، وفى الآخر ذكر المأخوذ عنهم)) . وبذلك يكون البرنامج مشتملا على جزأين أولهما يحتوى على ذكر الشيوخ (وجملتهم 279 شيخا) . والثانى يشمل الكتب المأخوذة عنهم (وجملتها 238 كتابا) . والأمر الذى تجدر ملاحظته أن الجزء الأول وضعه على قسمين أولهما : فيه ترجمات الشيوخ الذين لقيهم وأخذ عنهم مباشرة . وثانيهما : ذكر فيه الشيوخ الذين أجازوه سواء لقيهم أو لم يلقهم . أورد فى القسم الأول سبعين ترجمة لشيوخ توطَّدت صِلاته العلمية بهم . فذكرهم غير مرتبين على حروف المعجم وانما رتبهم بحسب كثرة الأخذ عنهم وبحسب البلاد التى ينتسبون إليها . ذاكرا التونسيين والمغاربة ثم المصريين ثم المكيين والمدنيين ثم الشاميين وأهل بيت المقدس . ٣٤ وقد التزم فى هذا القسم الأول من الترجمات طريقة موحّدة سار عليها في كلّ ترجمة منها . فهو يذكر أولا الأوصاف والتحليات الخاصة بالمترجم له ثم يذكر لقبه وكنيته واسمه مع ما أمكنه من أسماء الآباء والأجداد ، وقد يصل الى ذكر عشرة منهم ، وينهى ذلك بذكر نسبة المترجم له الى بلده . وينتقل بعدها إلى ذكر سنة ولادته وأحيانا يحدّد يوم الولادة والشهر الذي وقعت فيه . ثم يعرض قائمة هامة من الشيوخ الذين أخذ عنهم هذا الشيخ وأجازوه ، مع ذكر الخطط التى تقلّب فيها - إن كانت - . وبعد ذلك يذكر قراءته عليه ، وغالبا ما يبيّن مقدار الأخذ عنه فيقول : أخذتُ عنه كثيرا ، أو لازمته كثيرا ، أو أخذت عنه يسيرًا الخ ... ويذكر أحيانا المكان الذى أخذ به عنه والكتب المسموعة ، مُوردا الأناشيد التى سمعها منه - إن وجدت - . وأخيرًا يذكر سنة الوفاة مع اليوم والشهر ، ويذكر مكان الدفن . وهو فى الغالب لا يترك ذكر سنة الوفاة الا بالنسبة للشيوخ الذين امتدت اعمارهم بعد سنة 744 هـ. أما القسم الثانى من الجزء الأول الخاص بذكر الشيوخ فقد أورد فيه 210 ترجمة ، وذكر فيه الشيوخ الذين أجازوه ، ووضع في أول هذا القسم عنوانا هو ((وممن أجازنى من أهل المشرق والمغرب - رحمهم الله تعالى - وكتب خطه بذلك أو كتب عنه في أزمان مختلفة)). وقد ذكرهم مرتَّين على حروف المعجم ترتيبا غير منتظم ولا متكامل . فمن الهمزة ينتقل إلى حرف الميم ثم إلى العين ثم الياء ثم السين والشين ثم النون والدال والذال والفاء والراء فالباء فالصاد ٣٥ فالقاف فالهاء فاللام . ويُفرِدُ النّساء (وعددهن 12) بباب خاص فى آخر هذا الجزء ويذكرهن دون ترتيب هجائي . وتختلف طريقته فى ترجمات هذا القسم عن سابقه فيبدأ فيها بذكر اسم الشيخ دون تحلية ولا وصف ويذكر الولادة احيانا ثم يذكر الشيوخ الذين أخذ عنهم ويختم بذكر الوفاة إن عرفها . وفي أحيان أخرى يذكر اسم الشيخ دون أن يترجم له . أما الجزء الثانى الخاص بذكر الكتب التي أخذها عنهم فهو يشمل ما يزيد على نصف الكتاب بقليل . عنوانه ((هذا ذكر ما حضرنى ذكره . مما شُرح فى أول التأليف سره)). ويرتب هذه الكتب بحسب العلوم فيبدأ بذكر القرآن وعلومه فالحديث وعلومه ثم كتب التصوف فاللغة والادب ثم كتب الفهارس والمعاجم . ويذكر لكلّ كتاب عنوانه واسم مؤلفه كاملا - ويحدّد مقدار ما أخذه من الكتاب إن كان لم يأخذه كاملا ، فيذكر الأبواب التى سمعها أو القطعة أو الجزء . أو عدد المجالس التى حضرها . وبعد أن يذكر الشيخ الذى أخذ عنه يورد سند هذا الشيخ في تلقّى الكتاب إلى أن يصل بّه الى المؤلف . واذا تعدّدت طرق ابن جابر الوادي آشي في تلقّ الكتاب يذكرها واحدة واحدة مبينا أسانيدها المختلفة إلى أن تصل إلى المؤلف . وعلى الرغم من وفرة هذه الكتب المذكورة في البرنامج فانه يبدو أن المؤلف نسى بعضها ولم يذكرها فقد عثرنا فى فهرس ابن غازى (1) على اسم ابن جابر الوادى آشي في سند كتاب القربة لرب العالمين في فضل الصلاة على سيد المرسلين لأبي القاسم بن بشكوال . III ابن غازى : الفهرس ص (I) ٣٦ وهو كتاب لم يذكره ابن جابر ضمن قائمة كتبه التى أخذها . ولعله نسيه كما نسى غيره. ولذلك قال في عنوان هذا الجزء ((هذا ذكر ما حضرنى ذكره)) . وقد كتب المؤلف برنامجه بأسلوب سهل واضح لم يعتمد فيه الطرق الأدبية وانما قصد الوضوح والايجاز . إن ابن جابر ألف كتابه خلال العشرينات من القرن الثامن وانتشرت منه نسخ فى المغرب والاندلس منها النسخة الاندلسية (أ) . التي اعتمدناها فى التحقيق ، والنسخة التى اعتمدها ابن القاضي فى تأليف كتابه درة الحجال. ويبدو أنّ المؤلف عاد إلى نسخته فأضاف إليها إضافات خاصة فى نهايات بعض ترجمات القسم الاول من الجزء الاول ، حيث أكمل فى كثير من الترجمات تواريخ وفيات أصحابها ، وأكثرها فى ما بين سنتي 720 هـ. و 744 هـ. وأهمّ هذه الإضافات تلك التى ألحقها بترجمة شيخيْه عبد الواحد بن منصور بن المنير الذى توفى سنة 733هـ. وعبد الكريم بن عبد النور الحلبى الذى يقول عنه : توفى بسلخ رجب من سنة خمس وثلاثين وسبعمائة (735هـ.) وأثير الدين بن حيان الذى يقول انه توفي في شهر ربيع الأول عام 744 هـ. وهى إضافات لانجدها فى النسخة الأندلسية ولا فى كتاب درة الحجال الذّى نقل أغلب ترجماتٌ هذا البرنامج وإنما نلفيها في النسخة التونسية القديمة التى اعتمدناها في التحقيق وهي نسخة (ب) . ولعلّ هذا يدلّ على أن المؤلف راجع برنامجه فى سنة 744هـ أو بعدها بقليل ، وأضاف إليه ما رآه مكمّلا ومفيداً . المخطوطتان : وقد اعتمدنا فى تحقيق هذا الكتاب على نسختين قديمتين : أولاهما - أندلسية ذات خط أندلسى قديم . ٣٧ لم يذكر ناسخُها ولا تاريخ نسخها . توجد فى مكتبة دير الاسكوريال تحت رقم 1726 وهى التى أشرنا إليها بعلامة (أ) وهي نسخة تامة لاتنقصها غير ورقة أو ورقتين (بعد الورقة 60) . وقد وقع خلط كثير فى أوراقها ، حصل لها ذلك عند تسفيرها، مما اضطرنا إلى بعض جهد فى إعادة الورقات إلى أماكنها فى النسخة المصورة التى بين أيدينا . وعدد أوراق هذه المخطوطة 122 ورقة . ثانيتهما : أندلسية الخط تونسية الأصل يبدو أنها أقدم من السابقة ولعلها بخط المؤلف ، نظرا لما فيها من إشارة إلى أن الكاتب هو المؤلف وذلك فى عنوان القسم الثانى من الجزء الأول الذى ورد فيها بما نصه : ((وممن أجازنى من أهل المشرق ... )) في حين ان نفس النص ورد فى النسخة السابقة كما يلي : ((وممن أجاز للشيخ الفقيه الفاضل ... )). وممّا يقوّى الظن فى ذلك ما ورد فيها من إضافات فى نهايات الترجمات (أنظر أعلاه) . وهذه النسخة ناقصة، ليس فيها غير الجزء الأول من الكتاب فقط مع نقص في آخره مقداره ورقة ، ونقص فى أوله مقداره ورقة أيضا . كانت هذه النسخة بالمكتبة النورية بصفاقس ثم ، انتقلت منذ عهد قريب الى دار الكتب الوطنية بتونس برقم 21004 وعدد ورقاتها 37 . ٣٨ بَامُ الْحَابْ الوَادِيْ شَىْ الجزء الأول