النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
الحسن لغيره ، كما قال غير واحد ، وإنما عرف أيضا الحسن لذاته ، لكن
بطريقة أخرى معتبرة ، لاسيما عند متقدمي المحدثين ، وهي التعريف بالمثال
التطبيقي ، مصحوبا ببيان حال راويه ، بحيث يمكن قياس غيره عليه(١).
وقد تلقى ذلك جمهور معاصريه من سلف أئمة النقد ثم مَنْ بَعدهم من
الخلف بالقبول .
٢ - وعلى ضوء تعريفه السابق بالمثال ، وحال الراوي ، صاغ الخلف
عدة تعريفات للحسن لذاته ، مع تنوع عباراتهم عن ذلك بما لا يناسب
المقام تتبعه هنا ، إلا بقدر ما يتعلق بعبارة التركيب الجزئي الذي نحن
بصدده ، لكني أقرر : أنهم جميعا متفقون على نزول درجة راويه عن
درجة راوي الصحيح ، وارتفاعه أيضا عن الضعيف .
وقد قدمت عبارة ابن الصلاح فيما سبق بنحو هذا ، مع بيان مأخذها
من كلام الترمذي ، ومن صنيعه ، واشتمالها على التركيب الجزئي الجامع
بين ركن العدالة ، بوصف الصدق ، وركن الضبط الخفيف عن التمام
بوصف الوهم القليل .
موقف الإمام الذهبي من تعريف الحسن لذاته، وبيانه لحال راويه مع التأصيل:
- أما الإمام الذهبي فإنه ذكر تعريف ابن الصلاح للحسن لغيره ، وذكر
تعريفه السابق للحسن لذاته ، ثم ذكر تقرير شيخه ابن دقيق العيد بأن
(١) وتقدم أن ذِكْر الصفة مقارنة للحكم بالحسن تقتضي تعليله بها / وينظر / فتح الباري
١٢ / ٢٦٢ والمحصول للرازي ٢ / ١٨٣، ٢٤٣.

١٤٢
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَجِ وَالتَّغَدَّيِّك
كلام ابن الصلاح في هذين التعريفين عليه مؤاخذات ، وعقب عليه .
بقوله : وقد قلت لك : إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح
وسيظهر لك بأمثلة .... وبعد صفحتين ذكر تلك الأمثلة بقوله :
فأعلى مراتب الحسن :
١ - بهز بن حكيم عن أبيه عن جده .
٢ - وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
٣ - ومحمد بن عمرو (١) عن أبى سلمة عن أبي هريرة .
٤ - ومحمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي ،
ثم قال : وأمثال ذلك .
ثم قال : وهو قسم متجاذَبٌ بين الصحة والحُسن ، فإن عدة من الحفاظ
يصححون هذه الطرق ، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح (٢) .
ويلاحظ من مجموع صنيع الذهبي هذا ، أن تعريفه المذكور ، هو لأحد
قسمي الحسن اللذين عرفهما ابن الصلاح ، وهو قسم الحسن لذاته ، لأنه
هو الذي يقصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح .
كما يلاحظ أن عبارته في التعريف مختصرة لكونه أحال بما يوضح
(١) هو محمد بن عمرو بن علقمة، وتقدم تمثيل ابن الصلاح للحسن لذاته ، بطريقه المذكور هنا .
(٢) ينظر: الموقظة للذهبي ٢٨، ٣٢ - ٣٣ مع الاقتراح لابن دقيق العيد / ١٩٥ - ١٩٦ بتحقيق
د / عامر حسن صبري .
:

١٤٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
إجمال التعريف على الأمثلة ، التي ذكرها ، ولكنه ضمَّن العبارة الضابط
الأساسي الذي ضمنه ابن الصلاح تعريفه ، وهو قصور درجة الرواة قليلا
عن درجة الصحيح ، ثم جعل الأمثلة المذكورة ، بيانا عمليا لدرجة هذا
القصور القليل . وهو بهذا يشير إلى أن المآخذ التي أشار إليها شيخه ابن
دقيق العيد ، لا تتوجه إلى قسم الحسن لذاته ، ولكن يمكن أن تتجه إلى
قسم الحسن لغيره ، ويؤيد هذا ما قدمته من تلاقي صنيعه في تعريف
الحسن لذاته مع صنيع ابن الصلاح ، وتمثيله له .
وسيأتي أيضا من كلام الحافظ ابن حجر ما يؤيد هذا .
ويلاحظ أيضا أن الأمثلة الأربعة التي وضَّح بها الذهبي قصور رتبة رواة
الحسن عن الصحيح ، ينطبق القصور في كل منها على الراوي الأول من
كل مثال ، ثم من فوقه في المثال الأول والثاني ، كما يتضح ذلك من
مراجعة تراجم هؤلاء (١) .
ويلاحظ أيضا أن جميعهم قد حَسَّنَ لهم الترمذي في جامعه تحسينا
ذاتيا (٢) .
(١) ينظر التقريب (٧٧٢)، (١٤٧٨)، (٥٠٥٠)، (٢٨٠٦)، (٦١٨٨)، (٥٧٢٥).
(٢) ينظر للمثال الأول جامع الترمذي (حديث / ٦٥٦، ١٤١٧) وللمثال الثانى (حديث ٣٢٢
١٣٨٧، ١٣٩٠، ١٤١٣) والثالث ( حديث / ٥٠٠، ١١٠٩، ١١٥٩) وللمثال الرابع
( حديث / ١٦٩٢، ٢٣١٤ ) جميعها ط الدكتور بشار مطابقة لطبعة الشيخ أحمد شاكر -
رحمه الله - وتكملتها .

١٤٤
اَلْفَاظُ وَ عَبَابُ الَّهِ وَالتَّغَدُيك
وبذلك يعتبر مرجع الذهبي وتعريفه ، متفقا في جملته ، مع تعريف ابن
الصلاح ، ومرجعه ، وهو الإمام الترمذي .
استشكال الذهبي في ضابط الحديث الحسن والجواب عنه .
لكن الذهبي ، بعد تعريفه السابق وتمثيله للحسن لذاته قال : ثم لا
تَطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها ، فَأَنَا على
إياس من ذلك ، ثم علل الذهبي ذلك بما خلاصته : أن اجتهاد الحفاظ
:
بل الحافظ الواحد ، يتغير في الحديث الواحد ، بحسب ملابساته ، فيومًا
يصفه بالصحة ، ويوما يصفه بالحُسن ، ولربما استضعفه (١) ..
وهذا الكلام من الإمام الذهبي يعكر على ما قرره بنفسه قبله
بخصوص الحسن لذاته ، حيث جعل له ضابطا إجماليا ، وهو القصور
القليل في رَاوِيهِ عن مرتبة راوى الصحيح عند الجمهور ، وذكر له عدة
أمثلة فعليه من الطرق والرواة المختلف فيهم ، مع ترجح الاحتجاج بكل
منهم في الجملة ، عدا ما عُرٍفَ له من أوهام ، أو مناكير تُعَد في مجموعها
قليلة بالنسبة لمرويات كل منهم ، وبسببها نزل باقي حديثه إلى الحسن
لذاته .
وتقدم بيان موافقة ذلك لصنيع ابن الصلاح ، ومِنْ قبله للترمذي مع
اطراد ذلك له في الجملة ، خلال جامعه ، وموافقة الجمهور له .
(١) ينظر الموقظة / ٢٨ - ٢٩.

١٤٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وبالتالي يتحقق لما ذكره الذهبي في بداية كلامه صفة الضابط العام أو
القاعدة العامة في تعريفه للحسن لذاته .
وقوله : إن القاعدة التي يندرج فيها كل الأحاديث الحسان لا يُطمع فيها ، لأنه
ميئوس من وجودها ، غير مسلِّم بهذا الإطلاق ؛ لأن القواعد الكلية عموما ،
تبنى على الأغلب ، وبالتالي لا يلزم اندراج الجميع فيها ، بل يخرج البعض عنها،
ويُعَد شاذا ، فيُحفظ كما جاء، ولا يقاس عليه، ولا يقدح في عموم القاعدة
واطرادها ، وما ذكره من عدم اندراج كل الأحاديث الحسان تحت قاعدة
حاصل أيضا بالنسبة للصحيح، حتى قسّمه الحاكم إلى عشرة أقسام ، خمسة
متفق عليها ، وخمسة مختلف فيها (١) ، ولم يمنع ذلك اتفاق الجمهور بمن فيهم
الذهبي على تعريف عام للصحيح يندرج تحته أغلب الصحيح .
وأما تعليله اليأس ، من وجود تلك القاعدة ، بتغير اجتهاد الحفاظ ، أو
أحدهم في حكم الحديث الواحد من وقت لآخر ، فهذا لا يصلح تعليلا ؛
لأن صنيع الأكثرين من الحفاظ والنقاد خلاف ذلك ، ومتى حصل التردد
المذكور في الحكم ، فسنجد السبب في تغيره ليس تغير الإجتهاد ، كما
قال ، ولكن السبب هو : عدم تحقق مطالب الاجتهاد فيمن يتغير حكمه
هكذا ، وبالتالي عدم تحقق الاجتهاد في هذه المواضع بمعناه الاصطلاحي
وشروطه الدقيقة ، وحصول التساهل ، كما عُرف عن الحاكم في
(١) ينظر المدخل إلى الإكليل للحاكم / ٤٨ وما بعدها / بتحقيق الأخ الفاضل / معتز الخطيب .

١٤٦
الفَاظُ وَعَبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِيك
مستدركه مثلا ، والاسترواح من آخرين في البحث عن طرق الحديث
وعلله ، وعدم الاستيعاب ، والتدقيق في تحرير حال الرواة ، ونحو ذلك .
وعليه فلا يكون التغير في مثل هذه الحالات ، دليلا على اليأس من وجود
قاعدة عامة واطرادها ..
جواب ابن حجر عن استشكال الذهبي ، وتعريف كل من ابن
حجر والسخاوي للحسن ، وبيان حال راويه ، مع التأصيل :
ولعل هذا ما جعل أحد تلاميذ الحافظ ابن حجر يسألُه عن بيان الحديث
الحسن ، وهل له حَدٌّ جامع مانع ، أو الأمر كما قال الذهبي في الموقظة :
إنه لا يُطمع في ذلك؟ ... )) (١)
وقد أجاب الحافظ عن ذلك بقوله : إن كان المراد السؤال عن الحديث
الذي يوصف بالحَسَن لذاته ، فله حدٌّ على طريق التعريف الذي يقتنع به
الفقهاء والمحدِّثون ، وهو : الحديث المتصل السند برواة معروفين بالصدق
:
في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح ، ولا يكون الحديث معلولا
ولا شاذا . (٢)
ثم قال الحافظ : ومحصله ، أنه : هو والصحيح سواء ، إلا في تفاوت
(١) ينظر الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة لابن حجر العسقلاني / ٦٣ ط الدار السلفية بالهند، وفتح
المغيث للسخاوي ١ / ٧٨ - ٧٩ .
(٢) ينظر المصدرين السابقين / ٦٣ و١ / ٧٨ .

١٤٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
الضبط ، فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفا بالضبط الكامل
وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة، وإن كان ليس عَرِيًّا عن
الضبط في الجملة ... ثم قال : ومن ثم كانت طائفة من القدماء لا
يفرقون بين الصحيح والحسن ، بل يسمون الكل صحيحا ، وإن كان
بعضها أصح من بعض .
ثم قال : وذهبت طائفة إلى التفرقة ، وهو الذي استقر عليه الأمر (١).
ثم قال : وإذا وضح ذلك ، فإنما حصل الإشكال من الحَسَن الذي عَرَّفَ
به الترمذي وهو الحسن لغيره ... (٢).
فنلاحظ في جواب الحافظ هذا أنه قَّد ما أطلقه الذهبي ، حيث بَيَّن أن
الاستبعاد واليأس ، يمكن حمله على وجود وصف جامع أو قاعدة عامة
تجمع الحسن لذاته ولغيره ، معًا تحتها ، وعلَّل ذلك بكون الحسن لغيره
الذي عَرَّفه الترمذي ، أمره مشكل (٣) ، أما الحسن لذاته ، فرأى أنه لا
استبعاد ولا يأس من دخول عامة أفراده ، تحت قاعدة عامة ، وبالتالي
صاغ له تعريفا اصطلاحيا، يراه جامعا مانعا ، ومقنعا لدى الفقهاء
والمحدثين بصفة عامة .
(١) ينظر المصدرين السابقين / ٦٤ و١ / ٧٨.
(٢) ينظر الأسئلة الفائقة / ٦٥ ومقصوده تعريفه بعبارة اصطلاحية، كما أشرتُ من قبل .
(٣) ولذا نجد مَن صاغ تعريفا للنوعين في سياق واحد جعل لكل منهما ضابطا خاصًا به / ينظر فتح
المغيث للسخاوي ١ / ٧٩ .

١٤٨
الْفَاظُ وَعِبَادَانُ الَّهِ وَالتَّشْدُك
وقوله فيه « برواةٍ )) جَمعُهم هكذا ، باعتبار مجموع سلسلة رجال الإسناد
واحدًا عن واحدٍ، وليس المقصود تعددهم في كل حلقةٍ ، لأنه يُعرِّف الحسن
لذاته ، أي بمفرده ، دون مراعاة وجود متابع أو شاهد، ولو كان موجودا . ولذا
كان الأولى أن يُعبِّر الحافظ - رحمه الله - بالمفرد، بدل ((الجمع)) دفعا
للاشتباه ، وهكذا فعل تلميذ السخاوي - بعد ذكر تعريف شيخه السابق -
فذكر من جانبه هو تعريفا جمع فيه بين الحسن بنوعيه وعَيَّر بالمفرد في أولهما
وهو الحسن لذاته ، فقال : هو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن ،
غير تامهما ... ، ثم ذكر الخلو من الشذوذ والعلة (١)، وقال في موضع آخر :
ما اتصل سنده بالعدل القاصر في الضبط ... ثم ذكر الخلو من الشذوذ
والعلة (٢) ويلاحظ أن عبارتى الحافظ وتلميذه السخاوي قد وصفت راوى
الحسن بتركيب جزئي ؛ مِنْ وصف الصدق المشار به إلى العدالة ، مع وصف
الضبط القاصر قليلا عن التمام ، الذي هو ضبط راوي الصحيح ، واشتراطهما
عدم العلة والشذوذ ، يمنع وجود قادح يقتضى ذلك ، وبالتالي يمنع وجود قادح
في الصدق ، أو في الضبط بما يزيد على القلة بالنسبة لمرويات الراوي .
كما أن ما ذكراه في التعريف من (( وصف الصدق وقُصور الضبط قليلا)).
متوافق مع ما سبق في وصف الترمذي لراوي الحسن في المثال المشار به
(١) فتح المغيث للسخاوي ١ / ٧٩ .
(٢) ينظر التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن للسخاوي / ٣٣ ط أضواء السلف بالرياض ..

١٤٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
إلى تعريفه ، فقال في عبد الله بن محمد بن عقيل: (( صدوق وقد تكلم
فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه)) (١)
وبالتالي يُؤَصَّل تعريفهما هذا للحسن لذاته ، بمثل ما تأصل به تعريف ابن
الصلاح، وهو: أن مأخذهما ، هو التعريف بالمثال الذي ذكره الترمذي في
جامعه ، وابن الصلاح أخذ ما ذكره من حديث محمد بن عمرو ، ومن بيان
الترمذي لحاله هو وأمثاله ، من المختلف فيهم ، والحافظ ابن حجر وتلميذه
توافقت عبارتهما مع ما لخص به الترمذي حال الراوي الذي مثَّل بحديثه
للحسن وذلك في عبارته السابقة ، المركبة تركيبا جزئيا ، مع تلقى جمهور
السلف في عصر الترمذي لذلك بالقبول ، ومتابعة أكثر من بعدهم كذلك له
ويُعَدُّ من جعلوا الحسن نوعا من الصحيح ، من بعد الترمذي بحسب الواقع
العملي أفرادًا قلائل ولذا عبر الحافظ ابن حجر عنهم بأنهم طائفة فقط، وأشهرهم:
ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان ثم الحاكم أبو عبد الله (٢) ولا يخفى أن كلا منهم قد
تُعُقِّبَ فيما تفرد بتصحيحه، أكثر مما تُعِقِّب به الترمذي فيما حسَّنه لذاته .
وعليه فما ذكره الإمام الذهبي أيضا بعد قوله عن شرط أبى داود في
سننه : فلا يلزم من سكوته - والحال هذه - عن الحديث ، أن يكون
حسنًا عنده ، ولاسيما إذا حكمنا على حَدِّ الحسن باصطلاحنا المولَّد
(١) ينظر: جامع الترمذي ١ / ٥٤ - ٥٥ .
(٢) ينظر: البحر الذي زخر للسيوطي ٢ / ٦٦١، ٧٥٠، ٧٧٣، ٧٧٩ والرسالة المستطرفة
للكتاني ٢٠ - ٢٦ .

١٥٠
الفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَهُ وَالتَّغَدِيك
الحادث ، الذي هو في عُرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح
الذي يجب العمل به ، عند جمهور العلماء (١) .
فهو بهذا يشير إلى الحسن لذاته ، وتقريره أنه باصطلاحه هو ومَن
عاصره من أئمة الحديث ، اصطلاح مُولَّد حادث ، وأنه كان في عُوْف
السلف بإطلاق - يعود إلى قسم من أقسام الصحيح - يُعدُّ هذا مخالفا لما
تقدم إثباته ، من أن تعريف الحسن لذاته عند سابقه ابن الصلاح ، وعنده
هو بالأمثلة كما سبق ، وغيرها مما سيأتي ، ثم عند لاحقيه كابن حجر
وتلميذه السخاوي ، كل ذلك يرجع إلى صنيع الإمام الترمذي تقعيدًا
وتطبيقا ، مع موافقة جمهور السلف له في عصره ، وبعد عصره ، فمن
هم السلف غير هؤلاء ؟ .
ولو أنه خصص فقال: ((في عُرف بعض السلف)) لوافق قوله الواقع، بوجود
الأفراد القلائل السابق ذكر أشهرهم ممن جعل الحسن قسما من الصحيح .
ولهذا نجد الحافظ ابن حجر في جوابه السابق قرر الواقع ، فقال : كانت
طائفة من القدماء لا يفرقون بين الصحيح والحسن ، بل يسمون الكل صحيحا
وإن كان بعضها أصح من بعض . ثم قال : وذهبت طائفة - يعني من
المتقدمين - إلى التفرقة، ثم قال: وهو الذي استقر عليه الأمر (٢).
(١) ينظر سير النبلاء ١٣ / ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) ينظر الأسئلة الفائقة / ٦٤ .

١٥١
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
بل إن شيخ الذهبي ابن دقيق العيد ذكر في الاقتراح : أنه يوجد في
كلام المتقدمين قولهم : هذا حديث حسن ، في الأحاديث الصحيحة (١)
فلما اختصر الذهبي كلام شيخه هذا، ذكر أن (( المتقدمين قد يقولون فيما
صح : هذا حديث حسن)) (٢) .
فَغَيَّر قول شيخه المطلق، وهو ((يوجد في كلام المتقدمين)) إلى ((قد
يوجد في كلام المتقدمين )) ، فأفادت عبارته تقليل من يفعل هذا ، بدلا
من التعميم الذي في عبارة شيخه ، وهذا التقليل هو الموافق للواقع ، ولما
صرح به غيره كما مر ، وبالتالي ينبغي الأخذ من قَوْلَئ الذهبي هذين
بالموافق للواقع ولقول غيره من العلماء بأن من يعتبر الحسن نوعا من
الصحيح ، طائفة فقط من السلف مع قلتهم . ثم طالما ظهر مما تقدم أن
تعريف ابن الصلاح والذهبي نفسه ومَن بعدهما ، للحسن لذاته ، مستنتج
من صنيع الترمذي مع موافقة جمهور السلف له ، فالمستنتج من هذا يكون
فرعا موافقا لأصله ، وراجعا إليه ، وبالتالي لا يُسلّم للإمام الذهبي قوله :
إن الحسن باصطلاح المتأخرين من أمثاله ، مُولِّد مُحدَثٌ على خلاف
عُرف السلف ، بل هو كما ترى مأخوذ مما أَصَّلَه أحد أئمتهم وهو
الترمذي ، وأقره جمهورهم قولا وعملا ، كما تقدم . وقال الإمام
الزركشي : نازع بعضهم في تعريف الصحيح والحسن ، والضعيف
(١) الاقتراح لابن دقيق العيد / ٢٠٠ بتحقيق الدكتور / عامر حسن صبري.
(٢) الموقظة / ٣٢ .

١٥٢
الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَرْجُ وَالتَّعَدَّيِّك
بِحَدٍّ أو رَسْم ، وقال : الذي يقتضيه كلام القدماء : أنه لا يُعرّف بذلك ؛
بل بما نص عيه أئمة الحديث في تصانيفهم ، إما بتصريحه في كل حديث
كدأب الترمذي ، أو بالتزام ذكرٍ كالبخاري ومسلم ، وابن خزيمة ، وابن
حبان ، والمستخرجات على الصحيح .
ثم عقب الزركشي على ذلك بقوله: قلت: وأيًّا ما كان، فالتحديد مُقتنص من
استقراء كلامهم في ذلك، فلا معنى لإنكاره (١). وهذا مما يبين أن عدم اعتناء كثير
من المتأخرين بالتصريح بمستندهم من صنيع السلف المتقدمين ، قد ساعد على
خفاء التأصيل لما صاغوه من تعريفات وضوابط اقتضتها المطالب العلمية في عصر
كل منهم ورأوا أن صنيعهم فيها قيام بالواجب ، على ضوء ما أصله السلف .
حتى إن السخاوي - رحمه الله - لما ذكر تعريف شيخه ابن حجر
السابق للحسن ، لم يعزه إلى شيء من مؤلفاته (٢) وقد يَشَّر الله تعالى لى
الوقوف على مصدره كما تقدم عزوه إليه .
وقد نجم من عدم الاعتناء بالتأصيل هكذا ، رمئ المتأخرين بالتبائن
المنهجي بينهم وبين المتقدمين بصفة عامة ، في كثير من الضوابط
والتقعيدات والتعريفات الاصطلاحية (٣) مع الاستدلال بمثل عبارة الذهبي
السابقة عن اختلافه هو ومن عاصروه في مصطلح الحديث الحسن ، عن
(١) نكت الزركشي على ابن الصلاح ١ / ١٠١ ط أضواء السلف.
(٢) ينظر فتح المغيث للسخاوي ١ / ٧٨.
(٣) ينظر كتاب المنهج المقترح لفهم المصطلح للأخ الفاضل الشريف حاتم العوني ٦ -٩ و٢٣٤ -٢٣٨.

١٥٣
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
السلف المتقدمين ، رغم أنه جاء عن الذهبي نفسه ما يرد هذا ، كما
أسلفت بعضه ، وبعضه ما يلي :
١ - في تطبيقه الفعلى على الرجال والأحاديث ، جعل الحسن قسيما
للصحيح ، وأدنى منه، ففي كتابه (( ذكر من يُعتمد قوله في الجرح
والتعديل )) قرر : أن مَنْ ضعفه ابن مَعين مثلا ، ولم يوضح سبب ضعفه
وغيره قد وثقه ، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه ، وهو إلى الحسن
أقرب )) (١) وفي موضع بعد هذا من الكتاب نفسه ذكر : أن عبد الرحمن
بن مهدي، ويحيى القطان ، قد انتُدبا بالنقد للرجال - ونؤَّه بعلمهما واعتماد
قولهما - ثم قال: ((ومن اختلفا فيه ، اجتُهد في أمره ونزل عن درجة
الصحيح إلى الحسن)) ثم قال: ((وقد وثقا خلقا كثيرا، وضعفا آخرين)) (٢).
وبهذا يشير إلى جعله الخلافين المذكورين ، كالقاعدة العامة التي تنطبق
على كثير من الرواة المختلف فيهم ، وتقتضي تحسين حديث كل منهم
كما صرَّح بالتفريق في الدرجة بين الحسن والصحيح . ويبدو أن مراد
الذهبي هذا مقيد بعدم وجود أقوال أخرى مخالفة في حال الراوي ، مع
رجحانها ، بدليل تطبيقه العملي في تراجم ، وأحاديث المختلف فيهم
سواء من هؤلاء الثلاثة السابق ذكرهم وهم : ابن معين ، وابن مهدي
(١) ينظر ذكر من يعتمد قوله - ضمن أربع رسائل / ١٥٩.
(٢) المرجع السابق / ١٦٧ .

١٥٤
أَلْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَُّ وَالتَّعْدِيك
والقطان ، أو من غيرهم .
فقد جمع نحو أربعمائة راو ، من المختلف فيهم في كتاب خاص بهم ، وقال
في مقدمته: (( فهذا فصل نافع في معرفة ( ثقات ) الرواة الذين تكلم فيهم
بعض الأئمة بما لا يوجب رد أخبارهم ، وفيهم بعض اللَّين ، وغيرهم أتقن
منهم وأحفظ ، فهؤلاء حديثهم إن لم يكن في أعلى مراتب الصحيح ، فلا
ينزل عن رتبة الحسن ، اللهم إلا أن يكون للرجل منهم أحاديث تُستنكر عليه
وهي التي تُكلم فيه من أجلها ، فينبغي التوقف (في تلك) الأحاديث (١).
فهذا كلام الإمام الذهبي في ثلاثة مؤلفات له ، يقرر فيها تحسين نوع المختلف
فيهم، وبيانه المجمل لحالهم، يلتقي في جملته مع نوع المختلف فيهم الذين حسن
الترمذي حديثهم لذاته ، ما لم توجد علة أخرى وبالتالي لا يكون اصطلاحه في
الحسن مولّدًا توليدا مُحدثا مخالفا للسلف كما تشعر به عبارته التي تقدمت ، بل
الواقع يفيد أنه توليد مشروع متأسى فيه بصنيع جمهور السلف .
٢ - أما أحكامه التفصيلية على الأسانيد بما يوافق تحسين الترمذي هذا
(١) ينظر مقدمة الكتاب في طبعته المعنونة بـ ((ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق )) / ٢٧ ظ مكتبة
المنار في الأردن ، والمعنونة بـ (( معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد)) / ٤٩ طادار الباز
ونسختها الخطية / ق ١ / ب .
وقوله هنا بالتوقف في ما أنكر على المختلف فيهم ، قد خالفه في خلال الكتاب نفسه وخارجه ،.
فجزم بضعف ما أنكر على الراوي المختلف فيه ، الذي ترجح تحسين حديثه / ينظر معرفة الرواة
المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد / ترجمة ( ١٨٠ ) عبد الله بن صالح الجهنى كاتب الليث.
والترجمة نفسها في الطبقة المعنونة بـ ((أسماء من تكلم فيه وهو موثق)) / ترجمة ( ١٨٤) .
وينظر السير ٦ / ١٧٨ / ترجمة (( العلاء بن عبد الرحمن)) و٨ / ٥ ( يحيى بن أيوب الغافقي ).

١٥٥
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
فكثيرة ، ونكتفي ببعض المتفق عليه منها ، وذلك مثل ما رواه بسنده من طريق
الحسن بن عرفة ثنا المحاربي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن
أبى هريرة قال: قال رسول الله عَ له: أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين
( الحديث )، وعقب عليه بقوله : رواه الترمذي عن الحسن بن عرفة ، وهو
حديث حسن غريب (١) وبالمراجعة نجد أن عبارة الذهبي في الحكم على
الحديث ، مختصرة من عبارة الترمذي ، بعد تخريجه للحديث من الطريق
نفسه حيث قال : هذا حديث حسن غريب ، من حديث محمد بن عمرو
عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي عَّهِ لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقد
روى عن أبي هريرة من غير هذا الوجه (٢) وقول الترمذي: وقد روى عن أبي
هريرة من غير هذا الوجه ، يفيد أنه قد يبني حكمه بالتحسين على طريق معين
بمفرده ، ولو كان للحديث غيره من الطرق المعروفة للترمذي نفسه .
ثم إن الحاكم قد أخرج الحديث من الطريق نفسه الذي حسنه الترمذي
وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . ولم يتعقبه الذهبي في
(١) ينظر ((أهل المائة)) للذهبي / ٢٩ - ٣٠.
(٢) جامع الترمذي - الدعوات / حديث (٣٣٥٠) وفي الإسناد ((المحاربي)) وهو عبد الرحمن بن.
محمد ، وهو مدلِّس تدليس قادحا / طبقات المدلسين / لكن عبارة الترمذي السابقة تفيد تحسينه
للحديث من طريقه هذا وإن كان له بعض الطرق غيرها ، كما أن ابن حبان أخرج الحديث كما
في الإحسان ( ٢٩٨٠ ) وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢ / ٤٢٧ وقال صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي في مختصر المستدرك ، فهذا كله يدفع احتمال تدليس
المحاربى فى هذا الحديث وإن عنعن .

١٥٦
الْفَاطُ وَعِبَادَاتُ الَرْعِ وَالتَّعَدِيك
مختصر المستدرك بشيءٍ (١) ولكنه عند اختيار الحكم على هذا الحديث
لم يتابع الحاكم في إطلاق الصحة على إسناده ، وإنما اختار حكم الترمذي
بالتحسين ، (٢) فهل هذا منه اصطلاح مُحْدَث مخالف للسلف ؟ أو اتباع
لمن سبق الحاكم من السلف وهو الترمذي المتفق على اصطلاحه من
جمهور السلف والخلف ؟ وقد تقدم أن الذهبي أيضا عدًّ طريق محمد بن
عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبي هريرة ، من أعلى مراتب الحسن .
وقد وافق الحافظ ابن حجر أيضا الترمذي في حكمه السابق فقال :
أخرجه الترمذي بسند حسن إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي
هريرة(٣) فأين الاصطلاح الحادث المخالف للسلف في هذا ؟
وأما ما يوجد من أمثلة تخالف هذا ، فلا يعترض بها ؛ لأنها ليست خلافا
موضوعيا ولا منهجيا ؛ بل هو خلاف موضوعي في التطبيق فقط لقاعدة متفق
عليها ، وبالتالي يُسْتذْرَكَ موضع المخالفة بخصوصه ، استنادا إلى القاعدة المتفق
عليها من المخالف ومن غيره وسيأتي بعض أمثلة تفصيلية .
٣ - ومن أحكام الذهبي التفصيلية على الرواة: أنه ترجم ((لمحمد بن
حمير بن أنيس الحمصي أبى عبد الله )) وهو ممن اختلف فيه ، توثيقا
(١) ينظر المستدرك ومعه التلخيص / الموضع السابق .
(٢) وينظر مثال آخر في السير ١ / ٢٦ مع جامع الترمذي - المناقب / حديث (٣٧٣٨) وتحفة
الأشراف ٣ / ١٨٠ حديث ( ٣٦٢٨) والميزان ٣ / ترجمة ( ٧١٩٧ ) .
(٣) الفتح - كتاب الرقاق ١١/ ٢٤٠.

١٥٧
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
وتضعيفا ، ففي (( العبر)) اقتصر على قول اثنين ممن وثقه (١) وفي (( ديوان
الضعفاء)) جزم بتوثيقه ، ثم ذكر قول الفسوي بأنه ليس بقوي (٢) لكنه
في العدد الأكثر من كتبه ، اقتصر على ذكر الخلاف فيه توثيقا وتضعيفا
مجملا (٣) ومنها كتابه ((ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق)) (٤) فيعتبر
بذلك داخلا في الشرط العام لهذا الكتاب كما تقدم .
وهو تحسين حديث من ذُكر فيه ، ماعدا ما ينكر عليه . وقد صرح الذهبي
بذلك في السير ، حيث ذكر الخلاف في هذا الراوي ثم عقب عليه بقوله :
قلت : ما هو بذلك الحجة ، حديثه يُعد في الحسان ، وقد انفرد بأحاديث
منها ما رواه ابن حبان في صحيحه ، له عن محمد بن زياد عن أبي أمامة عن
النبي عَ لّه قال: من قرأ آية الكرسي، دبر كل صلاة مكتوبة (الحديث) (٥).
فيلاحظ أن هذا الراوي مختلف فيه ، وقد ذكر الذهبي الخلاف ، ثم
جزم بأن حديثه يُعد في الحسان ، وذكر أن ابن حبان يخرج له في
صحيحه بعض الأحاديث التي ينفرد بها ، وذكر منها الحديث السابق
(١) العبر للذهبي ١ / ٣٣٤ وفيات سنة ٢٠٠ هـ .
(٢) ينظر ديوان الضعفاء / ترجمة ( ٣٦٧٨).
(٣) ينظر الميزان ٣ / ٥٣٢ والكاشف ٢ / ترجمة (٤٨١٣) والمغني ٢ / ترجمة (٥٤٥٤) وتاريخ
الإسلام ١٣ / ٣٦١ - ٣٦٢.
(٤) ينظر ترجمة رقم ( ٢٩٧ ) والطبعة الأخرى بعنوان معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب
الرد / ترجمة ( ٢٩٢ ) .
(٥) السير ٩ / ٢٣٤ - ٢٣٥ مع أطراف الغرائب لابن القيسراني ٥ / ١٥ حديث (٤٥٢٩)
حيث ذكر الدارقطنى تفرد محمد بن حمير بالحديث عن محمد بن زياد .

١٥٨
اَلْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِيك
وبالمراجعة نجد أن الحديث لم يخرجه ابن حبان في صحيحه كما ذكر.
الإمام الذهبي ، وإنما أخرجه في كتاب آخر له مفرد ، هو ((كتاب .
الصلاة)) من طريق ((محمد بن حمير)) هذا (١) .
وقد ذكره ابن حبان أيضًا، في الثقات (٢) وأخرج له في صحيحه أحاديث
أخری عددها خمسة (٣) وبها يتحقق لنا أن الذهبي جعل حدیث (( محمد بن
حمير)) في مرتبة الحسن ، وطبق ذلك على حديثه السابق ، المنفرد به ، مع
عزوه له إلى صحيح ابن حبان ، سهوًا ، إلا أنه لم يتابعه على إطلاق الصحة
عليه ، لكونه ممن يجعل الحسن نوعا من الصحيح ، كما هو معروف (٤)
كما أن الترمذي لم يخرج (( لمحمد بن حمير)) هذا ، في جامعه ، فجعلُ
الذهبي حديثه في مرتبة الحسن لذاته يعدُّ تطبيقا منه لاصطلاح الترمذي
في مثله من المختلف فيهم ، ولو لم يخرج لهم الترمذي ، وبالتالي يكون
اصطلاحه في الحسن لذاته الذي أضافه لنفسه ولمن عاصره ، ليس مُحْدَثا
على خلاف جمهور السلف ، كما أطلق في عبارته السابقة ، بل هو
موافق لهم كما ترى ، تقعيدًا وتطبيقا ، وما يوجد له مخالفا لذلك ، فهو :
من اختلاف النظر حالة التطبيق ، فلا يُسْتَشْكَلُ به كما أشرت من قبل .
(١) ينظر إتحاف المهرة لابن حجر ٦ / حديث (٦٤٨٠) ونتائج الأفكار في تخريج أحاديث
الأذكار، له ٢٧٩/٢ - ٢٨٠ ..
(٢) ينظر الثقات ٧ / ٤٤١ .
(٣) ينظر فهرس كتاب الإحسان ١٨ / ٢٢٤ .
(٤) ينظر نكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١ / ٢٩٠، ٤٢٨.

١٥٩
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها
استعمال الذهبي وابن حجر للصورة الثانية من التركيب الجزئي في
وصف الرواة ، مع تحسين حديثهم لذاته
وسأكتفي هنا باثنين ممن تقدم الاتفاق على تحسين حديث كل منهما
لذاته ، وهما :
١ - محمد بن عمرو بن علقمة : عند مراجعة مصادر ترجمته (١) نجد في
حاله اختلافا ، حتى من العالم الواحد ، بين توثيق وتضعيف ، مع تفسير
بعضهم للضعف بما يفيد القصور في ضبط رواياته عن بعض شيوخه ، وذكر
ابن المديني حديثا من ذلك ، كما ذكر ما حكاه الترمذي عن يحيى القطان
ومالك فيه ، ثم روايتهما عنه ، وقد ذكر ابن عدي في ترجمته ثلاثة أحاديث
وعقب على أحدها بذكر اختلاف في كونه من رواية محمد بن عمرو ، أو
من رواية شخص آخر غيره ، ولم يعلق على الحديثين الآخرين بشيء، وبالنظر
في الثاني ، نجد شيخ محمد بن عمرو فيه مبهما ، والثالث مقرون فيه محمد
ابن عمرو بابن أبي ذئب ، ثم قال ابن عدي : ولمحمد بن عمرو حديث صالح
وقد حدَّث عنه جماعة من الثقات ، كل واحد منهم ينفرد عنه بنسخة
ويُغرب بعضهم على بعض ، روى عنه مالك غير حديث في الموطأ وغيره
وأرجو أن لا بأس به (٢) وذكره ابن حبان في الثقات (٣) وقال: كان يخطئ.
(١) ينظر: تهذيب الكمال ٢٦ / ٢١٢ - ٢١٨ مع حواشي التحقيق.
(٢) الكامل ٦ / ٢٢٢٩.
(٣) الثقات ٧ / ٣٧٧ .

١٦٠
الْفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَّهِ وَالتّعْدِيك
وذكره في مشاهير علماء الأمصار (١) فقال : من جلة أهل المدينة
ومتقنيهم هـ كما أنه أخرج له في صحيحه كثيرا من الأحاديث (٢) .
وتلخيص ابن عدي هذا لحال محمد بن عمرو بعد نظره في مروياته ، فيه
معنى التركيب الجزئي لحاله بما دُون الثقة ، فما ذكره من أن في روايات
الثقات عنه غرائب ، يشير إلى عدم تمام ضبطه ، وعبارة ((لا بأس به )) في
إطلاق ابن عدي ، تشير إلى عدالة الراوي ، مع الخطأ القليل الذي لا
يقدح في أصل حجتيه ، في غير ما أخطأ فيه ، كما صَرَّح بذلك في غير
ترجمة محمد بن عمرو (٣) . وهو بهذا متفق مع الاصطلاح العام ، في
جعل عبارة ((لا بأس به)) من المرتبة التي تحت مرتبة ((الثقة)) المطلق
مباشرة ، كما هو معروف .
أما الإمام الذهبي فإنه في السير (٤) استهل ترجمة محمد بن عمرو
بقوله : المحُدِّث الصدوق ، ثم قال : وحديثه في عداد الحسن ، وأتبع ذلك
بذكر الأقوال المختلفة فيه ، وفي الميزان قال : شيخ مشهور حسن الحديث
ثم ذكر الأقوال المختلفة فيه (٥) وفي المغني قال : مشهور حسن الحديث
(١) المشاهير لابن حبان / ترجمة ( ١٠٤٦ ).
(٢) ينظر فهرس الإحسان ١٨ / ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٣) ينظر الكامل ٦ / ٢٣٥٤ / ترجمة ((مغيره بن زياد الموصلي)).
(٤) السير ٦ / ١٣٦ - ١٣٧.
(٥) الميزان ٣ / ت ٨٠١٥ .