النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها وأما الحسن : فهو ما عرف مخرجه ، واشتهر رجاله بالرواية ، فإنه يَحْسُنُ الاحتجاج به ، وإن اختلف في كمال حفظ رواته وعدالتهم (١) ويلاحظ أن صدر عبارة الميَّانِشي هي نص تعريف الخطابي ، مع زيادة قول الميانشي ((بالرواية)) لتوضيح نوع الشهرة المقصودة ، وهي الشهرة بالرواية ، بدلا من ذكرها مطلقة في عبارة الخطابي ، وبهذا التوضيح من الميانشي أشار إلى رفع جهالة الحال إجمالا ، عن رواة الحديث الحسن ، وقوله في آخر عبارته ((وإن اختلف في كمال حفظ رواته ، وعدالتهم )) حدَّد فيه درجة رواة الحسن ، بأنه ثبت لكل منهم أصل ركني العدالة والضبط ، ولكن اختلفت الآراء في بلوغهم الكمال فيها . وبالتالي يكون قصورهم عن الكمال لا خلاف عليه . وهذا نوع من الرواة المختلف فيهم (٢) فمن = مع حواشي التحقيق . (١) ينظر ما لا يسع المحدث جهله للميانجي. بتحقيق شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبي غدة ضمن خمس رسائل / ٢٧١. (٢) وهناك غير هذا النوع مثل من اختلف فيه بتوثيق وتضعيف بما لا يقدح عند التحقيق ، فهذا يترجح توثيقه وتصحيح حديثه / وينظر أمثلة التضعيف المردود / هدي الساري / ٤٦٠ وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي / ١٥٨ ضمن أربع رسائل في الجرح والتعديل وقاعدة في الجرح والتعديل لتاج الدين ابن السبكي / ١٣ - ١٤ ضمن أربع رسائل أيضا، ومعرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد / ٤٥ ٠ ٥١ ط الباز و ٥ الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد / ٢٣ - ٢٣ ط دار البشائر . وهناك نوع اختلف فيه بتوثيق وتضعيف وعند التحقيق يترجح تضعيفه ، وبالتالي تضعيف حديثه / ينظر / معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد / ٤٦ - ٥٠ ط دار الباز وينظر مثاله : عبد الله المؤمل المخزومي / تهذيب الكمال ١٦ / ١٨٧ مع حواشي التحقيق والتقريب ( ٣٦٧٣) . ١٢٢ الفَاظُ وَعَبَا دَابُ الَّهِعِ وَالتَّعْدِيك وثقهم مطلقا فقد أثبت لهم كمال الركنين عدالة وضبطا ، ومن ضعفهم خفف ضعفهم ، مثل وصفهم بالوهم في بعض مروياتهم ، أو نسبتهم إلى بدعة لا تقدح في عموم مروياتهم ، فبهذا ينزلون عن تمام ركني العدالة والضبط قليلاً (١) وبالتالى ينزل حديثهم عن الصحة إلى الحَسن في غير ما انتقد على كل منهم ، فلا يخرجون عن الحجية عموما إلى الضعف . وسأتي توضيح أن ما أجمله الجياني هنا في بيان المختلف فيهم الذين يُحسن حديثهم ، وكذلك كلام ابن الصلاح بعده كلاهما مستفاد من كلام الإمام الترمذي وصنيعه . ثانيهما : إن ابن الصلاح لم يأخذ من الترمذي مثال الحديث الحسن لذاته فقط كما ذكر الزركشي ومَن بعده ، ولكني لاحظت أن تعريفه السابق للحسن ، مستفاد من كلام الترمذي أيضا عن نوع الرواة المختلف فيهم ، الذي أشار إليه الميانشي في تعريفه السابق للحسن ، ولم أجد من نبه إلى ذلك مع وضوحه وأهميته في تأصيل مصطلح الحسن لذاته وتعريفه السابق من الميانشي وابن الصلاح . فقد قال الترمذي : وقد تكلم بعض أهل الحديث في قوم من أجلة أهل العلم ، وضعفوهم من قِبَل حفظهم ، ووثقهم آخرون من الأئمة (١) وهذا بناء على أن العدالة تتجزأ كما يتجزأ الضبط، كما صححه السيوطى / التدريب ١ / ٤١١ وأشار إليه السخاوي / فتح المغيث له ١ / ١١٤ - ١١٥ وصرح به الميانشي في تعريفه السابق للحسن . ١٢٣ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها لجلالتهم (١) وصدقهم ، وإن كانوا قد وهموا في بعض ما رووا . (٢) ثم ذكر أمثلة لهم ممن أخرج لهم في جامعه كما سيأتي . فهذه العبارة كما ترى ذكر فيها الترمذي نوعا من الرواة المختلف فيهم لم يترجح توثيقهم المطلق ، ولا تضعيفهم المطلق ، ولكن أمكن الجمع بين الخلاف فيهم ، بحمل التوثيق ممن وثقهم على توقير الراوي وصدقه الذي هو أهم جوانب عدالة الرواية ، وحمل التضعيف ممن ضعفه مجملا على ما عرف للراوي من بعض الأوهام في رواياته ، فينزل بذلك عن تمام الضبط الموصوف به الثقة إلى درجة الصدوق الذي له أوهام لا تخرجه عن الاحتجاج به عموما ، ولا تنزل به إلى الضعف المطلق (٣). وبالمقارنة نجد أن ما أفاده كلام الترمذي هذا ، هو نحو ما صاغه ابن الصلاح في عبارته السابقة في تعريف الحسن الذي أنزل عليه تعريف الخطابي ، للحسن لذاته . أما عبارة الميانشي فهي مجملة ، بمعنى عبارة كل من الترمذي وابن الصلاح مع إشارته إلى أن القصور في درجة راوي الحديث الحسن شامل لجانبي عدالته وضبطه ، وليس قصور ضبطه فقط كما ذكر الترمذي وابن الصلاح . (١) يعني وقارهم ومهابتهم . (٢) ينظر: جامع الترمذي - كتاب العلل ٦ / ٢٣٦ / ط د / بشار . (٣) ينظر: جامع الترمذي / ك العلل ٦ / ٢٣٦ - ٢٣٧ مع فهرس الرواة المخرج لهم في الجامع ٦ / ٧٢٩ - ٧٣٠ . ١٢٤ الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَِّنُ وَالتَّعَدْيِك ويلاحظ أن العبارات الثلاث مشتملة على التركيب الجزئي لحال راوي الحديث الحسن ، من مجموع العدالة والضبط القاصر ، ويتوافق هذا أيضا في الجملة - مع ما يذكره النقاد في خلاصته حال نوع الرواة المختلف فيهم الذين يُحسن حديثهم لذاته ، عند الإمام الترمذي كما سيأتي ، حيث إنه بعد بيانه السابق لحكم هذا النوع من المختلف فيهم من الراوة ، ذكر عددا منهم ، ممن أخرج لهم في جامعه ، وبين درجة حديث كل منهم في مواضع إخراجه لها ، ولاسيما عند الإنفراد ، حیث یستفاد من ذلك بیان درجة حديث الراوي لذاته ، دون ضميمة متابع أو شاهد . وفي مقدمة من ذكرهم الترمذي من أمثلة تطبيقية للنوع المذكور من المختلف فيهم : محمد بن عمرو بن علقمة ، وهو الذي مثل ابن الصلاح بحديثه كما تقدم ، وقد بين الترمذي حال محمد بن عمرو بقوله : وقد تکلم یحیی بن سعيد القطان في محمد بن عمرو ، ثم روى عنه ، ثم حكى ما تكلم به القطان وخلاصته : أنه يرى ضعف ضبطه لمروياته عن بعض شيوخه ، فقط ومقتضاه أنه يحتج به في الرواية عن غيرهم ، كما أيد ذلك بأنه مقدم عنده عمن يوصف بسوء الحفظ ، كسهيل بن أبي صالح ، أو بضعف الضبط مطلقا ، كعبد الرحمن بن حرملة ، وأيد ذلك أيضا بأنه سأل مالكا عن محمد بن عمرو فقال فيه بنحو قوله (١) . (١) ينظر جامع الترمذي ٦/ ٢٣٦ مع ترجمة سهيل بن أبي صالح في التهذيب ٤ / ت (٤٥٣) = ١٢٥ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها ثم إنَّ ابن القطان ومالكا قد رويا عن محمد بن عمرو ، وقد عرف عن كل منهما أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده غالبا (١) فدل مجموع كلامهما عن بعض أوهامه ، مع رواية كل منهما عنه ، أنه محتج به عندهما في غير ما عرف وهمه فيه ، وذِكر الترمذي لموقف يحيى القطان ومالك من محمد بن عمرو ، في مقام الاستدلال ، يفيد اتفاقه معهما على ذلك كما أشار إلى أن ما ذكره عن محمد بن عمرو ، ومن مثل بهم غيره ينطبق على من يشابههم من المختلف فيهم (٢) . وبالرجوع إلى جامع الترمذي ، نجد تطبيقه التفصيلي متوافقا في الجملة مع اشارته هذه، لحكم هذا النوع عموما من المختلف فيهم. فمثلا ((محمد بن عمرو )) الذي تأصل بحديثه تمثيل ابن الصلاح للحسن لذاته كما تقدم . نجد أن الترمذي خلال جامعه يصحح حديثه مع العاضد له ، كما في المثال الذي اختاره ابن الصلاح ، وصرح بتحسينه لذاته ، وتصحيحه لغيره باعتبار ما عضدده ، ووافق ابن الصلاح على ذلك غيره كما مر معنا ونجد الترمذي في غير هذا المثال قد حسن من حديث محمد بن عمرو ما = وقال القطان في محمد بن عمرو أيضا: ليس بأحفظ الناس للحديث / التهذيب ٩ / ٣٧٦ . (١) ينظر تهذيب التهذيب ٩ / ت (٦١٧) وشرح العلل لابن رجب ١ / ١١٥، ٣٧٧ والجرح والتعديل ٨ / ٣٠ والكامل لابن عدي ٦ / ٢١٣٣ ( ترجمة محمد بن مسلم بن تدرس ) وإسعاف المبطأ للسيوطي / ٢، ٤ والثقات للعجلي يترتيب السبكي ٢ / ٣٥٣ والسنن الكبرى للبيهقي ٢ / ٢٠٢. (٢) ينظر جامع الترمذي - العلل ٦ / ٣٣٦ - ٣٣٧. ١٢٦ الفَاظُ وَعَنَا رَاتُ الَهْجُ وَالتَّعَليك لم يُعد من أوهامه ، مع إشارة الترمذي لتفرده في هذا الطريق ، وإن كان الباب يروى فيه عن غيره (١) فدل هذا على أن حديث محمد بن عمرو بمفرده عند الترمذي حسن لذاته ، ما لم توجد علة أخرى . وقد قرر هذا أيضا الحافظ العراقي - عن خبرة تفصيلية بجامع الترمذي: من خلال ما شرحه منه فقال : وعادة الترمذي تحسين أفراد محمد بن عمرو ، ثم قال : وصحح هذا - يعني حديث أبي هريرة في السواك الذي مثل به ابن الصلاح - وعلل ذلك بأنه روي من غير وجه . وقد ذكر العراقي أن ما تقدم من صنيع ابن الصلاح في التمثيل بهذا الحديث ، وتحسینه لذاته ، من طريق محمد بن عمرو ، وتصحيحه لغيره ، يعد قاعدة عامة ، فقال : وقد قرر ابن الصلاح هذه القاعدة في علوم الحديث (٢). وعليه فينطبق الحكم بتحسين حديث محمد بن عمرو لذاته عند الترمذي ، على كل من يماثل حاله من المختلف فيهم ، فتكون خلاصة حال كل منهم أنه (( صدوق له أوهام)) كما لخص الترمذي نفسه بذلك حال محمد بن عمرو فيما تقدم (٣) وتبعه الحافظ ابن حجر في التقريب (٤) وقد يعبر عن تلك الحال بعبارة أخرى تؤدى معناها مثل قول (١) ينظر جامع الترمذي أبواب النكاح - باب في حق الزوج على المرأة ٢ / ٤٥٣ حديث (١١٥٩). (٢) ينظر تكملة شرح الترمذي للعراقي - كتاب الأحكام - باب ما ذكر عن النبي عَّه في الصلح بين الناس / ٧٣ / ب / مخطوط . (٣) وانظر جامع الترمذي ٦ / ٢٣٦. (٤) ينظر التقريب ( ت ٦١٨٨). ١٢٧ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها الحافظ ابن حجر نفسه في غير التقريب عن محمد بن عمرو هذا إنه ((صدوق في حفظه شيء)). ثم قال : وحديثه في مرتبة الحسن (١) ويلاحظ أن كلا العبارتين عن حال محمد بن عمرو ، وكذا من يماثله عبارة عن تركيب جزئي يفيد مجموع كل منهما : اتصاف الراوي بركن العدالة وقصور الضبط أو خفته عن التمام(٢). وبمقتضى هذا التأصل الواضح لما ذكره ابن الصلاح ووافقه عليه غيره في تعريف الحسن لذاته والتمثيل له ، يتقرر مأخذ الأمرين من كلام وصنيع أحد الأئمة المتقدمين وهو الإمام الترمذي الذي اتفق على أنه أول من شهر استعمال الحسن اصطلاحا ، ، لذاته ولغيره ويتقرر بذلك أنموذجا للتواصل المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين . وقد صاغ الترمذيُّ للحسن لغيره تعريفا اصطلاحيا كما هو معروف ، لكونه رآه يشكل في نظر غيره، وذلك لأن كل واحد من طريقيه بمفرده ضعيفا(٣). (١) ينظر أجوبة الحافظ عن أحاديث المشكاة التي قيل بوضعها، مع المشكاة ٣ / ١٧٨٤. (٢) وممن جرى على تطبيق ذلك الحافظ البوصيري وعبر في علة التحسين بقصور الراوي عن درجة أهل الحفظ أو الحفظ والضبط ، أو الحفظ والإتقان / ينظر مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه للبوصيري ١ / ٨٨ حديث ( ٧٣ )، ٣٥٦ حديث ( ١٠٧٢ )، ٤٣٦ حديث (١٣٤٠ ) و٢ / ٣١٥ حديث ( ٢٥٨١ )، ٣٦١ حديث ( ٢٦٩٧ ). (٣) ينظر مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح / ٥١ -٥٢ والنكت الوفية للبقاعي ٦٢ / ب، ٦٤ / أ، ب، ٧١ ب، ٧٢ / أ (مخطوط) ونكت الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح ١ / ٣٨٦، ٣٩٩ . ١٢٨ اَلْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَرْجُ وَالتَّعَلَيك أما الحسن لذاته ، فهو حكم على الحدیث باعتبار سند واحد ، كما هو الأصل ، لكنه أيضا مشكل من جهة كون راويه ممن اختلف فيه توثيقا وتضعيفا ، ويحتاج إلى الجمع بينهما ، كما أشار إليه الترمذى وتابعه ابن الصلاح ثم مَن بَعدَه كما قدمت . ولذلك يبدو لي أن الإمام الترمذي لم يهمل تعريف الحسن لذاته كلية. ولكنه نوَّع فقط ، في طريقه التعريف ، فعرف الحسن لغيره بعبارة. اصطلاحية ، وعرف الحسن لذاته بالمثال التطبيقي الموضح ، لمفهومه ولحال راويه ، وذلك خلال جامعه، ولم أجد من نبه إلى ذلك (١) مع وجوده في صنيع الترمذي كما سيأتي توضيحه ، والتعريف بالمثال نوع معتبر من أنواع التعريفات ، كما أنه يكون أوضح وسيلة للوصول إليها (٢) بل إن التعريف بالمثال أنسب للمحدثين الذين عُرفوا بعدم الميل إلى تكلف حدود المناطقة، وتقييداتهم بالفصل والنوع وغير ذلك إلا مؤخرا ، بحكم المقتضيات والمطالب العلمية لكل عصر بحسبه (٣) وقد انتهج غير واحد من المحدثين وبخاصة المتقدمين استعمال المثال للتعريف ببعض أنواع مصطلح الحديث (١) بل قال الحافظ ابن حجر: إن الترمذي لم يعرف بالحسن المتفق على كونه حسنا / النكت له ١ / ٣٨٧ ومقصوده نفي التعريف بعبارة اصطلاحية كما في تعريف الحسن لغيره (٢) ينظر / قضية التعريف في الدراسات المصطلحية الحديثة / إعداد عبد الحفيظ الهاشمى / ٤٥، ٤٨ من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية - بالمغرب سنة ١٩٩٨ م . (٣) ينظر البحر الذى زخر للسيوطي ١ / ٣١٨ - ٣٢٠. ١٢٩ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها ونقد الرواة وأقرب مثال لذلك: (( نوع الاعتبار والمتابعات والشواهد)»(١) توضيح أن الترمذي عرف الحسن لذاته بالمثال : أ - أن المثال الذي ذكره ابن الصلاح للحسن لذاته ، وأخذ من حال راويه ضابطًا لحال الراوي الذي يحسن حديثه لذاته ، قد وافقه عليه عامة من جاء بعده - بمن فيهم الإمام الذهبي - رحمه الله - الذي قرر الإياس من ذكر قاعدة عامة تشمل كل الأحاديث الحسان ، فقد قال قبل هذا التقرير مباشرة : إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح ، وسيظهر لك بأمثلة . ثم قال : فأعلى مراتب الحسن : .. وذكر أربعة أسانيد منها: (( محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة)) وهو مثال ابن الصلاح السابق ، والثلاثة الآخرين ممن يُحسن لهم الترمذي في جامعه تحسينا ذاتيا (٢). وقد أحال الذهبي بما يُظهر تعريف الحسن على تلك الأمثلة كما ترى . وكذلك تقدم أن ما ذكره العراقي : إن عادة الترمذي تحسين أفراد محمد بن عمرو بن علقمة ، يعد استنتاجا عاما منه من خلال اطلاعه على (١) ينظر: ألفية العراقي مع شرحها فتح المغيث للسخاوي ١ / ٢٤٠ - ٢٤٥ وتقريب النووي مع شرحه تدريب الراوي للسيوطي ١ / ٢٨١ - ٢٨٥ مع الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١ / ١٤٣ - ١٤٤ و١٥٢ ط مؤسسة الرسالة ومعرفة علوم الحديث للحاكم / ٢٧ وما بعدها ( النوع التاسع) و ٣٤ النوع الحادي عشر، ٤٨ النوع السادس عشر، ٥٨ ٥٩٠ (النوع التاسع عشر)، ٨٥ ( النوع ٢١)، ٩٢ (نوع ٢٣)، ١١٢ (نوع ٢٧)، وينظر كتاب ((ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه )) لابن شاهين بتحقيق شيخنا الشيخ حماد الأنصاري . رحمه الله - وتقديم ولده الشيخ عبد الباري حفظه الله / ٣٩ ط أضواء السلف بالرياض. (٢) ينظر: الموقظة للذهبي ٢٨ / ٣٣،٣٢ ١٣٠ الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِيك جامع الترمذي ، وقد صرح بأن ذلك بمثابة قاعدة عامة . ٢ - هناك مثال آخر في جامع الترمذي غير ما ذكره ابن الصلاح والذهبي والعراقي، ويعد هذا المثال في نظري أوضح في تقرير: أن الترمذي عرّف الحسن لذاته بالمثال التطبيقي ولا يعارض هذا ما تقدم من بیان مأخذ المیانشي وابن الصلاح والعراقي من صنيع الترمذي ، بل هو عاضد له، لتأكيد أن الترمذي كما رسم للحسن لغيره تعريفا اصطلاحيا ، مع تطبيقه خلال الجامع، فإنه رسم أيضا للحسن لذاته تعريفا بالأمثلة التطبيقية خلال الجامع مع اقترانها بتعليل للتحسين يفيد الضابط العام لراوي الحسن لذاته. حتى يقاس عليه من لم يذكره، ويُعطَى محكمه. والمثال التطبيقي الذي أقصده، هو أحاديث ((عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي المدني )) التي حسنها الترمذي من طريقه . لاسيما أن الموضع الأول من رواياته له هو الحديث الثالث في الجامع، حيث أخرج من طريقه عن محمد بن الحنفية عن عليّ رضي الله عنه - عن النبي عَةٍ قال: ((مفتاح الصلاة الطهور)) (الحديث)، وقال الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن ، ثم أتبعه بقوله : وعبد الله بن محمد بن عقيل ، هو صدوق ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم مِنْ قِبَل حفظه ، وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحق بن إبراهيم والحميدي، يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد - يعني البخاري - وهو مُقارب الحديث (١) (١) جامع الترمذي - أبواب الطهارة ١ / ٥٤ حديث ( ٣) ط د / بشار، وذكر الترمذي في =. ١٣١ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها ثم قال الترمذي : وفي الباب عن جابر وأبي سعيد . ثم أخرج حديث جابر المشار إليه (١) وإسناده ضعيف (٢) ثم بعد ذلك في كتاب الصلاة ، أخرج حديث أبي سعيد المشار إليه أيضا ، وقال عقبه: وفي الباب عن علي ، وعائشة ثم قال : وحديث علي بن أبي طالب - يعني الحديث الأول - أجود إسنادًا وأصح من حديث أبي سعيد، وقد كتبناه - يعني حديث عليٍّ - من طريق ابن عقيل - في أول كتاب الوضوء (٣) وحديث أبي سعيد هذا الذي جعل الترمذي حديث ابن عقيل أجود وأصح إسنادا منه ، عند المراجعة نجد في سنده ضعفا لحال أحد رواته، وهو طريف بن شهاب أبو سفيان ، وذكر ابن حبان أنه منفرد به وهو واهٍ (٤)، ولذا فإن المفاضلة هنا ليست على ظاهرها، كما سيأتي، ويلاحظ أن الترمذي قد حكم على حديث علي - رضى الله عنه - من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل ، مرتين بعبارتين متقاربتين ، وفي موضعين متباعدين . فالأول: في بداية الجامع - باب ((مفتاح الصلاة الطهور - حديث (٣) فقال : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب ، وأحسن . فجعل حكم الأَصَحِيّة والأَحْسَنِيَّة مقيدا بأحاديث هذا الباب ، وقد ذكر فيه = العلل المفرد - كما في ترتيبه لأبي طالب القاضي - كلام البخاري في شأن ابن عقيل بطوله ، كما في الجامع / ينظر: العلل بترتيب القاضي ١ / ٨١ مكتبة الأقصى . (١) ينظر: جامع الترمذي الموضع السابق. (٢) ينظر: حاشية التحقيق لجامع الترمذي ١ / ٥٥ حاشية (٤). (٣) جامع الترمذي - الصلاة ١ / ٢٧٨ حديث ( ٢٣٨). (٤) ينظر المجروحين لابن حبان ١ / ٣٧٧ - ٣٧٨ والتلخيص الحبير ١ / ٢١٦. ١٣٢ اَلْفَاظُ وَ عَبَارَاتُ الَِّعِ وَالتَّعَدْكِ حديثين آخرين ، هما حديث جابر بن عبد الله ، وحديث أبي سعيد الخدري ، وكلاهما ضعيفان كما قدمت . والموضع الثاني: بعد ( ٢٣٥) حديثا، في («باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها)) عقب ذكره حديث أبي سعيد برقم (٢٣٨) وقد أشار إلى أن هذا الباب فيه غير حديث أبي سعيد ، حديثان : هما حديث علي السابق ، وحديث عائشة - رضي الله عنهم ، ثم قال : إن حديث على أجود إسنادًا وأصح من حديث أبي سعيد . فيلاحظ أنه عُبَّر بأجودية الإسناد بدل ((الأحسنية)) في الموضع الأول ولكنه قيد الأجْوَدِيَّة والأصحية بالنسبة إلى حديث أبى سعيد فقط ، الذي هو أحد الحديثين الضعيفين في الباب ، ولم يُدخل معه حديث عائشة الذي أشار إلى أنه فى الباب أيضا ، وذلك لأن حديث عائشة صحيح لذاته ، وقد أخرجه مسلم ، وفي أوله شاهد لبعض حديث علي رضي الله عنه (١) فيفهم من هذين التقييدين من الترمذي لحكمه على حديث علي - رضي الله عنه - من طريق ابن عقيل : أنه يعتبره أعلى مما في الباب من الأحاديث الضعيفة فقط ، كحديثي جابر ، وأبى سعيد ، والأعلى من الضعيف المطلق هو الحسن لذاته ، ثم الصحيح ، وعليه تكون المفاضلة في عبارتيه ليست على ظاهرها ، ولكنها بمعنى (( حسن صحيح)) وذلك لما (١) ينظر: صحيح مسلم كتاب الصلاة / حديث (٢٤٠) ولفظه ((كان رسول الله عَ لم يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ( الحديث ) . ١٣٣ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها احتف بها من قرائن تقتضي عدم وجود مشاركة بين الضعيف لذاته وبين الحسن والصحيح لذاتهما. ولذلك ذكر ابن القطان: إن (( أصح من حديث كذا))، أو ((أصح (ما) في الباب)) قد تقال: لتفضيل أحد المشتركَيْن على الآخر ، فيما اشتركا فيه ، وقد تقال ، ولا اشتراك بينهما (١) وتوضيح الحكم بالحسن والصحة لحديث ابن عقيل هذا ، كما يلى : أن الترمذي ربط بين حكمه في الموضع الثاني وحكمه في الموضع الأول، فقال عن حديث علي رضي الله عنه - (( وقد كتبناه في أول كتاب الوضوء))، فأفاد ذلك أن وصف ((أجود إسنادا)) في الموضع الثاني مرادفةٌ عنده لوصف ((أحسن)) في الموضع الأول ، وقد أعقبها فيه ببيان حال ابن عقيل الذي عليه مدار الإسناد وهو متفرد بالحديث عن ابن الحنفية عن على مرفوعا (٢) فبين أنه مختلف فيه احتجاجا ، وتضعيفا خفيفا من جهة ضبطه ، ثم توسط هو، فجمع بين الأمرين بقوله: ((هو صدوق وتكلم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه. وهذا يوافق ما سبق في بيانه لحال المختلف فيهم الذين حسن حديثهم لذاته، كما أنه في غير هذا الموضع من الجامع حَسَّن لابن عقيل فعلاً، عددًا من الأحاديث باعتبار طريقه وَحْدَه(٣) (١) ينظر ((الوهم والإيهام)) لابن القطان الفاسي ٥ / ١٨٩ بتحقيق د / حسين آيت سعيد. (٢) وقد صرح بتفرده غير واحد ممن أخرج الحديث ، ودل تخريج طرقه على أن مدارها عليه / ينظر التلخيص الحبير ١ / ٢١٦ وحاشية تحقيق جامع الترمذي ط د / بشار عواد ١ / ٥٤ حاشية (١) وحاشية تحقيق مسند الإمام أحمد ١ / ١٢٣ حديث (١٠٠٦) ط مؤسسة الرسالة وإرواء الغليل ٢ / حديث ( ٣٠١ ) . (٣) ينظر / جامع الترمذي - الأحاديث رقم (١٤٥٧)، (٢٧٩٧)، (٣٥٥٨)، (٣٧٣٠). ١٣٤ الفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَةِ وَالتَّعْدِيك ويلاحظ أن ما ذكر به الترمذي خلاصة حال ابن عقيل عنده ، يُعَدُّ تركيبا جزئيا ، ضمَّنه جانب العدالة بالصدق ، وضمَّنه جانب الضبط القاصر قليلاً بقوله : تكلم فيه بعض أهل العلم من قِبَل حفظه . وهذا يوافق ما صاغه المتأخرون من بعده في التعريف الاصطلاحي للحسن لذاته كما سيأتي (١) ، فهو بذلك يعد أسوتهم فيما صاغوه ، وإن لم يصرحوا، كما لم يصرح الميانشي ولا ابن الصلاح فيما تقدم . والفرق بين صنيع الترمذي ، وبين صياغة التعريف الاصطلاحي هو طريقة التعريف، فقط، فهو عرّف بالمثال التطبيقي المعَلّل، وهم صاغوا ما يوافق المثال مع علته في عبارة اصطلاحية تلبي حاجة عصرهم العلمية كما لمسوها بأنفسهم . وحتى لا يقال إن صنيع الترمذي هذا اصطلاح خاص به ، فإنا نجده ينقل عن شيخه البخاري ما يؤيده في ضابط خلاصة حال ابن عقيل وتحسين حديثه لذاته ، فذكر أن البخاري بعد تقريره احتجاج عدد من أئمة النقد به، قال: ((وهو مقارب الحديث)) أى لم يبعدُ حديثهُ عن درجة حديث الثقة إلا قليلا ، بقدر أوهامه القليلة بالنسبة لمجموع مروياته(٢). فأفاد ذلك أن عبارة البخاري هذه وإن كانت مفردة ، فإنها في مرتبة عبارة الترمذي المركبة التي قرر بها خلاصة حال راوي الحسن لذاته ، ممثلاً. (١) وينظر: فتح المغيث للسخاوي ١ / ٧٧ - ٧٩ . (٢) سيأتي تفسير العبارة على الراجح، بنحو هذا قريبا، وينظر التدريب ١ / ٤١١ والنكت الوفية للبقاعي / ٢٣٤ ب . ١٣٥ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها في حال ابن عقيل، وأن كليهما في الحجية دون مرتبة (( ثقة)) مباشرة (١) وأن من تكون خلاصة حاله الوصف بأي منهما فحديثه حسن لذاته ، عند الترمذي وشيخه البخاري ، ما لم تكن هناك علة (٢) وعليه يكون تحسين (١) فقد ذكر عبد الحق الإشبيلى: أن قول البخاري ((مقارب الحديث)) يريد أن حديثه يقرب من حديث الثقات، أي: لا بأس به. فجعلها ((عبد الحق )) بمعنى ((لا بأس به)) التي هي دون مرتبة (( ثقة)) مباشرة / ينظر كتاب الصلاة والتهجد لعبد الحق / ١٧٠ وجعلها الترمذي - كما تقدم - بمعنى (( صدوق تكلم بعضهم فيه من قبل حفظه )) . (٢) ويؤيد هذا أن الترمذي في موضع آخر ، ذكر أن شيخه البخاري وصف راويا بهذه العبارة تقوية لحاله / ينظر جامع الترمذي - الصلاة ١ / ٢٤٠ حديث ( ١٩٩ ). وفي موضع آخر أخرج الترمذي حديثا من طريق (( داود بن يزيد الأودي )) ثم قال : سألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن ، فسأله عن حال راويه (( داود بن يزيد )) فقال : مقارب الحديث / ينظر العلل الكبير للترمذي ، بترتيب القاضي ، أبواب الأحكام ١ / ٥٣٨ - ٥٣٩. فَذِكْر صفة الراوي مقارنة للحكم بالحُسن، تقتضي تعليله بها / ينظر الفتح لابن حجر ١٢ / ٢٦٢ والمحصول للرازي ٢ / ١٨٣، ٢٤٣ ثم إن الترمذي أخرج الحديث نفسه في جامعه من الطريق نفسه ، وقال : حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودي / جامع الترمذي - الأحكام ٣ / ١٤ حديث (١٣٣٥ )، فَقَيَّد التحسين - كما ترى - بطريق داود هذا ، الذي وصفه شيخه البخاري بأنه : مقارب الحديث . ولا يعكر على هذا مخالفة من خالف الترمذي والبخاري في حال داود ، فَضَعَّفَه / ينظر التهذيب لابن حجر ٣ / ت ٣٨٩، والتقريب (١٨١٨)، لأننا نقرر رأيهما واصطلاحهما، بحيث يؤخذ به عند عدم وجود مخالف أرجح . كما لا يعكر على ذلك ما تذكره أكثر كتب المصطلح ، من جعل كل ما دون مرتبة (( ثقة )) من مراتب التعديل ، فهو غير محتج به بمفرده / ينظر تدريب الراوي ١ / ٤٠٤ - ٤٠٧ وفتح المغيث للعراقي ٢ / ٣٦ - ٣٩ وفتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٠ - ١١٩ لأن هذا مخالف لصنيع من أصَّل ترتيب المراتب وهو ابن أبي حاتم ، ومخالف لما استقر عليه تعريف الحسن لذاته عند الجميع ، مع تأصيله وتطبيقه ، كما قدمت ، وكما هو في المثال الذي معنا ، وقد تَنَّه السخاوي فِعْلاً إلى = ١٣٦ الْفَاطُ وَ عِبَادَاتُ الَرِجُ وَالتَّغْديك الترمذي لحديث علي رضي الله عنه - من طريق ابن عقيل وحده ، مع تعقيبه الحكم ببيان حال ابن عقيل عنده ، بنحو ما بَيَّن به حال غيره ممن حسَّن حديثهم ، فإن مجموع ذلك يعد بمثابة تعريف من الترمذي للحسن لذاته ، بالمثال العملي في هذا الموضع من بداية الجامع ، ثم تحسينه أيضا خلال الجامع عددا من الأحاديث ، من طريق ابن عقيل ، مع تقييد الحكم بطريقه وحدَه ، يدل على اطراد حكم هذا المثال ، وضابط حال راويه عنده ، وقد وافقه على تحسين حديث علي رضي الله عنه كلّ من البخاري وابن عبد البر (١) والبغوى (٢) والنووي، وغيرهم (٣). أما وصفه له بالأصحية ، فالمراد بها الصحة لأجل القرائن الصارفة كما قدمت ، وهي صحة باعتبار ما عضده من الشواهد ، التي ذكر الترمذي بعضها من حديث جابر وأبى سعيد - رغم ضعفهما - وما أشار إليه أيضا مثل حديث عائشة - رضي الله عنها الذي أخرجه مسلم كما تقدم ، وفيه شاهد لبعض الحديث . ومما لم يشر إليه الترمذي حديث أبي = أن عبارة ((مقارب الحديث)) عند البخاري وتلميذه الترمذي تفيد تقوية الموصوف بها ، فذكرها مرة هكذا ، ومرة ضمن أوصاف مَنْ يعتبر به ، تبعا للعراقي / ينظر فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٤ - ١١٥. (١) ينظر التمهيد ٩ / ١٨٤. (٢) شرح السنة ٣ / ١٧ حديث ( ٥٥٨ ) . (٣) ينظر خلاصة الأحكام للنووي ١ / ٣٤٨ حديث (١٠٥١) وخلاصة البدر المنير لابن الملقن ١ / حديث (٣٥٥) والتفخ الشذي في شرح جامع الترمذي ١ / ٣٨٨، ٣٩٩ .. ١٣٧ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها هريرة المتفق عليه في المسيءٍ صلاته / كما في صحيح البخاري برقم (٦٢٥١) ومسلم برقم ( ٣٩٧) فقد ذكر ابن عبد البر أنه يشهد لصحة حديث علي - رضي الله عنه - هذا، وما في معناه / التمهيد ٩ / ١٨٤ . ويشهد لأول الحديث أيضا حديث ابن عمر - رضي الله عنه - عند مسلم - الطهارة ( برقم ٢٢٤ ) . وينظر إرواء الغليل ٢ / حديث (٣٠١ ) والتلخيص الحبير ١ / ٢١٦ . فبذلك يستفاد : أن ما قَّدَه العراقي فيما تقدم بخصوص تحسين الترمذي لحديث محمد بن عمرو بن علقمة ، يمكن تقعيده أيضا بالنسبة لابن عقيل، فتقول : إن الترمذي قد عَرّف الحسن لذاته ، وبَيَّنَ حال راويه مُمَّلاً في حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، وأنه اطرد تحسينه لحديثه بمفرده ، خلال الجامع ، ما لم توجد علة ، وعند المخالفة يرجّح عليه من هو أقوى منه (١) . ويصحح له مع وجود ما يعضده ، كما في حديث علي - رضي الله عنه - الذي معنا ، وغيره (٢) وبالتالي يمكن جعل خلاصة (١) ينظر جامع الترمذي ١ / حديث ٣٢، ٣٣. (٢) ينظر النفح الشذي في جامع الترمذي ١ / ٣٨٧ - ٣٨٨ . لكني وجدت الترمذي أخرج من طريق ابن عقيل عن جابر بن عبد الله ، قال : جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتها من سعد إلى إلى رسول الله عَ ◌ّه فقالت: يا رسول الله ( الحديث)، في ميراث ابْتَتَي سعد، وأمهما منه مع أخيه / جامع الترمذي - الفرائض ٣ / حديث (٢٠٩٢)، وقد اختلفت طبعات الترمذي في حكم هذا الحديث ، فجاء في بعضها قول الترمذي : هذا حديث صحيح ، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، وقد رواه شريك أيضا عن عبد الله بن محمد بن = ١٣٨ الْفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِيك حال ابن عقيل عند الترمذي مقياسا لراوي الحسن لذاته عنده ، مع موافقة شيخه البخاري له وكذلك غير واحد من النقاد كما تقدم ، ويقارب خلاصة حال ابن عقيل أيضا خلاصة حال محمد بن عمرو بن علقمة التي تقدمت ، مع موافقة النقاد للترمذي عليها . وكلتا الخلاصتين من التركيب الجزئي ، كما تقدم . ٤ - ثم إن الإمام الترمذي لم يجعل هذا اصطلاحا خاصا به ، وبجامعه = عقيل / جامع الترمذي ط المطبعة العامرة بمصر سنة ١٢٩٢ هـ ٢ / ١١ ، وفي بعضها : هذا حديث حسن صحيح ... ، مع بقية الكلام السابق / جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي ٦ / حديث ( ٢١٧٢ ) ط المكتبة السلفية بالمدينة النبوية . وبالمراجعة نجد أن مدار الحديث على ابن عقيل ، ولم أقف له على متابع / ينظر جامع الترمذي ط الدكتور بشار ٣ / حديث ( ٢٠٩٢ ) حاشية التحقيق ، ومسند الإمام أحمد ٣ / ٣٥٢ حديث ( ١٤٧٩٨) ط مؤسسة الرسالة مع حاشية التحقيق . وقد أشار الترمذي في عبارته السابقة إلى تفرد ابن عقيل بهذه الرواية ، ولم يذكر في الباب غيرها ، ولا أشار إلى ذلك ، ومقتضى هذا أنه صحح الحديث من طريق ابن عقيل لذاته،. خلافا لما قدمته من اطراد تحسينه لحديثه لذاته ، ما لم تكن علة . لكنى راجعت تخريج المزي للحديث في التحفة ٢ / ٢١٠ حديث ( ٢٣٦٥ ) ، وصورة نسخة خطية بمكتبة محمود باشا بتركيا / ق ١٧٤ / ب، وصورة نسخة خطية بالمكتبة الأهلية بباريس / ق ١٣٨ / أ وهذه ثلاث نسخ عالية التوثيق من جامع الترمذي ، فوجدتُ كلامه عن الحديث نصه هکذا ه هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ... )) الخ فليس فيه كما ترى إلا ذكر تفرد ابن عقيل بالحديث حسب مبلغ علم الترمذي ، دون حكم عليه بصحة ولا بغيرها ، وهكذا في نقل ابن كثير لكلام الترمذي عن الحديث / ينظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢ / ٢٢٥ - سورة النساء، آية ( ١١). وبالتالي لا يعول على ما جاء في الطبعات الثلاث السابقة لجامع الترمذي من تصحيح هذا الحديث ، والمناسب لما قدمته ، هو تحسينه فقط لذاته، لتفرد ابن عقيل به حسبما. اطرد من صنيع الترمذي في مثله . ١٣٩ الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ودلالاتها فقط ، بل حرص على إعطائه صفة العموم ، فقد جاء عنه قوله : صنفتُ هذا الكتاب ، وعرضتُه على علماء الحجاز ، والعراق ، وخراسان ، فرضوا به (١) والمعروف أن تلك البلاد في عصر الترمذي كانت تمثل أغلب حواضر العالم الإسلامي ، وعلماؤها يمثلون أغلب المدارس النقدية ، في الدور الذهبي لتقعيد المصطلحات وتطبيقاتها ، كما هو معروف ، فعرض الترمذي لجامعه عليهم ، وتلقيهم له بالرضا والقبول يعد بمثابة الإجماع أو الاتفاق معه من أئمة سلف النقاد ، على ما أودعه وقرره في هذا الجامع في الجملة من فنون الرواية والدراية ، بما في ذلك الحديث الحسن بنوعيه تقعيدا وتطبيقا ، ولو خالفه البعض سابقا أو لاحقا ، فالعبرة بالأغلب الموافق ، وهو نفسه في خلال الجامع وفي كتاب العلل الذي في آخره قد بين مصادره في مشتملات الكتاب عمن سبقوه ، من الأئمة المتبوعين ولاسيما في صناعة الحديث ، وذكر مناظرته ومناقشاته التفصيلية مع كبارهم ، وذكر خلال الجامع وكتاب العلل الذي بآخره وكذا خلال كتاب العلل المفرد ، بعض مخالفاته الاجتهادية لهم ، ومخالفة بعضهم لبعض (٢) ولكنه قرر فيما تقدم ، الحكم الإجمالي منهم بالقبول (١) ينظر: سير النبلاء ١٣ / ٢٧٤ وتذكرة الحفاظ ٢ / ٦٣٤. (٢) ينظر: جامع الترمذي - كتاب العمل ٦ / ٢٢٨ - ٢٤٤، ٢٤٥ - ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥١ وينظر جامع الترمذي - الطهارة ١ / ٧٣ - ٧٤ حديث ٢٢، ٢٣ وينظر العمل المفرد بترتيب القاضى / ٢٩٣، ٣٠٥، ٣٩١ ط عالم الكتب . ١٤٠ الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّغَدِيك لمشتملات جامعه . ثم تابعه على اصطلاحه العام في نوعي الحسن ، عامة من جاء بعده ، والقليل منهم جعل الحسن لذاته عنده هو والجمهور ، نوعا من الصحيح ، كابن خزيمة وتلميذه ابن حبان ، ثم الحاكم ، والتعقب عليهم في ذلك معروف ، ولاسيما الحاكم (١) وأقل من هؤلاء مَنْ خالف . الترمذي في بعض أحكامه الجزئية بالتحسين والتصحيح ، وبذلك يبقى القبول هو الغالب . يقول : الحافظ أبو القاسم عبيد بن محمد الأسعردي ( ت ٦٩٢ هـ ) عن جامع الترمذي : إنه أحد الكتب الخمسة (٢) التي اتفق أهل الحل والعقد والفضل ، والنقد من العلماء والفقهاء ، وحفاظ الحديث النبهاء على قبولها ، والحكم بصحة أصولها ، وما ورد في أبوابها وفصولها (٣). ويقول الحافظ قطب الدين محمد بن أحمد القسطلاني ( ت ٦٨٦ هـ ) ، في بيان الترمذي لدرجات الأحاديث في الجامع : (٤) وقسّم ما رَوَى حَسَنًا صحيحًا غريبًا ، فارتضاه ذَوُوُ الفُهومِ نتائج : وعلى ضوء ما تقدم تتضح لنا النتائج التالية : ١ - أن الإمام الترمذي لم يُعَرِّف نوعا واحدا فقط من الحسن ، وهو : (١) ينظر: النكت على ابن الصلاح لابن حجر ١ / ٢٩٠ - ٢٩١. (٢) يعني الصحيحين، والسنن لأبي داود والترمذي والنسائي. (٣) ينظر فضائل الكتاب الجامع، للترمذي / للحافظ الأسعردي / ٣٠ ط عالم الكتب . (٤) المصدر السابق / ٥٤ .