النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
ذكره لحجية أقوال أصحابها في الكلام على الرواة ، يخالف ما هو مقرر
لدى الجمهور من أن من وصف بما ذكره لأهل تلك المرتبة من التثبت
والحفظ والصدق والورع فإنه يحتج بكلامه في الرجال ، ولو كان عبدا أو
امرأة ، متى كان عارفا بأسباب الجرح والتعديل (١) خاليا من التعنت
والتحامل ونحوهما(٢).
نعم عندما يتعارض قول صاحب تلك المرتبة الثانية ، مع صاحب المرتبة
الأولى فيقدم صاحب الأولى . ومما جاء عن غير ابن أبي حاتم أيضا ، ما
في ترجمة (( أيوب بن أبي تميمة السختياني)) من قول ابن سعد فيه: (( كان
أيوب ثقة ثبتا في الحديث ، جامعًا (٣) عدلا ورعا كثير العلم حجة (٤)
فاشتمل كلامه على تكرير بالمعنى لثلاثة ألفاظ من مراتب التوثيق وهي :
((ثقة وثبت وحجة)) مع تكرير لما دون التوثيق أيضا وهو ((عدل وورع))
فاجتمع هنا التكرير والتركيب من مرتبتين كما سيأتي في مبحثه
والوصف بكثرة العلم وجمعه ، يعد قرينة داخلية مصاحبة تدل على جعل
(١) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٠.
(٢) هدي الساري / ٤٦٠ .
(٣) يعني للمرويات كما سيأتى في بقية أوصافه أنه كثير العلم وانظر دراسات في السنة للأعظمي
١ / ٨٨، ١٤٤، ١٤٥، ١٦١، ١٧٠ ،١٧١، ١٩٣، ٢٠٤، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٦١
و ٢ / ٣٤٦.
(٤) طبقات ابن سعد ٩ /٢٤٦ ط الخانجي، وسير النبلاء ٦ / ١٥، ٢٠ مع اختلاف في ترتيب
الألفاظ عما في المصدر الأصلي وهو الطبقات .

٤٢
الفَاظُ وَ عِبَادَاتُ الَرْجُ وَالتَّعَليك
مرتبة الراوي عند ابن سعد في أعلى التكريرين ، وهو تكرير التوثيق
فيترجح الأخذ به على تكرير ما هو أدنى من التوثيق المذكور معه .
° ومن التكرير للتوثيق ثلاثا بلفظ واحد ، أن الإمام أحمد سئل عن
حديث من طريق جامع بن شداد أبو صخر الكوفي ، عن عمارة عن أبى
معمر ، فأجاب بأن الحديث صحيح ، حديث أبى معمر ، وأن جامع بن
شداد ثبت ثبت ثبت (١) فكرر له لفظ (( ثبت)) ثلاث مرات كما ترى
وأشار إلى ترجيح روايته وصحة الحديث من طريقه .
O ومن التكرير بأربعة ألفاظ ما جاء في ترجمة «أحمد بن عبد الرحمن
ابن أحمد )) المعروف بالشيرازي صاحب كتاب الألقاب ( ت ٤٠٧ ) من
قول أبي الفرج البجلي فيه ((كان صدوقًا ثقة حافظًا يُحسن هذا الشأن (٢)
جيدًا جدا)) (٣).
فهذه خمسة ألفاظ ، الأولى منها دون الثقة ، والأربعة التالية لها من
مراتب التوثيق ، فتعد تكريرًا له بالمعنى وفيها ما يرفعه عن مرتبة تكرير
التوثيق ، إلى مرتبة الاحتجاج بنقده للرواة، لأجل وصفه بعبارة (( يُحسن
(١) مسائل إسحق بن إبراهيم بن هانئ ٢ / ٢٣٧ وبحر الدم / ٩٢.
(٢) يعني علم الحديث .
(٣) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي وفيات سنة ٤٠٧ هـ / ١٥٤ - ١٥٥ والسير ١٧ / ٢٤٢ وتذكرة
الحفاظ ٣ / ١٠٦٥ - ١٠٦٧ مع سقط بعض الألفاظ ومعجم البلدان لياقوت الحموي
٣ / ٣٨١ مع تصرفه في بعض الألفاظ .

٤٣
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
هذا الشأن)) وبقية الأقوال الأخرى فيه تؤيد ذلك .
ومن ذلك أيضا : ما جاء في ترجمة (( أبي نعيم الفضل بن دكين)) من
قول الحافظ ابن عمار (١) فيه: ((متقن حافظ ، إذا روي عن الثقات
حديثه حجة ، أحج ما يكون (٢) فاشتمل هذا التكرير كما ترى على أربعة
من ألفاظ التوثيق، أحدها من أعلى الألفاظ لكونه على وزن ((أفعل )) وهو
بمفرده أرفع من تكرير لفظ ثقة وحجة ، فوجوده ضمن هذا التكرير ، يفيد
رفع أبي نعيم عند ابن عمار إلى المرتبة الأعلى من التكرير مرتين .
ومن ذلك : ما جاء في ترجمة أحد النقاد وهو: (( أحمد بن جعفر بن
محمد المعروف بابن المنادي)) حيث قال فيه الخطيب البغدادي: ((كان
ثقة أمينا ، ثبتا، صدوقا ، ورعا ، حجة فيما يرويه، محصلا لما يمليه)) (٣).
فهذه سبعة ألفاظ ، أربعة منها من مراتب التوثيق واثنان من تكرير المرتبة
التي تحت ((ثقة)) وهما: ((أمين، وصدوق)) وواحد من أدنى ألفاظ
التعديل وهو ((ورع)).
(١) هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي المتوفى سنة ٢٤٢ هـ له كلام جيد في الجرح والتعديل
وتصانيف تذكرة الحفاظ / ٤٩٤ - ٤٩٥ وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل / ١٧٣
ضمن أربع رسائل في علوم الحديث .
(٢) تاريخ بغداد ١٢ / ٣٥٤.
(٣) تاريخ بغداد ٤ / ٦٩ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢ / ٣ - ٦ ينظر الفهرست لابن النديم /
٦٠ ط دار الكتب العلمية .

٤٤
اَلْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَِّعِ وَالتَّعْدِيك
وليس منها ما يفيد بروزه في نقد الرواة ، مع أن له آراء في ذلك ، لكنها قليلة
حتى قال ابن النديم : الغالب عليه علوم القرآن (١) وعلیه یکون تكرير توثيقه
المذكور أكثر من مرتين ، يرفعه أعلا ممن كُرِّر توثيقه مرتين ، ولكن لا يرفعه
المرتبة أعلا من التكرير . وذلك بناء على القرائن الخاصة به ، كما تقدم .
نتيجة
وهكذا نجد : تكرير التوثيق أكثر من مرتين الذي نبه عليه السخاوي
قد تناول ابن أبى حاتم التقعيد والتطبيق لبعض صوره ، وجاء تطبيقه أيضا
في استعمال أئمة النقد المتقدمين والمتأخرين ، لكن مراجعة كتب الرجال
يظهر لنا منها أن التكرير مرتين فقط هو الأكثر ، لأن الوصف بأكثر منهما
يكون لكبار الثقات وأعلام النقاد في كل طبقة وصقع وزمان ، وهم قلائل :
بالنسبة لغيرهم .
التكرير لما دون مرتبة ثقة من مراتب التعديل
لم أجد من تعرض لحكم التكرير لما دون مرتبة ثقة من مراتب التعديل
إلا الشيخ على العدوي - رحمه الله - حيث ذكر أنه يمكن تكرير لفظ
((صالح الحديث، صالح الحديث)) هكذا مرتين، و((جيد الحديث
جيد الحديث))، و((حسن الحديث، حسن الحديث))، أو يقال :
(١) ينظر: الفهرست لابن النديم / ٦٠ ط دار الكتب العلمية.

٤٥
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
((صالح الحديث ، حسن الحديث))، فيكون تكريرًا بالمعنى لألفاظ تلك
المرتبة التي تعد رابعة عند الذهبي والعراقي (١) .
وقد أشار الشيخ العِذوي إلى أن هذا التكرير لا يرفع مرتبة الراوي عن
الرابعة التي هي مرتبة اللفظ المفرد لما هو مكرر ، ولكن يفيد التأكيد في
ذات المرتبة أكثر من الإفراد (٢) .
وقد سبق ذكر الشيخ الطوخي مثل هذا بالنسبة لتكرير ألفاظ مرتبة ثقة ،
ومتابعة الشيخ العدوي له على هذا ، فيستفاد من ذلك أن التكرير عندهما
لألفاظ أي مرتبة من مراتب التعديل حكمه واحد ، وهو تأكيد ثبوت تلك
المرتبة للراوي ، أكثر من الوصف باللفظ المفرد منها ، لكن لا يرفعه ذلك
إلى المرتبة الأعلى منها .
غير أن الذي وقفت عليه من الأمثلة التطبيقية عن غير واحد من النقاد
- ولاسيما المتقدمين - يفيد أن العبرة بما يوجد من قرائن ، فإن وجد منها
ما يرجح رفع مرتبة الراوي عند قائل التكرير ، إلى المرتبة الأعلى من مرتبة
اللفظ المكرر، عند إفراده ، فيحمل التكرير عنده على المرتبة الأعلى ، وإن
لم توجد قرينة مرجحة للأعلى ، تبقى دلالة التكرير على التأكيد فقط
(١) لأن فوقها التكرير ثم إفراد التوثيق، ثم صدوق وما في حكمه، ينظر فتح المغيث للعراقي ٢ /
٣٨ والميزان الذهبي ١ / ٤ مع تصويب في مقدمة اللسان ١ / ١٩٩ وحاشية العدوي على شرح
الشيخ زكريا الأنصاري الألفية العراقي / ٢٥٩ / ب مخطوط .
(٢) تنظر: حاشية العدوي / الموضع السابق .

٤٦
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَهُ وَالتَّغَدَيِك
لذات المرتبة المكررة ، كما أشار إليه كل من الطوخي والعدوي .
وهذه بعض الأمثلة التطبيقية :
فمن ذلك : ما جاء في ترجمة (( عمران بن محدير السدوسي )) حيث
قال أحمد بن حنبل فيه: ((صدوق صدوق)) (١) وبمراجعة القرائن
الداخلية وهي بقية أقوال أحمد فيه ، نجدها إما توثيقا بلفظ ، أو بتكرير
التوثيق بالمعنى، مرتين ((بخ ثقة)) أو ثلاث مرات (( بخ بخ ثقة)) (٢) فهذه
الأقوال تعد قرينة على أن مراد أحمد بتكرير وصفه بـ (( صدوق )) رفعه إلى
المرتبة الأعلى منها وهي (( ثقة)) على الأقل .
ومن ذلك أيضا: ما جاء في بيان حال ((عبد الله بن سعيد بن عبد
الملك بن مروان الأموي)) حيث قال فيه أبو زرعة الرازي: (( لا بأس به ،
صدوق)) (٣) فهذا تكرير بالمعنى للفظين من المرتبة التي تحت مرتبة ((ثقة))
كما هو معروف .
وبالبحث نجد أن أبا زرعة قال فيه مرة أخرى (( ثقة)) (٤) فتعدُّ هذه قرينة
داخلية من أبي زرعة نفسه ترجح أن مراده بتكرير اللفظين : المذكورين رفع
(١) ينظر: ثقات ابن شاهين / ت ١٠٨١ وتهذيب التهذيب ١٢٥٨.
(٢) ينظر: العلل برواية عبد الله: ١ / ١٢٤ و٣٠/٢ ط اللواء. والمعرفة للفسوي ٢ / ١٢٨ والخرح
والتعديل ٦ / ٢٩٥ - ٢٩٦ وتهذيب التهذيب ٨ / ت ٢١٧ .
(٣) الجرح والتعديل ٥ / ٧٢ والتهذيب ٥ / ٢٣٨ والتعديل والتجريح للباجي / ٢ / ٨٤٧.
(٤) ينظر: مختصر ابن بدران لتاريخ دمشق لابن عساكر ٧ / ٤٣٨ وتاريخ ابن عساكر ٢٩ / ٥٩.

٤٧
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
درجة (( عبد الله بن سعيد)) هذا إلى مرتبة الثقة ، كما أن بقية الأقوال من غير
أبي زرعة في حال ((عبد الله)) على توثيقه (١) .
وما ذكره الذهبي من وقوفه على قول لابن معين بتضعيفه لم يتيسر لي
الوقوف عليه بعد البحث ، وقد وضع على أول ترجمته علامة (صح))
إشارة إلى ترجيحه لتوثيقه (٢) وكذا جزم به فى الكاشف (٣) وكذا
الحافظ في التقريب (٤) .
ومن ذلك: ما جاء في شأن ((هارون بن سعد العجلي ، ويقال
الجعفي الكوفي الأعور)) ، فقد روي عنه شعبة وغيره ، وأخرج ابن أبى
حاتم بسنده إلى شعبة قال : هارون الأعور ، من خيار المسلمين ، مرارًا (٥)
فهذه اللفظة من مرتبة ((صدوق)) (٦) وهي التي تحت مرتبة ((ثقة))
ويحسن حديث أصحابها على الراجح .
(١) ينظر: تهذيب الكمال ١٥ / ٣٥ وتهذيب التهذيب ٥ / ٢٣٨ وإكمال تهذيب الكمال ٧ /
٣٨٣.
(٢) الميزان ٢ / ٤٢٩ والمغني ١ / ت ٣١٩٥ وينظر: البيان والتوضيح لأبي زرعة ابن العراقي / ١٠٢.
(٣) ١ / ت ٢٧٥٣ .
(٤) ينظر: التقريب ( ت ٣٣٥٧).
(٥) الجرح والتعديل ١ / ١٥٦ وقد ترجم ابن أبي حاتم لهارون هذا في موضعه من كتاب الجرح
والتعديل ٩ / ت ٣٧٤، لكن لم يذكر فيها قول شعبة هذا، وإنما ذكره في ترجمته لشعبة في
مقدمة الجرح ١ / (١٥٦) فقط ، ولذلك لم يُذكر قول شعبة هذا في ترجمة هارون في
المصادر المتأخرة لترجمته بما فيها تهذيب التهذيب ١١ / ٦ .
(٦) ينظر: فتح المغيث للسخاوي ٢ / ١١٣ - ١١٤.

٤٨
الفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَهْ وَالتَّعْدِيك
وقد كرر شعبة هذا اللفظ مرارًا في وصف ((هارون)) يعنى أكثر من
مرتين .
كما ذُكر فى ترجمته أن شعبة روى عنه (١) وقد وُصف بأنه لا يروى
إلا عن ثقة عنده ، ماعدا نفرا بأعيانهم ، ولم يُذكر هارون منهم (٢) فتعد
رواية شعبة عن هارون قرينة داخلية ترجح أنه يريد بتكرار هذا اللفظ أكثر
من مرتين توثيقه ، وإن كان بدرجة أقل من وصفه الصريح بثقة .
كما أن هذا التكرير الزائد من شعبة ، يبدو أن سببه الرد على ما نُسب
إليه هارون من بدعة الرفض والدعوة إليها .
وقد دفع الإمام الذهبي ذلك عنه وذكر عنه ما يدل على نقد الرافضة (٣)
كما أن ابن حبان ذكره فى المجروحين لأجل بدعته ، ولكن ذكره أيضا في
الثقات (٤) وأخرج له في صحيحه الحديث الذي أخرجه له مسلم (٥).
ونحو هذا صنيع ابن معين، فنسبه في رواية إلى ما يقتضي غلوه في التشيع (٦)
(١) ينظر: تهذيب الكمال ٣٠ / ٨٥ والتهذيب ١١ / ٦ وتاريخ الإسلام ٠٣/٦/٩
(٢) ينظر: شرح علل الترمذي لابن رجب ١ / ٨٦ تحقيق الأخ الدكتور نور الدين عتر والمجروحين
لابن حبان ١ / ٢٠٩ وفتح المغيث للسخاوي ٢ / ٤٢ .
(٣) ينظر: تاريخ الإسلام للذهبي ٩ / ٣١٦ وإكمال تهذيب الكمال ١٢ / ١٠٨.
(٤) الثقات ٧ / ٥٧٩ .
(٥) صحيح مسلم / حديث ( ٢٨٥١) مع الإحسان ١٦ / حديث ( ٧٤٨٧ ).
(٦) التاريخ برواية الدورى ٢ / ٦١٣.

٤٩
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
وفي رواية قال : ليس به بأس (١) وهي من مرتبة الثقة عنده كما تقدم ،
وقال أبو حاتم : لا بأس به ، مع ذكر ما يدل على تشيعه (٢) .
وقال الإمام أحمد : روى عنه الناس ، وأظنه كان يتشيع ، وهو صالح (٣)
وذكر له ابن عدي الحديث الذي أخرجه له مسلم وابن حبان كما تقدم وهو
غير منفرد به ، وذكر له حديثين آخرين ثم قال : له غير ما ذكرت أحاديث
يسيرة ، وليس في حديثه حديث منكر فأذكره ، وأرجو أنه لا بأس به (٤).
ثم لخص الذهبي حاله بقوله : صدوق ، لكنه رافضي ثُقْل (٥) وقد سبق
دفعه ذلك عنه .
وقد اقتصر في الكاشف على قوله : صدوق (٦) ونحوه قال الحافظ في
التقريب : صدوق ، رُمي بالرفض وقيل رجع عنه (٧) .
وهذا يدل على أن الخلاصة العامة لحال الراوي ، قد تخالف ما يترجح
من رأي ناقد معين فيه ، مثل ترجيحي السابق لحمل التكرير المذكور من
(١) تاريخ الدارمي رقم (٨٥٤) والجرح والتعديل ٩ / ٩٠.
(٢) الجرح ٩ / ٩١ .
(٣) المصدر السابق والكامل ٧ / ٢٥٨٧ والعلل برواية عبد الله ٢ / ٣٠ ط اللواء.
(٤) الكامل ٧ / ٢٥٨٨
(٥) المغني ٢ / ت ( ٦٦٩٧ ) .
(٦) الكاشف ٢ / ت ٥٩٠٨ .
(٧) التقريب ( ت ٧٢٢٧ ) .

٥٠
الفَاظُ وَعَبَاَاتُ الَعِ وَالتَّعَدَّيِّك
شعبة على توثيقه لهارون بن سعد هذا ، ويتفق معه قول ابن معين ، وإن
خالفهما غيرهما ، كما مرت الأقوال .
وأما ما يعتبر التكرير فيه تأكيدًا فقط لمرتبة اللفظ المكرر ، دون رفعها :
فمن الأمثلة المشهورة فيه ما جاء في ترجمة (( خالد بن دينار التميمي أبو
خلدة ، البصري)) فقد أخرج الترمذي له في جامعه ثلاثة أحاديث (١) .
وعقّب على الأول منها بقوله ((هو ثقة عند أهل الحديث))، ثم قال:
((قال عبد الرحمن بن مهدي : كان أبو خلدة خيارا مسلما)) (٢) :.
فذكْرُ الترمذي قول ابن مهدي هذا في تكملة كلامه ، بعد تقريره توثيق
أهل الحديث عموما لأبي خلدة ، يفيد أنه يعد قول ابن مهدي المذ کور من
توثيق أهل الحديث الذي قرره أولا في صدر كلامه ، ومقتضى هذا ، أن
الترمذي رفع دلالة هذين اللفظين من ابن مهدي إلى مرتبة التوثيق وفي
الموضع الثاني الذي أخرج الترمذي فيه حديثا آخر لأبي خلدة ، اكتفى
بقوله : وهو ثقة عند أهل الحديث (٣) .
ويُعَدُّ مجموع صنيع الترمذي هذا قرينة خارجية لحمله قول ابن مهدي
هذا على التوثيق المطلق ، مع أن الاصطلاح العام يخالف هذا .
(١) ينظر: رقم (١٨١١، ٣٨٣٣، ٣٨٣٨) ط د / بشار .
(٢) جامع الترمذي ( ١٨١١ ) أبواب الأطعمة.
(٣) ينظر : جامع الترمذي حديث ( ٣٨٣٣) أبواب المناقب .
۔۔۔

٥١
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
فأول اللفظين وهو (( خيار)) من المرتبة التي تحت ثقة ، كما سبق ،
فيُحَسّن حديث الموصوف به لذاته .
واللفظ الثاني وهو ((مُسلم)) يفيد عدالة الدين فقط ، فيكون من أدنى
مراتب التعديل التي يضعف حديث أهلها لعدم الضبط ، فيعتبر به .
أما الإمام البخاري ففي ترجمته لأبي خلدة ذكر أن يزيد بن زريع قال :
كان ثقة، ثم قال : وقال ابن مهدي: كان خيارًا مسلمًا، صدوقا (١).
فيلاحظ أنه زاد لفظا ثالثا وهو ((صدوق)) فأصبح في قول ابن مهدي
تكريرا معنويا بلفظين من المرتبة التي تحت الثقة ، وهما ((خيار ))
و((صدوق)) بالإضافة للفظ ((مسلم)) كما يلاحظ أنه ذكر لفظ كل
قائل على حدة .
فابن زريع صرح بلفظ التوثيق ، وابن مهدى ذكر الأقل منه مع تعدد
الألفاظ ، وقد أخرج البخاري في صحيحه لأبي خلدة .
فمجموع صنيعه يحتمل أمرين :
١- إما أنه يرى تصريح ابن زريع بتوثيقه ، أعلى من قول ابن مهدي
المؤكد بالتكرير ، فقدم قول ابن زريع ، إشارة إلى ترجيحه (٢) .
ويؤيد هذا انفراد البخاري عن مسلم بالإخراج لأبي خلدة في صحيحه
(١) التاريخ الكبير للبخاري ٣ / ت ٥٠٠ .
(٢) ينظر: التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح / ٣١٤، ٣١٧، ٣٧٨، ٣٩٥ ففيها تقرير
العراقي لهذه القاعدة وتطبيقه لها .

٥٢
الْفَاظُ وَ عَبَارَاتُ الََّةِ وَالتَّعْدِيك
كما قدمت (١) .
٢- وإما أن البخاري يرى أن قول ابن مهدي يفيد التوثيق أيضا مثل قول
ابن زريع وإن اختلفت الألفاظ ، فذكر قولين على أنهما توثيقين لأبى
خلدة ، وهذا يلتقى مع صنيع الترمذي تلميذ البخاري ، كما تقدم
توضيحه .
لكن يبدو لي أن الاحتمال الأول لصنيع البخاري هو الأقرب ، وعلى:
فرض أن الاحتمال الثاني هو الأقرب ، فيكون مجموع صنيع الترمذي
وشيخه البخاري قرينة خارجية، ولدينا قرينة داخلية تخالفها . فقد جاء
عن ابن مهدى نفسه أنه قال : حدثنا أبو خلدة ، فقال له رجل : يا أبا
سعيد ، أكان ثقة - قال : كان صدوقا ، وكان مأمونًا ، وكان خيارًا الثقة.
شعبة وسفيان (٢) .
(١) وينظر: تهذيب الكمال: ٨ / ٥٦ - ٥٩ .
(٢) ينظر: الجرح والتعديل ٣ / ٣٢٨ والكفاية للخطيب ص ٢٢ والكامل لابن عدي ١ / ١٦٦
وجاء فيهما من طريقين عن الفلاس: ((كان خيرا)) بدل ((خيارًا)) لكن أكثر النقول على ما أثبته
التعديل والتجريح للباجي ٢ / ٥٥٠ وتهذيب الكمال ٨ / ٥٧ - ٥٨ وتهذيب التهذيب
٣ / ٨٨ وليس فيهما ((وكان صدوقا)) ولم يُذكر لفظ ((خيار)) في الموضع الأول لذكر هذه
الرواية عند ابن أبى حاتم ٢ / ٣٦، لكن الألفاظ الثلاثة ثابتة عنده باسناده في موضعها الأصلى
وهو ترجمة أبى خلدة ٣ / ٣٢٨ وفي رواية الخطيب من طرق عن الفلاس عن ابن مهدي
الكفاية / ٢٢ ومثله الكامل لابن عدي ١ / ١٦٦ وفي نقل الباجي / التجريح والتعديل
٢ / ٥٥٠ - ٥٥١ وابن الصلاح، وذكر العراقي أنه المشهور عن ابن مهدي / ينظر التقييد
والإيضاح مع المقدمة / ١٥٨ - ١٥٩ .

٥٣
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
وذكر المزي والذهبي رواية بلفظ أن ابن مهدي قال : حدثنا أبو خلدة
فقال له أحمد بن حنبل: كان ثقة؟ فقال: كان مؤدِّيًا (١) وكان خيارًا ،
الثقة شعبة ومسعر ومعنى لفظ ((مؤدِّيا)) أنه حسن الأداء لمروياته ، وإن
كان في حفظه صدرًا شيءٍ (٢) .
فتكون هذه اللفظة معناها الاصطلاحى مقارب لمعنى اللفظة الثانية التي
ذُكرت معها وهي (( خيار)) ومقارب كذلك للفظ ((مأمون)) الذي ذكر
بدله في الرواية الأولى، وقد زادت الرواية الأولى أيضا لفظ ((صدوق))
(١) تحرفت في طبعتى تهذيب الكمال والسير إلى [مؤديا] مع ضبطها المذكور بالشكل وقد جاءت
الكلمة في غير هذا الموضع وهو ترجمة (( سعد بن سعيد الأنصارى)) أخو يحيى بن سعيد ، في
الجرح ٤ / ٨٤ والميزان ٢ / ١٢٠ وتهذيب الكمال ١٠ / ٢٦٤ بلفظ ((مؤدِّى)) وفسرها ابن
أبى حاتم بقوله : يعنى أنه كان لا يحفظ، يؤدِّى ما سمع)) ونقل ذلك كل من الذهبي والمزي ،
وبذلك لا يكون التحريف الواقع هنا منهما ، بل من النسخ وأما ضبط الشكل فهو من المحققين !
وقد جاء عن أبى الحسن بن القطان الفاسى (ت ٦٢٨ ) ومن بعده ابن دقيق العيد ( ت ٧١١ )
أنه اختلف في ضبط هذه الكلمة فمنهم من ضبطها هكذا ( أى مودٍ ) فتكون بمعنى هالك ،
ومنهم من ضبطها بهمزة قبل الدال مع تشديد الدال ( أى مُؤَدّ )) فتكون بمعنى حسن الأداء /
الميزان ٢ / ١٢٠ ترجمة (سعد بن سعيد)) والتهذيب ٣ / ٤٧١ ووقع فيه نسبة قول («مود ))
إلى ابن معين وقول أبى حاتم بلفظ (( يؤدى)) وهذا خطأ والصواب أنه قول واحد لأبى حاتم
بلفظ (( مود )) وذكره ابن القطان هكذا وذكر الخلاف المذكور في ضبطه وفي معناه تبعا له / ينظر
الوهم والإيهام ٣ / برقم (٦٨٦). وعليه يكون معنى قول ابن مهدي جاء هنا على الضبط بتشديد
الدال وهمزة فوق حرف الواو، ومعناه وصفه لأبى خلدة بحسن الأداء، مع شيء في حفظه ، فتكون
اللفظة بمعنى ومرتبة لفظ (( خيار)) الذي ذكره معها ، وبهما يحصل التكرير مرتين بالمعنى.
(٢) تنظر الحاشية السابقة.

٥٤
الفَاظُ وَعَبَارَاتُ الَهُ وَالتَّغَديك
كما تقدم . وقد ذكر العراقي إمكان الجمع بين الروايتين بأن يكون ابن
مهدى سُأل مرتين مع تأييد ذلك باختلاف السائل فى الرواتين (١).
وقد علق ابن أبى حاتم على الرواية الأولى بأن ابن مهدى بهذا قد أخبر أن
الناقلة للآثار والمقبولين على منازل، وأن أهل المنزلة الأعلى، الثقات ، وأن أهل
المنزلة الثانية ، أهل الصدق والأمانة (٢) وتابعه على هذا العراقى (٣) فأصبح
بذلك معنا قرينة داخلية صريحة من القائل وهو ابن مهدى أن الألفاظ
المذكورة التى مجموعها خمسة ، مع تكررها بالمعنى مرتين أو ثلاثا ، فهي
عنده أدنى مرتبة من الوصف بلفظ (( ثقة)) صراحة ، وإن كان الموصوف بتلك:
الألفاظ محتجا به أيضا عنده ، بدليل أنه أجاب بهذا عند تحديثه عن أبى خلدة
وهو معروف بأنه كان لا يروى إلا عن ثقة أو محتج به عنده غالبا (٤) ولعل.
السامعين كانوا يرون أبا خلدة أدنى عندهم من الثقة فلما وجدوا ابن مهدی
يحدثهم عنه سألوه ليعرفوا رأيه تصريحا ، فأجاب بما ذُكر إشارة إلى أن هذا
وإن لم يكن بمرتبة الثقة المصرح بوصفه بذلك فهو محتج به بدرجة أدنى
منها ، وقد أقر ابن مهدي وابن أبي حاتم على هذا غيره (٥).
(١) ينظر: التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح / ١٥٨ - ١٥٩.
(٢) ينظر: الجرح والتعديل ٢ / ٣٦.
(٣) فتح المغيث للعراقى ٢ / ٣٩.
(٤) ينظر: سؤالات أبى داود لأحمد في الجرح والتعديل / رقم (١٣٧ و ٥٠٣) والكفاية للخطيب / ٩٢
(٥) ينظر: فتح المغيث للعراقى ٢ / ٣٩ وللسخاوي ٢ / ١١٨.

٥٥
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
وبهذا تعاضدت القرينة الداخلية مع أكثر من قرينة خارجية ، على أن
تكرير الوصف ولو أكثر من مرتين بما تحت مرتبة (( ثقة)) ، قد يوجد من
القرائن ما يقتضي عدم رفع مرتبة الراوي به إلى مرتبة الثقة ، ولكن يفيد
فقط تأكيد اتصافه بمرتبة اللفظ المكرر .
تعقب ورژه
هذا وقد ذكر ابن عبد البر في ترجمة أبي خلدة أنه ثقة عند جميعهم ،
ثم ذكر قول ابن مهدي السابق في أبي خلدة بعدم وصفه بلفظ الثقة
ووصفه بصدوق وما معه ، ثم عقب ابن عبد البر بقوله : هذا لا معنى له
في اختيار الألفاظ ، والتأويل فيها على الهوى (١) .
وهذه عبارة شديدة من ابن عبد البر في غير موضعها ، من وجوه
متعددة ، في مقدمتها : وصفه ابن مهدي بأنه يتأول الألفاظ النقدية
بالهوى ، فالعبارة التي ذكرها ابن مهدي لا يفهم منها التأويل بالهوى
معاذ الله ، كما أن ممن عاصر ابن مهدي من النقاد وأخذ عنه العلم ، من
يصفه بما يدفع عنه مثل هذا .
فالإمام أحمد يقول : إنه إمام من أئمة المسلمين ، وإذا حدث عن رجل
فهو حجة .
(١) ينظر: الاستغناء لابن عبد البر ٢ / ت ٦٦٥، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي / ص ٦٦٦
( مخطوط ) .

٥٦
اَلْفَاظُ وَعَبَاَالُّالَِّ وَالتَّعْدِيك
وعلى بن المديني يقول : إذا اجتمع يحيى بن سعيد - يعني القطان .
وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل ، لم أحدث عنه ، فإذا اختلفا .
أخذت بقول عبد الرحمن ؛ لأنه كان أقصدهما - يعنى أكثرهما اعتدالاً .
وكان في يحيى تشدد (١) .
وأما ما ذكره ابن عبد البر من أن قول ابن مهدي لا معنى له في اختيار
الألفاظ النقدية ، فهو خلاف المجمع عليه من تفاوت مراتب الرواة ، وتميز
علم الجرح والتعديل بالدقة في اختيار الألفاظ والعبارات الاصطلاحية التي
تعبر عن ذلك ، وأُلْزَمُ حُجَّةٍ على ابن عبد البر في ذلك صَنِيعُهُ هو نفسه في
مؤلفاته المتداولة بيننا(٢).
ثم إن ما قرره ابن عبد البر في حال أبي خلدة من كونه ثقة عند عامة
أهل الحديث ، قد سبقه إليه الترمذي ، وهو لا ينافي ما قرره ابن مهدي
وفهمه عنه ابن أبي حاتم وغيره ، أنه لم يخرج أبا خلدة من دائرة الحجية ،
وإنما جعل مرتبته فيها أدنى من مرتبة المصرح بتوثيقه بالاتفاق مثل شعبة
وسفيان الثوري ومسعر بن كدام ، وابنُ مهدي مقدم القول في هذا ؛ لأنه
عاصر أبا خلدة بنفسه وتلقى عنه الحديث ، وحدَّث الناس عنه (٣) بل إن
(١) ينظر: تهذيب التهذيب ٦ / ٢٨٠.
(٢) وينظر: إشارة السخاوي لما ذكرته في صدر هذه الفقرة الأخيرة، من عدم التنافى بين قول ابن مهدي
وبين اعتبار أبى خلدة ثقة مطلقا. / فتح المغيث ١١٩/٢ وتبعه الصنعاني في توضيح الأفكار ٢٦٨/٢.
(٣) وينظر: توضيح الأفكار الصنعاني ومعها تنقيح الأنظار لابن الوزير ٢ / ٢٧٢ - ٢٧٣.

٥٧
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
سؤال الإمام أحمد وغيره ممن كان حاضرا ، عن إمكان وصف أبى خلدة
بأنه ثقة - دليل على تفريقهم بين الألفاظ النقدية واختيار المناسب منها لحال
الراوي ، وتثبتهم من إقرار ابن مهدي ذلك أو مخالفته .
ومن أمثلة ما أفاد التكرير في وصفه تأكيدَ المرتبة المكررة
فقط، لأجل القرينة، ما جاء في ترجمة ((سعيد بن سالم القداح ))
حيث ذكر ابن عدى مما ينكر عليه ستة أحاديث وأشار إلى عدم تفرده
بالأول منها ، وفي آخرها قال : ولسعيد بن سالم غير ما ذكرت من
الحديث ، وهو حسن الحديث ، وأحاديثه مستقيمة ، ورأيت الشافعي كثير
الرواية عنه .. وهو عندى صدوق لا بأس به ، مقبول الحديث (١) .
ومن يراجع كتابه الكامل لابن عدي ، وكتاب أسامي شيوخ البخاري
في صحيحه ، يجد أنه يفرق بين الصحيح وبين الحسن لذاته اصطلاحا ،
ويفرق بين الوصف بثقة ونحوها ، وبين الوصف بصدوق ولا بأس به
ونحوهما .
فالقول المذكور هنا في خلاصة حال (( سعيد القداح )) عنده ، فيه وصفه
بلفظين من مرتبة واحدة ، وهي التي تحت الثقة وهما (( صدوق ولا بأس
به )) فيعد هذا تكريرًا مرتين بالمعنى .
ثم إنه وصف سعيدًا أيضا بثلاثة ألفاظ أخرى هى : حَسن الحديث
(١) الكامل لابن عدي ٣ / ١٢٣٣ - ١٢٣٥.

٥٨
الْفَاطُ وَعَبَدَات الَهُ وَالتّعْدِيك
وأحاديثه مستقيمة ، ومقبول الحديث - يعني غير ما ينكر عليه - فالوصف
بالقبول وباستقامة حديثه في الجملة ، يعد قرينة داخلية على أنه يريد
بحسن حديث سعيد ، الحُسن الاصطلاحي لذاته ، وهذا بدوره يدل على
أن مراده بالتكرير تثبيت مرتبة سعيد وتأكيدها فقط ، وأن ما يُذكر له من
مناكير ، وإن أنزله عن مرتبة الثقة المطلق ، إلا أنه لم يخرجه عن دائرة
الحجية وحسن حديثه لذاته في غير ما ينكر عليه (١) .
وبقية أقوال النقاد في حال ((سعيد القداح )) والتي تعد قرائن خارجية ،
تُضم إلى خلاصة حاله هذه عند ابن عدي ، ويُستخلص من المجموع ما
يترجح في حاله عموما .
وبالمراجعة نجد في ذلك اختلافا ، فقد صرح محمد بن السكرى بأنه ثقة
عنده (٢) وفي رواية عثمان الدارمي عن ابن معين أنه قال : القداح ثقة ،
ثم تعقبه في هذا الدارمي نفسه بأن القداح ليس بذاك في الحديث (٣) وفي
رواية ابن الجنيد ، ورواية عن الدوري أيضا أن يحيى قال : ثقة (٤)
(١) الكامل ٦ / ٢٣٥٤ حيث قرر أن ((من لا بأس به)) شأنه أن يقع في حديثه بعض الغلط، ولكن
عامة حديثه عدا ذلك تكون مستقيمة، وتابعه على ذلك صاحب الجوهر النقي / ١ / ٢٣١
بهامش السنن الكبرى للبيهقي وينظر أيضا الكامل ٣ / ١١٧٨ خلاصة حال «سلمة بن صالح
الواسطي)) و ٢١١٢ ((سعيد بن بشير)).
(٢) الإكمال لمغلطاي ٥ / ٢٩٩.
(٣) تاريخ الدارمي عن ابن معين رقم (٢٦٣، ٣٦٤) والكامل لابن عدي ٣ / ١٢٣٤.
(٤) رواية الدوري برقم (٣٢٦١) وابن الجنيد رقم ( ١٠٣ ).

٥٩
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ودلالاتها
وفي رواية للدوري وابن أبى مريم قال يحيى: ليس به بأس (١) وفي
رواية ابن محرز ، مرةً قال : لم يكن به بأس ، صدوق . وهذا لا يعد
تكريرًا مثل تكرير ابن عدي السابق ؛ لأن ابن معين له اصطلاح ذكره في
إطلاق (( لا بأس به)) أنها تعد بمرتبة ثقة (٢) فتكون عنده أرفع من مرتبة
((صدوق)) الذي ذكره معه ، فيعد هذا بظاهره تركيبا من مرتبتين كما
سيأتي ، لكن جاء في رواية ابن محرز أيضا رواية فسرت هذا الاجمال
حيث قال ابن محرز : إنه سأل ابن معين مرة أخرى عن القداح فقال :
ليس به بأس ، إنما كان يتكلم في رأى أبي حنيفة ، ولكنه صدوق (٣).
فأوضح هنا مراده بذكر ((صدوق)) مع (( ليس به بأس)) أنه ليس لجعل
القداح في مرتبة أدنى ، من التوثيق الذي أثبته له بعبارته الاصطلاحية ، ولكن
قصده نفي اتهامه بالكذب لأجل رأيه وفتواه بمذهب الحنفية ، وبيان أن ذلك
لا ينزله عن مرتبة التوثيق التي أثبتها له في عدة روايات عنه، مرة بلفظ ((ثقة))
صراحة، ومرة بما في حكمها وهو لفظ (( ليس به بأس)) وجاء عن ابن
معين أيضا رواية بتضعيفه الشديد بغير تهمة الكذب فقال: ليس بشيء (٤)
(١) الدوري ٢ / ٢٠٠ برقم ٣٤٢ والكامل لابن عدي / الموضع السابق.
(٢) التدريب ١ / ٤٠٥ - ٤٠٦ .
(٣) ينظر: رواية ابن محرز ١ / رقم ٢٤٣ و٣٣٠.
(٤) ينظر: المجروحين لابن حبان ١ / ٣١٦.

٦٠
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَعُ وَالْتَّخَديك
ومرة قال : كانوا يكرهونه (١) يعنى في الرواية .
لكن من العرض السابق لأقواله ، يظهر أن أكثرها على توثيقه بعبارة
(( ليس به بأس)) ووصفه بالضعف مطلقا: الساجى (٢).
وذكره أبو العرب الصقلي وابن الجارود وأبو زرعة الرازي في
الضعفاء (٣) ونسبه غير واحد إلى بدعة الإرجاء والغلو فيها ، وعلل
بعضهم تضعيفه بهذا (٤) لكن أشار أبو داود إلى عدم قدح بدعته في
صدقه ، فقال : صدوق يذهب إلى الإرجاء (٥) .
وتقدم أيضا وصف ابن معين له بأنه صدوق ، ونسبه إلى الصدق أيضا
كل من أبي زرعة الرازي وأبي حاتم (٦) أما العقيلي فنسب إليه الغلو في
الإرجاء وقال : وفي حديثه وهم (٧) ومن بعده قال ابن حبان : کان یری
الإرجاء ، وكان يهم في الأخبار ، حتى يجيء بها مقلوبة ، حتى خرج
(١) ينظر: إكمال مغلطاي ٥ / ٢٩٩.
(٢) التهذيب ٣ / ٣٥ والإكمال لمغلطاي ٥ / ٢٩٩ .
(٣) إكمال مغلطاي ٥ / ٢٩٩ وأبو زرعة الرازي وجهوده ٢ / ت ١٢٣.
(٤) الضعفاء للعقيلي ٢ / ١٠٨ والكامل ٣ / ١٢٣٤ والمعرفة للفسوى ٣ / ٥٤، والتاريخ الكبير
للبخاري ٣ / ٤٨٢ وإكمال مغلطاي ٥ / ٢٩٨ - ٢٩٩ .
(٥) تهذيب التهذيب ٤ / ٣٥ .
(٦) الجرح والتعديل ٤ / ٣١.
(٧) ينظر: ضعفاء العقيلي بتحقيق الدكتور / عبد الله على حافظ المكي ٣ / ٥٧٦.