النص المفهرس

صفحات 1-20

الفَاطِ وَ عَبَارَات
وَالتَّعَدُّل
الَـ
بَيَ الأَ فَادْ، وَالتَّكِنِ، وَالتَّكِ
ودِلاَ لَ كَلّ مَنَهَا عَلىَّ حَالِ الرَّاوِي وَالمَوِي
الَكَوْر ◌ِحمِ مَعَبْدَ عَبْدِ الََّ
أضْوَاءُ السََّلِفَ

۔
الطَبْعَةُ الأولِىََّ
:
١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤م
مَكْتَبَةُ ضْوَاءَ النََّلِفْ الرياض - الربوة الدائري الشرقى مخرج ١٥
لِضَاحُهَا
صب ١٢١٨٩٢ - الرمز ١١٧١١ ت ٢٣٢١٠٤٥ - جوال ٥٥٢٨٠٣٢٨

٣
◌ِّ ◌َ الجحيم
مُقَدقه
في بيان الداعي للكتابة في الموضوع والخطة العامة له
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ،
وخاتم المرسلين ، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين .
وبعد :
فهذه دراسة تقعيدية وتطبيقية في أدق علوم السنة المطهرة ، وهو علم
الجرح والتعديل الذي يعد ميزان نقد الرواة ، والمرويات .
وقد خصصتها لجانب من جوانب هذا العلم ، لعل القارئ الكريم
يشاركني ما لاحظته من أنه لم ينل ، ما يستحقه من التمحيص والتأصيل
ثم التطبيق العملي على هدي ذلك ، رغم ما لهذا كله من أهمية بالغة
كما ستأتي الإشارة إليها قريبا بإذن الله .
وقد قسمت الموضوع بعد هذا التقديم إلى الآتي :
١ - تمهيد في بيان أهمية الموضوع التي اقتضت بحثه ، وبيان معاني
مفردات العنوان الذي اخترته له .
٢ - وقسمت الموضوع إلى ثلاثة فصول هي :

٤
الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ، ودلالتها .
الفصل الثاني : الألفاظ والعبارات المكررة ، ودلالاتها .
الفصل الثالث : الألفاظ والعبارات المركبة ، ودلالتها .
الخاتمة : في أهم نتائج البحث ، والاقتراحات .
الفهارس .
والله تعالى أسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم إنه سميع
مجيب .

التَّهَيِّدْ
أولاً: بيان أهمية الموضوع
ترجع أهمية هذا الموضوع إلى أنه متعلق ببيان أحوال ومراتب رواة السنة
المطهرة التي على أساسها تتحدد درجات المرويات عنهم تصحيحا أو
تضعيفا، أو وضعا ، ومن ثم يتقرر الاستدلال بالمروي ، أورده .
وقد رأيت أن الأنواع الثلاثة التي ذكرتها في عنوان هذا البحث
وهي : الإفراد ، والتكرير ، والتركيب ، قد ورد كل منها في ألفاظ
وعبارات النقاد ، المتقدمين ، والمتأخرين تبعا لهم ، إلا أن الذي كثر
الاعتناء ببيان دلالته على حال الراوي ، ومرتبته في ذلك ، ودرجة حديثه
هو النوع الأول ، وهو الألفاظ والعبارات المفردة فقط ، كما يلاحظ ذلك
بمراجعة باب ((من تقبل روايته ومن ترد ، ومراتب ألفاظ الجرح
والتعديل )) في أكثر كتب مصطلح الحديث .
أما النوعان الثاني والثالث، وهما : التكرير ، والتركيب فتناولهما قليل
وتابع للنوع الأول ، مع أن استعمالهما في بيان أحوال الرواة موجود
بكثرة ، لا سيما عند المتقدمين من أئمة النقد ، كما سيأتي في الأمثلة
التطبيقية خلال البحث .

٦
ولذا فإني رأيت أنهما في حاجة إلى بحث وتأصيل وتطبيق ، يؤصل
ويوضح دلالة كل منهما ومرتبته النقدية ؛ تقعيدا وتطبيقا ودرجة حديث :
الراوي الموصوف بكل منهما ، على ضوء ذلك ، مع اعترافي بأن ما
سأقدمه بعون الله ، ليس إلا خطوة متواضعة في مسيرة ، واسعة الجوانب .
عميقة الأغوار ، في دقائق المنهج النقدي الرائد ، عند المحدثين ، وتطبيقه
ورحم الله رائد تأصيل وتقعيد هذا العلم وهو الإمام الشافعي حيث
قال: ((من تعلَّم علما فليُدَقِّق فيه، لئلا يضيع دقيق العلم)) (١) كما أني
معترف كذلك بما لا يبرأ منه مثلي من الخطأ والسهو ، والكمال لله وحده
والعصمة لأنبيائه ورسله ، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي .
(١) أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ١ / رقم ٤١٦ ط أضواء السلف ومناقب الشافعي
٢ / ١٤٢ ط دار التراث .

٧
ثانيا: بيان معاني مفردات عنوان البحث
حيث إن عنوان البحث هو: ((أَلْفَاظُ وَعِبَارَاتُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل بين
الإِفْرَاد ، والتّكْرِير ، والتَّزْكِيب ودِلالة كُلِّ منها على حَالِ الرَّاوِي
والمزوي ))؛ فهو قد اشتمل على ألفاظ ستتكرر مرارا خلاله ، فمن
المناسب بيان المقصود بتلك المفردات منذ البداية حتى يكون معناها
واضحا لدى القارئ في مواضع استعمالها .
فقولي ((أَلْفَاظُ وَعِبَارَاتُ))
المراد بـ ((الألفاظ)): ما عُبر فيه عن حال الراوي أو عن درجة حديثه
بلفظة واحدة مثل (( ثقة)) أو ((ضعيف))، أو ((صدوق))، أو ((شيخ)) أو
((عدل))، أو ((ضابط))، أو ما يكون مضافا ومضافا إليه مثل ((صالح
الحديث)) أو ((منكر الحديث))، أو متروك الحديث)) وهكذا(١)
والمراد بـ ((العبارات)): ما كان مكونا من جملة فأكثر مثل: يكتب
حديثه ، أو (( لا يحتج به ، أو ليس بحجة ، أو لا بأس به ، أو يضع
الحديث ، أو (( لا أرى بحديثه بأسًا إذا روى عنه ثقة أو صدوق)) (٢)
(١) وهذا بحسب المصرّح به في وصف الراوي وإن كان هناك محذوف مقدر مثل ((هو)) أو
(( هذا)) أو ( فلان)).
(٢) ينظر في الكامل لابن عدي ٢ / ٣٥٠ - ٣٥١.

٨
أو ((أوثق من برأ الله)) (١) .
وربما يطلق ((اللفظ)) على عبارة تجوزا ، أو لدلالة السياق على
المقصود ، فيكون هذا خلاف الأصل والغالب .
وأما ((الإفراد، والتكرير، والتركيب)): فهذه هي الصور الثلاث التي
لاحظت أن النقاد - غالبا - يوردون بيانهم الأحوال الرواة بصورة أو أكثر
منها .
وسيأتي بيان المقصود بكل صورة في الفصل الخاص بها ، وذلك على
النحو التالي :
(١) تاريخ بغداد ٧ / ٢٧٩ .

الفَصْل الأول
الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها

١١
١- المراد بـ (( الإفراد))
بيان حال الراوي عدالة وضبطًا ، أو أحدهما ، بلفظة أو بعبارة تدل
اصطلاحًا على مرتبة واحدة للراوي من مراتب الجرح أو مراتب التعديل
كما تقدم ذكر أمثلتهما .
وتبعا لذلك تتحدد درجة حديث الراوي عند انفراده عن المتابع أو
الشاهد ؛ فَيُعَدُّ حديثه بمفرده صحيحًا ، أو حسنًا ، أو ضعيفًا مطلق
الضعف (١) أو شديد الضعف (٢) أو موضوعًا.
ويُعَدُّ الإفراد أكثر الأنواع استعمالا في بيان حال الرواة ، ولاسيما في
كتب أحوال الرجال المختصرة للمتقدمين والمتأخرين .
مثل: كتب (( السؤالات)) لابن معين وأبى داود السجستانى وأحمد بن
حنبل وعلي بن المديني والدارقطني والحاكم، و((الضعفاء)) للبخاري
والنسائي والدارقطني و((المغني في الضعفاء)) للذهبي و((تقريب
التهذيب )) للحافظ ابن حجر .
ولذا - تركزت عناية النقاد وعلماء مصطلح الحديث في بيان دلالات
(١) فيرتقي بمتابع أو وشاهد إلى الحجية .
(٢) فيرتقي بكثرة طرقه المماثلة إلى درجة الضعف المطلق، ثم إذا وُجد له طريق آخر ضعفه غير
شديد ارتقى بمجموع ذلك إلى الحسن لغيره / وسيأتي تفصيل لذلك وينظر: ((النكت الوفية))
للبقاعي / ٦٩ / ب ( مخطوط) والأربعين العشارية للعراقي ص ٢٢٧ ٢٣٢٠، و« الأربعين
المتباينة الإسناد)) لابن حجر / ٢٩٩ وفتخ المغيث للسخاوي ١ / ٨٣ والتدريب ١ / ١٩٤.

١٢
اَلْفَاظُ وَعَبَاَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِك
الألفاظ المفردة ومراتبها ، ودرجات الأحاديث بمقتضاها .
وقد انتهى المطاف في تقسيم مراتب الجرح والتعديل حتى الآن ، إلى : ست
للتعديل ومثلها للتجريح (١) . وتبعا لهذه المراتب انقسمت درجات
الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف فقط ، وضعيف جدا ، وموضوع
كما قدمت . وتفاصيل ذلك معروفة مقررة في كتب مصطلح الحديث (٢) لا
نطيل بسردها هنا ، ولكن سنذكر منها ما يحتاجه المقام في مواضعه ..
وإنما الذي يتعلق به الغرض هنا أمران :
٢- الدلالة اللغوية والاصطلاحية لألفاظ
وعبارات الجرح والتعديل
فكل من الألفاظ والعبارات لها دلالة لغوية باعتبار الاشتقاق والاستعمال .
اللغوي ، ولكل منها دلالة اصطلاحية بحسب الاصطلاح العام عند
المحدثين أو الاصطلاح الخاص من بعضهم في استعمالاته النقدية .
وقد يتفق المعنى الاصطلاحي مع معنى أو أكثر من المعاني اللغوية ، وقد
يختلف ، وفي حالة الاختلاف يُقدَّم المعنى الاصطلاحي ، لكونه هو
المقصود في الاستعمال :
(١) ومن ذكر زيادة على ذلك، فهي من التفريع الذي يعود إلى تلك المراتب / ينظر التدريب
١ / ٤٠٤ - ٤١٢، وفتح المغيث للسخاوي ٢ / ١٠٨ - ١٣٠، وتوجيه النظر للشيخ طاهر
الجزائري / ٣٠ - ٣١ .
(٢) ينظر : المصادر المحال عليها في الحاشية السابقة .

١٣
الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها
وفي ذلك يقول الماوردي في كتابه الحاوي : (( إذا كان للاسم اطلاق
واشتقاق ، كان حَملُه على إطلاقه ، أولى من حمله على اشتقاقه ؛ فمن
حلف لا يركب دابة ، حنث بركوب الخيل ، ولم يحنث بركوب النعم
وإن كان اسم الدابة مشتقا مما يَدُبُّ)) اهـ(١) .
فإذا جئنا إلى ألفاظ وعبارات نقد الرواة ، نجد :
منها : ما أُطلق بما يناسب الاشتقاق اللغوي .
ومنها : ما يُخالفه تبعا لاصطلاح النقاد عموما أو خصوصا .
فمثلا لفظ ((ثقة )) :
هي في اللغة: أصلها (( وثق)) كما يقول ابن فارس : الواو والثاء
والقاف ، كلمة تدل على عقد وإحكام ، ووثّقْتُ الشيء أحكمته ، وهو
ثقة ، وقد وثقْتُ به (٢) .
وذكر غير ابن فارس : أن الثقة ، تعني القدوة والثبات والكفاية
والموثّق: المؤتمن ، والذي يعول عليه ، والأوثق هو الأشد والأحكم ، ووثّق
فلانا : قال : إنه ثقة ، أي مؤتمن (٣) .
وبنحو من هذه المعاني استعملها عامة المحدثين في اصطلاحهم :
فقال الذهبي في تعريفها : حد الثقة ، العدالة والإتقان فجعل لها ركنين
(١) ينظر الحاوي الكبير للماوردي ٢ / ٩٦٠ (باب التيمم) .
(٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٦ / ٨٥ مادة ٥ وثق)).
(٣) تاج العروس والمعجم الوسيط / مادة (( وثق)).

١٤
الْفَاظُ وَعِبَادَاتُ الََّّ وَالتَّعَديك
هما عدالة الدين ، وإتقان المرويات حفظا أو كتابة .
كما فصَّله في موضع آخر بقوله: ((الثقة في عُرْف أئمة النقد كانت
تقع على العدل في نفسه المتقن لما حمله ، الضابط لما نقل ، وله فهم
ومعرفة بالفن )) (١) .
ثم ذكر في ترجمة (( أحمد بن يوسف بن خلاد)) ، مسند العراق في
وقته والمتوفي سنة ٣٥٩ هـ إنه من هذا الوقت ، بل وقبله صار الحفاظ
يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعه صحيح ، بقراءة متقن
وإثبات عدل .
وقد اعتبر الذهبي هذا توسعا في إطلاق لفظ الثقة
فقال : فتوسع المتأخرون (٢) .
وقوله: ((يطلقون هذه اللفظة على الشيخ .. )) أشار بكلمة ((الشيخ))
إلى مراعاتهم في العدالة أدنى المراتب فيها ، ومراعاتهم في الضبط صحة
السماع وإثباته كتابيًا بواسطة عدل .
وقد قرر نحو هذا الحاكم أبو عبد الله ومن جاء بعده إلى عصر الإمام
الذهبي فمن بعده أيضًا (٣).
(١) السير ١٦ / ٧٠ .
(٢) السير ١٦ / ٧٠ .
(٣) ينظر : معرفة علوم الحديث للحاكم / النوع الثالث / ١٦ ٠ ١٧ ومقدمة ابن الصلاح مع التقييد .
والإيضاح / ١٥٦، وفتح المغيث للسخاوى ٢ / ١٠٦ - ١٠٨.

١٥
الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها
وبذلك أصبح لفظ ((ثقة)) له معنى اصطلاحي أخَصُّ من معناه عند
المتقدمين ، بحيث إذا وجدنا أحد المتأخرين موصوفا به ، عرفنا مدلوله
المتفاوت عمَّن قبله ، وإن كان يقتضي حجية الموصوف به فيما هو مثبت
له من مرويات عن شيوخه .
وقال الذهبي أيضا: (( وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين : إطلاق
اسم ((الثقة)) على من لم يُجرَّج، مع ارتفاع الجهالة عنه، وهذا
يسمى: مستورًا، ويسمى محله الصدق، ويقال فيه شيخ)) (١).
وقوله: ((عند طوائف من المتأخرين» يُفيد أن هذا يُعَدُّ اصطلاحا
خاصا لهم ، مثل ابن حبان ، وبعض الحنفية (٢) .
وقوله : ((وهذا يسمَّى مستورا)) إشارة إلى أن هذا الاصطلاح الخاص
مخالف لاصطلاح الجمهور ، فإنهم يُسمَون مثل هذا مستورا ، والمستور
نوع من المجهول عندهم (٣). أما قوله: (( ويسمَّى محله الصدق ، ويقال
فيه : شيخ)) فليس مسلما أنه مِثْلُ من يقال فيه هذان اللفظان ؛ لأنهما من
أدنى مراتب التعديل عند الذهبي نفسه (٤) .
(١) الموقظة للذهبي / ٧٨ .
(٢) شرح شرح النخبة لعلي القاري / ١٥٤ - ١٥٥، وفتح المغيث ٢ / ٥١ - ٥٣.
(٣) ينظر النكت لابن حجر ١ / ٣٨٧، ٤٠٨ والنزهة مع شرح القاري / ١٥٤
(٤) ينظر مقدمة الميزان ١ / ٤ مع تصويب من مقدمة اللسان ١ / ١٩٩ بتحقيق شيخنا الشيخ أبو
غدة رحمه الله .

١٦
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّْعِ وَالتَّعْدِيك
ومن أمثلة ما اختلف فيه الإطلاق مع الاشتقاق اللغوي تارة
0
واتفق تارة أخرى لفظ ((شيطان)) :
فالاشتقاق اللغوي له يدور بين معاني البعد عن الخير ، والمخالفة
والشراسة ، والتمرد ، والفساد ، سواء من الجن أو من الإنس أو من
الحيوان (١) .
* ولكن من النقاد المتقدمين فمن بعدهم ، من أطلق هذا اللفظ بمعنى
التوثيق العالي ، وجودة حديث الراوي .
فقد جاء عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال : لما قدم سفيان - يعني
الثوري - البصرة ، قال لى : يا عبد الرحمن جئنى بإنسان أَذَاكِرُهُ ، فأتيته
بيحيى ابن سعيد القطان ، فذاكره ، فلما خرج قال لي : يا عبد الرحمن ،
قلت لك جئني بإنسان فجئتني بشيطان (٢).
وقد علَّق الذهبي على هذا مرة بقوله : يعني بَهَرهُ حفظه (٣) ومرة
بقوله : يعني اندهش سفيان من حفظه (٤) .
وذكر المزي أن شعبة ذُكر عنده (( أوس بن ضَمْعج)) فقال : والله ما أراه
(١) ينظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني، والمعجم الوسيط مادة ((شطن)) والتوقيف على
مهمات التعريف للمناوي / ٤٤٣ .
(٢) المجروحين لابن حبان ١ / ٥٣.
(٣) السير ٩ / ١٧٧.
(٤) تذكرة الحفاظ ٢ / ٣٠٠ .

١٧
الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها
كان إلا شيطانا - يعني لجودة حديثه (١) .
وجاء عن أبي داود الطيالسي أنه أطلق لفظ ((شياطين الإنس)) على:
١ - عمرو بن علي بن بحر بن كنيز-الفلاس، ويعرف جده بحر (( بالسقاء)).
٢- وسليمان بن داود المنقري المعروف بالشاذكوني ، وفيه جاء خلاف
هذا كما سيأتي في موضعه .
٣- وعلي بن المديني (٢)
فهؤلاء الثلاثة من أئمة نقاد الحديث ، وأطلق عليهم معاصرهم الطيالسي
وصف ((شياطين الإنس)) مبالغة في توثيقهم ومهارتهم النّقدية .
وبذلك نُلاحظ إطلاق هذه اللفظة بهذا المعنى الاصطلاحي من غير
واحد من أئمة النقد ، خلافا للإطلاق الأصلي لها في اللغة ، وذلك
لوجود قرينة صارفة إلى المراد الاصطلاحي وهي الحالة التي قيلت فيها .
ولذلك جاء لفظ ((شيطان)) أيضا بمعنى التجريح الشديد ، عند وجود
قرينة تُؤَيِّد ذلك ، مع قربه من المعنى اللغوي .
فمن ذلك : أن (( محمد بن مُيسر أبو سعد الصاغاني ، وكان أعمى ))
قال فيه ابن معين : كان مكفوفا ، وكان جهميا ، وليس هو بشيء
كان شيطانا من الشياطين (٣).
(١) تهذيب الكمال ٣ / ٣٩٠ وتهذيب التهذيب ١ / ٣٨٣.
(٢) تاريخ بغداد ٩ / ٤٠، ٤٢ مع تهذيب الكمال ٤ / ١٢.
(٣) تاريخ بغداد ٣ / ٢٨١ - ٢٨٣.

١٨
الفَاظُ وَ عَبَارَاتُ الََّةِ وَالتَّعْدِيك
فما ذكره قبل عبارة ((كان شيطانا من الشياطين)) من قوله: ((كان
جهميا، وليس هو بشيء)) من عبارات الجرح الشديد (١) وبالتالى يعتبر
قرينة مصاحبة تدل على أن مقصود ابن معين بالوصف بعبارة ((شيطان
من الشياطين )) تأكيد ، ما قبله من الجرح الشديد بالمعنى ، فهى بمثابة
التكرير المعنوي لعبارة ((ليس بشيء)) كما سيأتي توضيحه في الفصل
الثاني إن شاء الله .
وهذا المثال مما يوضح لنا أهمية ملاحظة القرائن المتعلقة بألفاظ وعبارات
النقد ، في بيان مقصود النقاد بها . كما سيأتي تقرير ذلك في موضعه .
ومن الأمثلة المشهورة على تقديم المعنى الاصطلاحى للكلمة أو
العبارة ، ولو كان خاصا ببعض النقاد عبارة ((لا بأس به)) :
فقد جاء عن كل من ابن معين وعبد الرحمن بن إبراهيم المعروف
بـ ((دُحيم)) أن كلا منهما إذا قال في الراوي: ((لا بأس به))
فمقصوده: أنه عنده بمرتبة (( ثقة))، وإن كان أدنى في التوثيق ممن
يصرحان بوصفه بلفظ ((ثقة)) (٢) .
ولكن ينبغي الانتباه هنا إلى أن هذه العبارة تكون بمعنى (( ثقة)) عندهما
(١) وينظر بقية الأقوال المؤيدة لهذا في ترجمته / تاريخ بغداد / الموضع السابق والتدريب للسيوطي:
١ / ٤١٠ والتقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح / ١٦٠ - ١٦١.
(٢) ينظر يحيى بن معين وكتابه التاريخ بتحقيق ودراسة الأخ الدكتور أحمد محمد نور سيف
١ / ١١٢ - ١١٣ وشرخ العراقي لألفيته ٢ / ٣٨ - ٣٩.

١٩
الفصل الأول : الألفاظ والعبارات المفردة ودلالتها
إذا جاءت مفردة ، دون اقترانها بما يفيد ارتفاع حال الراوي إلى أعلا من
ذلك كالوصف الصريح بثقة ، أو ما فوقها كالثبت والحجة ، أو الاقتران
بما يفيد النزول إلى الضعيف ، ففي هاتين الحالتين تكون العبرة بما يوجد
معها من القرائن .
مثال ذلك بالنسبة ليحيى بن معين: ما جاء عنه في وصف (( حماد بن
دُلَيل أبو زيد، قاضي المدائن)).
فمرة قال : ليس به بأس . ومرة قال : كان ثقة .
ومرة جمعهما معًا فقال: (( ليس به بأس ، هو ثقة))، فرفعه بذلك في
التوثيق إلى الأعلا وهو الوصف الصريح بلفظ ثقة أيضا ، بدلا من
الاقتصار على ما هو بمعناه (١) .
ولو كان غير ابن معين يخالفه في هذا (٢) .
وفي بيان حال ((سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر)):
قال ابن معين: ((ليس به بأس، ثقة ثقة)) (٣).
فاقتران العبارة فى هذا القول بتكرر التوثيق ، ترفع منزلة هذا الراوي في
التوثيق فوقها .
(١) يحيى بن معين وكتابه التاريخ ٢ / ١٢٩.
(٢) ينظر تقريب التهذيب ( ١٤٩٧ ) حيث لخص حاله عموما بأنه صدوق .
(٣) ينظر معرفة الرجال عن ابن معين، رواية ابن محرز ١ / ت (٣٨٧) ولم أجده عند غيره .

٢٠
الفَاظُ وَعِبَادَاتُ الَّهِ وَالتَّعْدِيك
مع أن لابن معين أقوالاً أخرى في سليمان هذا بعضها تضعيف (١)
وبعضها وصف بعبارة ((ليس به بأس)) فقط (٢).
وبعضها وصفه بـ (( ثقة)) فقط، (٣).
ومرة قال: ((هو ثقة وليس بثبت)) (٤)
وله أقوال أخرى غير ذلك (٥) .
لكن محل الشاهد هنا : عبارة ابن معين الأولى ، ودلالتها على رفعه
فيها توثيق سليمان أعلا من وصفه له بعبارة (( لا بأس به )) مجردة ..
وفي ترجمة ((عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري)) :
قال فيه ابن معين: (( ليس به بأس، يكتب حديثه)) (٦) .
فالجمع بين ((ليس به بأس)) وبين ((يكتب حديثه)) يفيد إنزال
((عبد الله)) هذا إلى مرتبة التضعيف ، فلا يحتج به بمفرده ، ولكن يكتب
حديثه للاعتبار ، كما هو معروف .
ويحمل وصفه مع هذه العبارة بعبارة ((ليس به بأس)) على عدالته في
(١) تاريخ ابن معين برواية الدروي ٢ / ٢٢٩.
(٢) ينظر: تاريخ الدارمي عن ابن معين / رقم ٥٤٥، ٩٤١ وابن محرز ١ / رقم ( ٢٩١).
:
(٣) ينظر: تاريخ الدارمي / رقم (٤١٠). والتهذيب ٤ / ١٨١
(٤) السير ٩ / ٢٠.
(٥) ينظر: تهذيب التهذيب ٤ / ١٣١.
(٦) تاريخ بغداد ١١ / ١٩٥ ط د / بشار والتهذيب ٥ / ٣٢٧.