النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قلتُ: ورأيتُ في كتاب ((مُعين الحكام)) لابن عبد الرفيع من
المالكية(١): وقع في ((المبسوطة)) من قول عبد الله بن وَهْب(٢): أنه لا يَجوزُ
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن حسن بن عبد الرفيع الربعي التونسي، قاضي القضاة،
المعمّر، علامة زمانه، وفريد عصره وأوانه، الفقيه الأصولي المتفنن، الفاضل العالم
بالأحكام والنوازل، وبيتُه من أشهر بيوتات تونس.
ولد سنة ٦٣٧، وأخذ العلم عن أهل بلده، وعن جماعة من الوافدين على
تونس من الأندلس، وسمع من أَبِي عَمْرو عثمان المعروف بابن شقر، والقاضي
أبي عبد الله ابن عبد الجبار الرُّعَينِي السُّوسي، وغيره.
أَلّف ((مُعِين الحكام على القضايا والأحكام)» في مجلدين، وهو كتاب غزير
الفائدة كثير العلم، وله ردّ على ابن حزم في اعتراضه على مالك، في أحاديث خرّجها
في ((الموطأ)) ولم يعمل بها، وله ((اختصار أجوبة ابن رشد))، و(«البديع في شرح
التفريع» لابن الجَلَّب، و((فهرسة)) رواها عنه ابن جابر الوادي آشي. و ((الفهرسة)) في
اصطلاح المغاربة هي ما يَذكر فيه العالمُ شيوخَه ومرويًّاتِه وما إلى ذلك.
تردّد في ولاية القضاء بين تبرسق وقابِس نحواً من ثلاثين سنة، ثم تولَّى (قضاءَ
الجماعة) بتونس سنة ٦٩٩ حتى سنة ٧١٧، أي ولاية رئاسة القضاة، وهي المعبّرُ
عنها في بلاد المشارقة بوظيفة : قاضي القضاة. كما تولّى خطابة جامع الزيتونة بها،
ثم امتُحن بالعزل والنفي إلى المَهْدِيَّة والسَّجْن بها أكثر من سنتين، لموقفٍ حقِّ قام
به، وتوفي بتونس في رمضان سنة ٧٣٣ ودُفن بتربته المعروفة، رحمه الله تعالى.
انتهى مستفاداً من ((شجرة النور الزكية)) لابن مخلوف ص ٢٠٧.
وقد خُدِمَ بالتحقيق من كتابه ((مُعِين الحكام)) قسمُ (الأحوال الشخصية)، فنال به
(الدكتوراه) الأستاذ محمد بن عيَّد في رمضان سنة ١٤٠٣، ولعلَّه قد طبع فينتفع به
العلماء.
(٢) هو الإِمام أبو محمد عبد الله بن وهب بن مُسلم القرشي المصري، الحافظ المحدِّث
أحد أئمة عصره، الفقيه المالكي، العابد الزاهد، ولد بمصر سنة ١٢٥، ورَحْل إلى
الإِمام مالك بالمدينة المنورة ليأخذ العلم عنه، وصَحِبه عشرين سنة إلى أَن
توفي مالك رضي الله عنه.

٢٢
شهادةُ القارىء على القارىء - يعني العلماء -، لأنهم أشدُّ الناس تحاسُداً
وتباغُضاً (١). قَالَهُ سفيان الثوري ومالك بن دينار(٢).
ولعل ابن عبد البر يَرى هذا؟ ولا بأس به، غيرَ أَنا لا نأخذ به على
إطلاقه، ولكن نَرى أَن الضابط ما نقوله: من أَن ثابت العدالة لا يُلْتَفَتُ فيه إلى
قول من تَشْهَدُ القرائنُ بأنه مُتحامَلٌ عليه، إمَّا لتعصُّبٍ مذهبي أَو غيرِهِ.
ثم قال أبو عُمَر بعد ذلك: الصحيحُ في هذا الباب أَن من ثبتَتْ عدالتُه،
وصَحَّتْ في العِلم إمامَتُه، وبانَتْ ثقتُه وبالعِلم عنايتُه، لم يُلْتَفَت فيه إلى قول
أَحد إلا أَن يأتي في جَرْحته بِّنة عادلة، تصحُّ بها جَرْحتُه على طريق
الشهادات.
واستدلَّ بأن السلف تكلّم بعضُهم في بعض، بكلام، منه ما حَمّل عليه
الغَضَبُ أو الحسَد (٣)، ومنه ما دعا إليه التأويلُ واختلافُ الاجتهاد، مما لا يلزم
=
وصنّف كتابه المشهور باسم ((جامع ابن وَهْب))، ((والموطأ الكبير» و ((الموطأ
الصغير)). قال الخليلي: موطأ ابن وهب يزيد على كل من رَوَى عن مالك. مات سنة
١٩٧ بمصر رحمه الله تعالى.
(١) وقع في طبعة البابي: (تباغياً). وهو تحريف.
(٢) وقع في الطبعة السابقة وأصولها: (وقاله سفيان ... ). والتصويب من «عقود الجُمان)
ص ٤٠٨. وهذا المعنى الذي ذكّر فيه السبكيُّ بعض النصوص عن المتقدمين،
هو الذي يُعبِّر عنه المتأخرون بقولهم: لا يُسمَعُ كلامُ الأقران بعضِهم في بعض، وقد
استوفى شرحّه وبيانَه بالشواهد الكثيرة: المحقّقُ عبد الحي اللّكْنوي في آخر كتابه
الفريد العُجاب ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل ص ٢٥٩ - ٢٧٦ من الطبعة
الثانية، وص ٤٠٩ - ٤٣١ من الطبعة الثالثة، فانظره.
(٣) قوله: (الغَضَبُ)، هكذا جاء في الأصول المخطوطة للكتاب ((طبقات الشافعية
الكبرى))، وجاء بلفظ (التعصّب) في الطبعة الأولى منها، وكذلك جاء في ((شرح
الإِحياء)) ١: ٥١، وكلُّ ذلك صحيح.

٢٣
المقولَ فيه ما قال القائلُ فيه (١)، وقد حَمَل بعضُهم على بعض بالسيف تأويلاً
واجتهاداً (٢).
ثم اندفع ابن عبد البر في ذكر كلام جماعة من النظراء بعضِهم في
بعض، وعدم الالتفات إليه لذلك، إلى أن انتهى إلى كلامِ ابن مَعِين في
الشافعي، وقال: إنه مما نُقِمَ على ابن مَعِين وعِيبَ به، وذكّرَ قولَ أَحمد بن
حنبل: مِن أين يَعرِفُّ يحيى بنُ مَعين الشافعيَّ؟ هولا يَعرِفُ الشافعي،
ولا يَعرِفُ ما يقوله الشافعي، ومن جَهِل شيئاً عاداه ..
قلتُ: وقد قيل: إنَّ ابن مَعِين لم يُرد الشافعي، وإنما أَراد ابنَ عمه، كما
سنحكيه إن شاء الله تعالى في ترجمة الأستاذ أبي منصور(٣). وبتقدير إرادته
(١) وقع في طبعة البابي: (فيما لا يلزم المقول ... ). وهو تحريف.
(٢) أَي فيُنزَّل على هذه الأسباب، ولا يؤخذ بظاهر قولهم.
(٣) هو أَبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميمي البغدادي المتوفّى سنة ٤٢٩.
وقد ترجم له المؤلف في الطبقة الرابعة، فيمن توفي بين الأربع مئة والخمس مئة
١٣٦:٥ - ١٤٥ من طبعة البابي. ولكنه لم يذكر في ترجمته شيئاً حول كلام
ابن معين في الشافعي، كما نَّه على ذلك محقق ((الطبقات))، ((وإنما ذكر شيئاً من
ذلك في ((الطبقات الوسطى))، كما نقله وعلقه محقق ((الطبقات الكبرى)) عليها
١٤٥:٥ - ١٤٩.
قال محقق ((الطبقات)) شكر الله له: ((وزاد في الطبقات الوسطى ... ))، ثم نّقَل
نقولاً كثيرة منها، إلى أَن قال: ((ثم ذكر - أي السبكي - قولَ من قال: إن ابن معين
طعن في الشافعي، وقال: أَراد ابنُ معين: إبراهيم بن محمد الشافعي. وقد قال
ابنُ معين: محمدُ بن إدريس الشافعي: إمامٌ حاذق ثقة . وَرَوَى - أَي السبكي -
بإسناده إلى يحيى بن معين، عن يحيى بن سعيد القطان: أَنا أَدعو الله عزَّ وجل
للشافعي منذ أربعين سنة)». انتهى.
قال عبد الفتاح: وقد تكررت من المؤلف الإشارةُ إلى كلام ابن معين في
الشافعي، فيما بعد ترجمة أبي منصور، فقد قال في الطبقة السادسة، في ترجمة =

٢٤
الشافعيَّ فلا يُلتَفَت إليه، وهو عارٌ عليه. وقد كان في بكاءِ ابن معين على
إجابته المأمون إلى القول بخلق القرآن، وتحسُّرِه على ما فَرَطَ منه، ما ينبغي
أن يكون شاغلاً له عن التعرض إلى الإمام الشافعي، إمام الأئمة، ابن عم
المصطفى صلى الله عليه وسلم(١).
الحافظ الذهبي ٥: ٢٢٠ من طبعة الحسينية، ٩: ١١٣ من طبعة البابي، عند نقلِه
=
قولَ الحافظ الذهبي في هذا الموضوع: « ... وقد رُوي أَن ابن معین قال فيه ۔ أمي
في الشافعي -: ليس بثقة .... ))، فعقّب عليه المؤلف بقوله: ((قلتُ: وقد قدمت في
ترجمة الأستاذ أبي منصور البغدادي، أَن ابن معين لم يَعْنِ الشافعي، فانطوى هذا
البساط». انتھی.
وهذه الإِحالة منه إلى ما تقدم في ترجمة (أَبي منصور)، مع الإحالة السابقة
- ((في ترجمة (أحمد بن صالح الطبري المصري) المنقولة منها هذه القاعدة - إلى
ما سيأتي في ترجمة (أَبي منصور)، تؤكد أَن المؤلف تعرَّض لذلك في ترجمة
(أَبي منصور)، لأن إحالته المتقدمة على ترجمة أبي منصور تحتمِلُ أن تكون
لم تتحقق، بأن يكون عند وصوله إلى ترجمته نسي ذكر ذلك، لكن إحالته اللاحقة إلى
ما تقدم في ترجمة أبي منصور لا تحتمل ذلك، فالظاهر أنه تعرض لها في ترجمته،
ولعلها سقطت من النسخة الأولى المتناقَل عنها، واستمر سقوطها، والله أعلم.
(١) الذي يبدو من كلام المؤلّف غفر الله له، أَن الراجح عنده أَن ابن معين لم يطعن في
الإمام الشافعي المطّلبي رضي الله عنه، بل في غيره، وإذا كان كذلك، فما كان
ينبغي له أن يغمز في ابن معين هذا الغمز كله ويَشطِّ عن الجادّة!
ولا شك أن كلام ابن معين في الشافعي رضي الله عنهما - على فرض ثبوته
عنه - مردود، ولكن المؤلف انتقل بسبب غلطٍ اجتهادي وقع - على الاحتمال - من
ابن معين، إلى غلطٍ أَشد منه وقع هو فيه ولا اجتهاد فيه! وهو تعييره ابنّ معين بما
وقع منه في (مسألة خلق القرآن)، وهذا غير لائق بمثله رحمه الله تعالى، فإن المرء
ما يدري ماذا يكون موقفه لوكان في موضع يحيى بن معين؟! ورأى ما رآه
يحيى بن معين وعلي بن المديني وأبو نصر التمار وغيرُهم، من عَرْضِهم على السيف
والعذاب، بشأن الامتناع عن الإجابة في تلك المسألة، نسأل الله العافية من كل بلاء،
والعدل في القرباءِ والبعداء.

٢٥
ثم ذكر ابنُ عبد البر كلامَ ابن أبي ذئب وإبراهيم بن سعد في مالك
ابن أنس(١)، قال: وقد تكلّم أَيضاً في مالكٍ عبدُ العزيز بن أبي سلمة،
(١) سيأتي تعليقاً في ص ٣٠ - ٣٣ كلامُ ابن أبي ذئب وبيانُ ما فيه.
أَما قول المؤلف هنا: ( ... ثم ذكر ابنُ عبد البر كلامَ إبراهيم بن سعد في
مالك بن أنس)، فهكذا وقع: (إبراهيم بن سعد) في ((طبقات الشافعية الكبرى)) في
طبعة الحسينية وطبعة البابي المحققة جميعاً، وهكذا هو في ((شرح الإِحياء)»
للزبيدي ١: ٥١، وقد نقّل فيه عبارة المؤلف هذه، وهكذا وقع أيضاً في المصدر
الذي نقّل السبكي منه هذا الكلام، وهو («جامع بيان العلم وفضله)) لابن عبد البر ٢:
١٦١ في النسخة المطبوعة، وهي نسخة كثيرة الأسقام والأسقاط والأغلاط !.
وأَسوق هنا عبارة ((جامع بيان العلم)» بتمامها، ففيها ما يُعين على كشف الخطأ
الذي وقع فيها وفي عبارةِ السبكي هنا تَبَعاً لها. قال ابن عبد البر:
((وقد تكلُّم ابنُ أَبي ذئب في مالك بن أنس، بكلام فيه جفاء وخشونة، كرهتُ
ذكره، وهو مشهور عنه، قاله إنكاراً منه لقول مالك في حديث ((البِّعان بالخيار)).
وكان إبراهيم بن سعد - كذا - يتكلم فيه - أي في مالك - ويدعو عليه.
وتكلّم في مالك أيضاً - فيما ذكره الساجي في كتاب ((العلل)) - عبدُ العزيز بن
أبي سلمة، وعبدُ الرحمن بن زيدبن أسلم، وابنُ إسحاق، وابنُ أَبي يحيى،
وابنُ أَبي الزناد، وعابوا عليه أشياء من مذهبه.
وتكلّم فيه غيرُهم لتركِهِ الروايةَ عن سَعْد بن إبراهيم، وروايتِهِ عن داود
ابن الحصين وثور بن زيد)». انتهت عبارة «جامع بيان العلم».
ولدى مراجعتي كتب الرجال، مثل ((الميزان)) للذهبي، و((تهذيب التهذيب))
لابن حجر، و«تهذيب الكمال)» للمزي - مخطوط - و «تاريخ الإِسلام)» للذهبي،
وما دونها من كتب التاريخ والتراجم، لم أَقف في ترجمة (إبراهيم بن سعد)
ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، المولود سنة
١٠٨، والمتوفى سنة ١٨٣، لم أَقف في ترجمته على ذكر شيءٍ من مُجَافاتِه لمالك،
أو إشارةٍ إلی کلام له في مالك.
والذي رأيته مما يتصل بالكلام في مالك، إنما هو في ترجمة (سعد بن إبراهيم)
ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، والدٍ (إبراهيم بن سعد)، قاضي المدينة،

٢٦
وعبدُ الرحمن بن زيد بن أسلم، ومحمدُ بن إسحاق، وابنُ أَبي يحيى،
وابنُ أَبي الزناد، وعابوا أَشياءً من مذهبه. وقد برَّأ الله عز وجل مالكاً عما
قالوا، وكان عند الله وجيهاً.
التابعي، المتوفى سنة ١٢٧ عن ٧٢ سنة. وكانت سِن مالك عند وفاته ٣٤ سنة، إذ
=
ولد مالك سنة ٩٣، وتوفي سنة ١٧٩.
ففي ((تهذيب التهذيب (( ٣: ٤٦٤ - ٤٦٥، في ترجمة (سعد بن إبراهيم)
المذكور: ((قال الساجي: ثقة، أجمع أهل العلم على صدقه والرواية عنه، إلا مالكاً.
وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، وصَحِّ
اتفاقهم أنه حجة. ویقال: إن سعداً وعظ مالكاً، فوجد علیه فلم یرو عنه.
حدثني أحمد بن محمد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: سعد ثقة، فقيل له:
إن مالكاً لا يحدث عنه، فقال: من يلتفتُ إلى هذا؟ !. سعد ثقة، رجل صالح.
حدثني أحمد بن محمد، سمعت المُعَيْطي يقول لابن معين: كان مالك يتكلم
في سَعْد سيدٍ من سادات قريش، ويَروي عن ثور - بن زيد - وداود بن الحصين،
خارجیینِ خہیشینِ!
قال الساجي: ومالك إنما تَرَك الرواية عنه، فأما أن يكون يَتكلّمُ فيه؛
فلا أحفظه، وقد روى عنه الثقات والأئمة، وكان ديناً عفيفاً.
وقال أحمدُ بن البَرْقيِّ: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان
يَرى القَدَر، وتركِ مالكٍ الرواية عنه، فقال: لم يكن يَرى القدر، وإنما تّرَك مالك
الرواية عنه، لأنه تكلّم في نسب مالك، فكان مالك لا يَروي عنه، وهو ثّبْت لا شك
فیہہ . انتھی.
وجاء في ((تهذيب التهذيب)) أيضاً ٣: ١٨٢، في ترجمة (داود بن الحصين
المدني) المتوفى سنة ١٣٥: ((روى عنه مالك وابن إسحاق ... ، وقال الساجي: منكر
الحديث، يُتّهم برأي الخوارج. وقال الجوزقاني: لا يَحمَّد الناسُ حديثُه. وعاب غيرُ
واحد على مالك الروايةَ عنه، وتَرْكَهُ الرواية عن سعد بن إبراهيم)).
وجاء في (تهذيب التهذيب)) أيضاً ٢: ٣٢، في ترجمة (ثور بن زيد الدِّيلي
المدني) المتوفى سنة ١٣٥: ((رَوَى عنه مالك وسليمان بن بلال ... ، قال
ابن عبد البر في ((التمهید)): هو صدوق، لم یتهمه أحدٌ بكذب، وکان ینسب إلى رأي =

٠ ٢٧
قال: وما مثَّلُ من تكلَّمَ في مالك والشافعي ونظائرِهما إلا كما قال
الأعشى (١):
فلم يَضِرْها وأوهى قَرْنَهُ الوَعِلُ
كناطحٍ صخرةً يوماً لِيُوهِنَها(٢)
أو كما قال الحسن بن حُمَيد (٣):
يا ناطحَ الجَبَلِ العالِي لَيَكْلِمَهُ أَشِفِقْ على الرأسِ لا تُشْفِقِ على الجَبَلِ
ولقد أحسن أبو العتاهية حيث يقول:
الخوارج والقولِ بالقدر، ولم يكن يدعو إلى شيءٍ من ذلك)). انتهى.
وخلاصة هذه النصوص تفيد أن المنافرة إنما وقعت بين (سعد بن إبراهيم)
ومالك، لا بين (إبراهيم بن سعد) ومالك، فقد تقدم أَن (سعداً) تكلم في نسب
مالك، وتكلم مالك في (سعد) على ما حكاه المُعَيطي .
=
فالظاهر أن في العبارة التي نقلها المؤلف من كلام ابن عبد البر قلبا قديما،
وأصلها: (سعد بن إبراهيم) فانقلبت بيد الناسخ عند الكتابة إلى (إبراهيم بن سعد)،
واستمر الخطأ والتحريف فيها، فنقلها التاج السبكي على المتابعة كما وجدها.
ويؤيد هذا التصويبَ في العبارة من أنها مقلوبة عن (سعد بن إبراهيم)، أن
ابن عبد البر قال في تمام عبارته التي نقلها عن الساجي: (( ... وتكلم فيه - أَي في
مالك - غيرُهم لتركه الرواية عن سَعْد بن إبراهيم، وروايته عن داوود بن الحصين
وثور بن زيد)». انتهى. فيتوافق كلامُ ابن عبد البر في أوله مَعَ كلام الساجي الذي
نقله. ومَعَ الذي وجدته في ترجمة (سعد بن إبراهيم). وأَما عبارة (ويدعو عليه)
عند ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم))، فلم أقف عليها فيما رجعت إليه من الكتب،
والله تعالى أعلم.
(١) هو ميمون بن قيس، من قصيدته المشهورة: وَدِّعْ هُرِيرَةَ إِنَّ الرَكْبَ مِرتَجِلُ.
(٢) أي ليُزَحْزِحَها من مكانها. وفي نسخة: ((ليقلعها)). وفي ((شرح الإحياء)): ٥١:١
(لِيَفْلِقها).
(٣) كذا جاء الاسمُ في ((طبقات الشافعية)) المحقَّقَة وفي «شرح الإِحياء))، وهو في طبعة
الحسينية و((جامع بيان العلم)) ١٦١:٢ (الحُسَين بن حميد). ولم أقف على ترجمته
ولا الصوابِ في اسمِهِ.

٢٨
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً وللناس قالُ بالظُنُونِ وقِيلٌ
وقيل لابن المبارك: فلانٌ تكلّم في أبي حنيفة، فأنشد:
حسداً إذْ رأوك فَضَّلك اللَّهُ بما فُضِّلَتْ بِهِ النُّجَبَاءُ (١)
وقيل لأبي عاصم النبيل (٢): فلانٌ يَتكلُّمُ في أَبي حنيفة، فقال: هوكما
قال نُصَيب(٣):
سَلِمتَ وهل حَيُّ على الناسِ يَسلَمُ؟!
وقال أبو الأسود الدُّؤَّلي (٤):
فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ(٥)
حَسدُوا الفتى إذ لم يَنالوا سَعْيَهُ
(١) هو لابن قيس الرُّقَيّات، كما نسبه إليه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) ٢: ١٦٢.
وهو في ديوانه طبع بيروت ص ٩١.
(٢) هو شيخُ حفّاظِ الحديث في عصره، ومن أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه،
شيخ
قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١: ٣٦٦، في ترجمته: ((الحافظ
الإِسلام، أبو عاصم النبيل، الضحّاكُ بن مَخْلَد الشيباني، المكي ثم البصري.
ولد بمكة سنة ١٢٢، ورَوَى عنه أحمد، وبندار، والدارمي، وأبو عبد الله
البخاري، والحارث بن أبي أسامة، وأبو مسلم الكُجِّي، وخَلْق. ولولا تأخّرُ موته لذُكِرَ
مع وكيع بل مع ابن المبارك، وكان يلقّبُ بالنبيل لنيله وعقلِه. قال عُمَر بن شَبَة: واللّهِ
ما رأيتُ مثلَه، وقال البخاري: سمعناه يقول: ما اغتبتُ أحداً منذ علمتُ أن الغِيبة
تَضرُّ أهلَها. عاش تسعين سنة، وسكن البصرة وتوفي فيها سنة ٢١٢، رحمه الله
تعالی)).
ومن قول أبي عاصم النبيل هذا: ((من طَلَب الحديثَ فقد طَلَّب أعلى الأمور،
فيجب أن يكون خيرَ الناس)). كما في ترجمته في ((خلاصة الخزرجي)).
(٣) هو أبو مِحْجَن نُصِيبُ بنُ رَبَاحِ، مولى عبد العزيز بن مروان، شاعرٌ فحلٌ، توفي سنة
١٠٨ أو بعدها.
(٤) هو التابعي الجليل ظالمُ بن عَمْرو البصري، ولد سنة ١ قبل الهجرة وتوفي سنة ٦٩
أو بعدها.
(٥) رواية مطبوعةِ ((جامع بيان العلم»: فالناس أعداءً له ...

٢٩
ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماءِ الثقاتِ بعضِهم في
بعض، فليَقبل قولَ الصحابة بعضِهم في بعض، فإن فَعَلَ ذلك فقد ضلَّ
ضلالاً بعيداً؛ وخَسِر خُسراناً مبيناً.
قال: وإن لم يفعل - ولن يفعلَ إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف
عندما شرطناه في أن لا يُقبَل في صحيح العدالة، المعلومِ بالعلم عنايتهُ: قولُ
قائل لا برهانَ له.
قلتُ: هذا كلام ابن عبد البر، وهو على حُسنه غيرُ صاف من القَذَى
والكَدَر، فإنه لم يَزد فيه على قوله: إنَّ من ثبَتَتْ عدالتُه ومعرفتُه لا يُقبَل قولُ
جارٍحه إلا ببرهان. وهذا قد أشار إليه العلماءُ جميعاً حيث قالوا: لا يُقْبَل
الجرحُ إلا مفسَّراً، فما الذي زاده ابن عبد البر عليهم؟ وإن أوماً إلى أنَّ كلامَ
النظيرِ في النظير والعلماءِ بعضِهم في بعض مردودٌ مطلقاً، كما قدَّمناه عن
((المبسوطة))(١)، فليُفصِح به.
ثم هو مما لا ينبغي أَن يُؤخذ هُنَّا على إطلاقه(٢)، بل لا بد من زيادةٍ
على قولهم: إنَّ الجرح مقدَّم على التعديل، أَوْ نقصانٍ من قولهم: كلامُ النظير
في النظير مردود(٣). والقاعدةُ معقودة لهذه الجملة. ولم يَنْحُ ابنُ عبد البر
فيما يظهر سواها، وإلا لصرَّح بأن كلام العلماءِ بعضِهم في بعض مردود،
أَو لكان كلامُه غيرَ مفيدٍ فائدةً زائدةً على ما ذكره الناس، ولكن عبارته - على
ما تَرى - قاصرةٌ عن المراد.
فإن قلتَ: فما العبارةُ الوافيةُ بما تَرونَ؟ قلتُ: ما عرَّفناك أَولاً مِن أَنَّ
(١) في ص ٢١ .
(٢) وقع في طبعة البابي والحسينية ( ... أَن يؤخذ هذا على إطلاقه). وهو تحريف.
(٣) وقعت في الطبعة السابقة وأصولها: (ونقصان ... )، والمثبّتُ من ((عقود الجُمان))،
ص ٣٩٤.

٣٠
الجارح لا يُقبَل منه الجرح، وإن فسَّرَه في حقِّ من غلبَتْ طاعاتُه على
معاصيه، ومادحوه على ذامِّيه، ومزكُوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة
يَشهد العقل بأنَّ مِثلها حاملٌ على الوقيعة في الذي جَرَحه من تعصُّبٍ مذهبي،
أَو منافسةٍ دنيوية، كما يكون بينَ النظراء(١)، أَو غير ذلك.
فنقول مثلاً: لا يُلتَفَت إلى كلام ابنِ أَبي ذئب في مالك(٢).
(١) وقعت هذه الجملة في طبعة البابي والحسينية: (كما يكون من النظراء).
وهو تحريف، تصويبه من ((الخيرات الحسان)» لابن حجر الهيتمي الفقيه، ص ٧٤.
و((الرفع والتكميل)» للكنوي، ص ٢٧٤ من الطبعة الثانية، وص ٤٣٠ من الطبعة الثالثة.
(٢) ابنُ أبي ذئب هو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب،
القرشي العامري المدني، الإمام الحافظ المحدث الفقيه، العابد الورع الزاهد، ولد
سنة ٨٠، وتوفي سنة ١٥٩ رحمه الله تعالى.
قال الإِمام أحمد في كتابه ((العِلَل ومعرفة الرجال)) ١٩٣:١ ((قالوا لابن
أبي ذئب: إن مالكاً يقول: ليس البِّعان بالخبار، فقال ابن أبي ذئب: هذا خَبَرٌ مُوَطًا
في المدينة - أَي متّبَع ثابتٌ معمولٌ به في المدينة - . وكان مالك يقول: ليس البِّعان
بالخيار. قال ابن أبي ذئب: يُستابُ مالك، فإن تاب وإلا ضُرِبتْ عنقُه)). انتهى.
وقد أشار شيخنا العلامة المحقق الكوثري رحمه الله تعالى، في كتابه «تأنيب
الخطيب)) ص ٧٩، إلى كلمة ابن أبي ذِئب هذه، وتعقّبها فقال:
((ومن الغريب أنه يُروَى عن بعضهم أنه قيل له: إن مالكاً لم يأخذ بحديث
المتبايِعَيْن، بمعنى أنه لا يَرى خيار المجلس، فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا يُقتّل اكأنه
بذلك کفر حتی یستتاب ویقتل! ولله في خلقه شؤون». انتهى.
ولعل الذي دَفع ابنَ أَبي ذئب إلى هذه الحملةِ الشديدة على مالك: ما فهمه من
أن مالكاً رَدَّ الحديث الصحيح: ((البِّعان بالخيار)» ... مع العلم أن من ردِّ حديثاً لعدم
ثبوته عنده، أو خالفه لدليل أقوى منه لديه، لم يكن مكذِّباً ولا راداً لما جاء عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كيف ومالك رضي الله عنه رَوى حديث (البيِّعان
بالخيار ... ) في ((موطئه)) بأصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر ... ، فَجَعْلُ
من ردّ الحديثَ مكابرةً مثلَ من أَوَّله أو أَخَذَ بدليل أقوى منه في نظره: تحاملٌ مردودٌ =

٣١
لا يُلتَفَتُ إليه. ولذا قَبِّحَ الحافظُ الذهبيُّ كلامَ ابنِ أبي ذئب ورَدَّه في («السِّيْر)»
٧ :١٤٢.
وقد أَورد القاضي ابن أبي يعلى الحنبلي، كلامَ ابن أبي ذئب هذا في كتابه
(طبقات الحنابلة))، في ترجمة (الفضل بن زياد البغدادي) ١: ٢٥١ برواية الفضل له
عن شيخه الإِمام أحمد، وقد حكاه الإمام أحمد عن ابن أبي ذئب، ثم تعقّبه بقوله
رضي الله عنه: ((ومالكٌ لم يُرُدَّ الحديث، ولكن تأوَّله على ذلك)). انتهى. ومثله في
(تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي في ترجمة ابن أبي ذئب ٣٠٢:٢.
وقد تعرض لهذه المسألة الإِمام القاضي عياض رحمه الله تعالى، في كتابه
((ترتيب المدارك) ٥٣:١ _ ٥٥، وبيّنَ مراد الإمام مالك فيما ذهب إليه من تأويل هذا
الحديث، ودَفَعَ القاضي أَن يكون مالك قد رَدَّ الحديث، وأَطال في ذلك بعضَ
الشيء، فانظره إذا شئت.
وقال الإِمام القرافي في أواخر كتابه ((تنقيح الفصول)) ٢١٤:٢ بحاشية الشيخ
محمد جُعَيط التونسي رحمه الله تعالى. ((ومما شُنَّع - به - على مالك رحمه الله :
مخالفتُه لحديث بيع الخيار، مع روايته له، وهو مَهْيَع متسع، ومسلك غيرُ ممتنع،
ولا يوجد عالم إلا وقد خالف من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام أَدلّةٌ كثيرة،
ولكن لِمُعارضٍ راجحٍ عليها عند مُخالِفِها.
وكذلك مالك، تُرَك هذا الحديثَ لمعارضٍ راجحٍ عنده، وهو عملُ أَهل
المدينة، فليس هذا باباً اخترعه، ولا بدْعاً ابتدعه)). انتهى.
وعلّق عليه الشيخ علي جعيط نجلُ محشّيه بقوله: ((قَصَد المصنّفُ بهذا:
الجوابَ عما وَرَدّ على إمام دار الهجرة، من تركِهِ لحديث بيع الخيار، وأَخذِهِ بعمل
أهل المدينة. ووجْهُ ذلك على ما قاله الشاطبي في ((الموافقات))، في المسألة الثانية
عشرة، من كتاب الأدلة الشرعية ٦٦:٣ ((إن العمل المستمر مأخوذٌ عن العمل المستمر
في الصحابة، ولم يَستمر فيهم إلا وهو مستمر في عمل الرسول عليه الصلاة والسلام،
أو في قُوْتِه - أَي في قوة المستمر في عمله صلى الله عليه وسلم - وما جَرى عليه
العملُ وثَبتَ استمرارُه، أَثْبَتُ في الأتباع وأولى بالرجوع إليه)). انتهى.
وقال الإمام الشاه وليُّ الله الدهلوي في كتابه («الإنصاف في أسباب الاختلاف»
=

٣٢
ص ١٠ ((وحديثُ خيار المجلس حديثٌ صحيح، رُوي بطرق كثيرة، وعَمِل به ابنُ عِمْر
وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة - في المدينة - ومعاصريهم،
فلم يكونوا يقولون به، فرأى مالكٌ أن هذه عِلّة قادحة)). انتهى ملخصاً.
وروى الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ١١٤:١، في الباب ٣٤ (باب القول
فيمن رَوَى عن رجل حديثاً، ثم تَرك العملَ به، هل يكون ذلك جرحاً للمرويّ عنه).
رَوَى فيه هذا الحديث، من طريق مالك عن نافع، ثم قال: ((فهذا رواه مالك ولم يَعمل
به، وزعم أنه رأى أهلَ المدينة على العمل بخلافه، فلم يكن تركُه العملَ به قَدْحاً في
نافع». انتهى.
ثم رأيت الإِمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله تعالى يقول في كتابه («المغني)) ٤:
٦، عند بحثه حديث الخيار هذا: (( ... وقال الشافعي رحمه الله: لا أدري هل اتّهَم
مالكٌ نفسَه؟ أو نافعاً؟ وأُعظِمُ أن أقول: عبد الله بن عمر!)). انتهى.
وقال الحافظ الذهبي في («سير أعلام النبلاء» ١٤٢:٧، في ترجمة
ابن أبي ذئب: «قال أحمدُ بنُ حنبل: بلغ ابن أبي ذئب أنَّ مالكاً لم يأخذ بحديث
(البِيعان بالخيار))، فقال: يُستتابُ، فإن تاب وإلا ضُرِبَتْ عنقُه. ثم قال أحمد:
هو أورَعُ وأقْوَلُ بالحقِّ من مالِك.
قلتُ - القائل الذهبي - : لو كان وَرِعاً كما ينبغي، لما قال هذا الكلامَ القبيح
في حق إمامٍ عظيم. فمالِكٌ إنما لم يعمل بظاهرٍ الحديث، لأنه رآه منسوخاً. وقيل:
عَمِلَ بِه وحَمَلَ قوله: (حتى يتفرَّقا)، على التلفَّظِ بالإِيجاب والقبول.
فمالكٌ في هذا الحدیثِ وفي كل حديثٍ له أجْرٌ واحدٌ ولا بُدُّ، فإن أصاب ازداد
أجْراً آخَرَ. وإنما يَرَى السَّيْفَ على من أخطأ في اجتهادِهِ الحَرُوريَّةُ !.
وبكل حال: فكلامُ الأقرانِ بعضِهم في بعض لا يُعَوَّلُ على كثيرٍ منه، فلا نَقَصَتْ
جلالةُ مالكٍ بقولِ ابن أبي ذئب فيه، ولا ضَعَّفِ العلماءُ ابنَ أبي ذئب بمقالتِهِ هذه، بل .
هما عالِمًا المدينةِ في زمانهما رضي الله عنهما. ولم يُسنِدها الإِمامُ أحمدُ، فلعلّها
لم تصح). انتهى .
قال عبد الفتاح: وفي ثبوت هذه الكلمة عن الإمام الشافعي عندي نظر، وقد.
رجعتُ إلى كتاب ((الأم)) و((الرسالة))، فلم أَجد هذه العبارة فيهما، ولا في ((السنن =

٣٣
وابنٍ مَعِين في الشافعي(١)، والنّسائيِّ في أحمد بن
الكبرى للبيهقي، ولا في ((المجموع)) للنووي، فالله أعلم بثبوتها عن الشافعي، إذ
=
هي غريبة عن أدبه وكسوةٍ لسانِه وألفاظِه. وقد جاء في ((الأم)) كلام للشافعي في هذه
المسألة، نازع فيه مالكاً، ولكنه في غاية أدب السلف العلمي، الذي من شيوخه،
الإمامُ الشافعي رضي الله عنه.
وأَنا أَمِيلُ إلى أن قائل ذلك غيرُه، ونُسِبَ إلى الشافعي للنيل من شيخه مالك
رضي الله عنه بلسان تلميذه، وحاشاه من ذلك، وهناك بعضُ الناس يَطِيبُ لهم أن
يثبتْ ما يُنقّلُ من نيل الأئمة رضي الله عنهم بعضهم من بعض! ولا يتحاشى من ذكر
الأئمة بالمخازي! كما قاله الحافظُ ابنُ عساكر في «تبيين كذِبِ المفتري)»
ص ٩٦. نسأل الله السلامة والعافية من الأغراض والأمراض.
(١) ابنُ معين هو كما في ((تذكرة الحفاظ)) للحافظ الذهبي ٢: ٤٢٩ ((الإمام الفرد سيد
الحفاظ، أبو زكريا يحيى بن مَعِين المُرِّي البغدادي، ولد سنة ١٥٨، وكان أبوه من
نبلاءِ الكتاب، فخلّف له ألفَ ألفِ درهم وخمسين ألف درهم، فأنفقها كلّها على
الحدیث.
سَمِعَ هُثَيماً، وعبدَ اللَّه بن المبارك، وإسماعيل بن مجالد، وخَلْقاً كثيراً. وَرَوَى
عنه أحمد، وهنّاد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأَبو زُرْعة، وأَبو يَعْلى، وخلائق.
قال النسائي: أَبو زكريا الثقةُ المأمونُ أَحَدُ الأئمة في الحديث. وقال علي بن
المديني: لا نعلم أحداً من لدن آدم عليه السلام، كَتَبَ من الحديث ما كَتّب
يحيى بن معين. وعن يحيى بن معين قال: كتبتُ بيدي أَلِفَ أَلْفٍ حديث.
وقال ابن المديني: انتهى علمُ الناس إلى يحيى بن معين، وكنتُ إذا قدمتُ
إلى بغداد منذ أربعين سنة، كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل. فربما اختلفنا في
الشيء، فنسأل يحيى بن معين فيقوم فيخرجه، ما كان أَعرفَه بموضع حديثه؟ !. وقال
أحمد بن حنبل: يحيى بن معين أعلمنا بالرجال. مات بالمدينة المنورة سنة ٢٣٣،
رحمه اللَّه تعالى)). انتهى بزيادة يسيرة من ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ١١ :
٢٨٠.
وأَما الشافعي، فهو الإِمام الذي قال فيه الإِمام أحمد - رضي اللَّه عنهما -: =

٣٤
صالح(١)، لأن هؤلاء أئمة مشهورون، صار الجارحُ لهم كالآتي بخبر غريب،
لوصَحَّ لتوفّرت الدواعي على نقله، وكان القاطعُ قائماً على كذبه فيما
هو كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فهل لهذين من خَلّف؟ أو عنهما من عِوض؟.
والذي نُقِل عن ابن معين أَنه قاله في الشافعي رضي اللّه عنه: إنه ليس بثقة.
وهذا القول إن صح سنده، فلم - ولن - يصح قبوله. وعلى فرض ثبوته عن
يحيى بن معين، فهو من أغلاط العلماء الدالة على أن الكمال للَّه وحده سبحانه.
(١) قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ٢: ٤٩٥، في ترجمة (أحمد بن صالح):
((هو الإمام الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح الطبري ثم المصري، ولد بمصر سنة
١٧٠، وسمع سفيان بن عيينة وعبد اللَّه بن وهب وابن أبي فُدَيك وعبد الرزاق
وطبقتهم. حدث عنه البخاري وأبو داود وصالح جَزَرة وأبو إسماعيل الترمذي
وأبو بكر بن أبي داود وخَلْق.
قال صالح جزرة: لم یکن بمصر من يُحسن الحدیث غیرُه، وكان جامعاً يعرِف
الفقه والحديث والنحو، ويتكلم في حديث الثوري وشعبة والزهري، يَدري ذلك.
وقال ابن نُمَیر: إذا جاوزتَ الفرات، فليس أحدٌ مثلَ احمد بن صالح. وقال أبو حاتم:
ثقة. وقال البخاري: ثقة، ما رأيت أحداً يتكلم فيه بحجة. وقال العجلي: ثقة صاحِبُ
سُنّة. وقال يعقوب الفُسَوي: كتبتُ عن ◌َلفِ شيخ وكَسْرٍ، حُجَّتي فيما بيني وبين اللَّه
رجلانٍ: أحمدُ بن صالح وأحمدُ بن حنبل.
قلتُ - القائل الذهبي - : الرجلُ حُجّة ثَبْت، لا عبرة بقول من نال منه، ولكنه
كما قال الخطيب: كان فيه الكِبْرُ وشراسةُ الخلق، نال النسائيّ منه جفاءٌ منه في
مجلسه، فذلك الذي أَفسد بينهما. مات في سنة ٢٤٨)). انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)» في ترجمة (أحمد بن صالح): ٢ :
١١٢، بعد أن ذكر من وثّقه من الأئمة وفيهم يحيى بن معين وعليُّ بن المديني: ((وأما
النسائيُّ فكان سيءَ الرأي فيه، ذكره مرة فقال: ليس بثقة ولا مأمون، أخبرني
معاوية بن صالح، قال: سألتُ يحيى بن معين عن أحمد بن صالح؟ فقال: كذّاب
يتفلسف، رأيته يَخْطُرُ في الجامع بمصر، انتهى. فاستند النسائيُّ في تضعيفه إلى
ما حكاه عن يحيى بن معين، وهو وَهَمّ حَمَلَه على اعتقادِه سُوء رأيه في أحمد بن =

٣٥
قاله(١).
ومما ينبغي أَن يُتَفَقَّدَ عند الجرح: حالُ العقائد واختلافُها بالنسبة إلى
الجارح والمجروح، فربما خالَفَ الجارحُ المجروحَ في العقيدة، فجرحَه
لذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكُّون بُرَاءَ من الشحناءِ
والعصبيةِ في المذهب، خوفاً من أَن يَحمِلُهم ذلك على جَرْحٍ عدل، أو تزكية
فاسق. وقد وقع هذا لكثير من الأئمة جَرَحوا بناءً على معتَقَدِهم، وهم
المخطئون، والمجروح مصيب.
وقد أَشار شيخ الإِسلام سيدُ المتأخرين تقي الدين ابن دقيق العيد في
كتابه ((الاقتراح))(٢) إلى هذا، وقال: أَعراضُ المسلمين: حُفرةٌ مِن حُفَر النار،
صالح، فنذكر السببَ أَولاً الحاملَ له على سوءٍ رأيه فيه، ثم نذكر وجه وَهَمِه في نقلِهِ
=
ذلك عن يحيى بن معين.
قال أبو جعفر العُقَيْلي: كان أَحمد بن صالح لا يُحدِّتُ أحداً حتى يَسأل عنه،
فلما أن قَدِمِ النسائيُّ مصر، جاء إليه وقد صَحِبَ قوماً من أهل الحديث لا يَرضاهم
أَحمد، فأبى أَن يحدثه، فذهب النسائي فجَمَع الأحاديثَ التي وَهِمَ فيها أَحمد،
وشَرَع يُشنِّع عليه، وما ضَرَّه ذلك شيئاً، وأحمد بن صالح إمام ثقة .
وقال ابن حبّان: ما رواه النسائي عن يحيى بن معين في حق أَحمد بن صالح
فهو وَهَمُ، وذلك أن أَحمد بن صالح الذي تكلّم فيه ابنُ معين هو رجل آخر غير
ابن الطبري، وكان يقال له: الْأُشْمُومِي، وكان مشهوراً بوضع الحديث. وأَمّا
ابن الطبري فكان يقارب ابن مَعين في الضبط والإتقان، انتهى. وهو في غاية
التحرير)). انتهى كلام الحافظ ابن حجر. وانظر ((قواعد في علوم الحديث)) لشيخنا
العلامة ظَفّر أَحمد التّهانوي رحمه اللَّه تعالى وما علّقته عليه ص ١٨٩ و٣٨٣
و ٣٩٤ - ٣٩٥.
(١) لفظة (فيما قاله) لم تكن في الطبعة السابقة وأصولها، وجاءت في ((عقود الجمان))
ص ٣٩٤.
(٢) ص ٣٤٤.

٣٦
وقَفَ على شَغِيرها طائفتانٍ من الناس: المحدِّثون والحُكَّام (١).
قلتُ: ومن أمثلة ما قدَّمنا قولُ بعضهم في البخاريِّ: تركه أَبوزُرْعة
وأبو حاتم، من أَجلِ ((مسألة اللفظ))(٢). فياللَّهِ والمسلمين! أَيجوز لأحد أن
يقول: البخاريُّ متروك، وهو حاملُ لواء الصناعة، ومقدَّمُ أَهل السنة
والجماعة؟! ثم ياللَّهِ والمسلمين! أَتُجْعَلُ مَمادِحُه مَذَامَّ؟! فإن الحق في مسألة
اللفظ معه، إذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في أَنَّ تلفّظَه من أفعاله الحادثةِ
التي هي مخلوقة للَّه تعالى. وإنما أَنكرها الإِمام أحمد رضي اللّه عنه لبشاعةٍ
لفظها .
ومن ذلك: قول بعض المجسِّمة في أبي حاتم ابن حِبَّان: لم يكن له
كبيرُ دين، نحن أخرجناه من سِجِسْتان، لأنه أَنكر الحَدَّ للَّه(٣). فيا ليت شعري
(١) قال الحافظ الصالحي في كتابه ((عقود الجمان)) ص ٤٠٥، بعد أن نقل كلمة الإِمام
ابن دقيق العيد هذه: ((وليس الحُكْامُ والمحدّثون سواءً، فإنَّ الحكام أعذَرُ، لأنهم
لا يحكمون إلا بالبينة المعتبرة، وغيرُهم يعتمدُ مجرّدَ النَّقْل». انتهى. وهو استدراك
حسنٌ رفيع.
(٢) القائل هو عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، في كتابه ((الجرح والتعديل)) ٢/٣:
١٩١، قال فيه: ((محمد بن إسماعيل البخاري أَبو عبد اللَّه، قَدِمَ عليهم الري سنة
٢٥٠، سَمِعَ منه أَبي - أبو حاتم - وأبو زرعة، ثم تّركا حديثَه عندما كتب إليهما
· محمد بن يحيى النيسابوري: أنه أَظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق». انتهى.
و(مسألة اللفظ) يعني بها: مسألة لفظي بالقرآن مخلوق. انظر رسالتي: ((مسألة
خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل))، فقد
شرحتُ فيها هذا الموضوع من حيث أَثرهُ في الجرح والتعديل، وبينتُ أَنْه لا يُخْلِ
بعدالة العدل في ذاته، وجاء بحثاً وافياً فريداً في بابه، والحمد لله على توفيقه.
(٣) المعنيُّ ببعض المجسِّمة في قول المؤلف هنا، هو: يحيى بن عمّار، كما ذكره
الذهبي في («الميزان)) ٣: ٥٠٧، والمؤلف التاج السبكي في ((الطبقات)) ٢: ١٤١ من
طبعة الحسينية، و٣: ١٣٢ من طبعة البابي في ترجمة (ابن حِبّان). وأَسوقُ هنا عبارة
المؤلف في ((الطبقات)) لما فيها من الفائدة التي تتصل بالجرح للاختلافِ في العقيدة . =

٣٧
مَنْ أَحقُّ بالإِخراج؟ من يَجعَلُ ربَّه محدوداً أو من يُنزِّهُهُ عن الجِسمية؟(١)،
وأمثلةُ هذا تَكثُر.
قال التاج السبكي رحمه اللَّه تعالى: ((ذكرُ ما رُمي به أبو حاتم وتبيينُ الحال
فيه. قدّمنا في الطبقة الثانية، في ترجمة (أحمد بن صالح المصري)، أن مما ينبغي
أن يُنظَر فيه ويُتَفَقّد وقت الجرح والتعديل: حالَ العقائد، فإنه بابٌ مُهِم، وقع بسببه
كلامُ بعضِ الأئمة في بعض، لمخالفةِ العقيدة.
إذا تذكّرتَ ذلك، فاعلم أن أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الهَروي، الذي
تُسمِّيه المجسِّمةُ: شيخَ الإِسلام، قال: سألتُ يحيى بن عَمّار عن ابن حِبّان، قلتُ:
رأيته؟ قال: وكيف لم أره؟! ونحن أخرجناه من سِجِسْتان، كان له علم كثير، ولم يكن
له كبيرُ دين، قَدِم علينا، فأنكر الحدَّ اللَّه! فأخرجناه من سجستان. انتهى)).
قال الحافظ الذهبي في ((الميزان)) ٣: ٥٠٧، في ترجمة (ابن حبان)، بعد أن
ذكر قولَ يحيى بن عمار: ( ... نحن أخرجناه من سجستان، لأنه أَنكر الحدّ لله):
((قلتُ: إنكارُه الحَدَّ، وإثباتكم للحَدّ نوعٌ من فضول الكلام، والسكوتُ عن
الطّرفين أولى، إذ لم يأت نَصُّ بنَفْي ذلك ولا إثباته، واللَّهُ تعالى ليس كمثله شيءٍ.
فمن أَثْبَتَه قال له خصمهُ: جعلتَ للَّهِ حَدَّاً برأيك، ولا نصَّ معك بالحد، والمحدودُ
مخلوقٌ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً، وقال هو - أَي مُثبِتُ الحدّ للَّه تعالى -
للنافي: ساويتَ ربّكَ بالشيءِ المعدوم، إذ المعدومُ لا حَدّ له، فمن نزّه اللَّه وسكَتَ
سَلِمَ وتَابَعَ السلف)». انتهى كلام الذهبي.
وتعقّبه الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ٥: ١١٤، فقال: ((وقوله: (قال له
النافي: ساويتَ رَبّك بالشيءٍ المعدوم، إذ المعدومُ لا حَدٍّ له) نازِلٌ، فإِنّا لا نُسلِّم أن
القول بعدم الحدِّ يُفضي إلى مساواتِهِ بالمعدوم، بعد تحقَّق وجوده. والحقُّ أن الحقَّ
مع ابن حبان».
(١) وقال المؤلف في ((الطبقات)) ٣: ١٣٢ في ترجمة (ابن حبان)، تعقيباً أيضاً على هذه
الواقعة: «قلتُ: انظر ما أَجهلَ هذا الجارح؟! وليت شعري من المجروح؟ مُثِتُ
الحدَّ اللَّهِ، أَو نافيه؟! وقد رأيتُ للحافظ العلائي رحمه اللّه تعالى، على هذا كلاماً
جيداً أَحبيتُ نقلَه بعبارته، قال: يا للَّهِ العجبُ؟! مَنْ أَحقُّ بالإِخراج والتبديعِ وقلّةِ
الدین؟!)). انتهى.
=

٣٨
وهذا شيخنا الذهبيُّ رحمه اللَّه تعالى(١)، من هذا القبيل،
(١) اشتهر وصف الإمام الحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن
قايماز، التركماني الأصل، الفارقي ثم الدمشقي: بالذهبي. والذهبي نسبة إلى
الذهب، وهذه النسبة تقال في بلاد الشام لمن زاول صنعة الذهب المدقوق.
والواقع أن هذا الوصف ليس للحافظ نفسِه، وإنما هو لأبيه (أحمد)، فقد كان
(برعَ في صنعة الذهب المدقوق وتميّز فيها))، فسُمِّ (الذهبيَّ)، قاله الحافظُ
الذهبيُّ نفسُه في ترجمة أبيه (أَحمد بن عثمان الذهبي)، في ((تاريخ الإِسلام)) في
وفيّات سنة ٦٩٧، كما نقله الدكتور مصطفى جواد في مقدمته لكتاب ((المختصر
المحتاج إليه من تاريخ ابن الدُّبَيْثي)) ١: ٤، وكما نقله الدكتور صلاح الدين المنجد
في مقدمته لكتاب («سِير أعلام النبلاء)) للذهبي ١: ١٥ عن ((معجم الشيوخ)) للذهبي
و ((الوافي بالوفَيَّات)) للصَّغَدِي في ترجمة والدِ الحافظ الذهبي(١).
ومن أجل هذا كان الحافظ يُعبِّرُ عن نفسه بقوله: (ابنُ الذهبي)، ویکتبه في
مؤلفاته وإجازاته والسماعات منه.
وأما قول الدكتور مصطفى جواد بعد نقله ما تقدم من ((تاريخ الإِسلام)): ((وهذه
النسبة: الذهبي، هي للذي يَعمل خيوطاً من ذهب، تُستعمل في نسيج الملابس
أَو وَشْيِها، وأَحسَبُ أبا عبد اللَّه الذهبي منسوباً كأبيه إليها، ولعل الذهبي اشتغل في
صِباه بصناعة أبيه، ثم غَلَب عليه الميلُ إلى العلم، وساعده على ذلك غِنَى أبيه،
أَو اضطرَّه إليه افتقارُه)):
فكلامٌ لا يُحرِزُ القبول، وهو من الترجيِّ غير المقبول، فالذهبي يكتب عن
نفسه: (ابنُ الذهبي)، لأنه يعلم أن النسبة إنما هي لأبيه، ولو كان هو اتصف بها
لم يَغِب عنه أن يقول عن نفسه: (الذهبي)، ولا كان أَثْبَتَّ في كتابةِ اسمه،
(ابن الذهبي). فهذا الترجِّي والحسبان من الدكتور مصطفى جواد رحمه اللّه تعالى،
(١) قال الذهبي في ((تاريخ الإسلام)» في ترجمة والده: ((الفارقي الأصل، الدمشقي، الذهبي ... برع في
صنعة الذهب المدقوق وتميز فيها، وسمع صحيح البخاري)). وقال الدكتور المنجد - أخذاً من «معجم
الشيوخ)» للذهبي و((الوافي)) للصفدي - ((واعتنى بهذه الصنعة، ورغب في الحديث فسمعه وطلبه،
وأَحَلَّهُ عِلْمُهُ مكانة جعلت خلقاً من أهل دمشق يشيعونه يوم موته، يؤمهم قاضي القضاة يومئذ
ابنُ جماعة)».

٣٩
.
هو الذي يقال فيه: اجتهادٌ مخالفٌ للنص.
نعم قد اشتهر الحافظ بين الناس في عصره وبعده (بالذهبي) اختصاراً، على
عادة كثير من الناس في اختصار الأسماء، وعلى عادتهم في أن يكون الوصف في
أحد آباء الرجل، فيصفون به أَحَدَ أَبنائه أو أحفاده أو أقاربه، للتمييز والتعيين، كما تراه
كثيراً منتشراً في كتب الرجال والتراجم والتاريخ.
ومن أجل اشتهاره بوصف (الذهبي)، كان يُعبِّرُ به في بعض الأحيان عن
نفسه، فحينما دَخَل على الإِمام ابن دقيق العيد بمصر ليتلقّى عنه، سأله: بم تُعرَف؟
قال: بالذهبي. كما في ترجمته في ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٥: ٢١٦ من
طبعة الحسينية، ٩: ١٠٢ من طبعة البابي.
أما هو إذا عبّر عن نفسه في كتاب أو تأليف فيقول: (ابن الذهبي)، وإليك
بعضَ المواضع التي عبِّر فيها عن نفسه بقوله: (قال ابنُ الذهبي):
١ - جاء في (معجم)) من معاجمه المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٩١٨
مصطلح: ((معجمُ العبد المسكين محمد - بن أحمد - بن عثمان بن قايماز بن الشيخ
عبد الله، التركماني الأصل، الفارقي، ثم الدمشقي، ابن الذهبي)). كما في
ص ١١ من مقدمة الدكتور المنجد السابقة الذكر.
٢ - وقد كَتّب الذهبيُّ بخطه في وجه المجلَّد الثاني من كتابه (تاريخ
الإِسلام وطَبَقَاتِ المشاهير والأعلام))، من نسخته التي خَطّها بيده، المحفوظةِ في
مكتبة أيا صوفيا في تركيا، تحت الرقم ٣٠٠٥، - وما بعده - ما يلي: ((جَمْعُ كاتِه
محمد بن أحمد بن عثمان الفارقي ابنِ الذهبي)»، كما نقله الدكتور بشار عوّاد
معروف، في كتابه ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)) ص ٣٣.
٣ - وجاء بخطه أيضاً في وجه المجلَّدِ الثامن من هذه النسخة، المحفوظِ في
المكتبة المذكورة برقم ٣٠٠٧، ما يلي: ((المجلَّد الثامن من كتاب تاريخ الإسلام
ووَفَيَّاتِ المشاهير والأعلام، تأليف كاتبِهِ محمد بن أحمد بن عثمان ابنٍ الذهبي،
سامحه الله))، كما في كتاب ((الذهبي ومنهجه)) ص ٣٩.
٤ - وجاء بخطه أيضاً في وجه المجلد الحادي عشر أيضاً ((المجلِّد الحادي
عشر من كتاب تاريخ الإِسلام ووَفَيَاتِ المشاهير والأعلام» تأليف العبد الفقير إلى اللَّه

٤٠
محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي، عفا الله عنه)). منه أيضاً ص ٤٤.
٥ - وجاء بخطه في وجه المجلَّد الخامس عشر أيضاً ((المجلَّد الخامس عشر
من كتاب تاريخ الإِسلام ووَفَيَّاتِ المشاهير والأعلام، تأليف کاتِهِ محمد بن أحمد بن
عثمان ابنِ الذهبي، سامحه الله))، منه أيضاً ص ٤٧ و٤٨.
٦ - وجاء بخطه في وجه المجلَّد الثامن عشر أيضاً ((المجلَّد الثامن عشر من
كتاب تاريخ الإِسلام ووَفَيَاتِ المشاهير، تصنيف محمد بن أحمد بن عثمان
ابنِ الذهبي، عَفَا الله تعالى عنه)»، منه أيضاً ص ٥١.
٧ - وجاء بخطه في وجه المجلَّد الحادي والعِشرين أيضاً ((المجلَّد الحادي
والعِشرون من كتاب تاريخ الإِسلام وطَبَقَاتِ المشاهير والأعلام، تأليف العبدِ الفقير
إلی الله محمد بن أحمد بن عثمان ابنِ الذهبي»، منه أیضاً ص ٢٥ ,٥٣.
٨ - ويكتب بخط يده على كتابه ((العلو)»: المحفوظ في بانكيبور في الهند:
((الجزء الثالث من كتاب مسئلة على اللَّه تعالى، مما جمعه محمد بن أحمد بن عثمان
ابنُ الذهبي، سامحه اللَّه)). كما في اللوحة ذات الرقم (٣) من مقدمة الدكتور المنجد
السابقة الذكر.
٩ - وجاء في أول كتابه ((الكاشف)) المطبوع عن نسخته التي بخطه في دار
الكتب المصرية: ((يقول محمد بن أحمد بنُ الذهبي سامحه اللَّه: هذا مختصر نافع
في رجال الكتب الستة ... )). انتهى.
١٠ - ويكتب بخط يده أيضاً في سماع كتابه ((الكاشف)) منه، المحفوظ في
دار الكتب المصرية: ((سَمِعٍ مني هذا الكتابَ بكماله من لفظي صاحبُه الفقيه الفاضل
العالم المحدث أمين الدين أبو الفتح محمد بن علي بن الحسن المغربي ... ، وتَمِّ
ذلك في حادي عشر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وأجزتُ لهُمْ مرويَّاتي،
وصَحِّ والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وكتب محمد بن
أحمد بن عثمان ابنُ الذهبي سامحه اللَّه))، كما في اللوحة ذات الرقم (٤) من مقدمة
الدكتور المنجد المشار إليها.
١١ - وجاء في آخر مخطوطة كتابه («المغني في الضعفاء)» المحفوظة بالمكتبة
الأحمدية في بلدنا حلب برقم ٣٢٧، في آخر سماعها منه بخط يده: (( ... وكتب
: