النص المفهرس
صفحات 421-440
رواته وَهِم في رفعه، والأصح وقفه على كعب، وإلى هذا ذهب إمام الأئمة البخاري في تاريخه فقال: ((رواه بعضهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن كعب الأحبار وهو الأصح)» ووافقه على هذا العلامة الحافظ ابن كثير حيث قال: «فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوّهِم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي عَ لّ بقوله: ((أخذ رسول الله - عَ بَّه - بيدي فقال (١) :... الخ. ومهما يكن من شيء فسيدنا أبو هريرة رضي الله تعالى بريء مما غمزه به أعداء السنن والأحاديث، وأعداء صحابة رسول الله مد خله، واتهامهم له برفع الحديث الى رسول الله عَ ليه حتى أن بعض الجهلاء المغرورين منهم قال في كتاب له بعد أن سَفَه على سيدنا أبي هريرة بما سَفَه به: ((وأني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا انهم على شيء من علم الحديث، وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يَحُلُّوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها )) ثم تهكم بسيدنا أبي هريرة ما شاء له أدبه أن يتهكم(٢) !!. وهذا الكلام كتبته في كتابي ((دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين(٣). أُلذي قصدت به خدمة السنة النبوية المطهرة، وبيان شرفها وفضلها، وحقيقة أمرها ولم أقف على كلام لأحد في هذا الموضوع من الذين ألفوا في «علوم الحديث )) قديما وحديثا فلله الحمد والمنة . (١) البداية والنهاية جـ ١ ص ١٧، ١٨ وتفسير ابن كثير والبغوي جـ ٣ ص ٤٨٨، وجـ ٧ / ٣٢٦. (٢) انظر اضواء على السنة المحمدية ص ١٧٥ ط الأولى. (٣) ص ١٥٨: ١٥٩. ٤٢١ ((التسلل التام وغير التام)) ثم من المتسلسل ما يكون التسلسل فيه من أول السند إلى آخره، وأَصّح مثل لذلك الحديث المسلسل بقراءة «سورة الصف )» وقد قدمناه · آنفا . قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف . قال السيوطي: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً، بل ذكر في شرح النخبة: أن المسلسل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي. وقد يَنْقطع تسلسله في وسطه أو أوله، أو آخره ومثال ذلك المسلسل بقول الراوي بأول حديث سمعته، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاض مرفوعا: (الراحمون يرحمهم الرحمن)) فإنه انتهى التسلسل فيه الى عمروبن دينار، وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوس، وسماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو، وفي سماع عبد الله من النبي عدة على ما هو الصحيح فيه، وقد رواه بعضهم كامل السلسلة فوَهِم فيه. ((أشهر المؤلفات في المسلسلات)» المسلسلات: تأليف الحافظ اسماعيل بن أحمد بن الفضل التيمي المتوفى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة(١) (٥٣٥). ٢ - الأحاديث المسلسلات تأليف الشيخ الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة (٦٤٣)(٢) ٣ - كتاب المسلسلات للحافظ المحدث المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة اثنين وتسعمائة وفيه مائة حدیث .. (١) توجد منه نسخة مخطوطة في دار الكتب الظاهرية بدمشق، كما توجد نسخة في دار الكتب المصرية. (٢) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب الظاهرية. ٤٢٢ : ٤ - ((المسلسلات الكبرى)) وهي خمسة وثمانون حديثاً، و((جياد المسلسلات(١))) كلاهما للإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة احدى عشرة وتسعمائة قال في ((تدريبه)): ((وقد جمعت كتابا فيِّما وقع في سماعاتي من المسلسلات(٢) ). ٥ - الفوائد الجليلة للعلامة الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد، المشتهر والده بعقيلة المتوفى سنة خمسين ومائة بعد الألف (١١٥٠(٣)). ٦ - ((التعليقة الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة)) لأبي الفيض محمد بن محمد بن محمد الشهير بمرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي ثم المصري الحنفي المتوفى بمصر سنة ١٢٠٥ هـ. ٧ - ((المناهل السَّلِسَة في الأحاديث المسلسلة)) للعلامة المحدث محمد بن عبد الواحد الأيوبي المتوفى سنة أربع وستين وثلاثمائة بعد الألف وهو يشتمل على اثني عشر ومائتي حديث(٤) ولما كان صاحبه متأخر الوفاة فقد جاء كتابه أشمل الكتب في هذا. وبالجملة فقد قال الإمام السخاوي في شرح ألفية العراقي ما نصه: («وقد أفرد كثير من الأئمة ما وقع لهم من المسلسلات، وقع لي من ذلك بالسماع جملة: كالمسلسلات لأبي بكر بن شاذان، ولأبي محمد الإبراهيمي، ولأبي محمد الديباجي، ولأبي سعد السمان، ولأبي سعد بن أبي عصرون، ولأبي القاسم التيمي، والقرافي، ولأبي المكارم بن مسرى، ولا بي سعيد العلائي، ولابن الفضل في الأربعين له. (١) توجد نسخة مخطوطة من ((جياد المسللات)» في دار الكتب المصرية. (٢) التدريب ص ٣٨١. (٣) توجد نسخة مخطوطة منه في دار الكتب الظاهرية، وفي دار الكتب المصرية (عن الوجيز في علوم الحديث ». (٤) منهج النقد في علوم الحديث ص ٣٣٤. ٤٢٣ وبالإجازة جملة أيضاً: كأبي نعيم الأصبهاني، وأبي الحسن اللبان، والقاضي أبي بكر بن العربي. واعتنى كل من حافظ دمشق ابن ناصر الدين، وحافظ مكة من أصحابنا بإفراد ما وقع له منها في تخريج. وكذلك أفردتُ مائة منها بالتّصنيف مبينا شأنها، ورويت ذلك املاء وتحديثا بالقاهرة ومكة(١). إلى غير ذلك من الكتب المؤلفة في المسلسلات ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى ((الرسالة المستظرفة، لبيان مشهور كتب السنة. المشرفة)) قال: ومجموع الأحاديث المسلسلة يزيد على أربعمائة(٣). ((علم علل الحديث)) علم علل الحديث من العلوم المهمة جدا، وقد سبق التأليف في هذا العام على سبيل الاستقلال لكونه فرعا من فروع ((علوم الحديث)) بمعناها العام - التأليف فيه بعد صيرورة ((علوم الحديث)) فنا مدونا مستقلا عن غيره من العلوم له أصوله، وله مسائله، وله أنواعه، وذلك على يد الإمام أبي محمد الحسن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى حوالي سنة ستين وثلاثمائة . والعلة في اصطلاح أئمة الحديث وجهابذته: عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منها. وعلى هذا يمكننا أن نعرف هذا العلم فنقول: علم علل الحديث: هو العلم الذي يبحث فيه عن الأسباب الخفية (١) فتح المغيث للسخاوي جـ ٣ ص ٥٥. (٢) الرسالة المستطرفة من ص ٦١ - ٦٤ ٤٢٤ الغامضة التي تقدح في الحديث صحة وحسنا، وسندا ومتنا مع أن الظاهر السلامة منها . ولن أتكلم هنا عن أقسام العلة ولا عن ضرب الأمثلة لها فقد سبق ذلك في نوع ((المُعَلّ(١))) من الحديث أثناء التكلم عن أنواع الحديث الضعيف . «هذا العلم لم يتكلم فيه إلا الجهابذة)» وهذا العلم لم ينهض للكلام فيه والتأليف إلا الأئمة الكبار الجامعون للحديث، والعارفون بعلله أمثال: علي بن المديني، وأحمد بن محمد بن حنبل، والبخاري ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، والترمذي، والدار قُطْني . « بِمَ تعرف العلة»: وتدرك العلة بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تُنَبِّه العارف بهذا العلم على وَهَمْ (٢) وقع بإرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد في صحته فيتوقف فيه. والطريق الى معرفة ذلك جمع طرق الحديث والنظر في اختلاف رواته وفي ضبطهم وإتقانهم، قال الإمام ابن المديني: ((الباب اذا لم تجمع طرقه لم يُتَبَّيَّن خطؤه )». وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه كالصَّيْرَفي(٣) في نقد الدنانير والدراهم قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: معرفة علل الحديث الهام، ولو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة، وكم من شخص لا يهتدي لذلك. (١) بضم الميم وفتح العين المهملة، وتشديد اللام. [انظر ص ٣٠٥]. (٢) وهِمَ وَهَمَا كغلط غَلَطاً وزنا ومعنى. (٣) يفتح الصاد المهملة، وسكون الياء، وفتح الراء هو الذي يقوم بصرف الدرهم والدنانير ويميز بين صحيحها وزائفها . ٤٢٥ وقيل له أيضاً: إنك تقول للشيء هذا صحيح وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: ((أرأيت لو أُتَّيْت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بَهَرَج (١). أكنت تسأل عن ذلك، أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر، قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة. وسئل أبو زرعة الرازي: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة : - يعني محمد بن مسلم بن وارة - فتسأله عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم يعني الرازي، فيُعَلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام)). ((تعليق على كلمة ابن مهدي أن هذا العلم إلهام)». قد يوهم ظاهر هذه الكلمة أن هذا العلم لا يحتاج إلى طول بحث ونظر، وموازنة بين الروايات وجمعها كَيْ يصل الإمام المعلل الى الحق والصواب . ۔۔ وهذا الظاهر غير مراد قطعا بعدما ذكرنا من كلمة الإمام علي بن المديني ، وبعدما هو معلوم من أن العلماء الذين اشتغلوا بعلل الأحاديث. لم يدعوا وسيلة من وسائل العلم بالأحاديث، والبحث عن حقائق أمورها إلا سلكوها، وذلك عن طريق جمع الروايات ونقدها على حسب قواعدهم الدقيقة، والموازنة بينها حتى وصلوا الى الحق والصواب في هذا، والكتب التي ألفت في العلل أكبر شاهد على هذا، إن في هذه الكتب ما يدل دلالة ظاهرة على سعة علم هؤلاء العلماء بالروايات، وعلى دقة انظارهم في النقد. (١) بهرج على وزن جعفر الرديء المغشوش من الفضة. ٤٢٦ والذي يظهر لي - والله أعلم - أن أي عالم متمرس في فن من الفنون، وطالت مصاحبته له، والوقوف على حقائقه ودقائقه تحصل له ملكة (١) في هذا الفن قد تصل هذه الملكة المكتسبة بطول البحث والنظر والتأمل إلى أن تجعل صاحبها ملهما في إدراك حقائق الأمور. فمن الأطباء مثلا من حصل لهم بعد طول المارسة لعلم الطب، ومقابلة المرضى والتعرف على أدوائهم وأمراضهم وعللهم ملكة بحيث يدرك بمجرد رؤية المريض أنه مريض بكذا، وإن لم يستعمل التَّفْسِرة(٢) التي تعينه على إدراك حقيقة مرض المريض. كذلك الكثرة الكاثرة من أئمة الحديث ولا سيما في العصور الأولى حصلت لهم بطول الممارسة والملازمة للحديث وعلومه ملكة بها يدركون الحديث المعلول من غير المعلول بحيث لا يحتاجون الى طول بحث ونظر، وإنما تنطلق السنتهم بالحقيقة بحيث يخيل إلى السامع أن هذا العلم إلهام كما قال الرجل الذي ذكرنا قصته مع أبي زرعة الرازي. إن الواحد منا نحن معاشر المشتغلين بعلم الحديث والسنن على فرق ما بيننا وبين هؤلاء الأئمة قد تحصل له هذه الملكة بحيث يميز ما بين ما هو من كلام رسول الله عَّه، وما ليس من كلامه، ولَوْ لم يكن عنده علم خاص في ذلك، وأيضاً فالعالم العامل بعلمه هو أحق من يلهمه الله الحق والصواب والله أعلم. «المؤلفات في علل الحديث)) ١ - من أقدم ما وصلنا في هذه المؤلفات كتاب ((التاريخ والعلل)) (١) الملكة: كيفية وحالة راسخة في النفس تحصل لمن يمارس وتطول ملازمته لأمر من الأمور. (٢) هي الآلة التي يتعرف بها الطبيب مرض المريض كالسماعة مثلا. ٤٢٧ للإمام الحافظ يحيى بن مَعِين المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين(١) .. ٢ - ومنها كتاب ((العلل)» للإمام علي بن المديني شيخ البخاري المتوفى سنة أربع وثلاثين ومائتين. قال فيه الحافظ ابن كثير: ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله ((كتاب العلل» لعلي بن المديني شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده في هذا الشأن على الخصوص (٢). ٣ - ومنها ((كتاب العلل)) للإمام الجليل أحمد بن حنبل المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين (٣). ٤ - ومنها كتاب ( المسند المعلل)) للإمام الحافظ يعقوب بن شيبه: السدوسي البصري المتوفى سنة اثنين وستين ومائتين قال الإمام الذهبي في («تذكرة الحفاظ(٤))): ما صنف مُسند أحسن منه: ولكنه ما أتمه)) قال الخطيب: أخبرنا الأزهري قال: بلغني أنه كان. في منزل يعقوب بن شيبة أربعون لحافا أعدها لمن كان يبيت عنده من الوارقين الذين يبيضون المسند قال: ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار )). ٥ - ومنها كتاب (العلل)» للإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة. الترمذي المتوفى سنة تسع وسبعين ومائتين وله في العلل كتابان: العلل الصغير وهو الملحق بالجامع له، وكتاب العلل الكبير وهو مستقل وقد شرحه العلامة الحافظ ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة: (١). توجد نخة مخطوطة منه في خزانة دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم (١١٢) مجموع [عن الوجيز في علوم الحديث]. (٢) اختصار علوم الحديث لابن كثير .ص ٦٤ ط ثالثة. (٣) يوجد منه جزء في دار الكتب الظاهرية بدمشق تجت الرقم (٤٠ مجاميع). (٤) جـ ٢ ص ٥٧٧. ٤٢٨ خمس وتسعين وسبعمائة (١). ٦ - ومنها كتاب ((العلل)) للإمام الفقيه العلامة المحدث أبي بكر بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي المشهور بالخلال المتوفى احدى عشرة وثلاثمائة وهو مؤلف علم أحمد بن حنبل، وجامعه ومرتبه، صنف ((كتاب السنة)) في ثلاث مجلدات، و((كتاب العلل)) في عدة مجلدات، و((كتاب الجامع)) وهو كبير جداً(٢). ٧ - ومن أحسن الكتب المؤلفة في ((باب العلل)) وأجمعها كتاب ((علل الحديث)) للإمام الحافظ الناقد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وهو مرتب على أبواب الفقه ، وقد طبع في مصر في مجلدين سنة ١٣٤٣ هـ. ٨ - وأجمع كتاب وأشمله في هذا الباب كتاب ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية(٣))) للإمام الحافظ الناقد علي بن عمر الدار قطني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وقد حظي هذا السفر الجليل بثناء أئمة الحديث ونقاده قال الحافظ ابن كثير: « وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن لم يسبق الى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله وأكرم مثواه(٤))). (١) قد حققه في مجلدين ابننا الفاضل الدكتور نور الدين العتر، تحقيقا علميا جيدا. (٢) تذكرة الحفاظ جـ ٣ ص ٧٨٥، ٧٨٦. (٣) يوجد من هذا الكتاب خمس مجلدات في خزانة المخطوطات بدار الكتب المصرية تحت الرقم (٣٩٤ حديث) ونسخت عنها نسخة أخرى بتاريخ ١٢٦٠ هـ وهي تحت الرقم (٢٢٠٣٢ ب) وخطها جيد . (٤) اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٦٤ ط ثالثة. ٤٢٩ ٩ - وقد ذكر الإمام السيوطي في كتابه ((تدريب الراوي)) أن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر صنف في ذلك كتابا سماه ((الزهر المطلول في الخبر المعلول » قال العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر - رحمه الله - في تعليقاته على ((اختصار علوم الحديث)): ((ولم أره، ولو وجد لكان في رأيي جديرا بالنشر؛ لأن الحافظ ابن حجر دقيق الملاحظة، واسع الاطلاع، ويظن أنه يجمع كل ما تكلم فيه المتقدمون من الأئمة من الأحاديث المعلولة .. قال: وتجد الكلام على علل الحديث مفرقا في كتب كثيرة من أهمها ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) للحافظ الزيلعي و ((التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير)). و((فتح الباري شرح صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري)) وكلاهما للإمام الحافظ الكبير أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. وفي ((نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)) للشوكاني، و ((المحلى) : للإمام الحجة أبي محمد علي بن حزم الظاهري، وكتاب (تهذيب سنن أبي داود)) للعلامة المحقق ابن قيم الجوزية (١) علم غريب الحديث معنى الغريب في اللغة: يقال: غَرُبت الكلمة غرابة اذا غمضت وخفيت معنى، وغرب الرجل يغرب غرَبا إذا ذهب وبعد .. قال الإمام أبو سليمان الخطابي في شرح معنى الغريب واشتقاقه أن: الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس .. (١) اختصار علوم الحديث ص ٦٥ في هامش الكتاب. ٤٣٠ وقال: إن الغريب من الكلام يستعمل على وجهين: أحدهما أن يراد أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم الا عن بعد، ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المجلس من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم ((استعربناها (١))) يعني بينا معناها وفي القاموس: ((والاغراب: الإتيان بالغريب والإبعاد في الأرض كالتغريب .. وككرم: غَمُض وخفي (٢) )). ويراد به في اصطلاح العلماء: ما وقع في متون الأحاديث من ألفاظ غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها أو لكونها من كلام العرب الضاربين في البداوة، البعيدين عن المدن والأمصار. وهو فن مهم من فنون علوم الحديث يقبح جهله بأهل العلم بِعَامَّة، وبأهل الحديث بخاصة، وأغلب الذين تكلموا فيه كانوا من أهل اللغة الذين كانوا أئمة فيها، والبعض كانوا من العلماء الجامعين بين العلم باللغة والحديث من أمثال الإمامين الجليلين أبي عبيد القاسم بن سلام، وأبي سليمان حَمْد بن محمد بن ابراهيم بن الخطاب الخطابي البُسْتي، ثم منهم من قصر كلامه على الغريب من الأحاديث المرفوعة الى النبي عدّة، ومنهم من عم فذكر الغريب في كلام الصحابة والتابعين رضوان الله على الجميع. منشأ الغريب في الحديث: كان رسول الله عَّ أفصح العرب لسانا، وأوضحهم بيانا، وأعذبهم نطقا، وأسدهم لفظاً، وأبينهم لهجة وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طريق الصواب، وأقدرهم على التعرف في فنون (١) مقدمة مصحح ((غريب الحديث)) لأبي عبيد ص ١. (٢) القاموس جـ ١ ص ١١٠، ١١١. ٤٣١ ! القول، تأييدا إلَهيا، ولطفا سماوياً، وعناية ربانية، ورعاية روحانية (١) ولم يكن رسول الله عَّة يجب الإغراب في الكلام، ولا الحوشى (٢) من الألفاظ ولكنه عَ لَّه بعث إلى الناس كافة وصدق الله في قوله: ﴿وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا(٣)﴾ ولم يبعث إلى قريش وحدها، وانما بعث إلى العرب كلهم، وكانت لهجاتهم متغايرة فمنها: العذب القريب الفهم الذي يحلو على الألسنة ويخف على الاسماع، ومنها الغريب الحوشي الذي لا يفهمه كل الناس. وكان رسول الله عَ لّة مضطرا إلى - أن يخاطب كل قوم بما يعرفون وما يفهمون حتى يقع الخطاب موقعه، ويثمر ثمرته، وكان في لسان الأعراب وأهل البوادي الكلام الغريب والحوشي، ولما جاءه وفد من اليمن وسألوه عن الصوم في السفر قال لهم: ((ليس من أمبر امصيام في السفر(٤))) فأبدل لام ((أل)) ((ميماً كما هي لغتهم. ولذلك كان الصحابة يعجبون من قدرة رسول الله عدة الفائقة على مخاطبة الوفود بما يعرفون، بينما هم لا يقدرون على شيء من ذلك، مع أنهم كان فيهم الذين يرتادون البوادي، ويقابلون الأعراب الأقحاح الذين لم يفارقوا البادية ولا عجب فهو وحي إلاهي، وإلهام رباني وهي خصيصة من خصائصه منز له. وكان الصحابة بحكم فطرتهم اللغوية وسليقتهم العربية يعرفون الكثرة الكاثرة من كلامه عَّة، فإذا خفى عليهم أو على أحدهم شيء من كلامه سألوه أو سأله عنه، فيجيبهم. ولما جاور الرسول الرفيق الأعلى وحمل الصحابة رضوان الله عليهم (١) من مقدمة ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير جـ ١ ص ٤. --- (٢): في القاموس جـ ٢ ص ٢٧٠: ((والحُوشِي بالضم الغامض من الكلام». (٣) سورة سبأ / ٢٨: (٤) رواه البخاري ومسلم، البخاري - كتاب الصوم - باب قول النبي عَّة لمن ظلل عليه، واشتد الحر. الخ - ومسلم - كتاب الضوم رباب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية. ٤٣٢ : الرسالة من بعده لتبلغها للناس كافة لم يلبث أن دخل الكثيرون في الإسلام من غير العرب من الفرس، والرومان، وغيرهم ممن لا يتكلمون العربية، ولم يمض قرن من الزمان، أو يزيد، على الوفاة النبوية حتى بلغ الإسلام من المحيط الى المحيط(١) فمن ثم دخلت العجمة في اللسان العربي، ووجد جيل من بعد جيل الصحابة والتابعين استعصى عليه فهم ومعرفة معاني الكثير من الألفاظ العربية ومن اللسان العربي الذي نزل به القرآن، وجاءت عليه السنة النبوية المشرفة، حتى ولو كانت غير حوشية. وسرى اللَّحْنُ في اللغة، والاستعجام لمعانيها الى الخاصة سواء منهم من لم يكن في الأصل عربيا، ومن كان، ولو استمر الأمر على ذلك فسينشأ جيل يستعصي عليه فهم القرآن الكريم، والسنة النبوية اللَّذيْنِ هما أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم، وحينئذ تكون الطامة. فمن ثم رأى الغيارى (٣) على الدين وأهله من علماء اللغة، ومن علماء الحديث الذين جمعوا الى حفظ الحديث التعمق في العلم باللغة العربية أن يؤلفوا كتبا يبينون فيها ما هو خفي وغامض من الألفاظ القرآنية والجديثية ، وما هو بعيد عن الفهم، فكان هذا العلم الشريف الذي عنيت به الأمة الإسلامية حتى كان من ثمرات هذا العلم هذه الثروة العلمية الكثيرة التي لا يحصيها العد فلله الحمد والمنة. التثبت في القول في غريب الحديث: وقد كان السلف الصالح يثبتون فيه أشد التثبيت، وليس أدل على هذا مما روى عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه سئل عن حرف(٣) منه (١) من المحيط الأطلسي غربا الى المحيط الهندي شرقا. (٢) جمع غيور اما جمع الكلمة جمع مذكر سالم فهو غلط . (٣) الحرف: يطلق ويراد به حرف الهجاء، ويطلق ويراد به الكلمة، وهي المرادة بالحرف هنا. ٤٣٣ فقال: «سلو أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله عز له بالظن ». وعسى أن يكون في هذه القولة مُذَكر لهؤلاء الذين يَتَسَوَّرُونَ(١): على الأحاديث النبوية، ويتكلمون في ألفاظها، ومعانيها بغير علم. حتى علماء اللغة أنفسهم العارفون بها كانوا يتحرجون من القول في ألفاظ الأحاديث، فقد سئل الأصمعي (٢) - وهو من هو من علماء اللغة الكبار - عن معنى حديث: «الجار أحق بسقبه(٣))) فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله عَ ليه، ولكن العرب تزعم (٤) أن السقب اللزيق)). المؤلفون في هذا العلم : ١ - وقد اختلف في أول من صنف في هذا العلم فقيل هو النضر بن شميل - بضم الشين وفتح الميم وسكون الياء ، آخره لام على صيغة المصغر - وهو ثقة، ثبت من كبار التاسعة وكانت وفاته سنة أربعة ومائتين روى له الجماعة كما في التقريب(٥) وقد قال: إنه أول من صنف في الغريب - الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري(٦). ٢ - وقيل: أول من ألف في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى (١) اي يتهجمون ويأتون البيوت من أسوارها لا من أبوابها. : (٢) هو الإمام عبد الملك بن قريب - بضم القاف، وفتح الراء، وسكون الباء المثناة، على صيغة المصغر - ابن عبد الملك بن علي، بن أصمع أبو سعيد الباهلي الأصمعي البصري صدوق سني ، ثمات سنة ست عشرة ومائتين رونى له مسلم في المقدمة، وأبو داود، والترمذي [تقريب التهذيب جـ ١ ص ٥٢١]. (٣) رواه البخاري في «كتاب الشفعة - باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع والقب: بفتح الشين، والقاف، وتسكن، آخره باء موحدة، وتبدل السين صادا، هو الجار الملاصق .. (٤) أي تقول. (٥) جـ ٢ ص٣٠١: (٦) تدريب الراوي ص ٣٧٨. ٤٣٤ سنة عشر ومائتين هـ ثم النضربن شميل ثم الأصمعي، قال السيوطي: وكتبهما صغيرة قليلة (١). والأصمعي توفي سنة ست عشرة ومائتين، ومن أقرانه قطرب محمد بن المستنير المتوفى سنة عشر ومائتين وأبو زيد الأنصاري (م سنة خمس عشرة ومائتين). ٣ - ثم ألف بعدُ الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلَّم كتابه المشهور في غريب الحديث، وذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث فقد كانت وفاته سنة أربع وعشرين ومائتين ، قال النووي والسيوطي: فاستقصى وأجاد ، والكتاب قد جمع مادة غزيرة في ((غريب الحديث)) وليس ذلك بغريب على أبي عبيد القاسم بن سلام فقد كان من الحفاظ الكبار ومن أئمة اللغة الأوائل، فلا عجب أن يأتي هذا الكتاب على هذه الصفة، وقد روى عنه أنه قال: ((إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وهو كان خلاصة عمري)) وقد طبع هذا الكتاب القيم في ((الهند)) وفي ((مصر)» وعلى ما ذكره بدأ في تأليفه سنة ست وثمانين ومائتين. ومع ما قال النووي والسيوطي في وصف الكتاب والثناء عليه فقد غفل عن ألفاظ تعقبها عليه من جاء بعده من العلماء. ٤ - ثم جاء بعده الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَرِيّ المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين للهجرة فألف كتابه في الغريب ، وقد استدرك على أبي عبيد ما فاته في كتابه الجليل، وهو يعتبر ذيلا على كتاب أبي عبيد، وله كتاب ((إصلاح الخطأ )» ذكر فيه (١) المرجع السابق. ٤٣٥ أوهام أبي عبيد الواقعة في كتابه (١). ٥ - ثم جاء الإمام قاسم السرقسطي المالكي المتوفى سنة اثنتين وثلاثمائة فألف كتابه الموسوم ((بالدلائل)» وهو يعتبر ذيلا على كتاب ابن قتيبة قال فيه أبو علي القالي: «ما أعلم أنه وضع بالأندلس مثل كتاب الدلائل)» ومات ولم يتمه وأتمه أبوه ثابت بن حزم الحافظ (٢) المتوفى سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. ٦ - ثم جاء الإمام حمد - بفتح الحاء المهملة وسكون الميم - بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، الخطابي، وهي نسبة الى جده المذكور، وقيل نسبة الى زيدبن الخطاب لأن من ذريته المتوفى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بمدينة بست. فألف كتابه المشهور ((غريب الحديث)) وقد استدرك في كتابه هذا ما فات أبا عبيد وما فات ابن قتيبة وهذه الكتب تعتبر امهات كتب غريب الحديث(٤) . ٧ - ومن الكتب النافعة المفيدة ((كتاب الغريبين)) غريب القرآن، وغريب الحديث، وهما في مجلد ضخم لأبي عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي نسبة الى هراة إحدى مدن خراسان الكبار الفاشاني نسبة الى فاشان قرية من قرى هراة المتوفي سنة إحدى وأربعمائة. قال صاحب (الرسالة المستطرفة(٥))): وما ذكرناه في نسبة هو المنقول كما في ابن خلكان ووجد على ظهر كتابه الغريبين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن والله سبحانه وتعالى أعلم)» وهو (١) و(٢) و(٣) و(٤) تدريب الراوي ص ٣٧٩، الصلب والحاشية، وانظر مقدمة النهاية لابن الاثير جـ ١ ص ٥ - ٠٩ (٥) ص ١١٧ ط الاولى. ٤٣٦٠ : أحد الكتابين اللذين اعتمد عليها الإمام ابن الأثير في كتابه الجامع («النهاية». ٨ - كتاب ((المغيث في غريب الحديث)) في مجلد لأبي موسى المديني، كمل به الغريبين، واستدرك عليه وهو كتاب نافع (١) قال الإمام الذهبي في ((التذكرة)) ومن تصانيفه كتاب ((معرفة الصحابة الذي استدرك به على أبي نعيم الحافظ، وكتاب ((الطوالات)) جَوَّدها ولم يسبق إلى مثلها مع كثرة ما فيها من الواهي والموضوع، وكتاب «تتمة الغريبين)» يدل على براعته في لسان العرب )). وكانت وفاته سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في جمادى الأولى (٢) وهو ثاني الكتابين اللذين اعتمد عليهما ابن الأثير. ٩ - كتاب ((جمع الغرائب)) لعبد الغافر بن اسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد قال فيه الإمام الذهبي الحافظ المفيد الإمام أبو الحسن الفارسي ثم النيسابوري مصنف ((تاريخ نيسابور)) وكتاب ((جمع الغرائب)) و((المفهم لشرح غريب مسلم)) كان من أعيان المحدثين بصيراً باللغات، فصيحاً، بليغاً، عذب العبارة، ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ... وأجاز له من بغداد أبو محمد الجوهري، وسمع من جده لأمه الاستاذ أبي القاسم القشيري، وأحمد بن منصور المغربي، وأحمد بن عبد الرحيم الإسماعيلي، وأبي حامد أحمد بن الحسن الأزهري ... وجدته فاطمة بنت الدقاق وخلق كثير تفقه بإمام الحرمين لزمه مدة أربع سنين، وحدث عنه أبو سعد عبد الله بن عمر الصفّار وطائفة، وروى عنه أبو (١) المرجع السابق، وانظر تدريب الراوي عامش ص ٣٧٨. (٢) تذكرة الحفاظ جـ ٤ ص ١٢٣٥. ٤٣٧ القاسم بن عساكر بالإجازة، مات سنة تسع وعشرين وخمسمائة (١) أقول: وأمَّا المفهم بشرح صحيح مسلم فهو للقرطبي شارح الصحيح. :(( ملاحظة لي على كل من ألفوا في الغريب)) ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام أنهم أهملوا تخريج الأحاديث التي تعرضوا لبيان غريبها أي عزوها الى من خرجها من الأئمة ، وبيان صحيحها من حسنها من ضعيفها وفي كتب الغريب أحاديث كثيرة لا تثبت، وعسى أن يوفق الله بعض أهل العلم بالحديث للقيام بهذا الغرض الكفائي بالنسبة لكتاب «النهاية في غريب الأثر)» لأنه أوفى وأشمل كتاب في هذا الباب ولو أن المُحَقّقَينِ الفاضلين للنهاية استعانا بمن يخرج الأحاديث ويبين درجتها من علماء الحديث لجاء تحقيقهما غاية ما يرام. ١٠ - ثم جاء الإمام الأديب اللغوي المفسر جار الله محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فألف كتابه ((الفائق في غريب الحديث)). وهو فائق في مادته فقد جاء شاملا لما يوجد في كتب من سبقه من المؤلفين في الغريب وهو من الكتب القيمة التي وافق اسمها مسماها . ١١ - ومن أشمل كتب الغريب وأجمعها وأشهرها كتاب ((النهاية)) في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات مجد الدين المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشيباني الموصلي الشافعي المتوفى سنة ست وستمائة، ولما كان مؤلفه متأخرا عن كل أولئك الذين ذكرناهم ممن ألفوا في الغريب فقد جاء كتابه أوفى كتاب وأشمله في بابه، وقد يسر الاطلاع على ما فيه للباحثين بترتيبه (١) تذكرة الحفاظ للإمام الذهبي جـ ٤ ص ١٢٧٥ وما بعدها. ٤٣٨ على حروف المعجم وقد حظيت هذه الكتب السابقة بالقبول عند اهل العلم بالحديث وغيرهم، قال الإمامان النووي والسيوطي في ((التقريب)) وشرحه ((التدريب)) بعد ذكر أمهات كتب الغريب: ((ثم ألفت بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة أجلة كمجمع الغرائب لعبد الغافر الفارسي، وغريب الحديث لقاسم السرقسطي، والفائق للزمخشري، والغريبين، للهروي، وذيله للحافظ ابي موسى المديني، ثم النهاية لابن الاثير، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها، وأشهرها الآن، واكثرها تداولاً(١)، وقد فاته الكثير فذيل عليه الصفي الأَرْمَوي بذيل لم نقف عليه، وقد شرعت في تلخيصها تلخيصا حسنا مع زيادات جمة والله أسأل الإعانة على (٢) إتمامها(٢) )). وهنالك كتب أخرى: ذكرها العلامة السيد محمد بن جعفر الكتابي في كتابه النافع المفيد ((الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة (٣)))، وذكرها المحققان الفاضلان ((للنهاية)) في مقدمة التحقيق وهي اوفى ما كتب في هذا الموضوع. "قال الإمام السيوطي في ((التدريب)) شرح التقريب: ((وأجود تفسيره ما جاء مفسرا به في رواية كحديث الصحيحين في قوله محد ◌ّ لا بن صائد المدجل المشعوذ الذي كان يزعم أنه يوحى إليه: ((خبأت لك خبيئاً فما هو؟)) قال: الدخ فالدخ ههنا الدخان، وهو لغة قليلة فيه حكاه الجوهري وغيره، لما روى أبو داود، والترمذي من رواية الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في هذا الحديث))أن (١) تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي ص ٣٧٩. (٢) وقد وفي بما وعد وقد سمّى تلخيصه !الدر النشير)» وقد طبع على هامش النهاية. (٢) انظر ص ١١٨ ط الأولى. ٤٣٩ النبيِ عَ لِّ قال له: ((إني خبأت له خبأ، وخبأ له: ((يوم تأتي السماء بدخان مبين)) قال المديني: والسر في كونه خبأ له الدخان أن عيسى عَ ◌ّه يقتله أي الدجال بجبل الدخان، فهذا هو الصواب في تفسير الدخ، هنا وقد فسره غير واحد فأخطأوا فقيل: الجماع وهو غلط فاحش، وقيل نبت موجود بين النخيل وهو غير مرضي(١) )). ((علم ◌ُخْتلِف الحديث ومشكِله)) هذا العلم من علوم الحديث المهمة، وقد أحسن العلماء المتقدمون حينما تَكلَّموا فيه وبينوا حكمه، وذلك لأن أعداء الإسلام من الزنادقة، وأضرابهم كالنظام المعتزلي قد عولوا في طعنهم في الأحاديث والسنن على ما يبدوا بادىء الرأي من تعارض: تناقض أو تضاد بين ظواهر بعض الأحاديث، ويبدو هذا المعنى جلياً فيما جاء في كتاب الإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين وكذلك المستشرقون بَنَواجل طعنهم في الأحاديث على ما يبدو بين ظواهر بعض الأحاديث من تخالف، وقد اخذوا كلام الزنادقة والنظام المعتزلي وأمثاله وما زالوا يزيدون فيه، ويبدون، ويعيدون حتى صيروا من الحبة قبة وهذا العلم لا ينهض للكلام فيه إلا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة . ونرى لزامًا علينا أن نبين المراد بمختلف الحديث. مختلف الحديث في اللغة: مختلف مأخوذ من الاختلاف ضد الاتفاق ففي القاموس المحيط (١) التقريب بشرحه التدريب ص ٢٧٩، ٣٨٠. ٤٤٠