النص المفهرس

صفحات 381-400

قال ابو حاتم في المثال الآتي، ويمكن أن يقال أيضاً: الظاهر من وقع له
هذا ان يذكر السماعين فإذا لم يذكرهما حُمِل على الزيادة المذكورة.
مثال المزيد في متصل الاسانيد: ما روى عبد الله بن المبارك قال:
حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد ، حدثني بسر عن عبيد الله -
بسم العين على التصغير - قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال:
سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت أبا مرثد الغنوى يقول: سمعت
رسول الله عَ لَّه ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)).
فذكر سفيان وأبي إدريس في هذا الإسناد زيادة وهم، فالوهم في
ذكر سفيان ممن دون ابن المبارك، لأن ثقات رووه عن ابن المبارك عن
عبد الرحمن بن يزيد نفسه منهم ابن مهدي، وحسن بن الربيع، وهَنّاد
ابن السريّ وغيرهم ومنهم من صرح فيه بالإخبار بينهما فانتفت شبهة
الانقطاع.
والوهم في ذكر أبي إدريس من ابن المبارك لأن ثقات رووه عن ابن
يزيد عن بسر عن واثلة، فلم يذكروا أبا إدريس منهم علي بن حُجْر،
والوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس وغيرهم، ومنهم من صرح بسماع بسر
عن واثلة .
وقد حكم الأئمة على ابن المبارك بالوهم في ذلك كالبخاري، وغيره
وقال أبو حاتم: وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس عن واثلة نفسه.
ومما ينبغي أن يعلم أن الحديث على الوجهين عند مسلم والترمذي.
«المراسيل الخفي إرسالها)»
هذا الفن من فنون علوم الحديث فن مهم عظيم الفائدة يدرك
بالاتساع في الرواية وجمع الطرق للأحاديث مع المعرفة التامة.
٣٨١

قال ابن كثير في (مختصره)): وهو يَعُم المنقطع والمعضل أيضاً(١) وقد
صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا سماه ((التفصل لمبهم المراسيل)).
قال: وهذا النوع إنما يُدركه نقاد الحديث، وجهابذته(٢) قديماً وحديثاً،
وقد كان شيخنا الحافظ المزي إماما في ذلك، وعجبا من العجب
فرحمه الله وبل بالمغفرة ثراه فإن الإسناد اذا عرض على كثير من العلماء
من لم يدرك ثقات الرجال، وضعفاءهم قد يغتر بظاهره، ويرى رجاله
ثِقاتٍ فيحكم بصحته، ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع أو الإعضال، أو
الإرسال، لأنه قد لا يميز الصحابي من التابعي والله الملهم للصواب(٣).
والإرسال منه ما هو ظاهر: كرواية الرجل غمن لم يعاصره كرواية
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن ابن مسعود، ومالك الإمام عن
سعيد بن المسيب.
ومنه ما هو خفي ، وهو المذكور هنا وهو ما عرف إرساله لعدم
اللقاء لمن روى عنه مع المعاصرة، أو لعدم السماع مع ثبوت اللقاء، او
لعدم سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع غيره منه، وهذا يدل على بعد نظر
المُحَدثين وأصالتهم في النقد.
((بم يعرف ذلك))
ويعرف ما ذكر (١). إما بنص بعض الأئمة (٢) أو بوجه صحيح،
كإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث ونحو ذلك.
ومثل ذلك حديث رواه ابن ماجة من رواية عمر بن عبد العزيز عن
عُقبة بن عامر مرفوعاً ((رحم الله حارس الحرس)) فإن عمر بن عبد
(١) المنْقَطع ما حذف من سنده او في موضع أو في مواضع، والمَعْضَل: ما حذف من سنده اثنان فصاعدا
على التوالي.
(٢) جمع جهيد - بكسر الجيم - النقاد الخبير بالنقد،
(٣) اختصار علوم الحديث ص: ١٧٧ :
٣٨٢

العزيز لم يلق عقبة كما قال المزي في الأطراف.
وكأحاديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، فقد روى
الترمذي ان عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر من عبد الله -
يعني أباه - شيئاً؟ قال: لا (٣) ومنه ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه
آخر بزيادة شخص بينهما كحديث رواه عبد الرزاق، عن سفيان
الثوري، عن أبي اسحاق عن زيد بن يُثَيْعُ(١) عن حذيفة مرفوعا: ((إن
وليتموها - أي الخلافة - أبا بكر فقَوي أمين)) فهو منقطع في
موضعين: لأنه روي عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة
عن الثوري عن شريك، عن أبي إسحاق.
وهذا القسم مع النوع السابق، وهو المزيد في متصل الاسانيد
يعترض بكل منهما على الآخر، لأنه، ربما كان الحكم للزائد فيما اذا كان
السند الذي فيه الزيادة رواته أوثق أو احفظ او أكثر، وربما كان الحكم
للناقص فيما اذا السند الذي ليست فيه الزيادة أقوى مما هي فيه،
والزائد وهم وهو يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه الا
النقاد، وقد يجاب بنحو ما تقدم(٢).
((هذان النوعان يشهدان للمحدثين بالبراعة وبعد النظر، وسعة العلم)).
وهذان النوعان - وأمثالها كثير - يشهدان للمحدثين بسعة العلم
بالمرويات والبراعة في الفهم، وبعد النظر وأصالة النقد، وهذا الذي
ذكره العلماء في ضرب المثل لهذين النوعين هو قليل من كثير مما امتلأت
(١) بضم الياء المثناة وفتح الثاء على صيغة المصغر كما في القاموس والتقريب وزيد هذا هداني، كوفي،
ثقة مخضرم.
(٢) تدريب الراوي ص ٣٩٣، ٣٩٤.
٣٨٣

به كتب ((علوم الحديث)) وكتب ((تواريخ الرجال)) وكتب ((نقد
الرواة )».
وكنت أحب من المستشرقين وأبواقهم ومتابعيهم من الكتاب المسلمين
ان ينظروا في هذه الأمثلة وغيرها نظرا ليس فيه هوى، ولا تعصب،
ولا تحيف على المحدثين، إنهم لو فعلوا ذلك فهم لا شك واصلون إلى ما
وصل إليه المحققون من علماء هذا الشأن في إنصاف المحدثين، ووصْفِهم
بما هم حقيقون به.
أما أن يدخل الواحد منهم في البحث ونفسه مشبعة بفكرة خاصة ،
أو رأي ليس له ما يدل عليه، فلن يصل إلى الحق والصواب أبداً
والباحث المنصف الذي يبتغي الحق هو الذي اذا فكر في بحث من
البحوث او في مسألة من المسائل فعليه ان ينقي نفسه وقلبه من أي
هوى أو فكرة أو رأي حينئذ يكون وصوله الى الحق والصواب امرا
راجحا .
وفي الكتاب المعجز المبين قال الله تعالى معلما لنبيه. كيف يكون
الجدل، وكيف تكون المناظرة للوصول الى الحق: ﴿وإنا او إياكم لعلى
هدى او في ضلال مبين(١) ومحال في منطق الشرع ان يكون النبي ◌ّ
والمؤمنون في ضلال مبين ولكنها النصفة لأجل الوصول إلى الحق
والإنصاف للخصم بالتنزل معه.
وهذا الأصل من الأصول الإسلامية السديدة في الجدل بالتي هي
أحسن وفي التلطف في الدعوة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة(٢)
(١) سورة سبأ/ ٢٤.
(٢) يُراجع بعض كتب التفاسير في هذا، وعسى أن يكون في هذا أسوة حسنة للدعاة الذين يدعون إلى
الإسلام في البلاد الأوربية ونحوها .
٣٨٤

«عِلم الجرح والتعديل
التعديل لغة: التسوية وتقويم الشيء وموازنته بغيره.
وفي الإصطلاح: وصف الراوي بصفات تقتضي قبول روايته فهي
شهادة بالتزكية تصحح العمل بمرويه.
الجرح لغة: التأثير في الجسم بسلاح ونحوه وبابه نفع: والجرح بالضم
الإسم وجرَحه كجرّحه بتشديد الراء ويطلق ايضا على الجرح المعنوي
وفي الاصطلاح: ذكر الراوي بصفات تقتضي عدم قبول روايته.
جواز الجرح وإن كان غيبة:
والجرح جائز وإن تضمن الغيبة، وهتك ستر المسلم، وإيغار صدره
وغير ذلك مما نهى الشارع عنه، وذلك صيانة للشريعة من الدخل
والزائف لأنه لو لم يجز لم يتميز الصادق من الكاذب والفاسق من
العدل، والمغفل من الضابط ، ولاختلطت الأحاديث الصحيحة بالضعيفة
والموضوعة والتبس الحق بالباطل، ولقامت الملاحدة والزنادقة من كل
جانب للإفساد في الشريعة والتزيد فيها فهو من فروع قاعدة
((الضرورات تبيح الخطورات)» ويدل على جوازه بل وجوبه قوله تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما
بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين(١)﴾ وفي الستة أدلة كثيرة منها:
مَا روي ان رجلا استأذن على النبي عَ لّ فقال: ((ائذنوا له بئس أخو
العشيرة)) رواه البخاري ومسلم وعن عائشة قالت: قال رسول الله عد له:
ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئاً رواه البخاري والمراد بها
رجلان من المنافقين، وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: أتيت
(١) الحجرات / ٦.
٣٨٥

النبيِ عَ ◌ِّ فقلت: إن أبا الجَهْم (١) ومعاوية خطباني فقال رسول اللّه ح له
أما معاوية فصعلوك - يعني فقير - وأما أبو الجهم فلا يضع العصا
عن عاتقه)» رواه البخاري ومسلم إلى غير ذلك من النصوص.
وقد تكلم في الجرح بعض الصحابة كما تكلم فيه التابعون ومن جاء
بعدهم وهذا إجماع منهم على أن هذا ليس من الغيبة المحزمة قال الإمام
النووي - رحمه الله - في كتابه «رياض الصالحين)» إعلم أن الغيبة
تباح لغرض صحيح إشرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو بستة
أسباب ... إلى أن قال: الرابع تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك
من وجوه منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع
المسلمين بل واجب للحاجة ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان أو
مشاركته أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك أو مجاورته، ويجب على:
المشاوَر ان لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة
ومنها اذا رأى مُتَفَقُّها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف
أن يتضرر بذلك فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط ان يقصد النصيحة:
وهذا مما يغلط فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك الجسد، ويلبس الشيطان
عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك (٢) )).
« من الذي يستأهل أن يكون ناقداً)»؟
. على من يتصدى للنقد والكلام في التعديل والتجريح أن يكون عالما
دَيِّناً، تقيا، ورعا، صادقا، عارفا، بأسباب الجرح والتعديل حتى لا
يجرح من ليس بمجروح ولا يعدل من ليس أهلا للعدالة، وأن لا يتكلم في:
النقد الا عن بَيِّنة ودليل، وان يجرد نفسه من التعصب لإنسان أو
(١) هو أبو الجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي، اسمه عامر، وقيل: عبيد وله ذكر أيضا في
الصحيحين في قصة الخميصة التي كادت تلهي رسول الله عَ ◌ّ في صلاته فردها إليه، وأخذ أنجَانِيته.
(٢) رياض الصالحين ص ٥٣٦ ط الاستقامة.
٣٨٦

التحامل عليه بغير وجه حق، ومن الأهواء والشهوات النفسية حتى لا
تميل به إلى جانب الباطل، وأن ينزل نفسه منزلة القاضي العادل النزيه
الذي يبذل قصارى جهده في الوصول إلى الحق وقد علمنا فيما سبق ان
الجرح أبيح للضرورة فليتق الله من يتصدى لذلك، وليكن على حذر من
انتهاك الأعراض بلا سبب وبيِّنة قال الإمام السبكي: من لا يكون
عالما بأسبابها - أي الجرح والتعديل - لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا
بتقييد، ولا يقبلان الا من عدل متيقظ)» وعلى من نَصَّب نفسه
للتعديل والتجريح ونقد الرواة أن يؤهل نفسه لذلك بطول البحث
وكثرة التنقيب ، وسعة الاطلاع، والعلم بالنفس البشرية وغرائزها
وبالمباحث التي تعينه على الإصابة في الحكم وإلا جاءت أحكامه باطلة
بعيدة عن روح العدل والإنصاف.
قال الحافظ ابن حجر: ((حق على المحدث ان يتورع فيما يرويه، وأن
يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته ولا سبيل إلى أن
يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جِهْيِداً الا بإدمان
الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ
والتفهم مع التقوى والدين المتين، والإنصاف والتردد إلى العلماء
والاتقان .
ولو سودت وجهك بالمداد
وإلا فدع عنك الكتابة لست منها
وقال أيضاً: وليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح
والتعديل فإنه إن عدل أحداً بغير تثبت كان كالمثبت حكما ليس بثابت
فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثا وهو يظن أنه كذب،
وإن جرح بغير تحرز أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك ووسمه
بميسم سوء يبقى عليه عاره أبداً، والآفة تدخل في هذا تارة من الهوى
٣٨٧

والغرض الفاسد، وكلام المتقدمين سالم من هذا غالبا، وتارة من المخالفة
في العقائد، وهو موجود كثيراً قديما وحديثاً(١))).
وقال صاحب ((فواتح الرحموت)) شرح مسلم الثبوت(٢) ((لا بد
للمزكي أن يكون عدلا عالما بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون
منصفا ناصحا لا أن يكون متعصبا مُعْجَباً بنفسه فإنه لا اعتِدادَ بقول
المتعصب كما طعن الدارقطني في الإمام أبي حنيفة بأنه ضعيف في
الحديث وأي شناعة فوق هذا؟ فإنه إمام ورع نقي تقي خائف من
الله )).
وقد كان الُحَدِّثون على حق حينما قالوا: لا يقبل قول أحد
المتعاصرين في الآخر لأن المنافسة قد تؤدي إلى الميل عن الحق
والإسراف في الحكم.
وفي الحق أن الناقد للرواة على شفا حفرة من النار، فإن عدل واتبع
النصفة وتحرى في الحكم نجا، وإن تساهل وتحامل، وقصد التشفي والنيل
من المنقود فقد قذف بنفسه فيها.
((مناهج النقاد في النقد)».
لم يكن الأئمة الذين تصدوا للجرح والتعديل ونقد الرجال في درجة
واحدة فمنهم المتعنت المشدد ومنهم المتساهل المتسامح، ومنهم من كان
بَيْنَ بَيْنَ، أما المتشددون والمتساهلون فلا يؤخذ كلامهم قضية مسلمة حتى
ينظر أوافقه غيره أم لا؟ وعلى أي أساس بنى نقده؟ أما المتوسطون
المعتدلون فكلامهم أقرب إلى الحق وأولى بالقبول قال الإمام السخاوي
في ((فتح المغيث)): قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً: فقسم
(١) شرح النخبة ص ٠٫٠٩٨
(٢) مسلم الثبوت للشيخ محب الله بن عبد الشكور، وشرحه ((فواتح الرحموت)). للشيخ عبد العلي محمد بن
نظام الدين الأنصاري.
٣٨٨
:

تكلموا في سائر الرواة كإبن معين وأبي حاتم الرازي، وقسم تكلموا في
كثير من الرواة كمالك وشعبة، وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن
عيينة والشافعي ثم قال: والكل على ثلاثة أقسام :.
١ - قسم منهم متعنت في التجريح متثبت في التعديل، يعمز
الراوي بالغلطتين والثلاث فهذا اذا وثق شخصا فعض على قوله
بنَوَاجِذك وتمسك بتوثيقه واذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على
تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو
ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا فيه: لا يقبل فيه الجرح
الا مُفَسَّراً، يعني لا يكفي فيه قول ابن معين مثلا: ضعيف، ولم يبين
سبب ضعفه. ثم يجيء البخاري أو غيره يوثقه. ومثل هذا يختلف في
تصحيح حديثه وتضعيفه، ومن ثم قال الذهبي - وهو من أهل
الاستقراء التام في نقد الرجال ((لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن
قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة)) ولهذا كان مذهب النسائي
انه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه.
٢ - وقسم منهم متسامح كالترمذي والحاكم، وكابن حزم فإنه قال
في كل من أبي عيسى الترمذي وأبي القاسم البغوي واسماعيل بن محمد
الصفَّار وأبي العباس وغيرهم من المشهورين: إنه مجهول.
٣ - وقسم معتدل كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي.
أما المتسامح المتساهل فلا يؤخذ قوله في الجرح والتعديل الا بعد
البحث والتحري وموازنة كلامه بكلام الأئمة المعتدلين المتثبتين وقد
أخذ العلماء على الحاكم انه متساهل في التصحيح كما أخذوا على ابن
حزم التهجم على العلماء بغير حق، والتساهل في الجرح.
٣٨٩

((مشاهير المتصدين للجرح والتعديل)):
ذكرنا سابقا أن التعديل والتجريح من الأمور المهمة التي يغول
عليها في التصحيح والتضعيف وتمييز المقبول من المردود وقد حث عليهما
القرآن والسنة الصحيحة وقد تكلم فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه
ففي التعديل قال: نعم الرجل عبد الله - يعني ابن عمر - لو كان
يصلي من الليل» وفي التجريح قال ((بئس أخو العشيرة)) رواهما.
البخاري ومسلم.
كما تكلم فيهما كثير من الصحابة كابن عباس، وأنس بن مالك،
وعبادة من الصامت، وغيرهم ثم من جاء بعدهم من التابعين كسعيد
ابن المسيب ، والشعبي، ومحمد بن سيرين وغيرهم، ثم من جاء بعدهم من
أتباع التابعين وهكذا نجد في كل طبقة وعصر من أئمة العلم والدين من
تكلم في الجرح والتعديل وقد نقل ابن الصلاح عن صالح بن محمد جزرة
الحافظ أنه قال: (( أول من تكلم في رجال الحديث شعبة بن الحجاج. ثم
تبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم من بعده أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
والمراد أنهم أول من تفرغ لذلك وعُنِيَ وإلا فالكلام في الجرح والتعديل
سابق عن هؤلاء كما بينا آنفا.
وممن كانت له معرفة وعناية بالجرح والتعديل الأئمة مالك بن أنس
(م ١٧٩)، والأوزاعي بالشام (م١٥٧)، وسفيان الثوري (م ١٦١)،
والليث بن سعد (م١٧٥)، وعبد الله بن المبارك (م ١٨١)، وسفيان
ابن عيينة (م١٩٨) وابن علية (١٩٣٢)، ووكيع بن الجراح (م١٩٦)،
وعبد الرحمن بن مهدي (١٩٨٢)، ويحيى بن سعيد القطان (م١٩٨)،
ويحيى بن معين (م٢٣٣)، وأحمد بن حنبل (م٢٤١)، ومحمد بن سعد
صاحب الطبقات. (٢٣٠٢)، وعلي بن المدينى (م٢٣٤)، وإسحاق
ابن راهوية (م٢٣٨)،
٣٩٠

ومنهم الائمة البخاري (م٢٥٦)، ومسلم (م٢٦١)، وأبو زرعة الرازي
(م٢٦٤)، وأبو داود السجستاني (م٢٧٥)، وأبو زرعة الدمشقي (م٢٨١)،
وأبو حاتم الرازي (م٢٧٧)، وغير هؤلاء كثيرون(١) ومن أراد استيفاء
فليرجع إلى ما ذكره ابن عدي (م٣١٥) في مقدمة كتابه ((الكامل)).
وقد جاء بعد عصر ابن عدي جماعة منهم الدارقطني (٣٨٥) وابن
مندة (٣٩٥٢)، وأبو يعلى الخليلي (م٤٤٦)، وابن حزم (م٤٥٦)، وابن
عبد البر (م٤٦٣) الأندلسيان والبيهقي (م٤٥٨)، وأبو الوليد اليَاجِي
(م ٤٧٤) وأبو الفضل بن طاهر المقدسي (م٥٠٧) وابن نقطة (٦٢٩)،
وابن الصلاح (م٦٤٣)، والمنذري (م٦٥٦)، وابن دقيق العيد (م٧٠٢)
وابن تيمية (م٧٢٨) والذهبي (م٧٤٨)، والزين العراقي (م٨٠٦)، وابن
حجر (م٨٥٢)، والسيوطي (م٩١١)، إلا أن من جاءوا بعد القرن
الثالث كانوا غالباً يعتمدون على كلام من سبقهم من أئمة الجرح
والتعديل المتقدمين كما أن المُتَقَدِّمين كانوا أقرب إلى الإعتدال
والإستقامة من المتأخرين.
((م تثبت العدالة))
تثبت عدالة الراوي بالاستفاضة والشهرة بالخير فمن استفاضت
عدالتهم واشتهروا بالتوثيق والاحتجاج بهم بين أهل العلم وشاع الثناء
عليهم فهم عدول وذلك مثل مالك والشافعي وأحمد وشعبة والثوري وابن
عيينة وابن المبارك والأوزاعي، ويحيى بن معين وعلي بن المديني ومن
جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر (٢) فلا يسأل عن عدالة
هؤلاء إنما يسأل عن عدالة من خفي أمره وقد سئل أحمد عن اسحاق
بن راهويه؟ فقال: ((مثل إسحاق يسأل عنه!)) وسئل ابن معين عن أبي
(١) ميزان الاعتدال جـ ١ ص ٢.
(٢) كالإمام الليث بن سعد ووكيع بن الجراح.
٣٩١

عبيد؟ فقال: ((مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس))
أما من ليس على هذا الحال فإنما تتبت عدالتهم بتعديل أئمة هذا العلم
ولو واحد على الصحيح وكذا التجريح يكتفي فيه بقول واحد وذلك
لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلا يشترط في جرح راويه ولا تعديله
وذلك بخلاف الشهادة فإنه لا يد فيها في التعديل والتجريح من اثنين
وهذا ما عليه الأكثرون.
«هل يشترط ذكر السبب في الجرح والتعديل))؟
.وقد اختلف العلماء في الجرح والتعديل هل يقبلان مبهمين من غير
ذكر أسبابها؟.
فشرط بعضهم ذكر السبب في كل منهما، وشرط بعضهم ذكر السبب
في التعديل دون الجرح وقيل: يقبل التعديل من غير ذكر أسباب وأما
الجرح فلا يقبل الا مفرا لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح
وقد يجرح أحدهم بما لا يعتبر جرحاً(١) وهذا الرأي الأخير هو الذي
· اختاره ابن الصلاح والنووي وغيرهما وذكر الخطيب البغدادي: أنه
مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده.
ومن العلماء من يرى أنه لا يجب ذكر السبب في الجرح أو التعديل
إذا كان الجارح أو المعدل عالما بأسباب الجرح والتعديل والخلاف في
ذلك بصيرا مرضيا في اعتقاده وأفعاله وهو اختيار القاضي أبي بكر
الباقلاني ونقله عن الجمهور واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي
وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي، ولشيخ الاسلام الحافظ ابن حجر
تفصيل حسن: قال: إن كان من جرح مجملا قد وثقة أحد من أئمة هذا
(١) منها أنه قيل لبعضهم لم تركب حديث فلان؟ فقال: رأيته يركض على بِرْذّون أي بغل. وليس هذا مما
نجرح به الراوي . ..
٣٩٢

الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان الا مفسراً لأنه قد
ثبت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن
لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه وَنَقَدُوِه كما ينبغي
وهم أيقظ الناس فلا ينقض قول أحدهم الا بأمر صريح، وإن خلا عن
التعديل قُبِل الجرح فيه غير مفسر اذا صدر من عارف لأنه اذا لم يعدل
فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله.
وقال الذهبي - وهو من أهل الإستقراء التام في نقد الرجال - :
« لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على
تضعيف ثقة)» والتفصيل الذي اختاره الحافظ ابن حجر هو الذي
يطمئن إليه الباحث في النقد بعد استقرار علوم الحديث وتدوينها (١).
إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فأيهما يرجح؟
قال العلماء: اذا اجتمع في شخص جرح وتعديل فالجرح مقدم، لأن
المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل ،
فكان معه زيادة علم يجب ان يؤخذ بها.
وقيل: إن كان عدد المعدلين أكثر قدم التعديل على الجرح
والصحيح الأول وهو ما عليه الجمهور.
بم يكون الجرح؟
قال الحافظ ابن حجر في النخبة وشرحها: ((الطعن - يعني في
الراوي - إما أن يكون:
(١) لكذبه في الحديث النبوي بأن يروي عنه على ◌ّ ما لم يقله متعمدا
لذلك (٢) أو تهمته بذلك بأن يعرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه
(١) الباعث الحثيث ص ١٠٢، ١٠٣.
٣٩٣

وقوع ذلك في الحديث (٣) أو فحش غلطه (٤) أو غفلته (٥) أو قسقه
بالفعل أو بالقول مما لا يبلغ الكفر (٦) أو وهمه (٧) أو مخالفته للثقات
في التند أو المتن (٨) أو جهالته عينا أو حالا او إسما (٩) أو بدعته
وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبيعد ◌ّ لا بمعاندة
ومكابرة بل بنوغ شبهة (١٠) أو سوء حفظه وهو من لم يرجح جانب
إصابته على جانب خطئه (١).
(المراد بالبدعة وحكم رواية المبتدع)».
وللحافظ الكبير ابن حجر في البدعة كلام حسن مع إيجازه قال
رحمه الله وأثابه - بعد أن عرف البدعة بما ذكر آنفا:
((البدعة أما أن تكون بمكفر كأن يعتقد ما يستلزم الكفر، أو
بِمُفَسِّقْ :
فالأولى: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن
كان لا يعتقد حل الكذب لنصره مقالته قبل (٢).
والتحقيق: أنه لا يُرَدُّ كل مُكفِّر - بفتح الفاءِ المشددة - ببدعته؛
لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها فلو
أخذ ذلك على الإطلاقُ لاَسْتَلْزم ذلك تكفير جميع الطوائف فالمعتمد
أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوما من
الدين بالضرورة وكذلك من اعتقد عكسه (٣).
فأما من لم يكن بهذه الصفة، وانضم الى ذلك ضبطه لما يرويه ، مع
(١) شرح النخبة ص ٣٠ ط الإستقامة.
(٢) وحكى هذا القول عن الإمام الشافعي حكاه عنه الخطيب في ((الكفاية)) لأنه قال: أقبل شهادة أهل
الأهواء الا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، قال: وحكى هذا ايضا عن ابن أبي ليلى
والثوري، والقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة.
(٣) كمن أنكر أحد الأركان الخمسة، أو اعتقد التجسيم، أو عدم علم الله بالجزئيات، أو انكر صفة من
صفات الله تعالى.
٣٩٤

ورعه، وتقواه، فلا مانع من قبوله.
والثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلاً، وقد اخْتُلف أيضاً
في قبوله ورده:
فقيل: يرد مطلقاً، وهو بعيد ، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه
ترويجا لأمره وتنوبها بذكره، وعلى هذا ينبغي أن لا يروي عن مبتدع
شيء يشاركه فيه غير مبتدع وقيل: يقبل مطلقا الا ان اعتقد حل
الكذب كما تقدم.
وقيل: يقبل من لم يكن داعية الى بدعته، لأن تزيين بدعته قد
يجمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه وهذا في
الأصح وأعرب ابن حبان فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية من غير
تفصيل ، نعم الأكثر على قبول غير الداعية الا أن روي ما يقوي بدعته
فيرد على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو اسحاق ابراهيم
أبن يعقوب الجُوْزَجاني(١) شيخ أبي داود، والنسائي، في كتابه ((معرفة
الرجال )) فقال في وصف الرواة: ((ومنهم زائغ عن الحق اي عن السنة
صادق اللهجة، فليس فيه حيلة الا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون
منكرا اذا لم تَقْوَ به بدعته )» وما قاله متجه؛ لأن العلة التي رُدَّ لها
حديث الداعية وارده فيما اذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع
ولو لم يكن داعية والله أعلم (٢).
وفي الحق أن العبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته، والثقة
بدينه، وخلقه، وسلوكه والاستقامة على الدين، والمتتبع لأحوال الرواة
يرى بعضا من أهل البدع موضعا للثقة والاطمئنان وان كان داعية
(١) الجوزجاني، بضم الجيم وسكون الواو وفتح الزاى والجيم.
(٢) شرح نخبة الفكر ص ٤٠٠٣٩ ط الاستقامة.
٣٩٥

ولذلك قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) في ترجمة أبان
ابن تغلب الكوفي؛ ((شيعي جَلْد، ولكنه صدوق فلنا صدقه، وعليه:
بدعته )» ونقل توثيقه عن أحمد، وغيره)).
وقال ابو داود السجستاني: ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من
الخواج: ولذلك احتج البخاري بعمران بن حطان، وهو من دعاة
الشراة(٢) وخرج الشيخان لعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني (٣) وكان
داعية إلى الإرجاء وقد وثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهما ولم:
يحتج مسلم بعبد الحميد بل أخْرج له في المقدمة - يعني مقدمة صحيح
مسلم -، وقد ذكر العراقي: في تعليقه على ((علوم الحديث)) لابن
الصلاح نحو ذلك (٤) فإذا وجدنا بعض الأئمة الكبار من أمثال البخاري
ومسلم لم يتقيد فيمن أخرج لهم في كتابه ببعض القواعد فذلك:
لاعتبارات ظهرت لهم ورجحت جانب الصدق على الكذب والبراءة على
التهمة ، واذا تعارض كلام الناقد وكلام صاحبي الصحيحين فيمن أخرج
لهم الشيخان من أهل البدع قدم كلامهم واعتبارهم للراوي على كلام.
غيرهم لأنها أعرف بالرجال من غيرهما، وليس ذلك تَعَصُّبًا لصاحبي
الصحيحين - رحمهما الله - ولكنه الحق الذي ظهر بعد البحث والنظر
والله أعلم.
((كلام حسن للإمام أبي عبد الله الذهبي في البدعة ،
. وللإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة ثمان
وأربعين وسبعمائة للهجرة في البدعة وانقسامها الى صغرى وكبرى كلام
(١) جـ١ ص ٥ ط دار إحياء الكتب العربية.
(٢) الشراء فرقة من الخوارج يزعمون أنهم باعوا أنفسهم لله ..
(٣) الحماني: بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة قال فيه ابن حجر: صدوق يخطىء ورمي بالإجاء.
:من التاسعة مات سنة اثنتين ومائتين، خ،م،د، وت، وق [تقريب التهذيب جـ ١ ص ٤٦٩].
(٤): علوم الحديث لابن الصلاح وشرحها للعراقي ص ١٢٨ ٠
٣٩٦

جيد ذكره، في ترجمة أبان بن تَغْلِب المذكور آنفاً .
قال: ((فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة
العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلا من هو صاحب بدعة؟.
قال: وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع،.
أو كالتشيع بلا غلو، ولا تَحَرُّف فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع
الدين، والورع، والصدق فَلَوْ ردَّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار
النبوية، وهذه مَفْسَدة بيّنة.
ثم بدعة كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على أبي بكر،
وعمر رضي الله عنهما والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا
كرامة.
وأيضاً فما أستَحْضِر في هذا الضرب رجلا صادقا، ولا مأمونا، بل
الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا
حاله؟! كلا وحاشا.
فالشيعي الغالي في زمان السلف، وعرفهم هو من تكلم في عثمان ،
والزبير، وطَلْحة، ومعاوية وطائفة ممن حاربوا عليا رضي الله عنه،
وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من
الشيخين أيضاً، فهذا ضال مفتر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض
للشيخين أصلاً بل قد يَعْتقد عليا أفضل منهما(١) ».
وهذا الذي قاله الإمام الذهبي هو الصواب والحق الذي لا يحل لمسلم ان
يعتقد خلافه وقد سبق الذهبي إلى رفض رواية الرافضة ومن على
(١) ميزان الاعتدال جـ ١ ص ٥، ٦.
٣٩٧

شاكلتهم ممن يسبون السلف الصالح الإمام النووي المتوفى سنة ستا
وسبعين وستمائة (٦٧٦) هـ في كتابه («الروضة)» في باب القضاء في مسائل
((الإفتاء)) لأن سباب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف من باب أولى (١)
وقد بلغ الأمر بغلاة الرافضة الى تكفير الشيخين وغيرهما من الصحابة
فإن اعتقدوا ذلك فهم كفار لا محالة لأن الله زكاهم في كتابه وشهد لهم
بالإيمان والرضوان ونشهد لهم رسول الله عَّه في الأحاديث الصحاح التي
بلغت حد التواتر، ومع هذا فنحن ندعوهم الى التبري من معتقداتهم
والتوبة إلى الله، والدخول في زمرة أهل السنة والجماعة، ويتوب الله على
من تاب.
((هل يجزيء التعديل على الإبهام)»؟
اذا قال الراوي: حدثني الثقة من غير تسمية لم يُكْتَف بذلك فيما
ذكره الخطيب البغدادي وغيره، وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره.
قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع فلا بد من تسميته:
حتى يعرف بل إضرابه عن تسميته مريب يوقع في القلوب فيه تردداً في
القلب، بل زاد الخطيب أنه لَوْ صرح بأن كل شيوخه ثقات ثم روى ا
عمن لم يسمه لم يعمل بتزكيته، لجواز أَنْ يُعرف اذا ذكره بغير العدالة.
وقيل يكتفي بذلك مطلقا لو عينه لأنه مأمون في الحالتين معا، فإن
كان القائل لذلك عالما مجتهدا كمالك، والشافعي - وكثيرا ما يفعلان
ذلك - كفى في حقّ موافقه في المذهب لا غيره عند بعض المحققين،
قال ابن الصباغ: لأنّه لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر - اي الحديث -:
على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف
هو من روى عنه ذلك واختاره إمام الحرمين، ورجحه الرافعي في
(١) تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ص ٢١٦ وما بعدها ..
٣٩٨

((شرح المسند )) وفرضه في صُدُور ذلك من أهل التعديل(١).
وقيل: لا يكفي أيضا حتى يقول: كل من أروي لكم ولم أُسَمِّه
فهو عدل، وقد حكى العلامة مُغْلَطَاي(٢) عن تاريخ قرطبة أن بَقِيَ بن
مَخْلَد(٣) قال: كل من رويت عنه فهو ثقة قال الخطيب وقد يوجد في
بعض من أبهموه الضعف لخفاء حاله كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي
المخارِق.
((فائدتان مهمتان )»
((الأولى)) لو قال نحو الشافعي: أخبرني من لا أنهم، فهو كقوله:
أخبرني الثقة وقال الذهبي: ليس بتوثيق لأنه نفى التُّهْمة، وليس فيه
تعرض لإتقانه، ولا لأنه حجة قال ابن السبكي: وهذا صحيح غير أن
هذا اذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيق سواء في أصل
الحجة ، وان كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي فمن ثم
خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثله فالأمر كما قال
۔
قال الزركشي: والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن
طوائف من فحول أصحابنا - يعني الشافعية - صرحوا بذلك منهم
الصيرفي، والماوردي، والروياني.
((الثانية)) قال الإمام ابن عبد البر: اذا قال مالك عن الثقة عن
بكير بن عبد الله الأشَج فالثقة مَخْرَمه(٤) بن بكير.
واذا قال: عن الثقة عن عمروبن شعيب فهو عبد الله بن وهب،
.(١) المرجع السابق ص ٢٠٥، ٢٠٦.
(٣) مغلطاي: بضم الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح اللام والطاء الممدودة هو علاء الدين بن قليج الإمام
الحنفي المنوفي سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
(٣) بقي: بفتح الباء الموحدة، وكر القاف، آخره ياء مشددة و((مخلد)) بفتح الميم واللام والخاء ساكنة
بينهما الإمام الحافظ الأندلسي المنوفي سنة ست وسبعين ومائتين.
(٤) بفتح الميم والراء، وسكون الخاء المعجمة، بينهما كما في ((المغنى)» وبكير: على صيغة المصغر.
٣٩٩

وقيل: الزهري وقال النسائي: الذي يقول مالك في كتابه - يعني
الموطأ - ((الثقة عن بكير)) يشبه ان يكون عمرو بن الحارث.
وقال غيره: كل ما في كتاب مالك: أخبرني من لا أتهم من أهل العلم
فهو الليث بن سعد وقال أبو الحسن الأَبُري: سمعت بعض أهل الحديث
يقول: اذا قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن ابن أبي دؤيب، فهو ابن أبي
فديك ..
وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان، واذا
قال: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، وإذا قال: أخبرنا
الثقة عن الأوزاعي فهو عَمْرو بن أبي سلمة .
واذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد.
واذا قال: أخبرنا الثقة عن صالح مولى التوأمة فهو ابراهيم بن
یحیی ..
ونقله غيره عن أبي حاتم الرازي.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر في «تعجيل المنفعة برجال الأربعة)»:
اذا قال مالك: عن الثقة عن عمروبن شعيب فقيل: هو عمروبن
الحارث أو ابن لهيعة: وعن الثقة عن بُكير بن الأشْجُ قيل: هو مَخْرَمة بن
بُكَيْر.
وعن الثقة عن ابنّ عمر، هو نافع كما في موطأ ابن القاسم.
واذا قال الشافعي: عن الثقة عن ليث بن سعد قال الرَّبيع (١): هو
يحيى بن حسان وعن الثقة عن أسامة بن زيد، هو ابراهيم بن يحيى، وعن
(١) هو الربيع: بفتح الراء المهبلة، وكسر الباء - هو ابن سليمان بن عبد الجبار الجيزي المرادي أبو محمد
المصري المؤذن صاحب الشافعي ثقة من الحادية عشرة مات سنة سبعين ومائتين وله ست وتسعون سنة.
٤٠٠