النص المفهرس

صفحات 281-300

الصحابي الذي أدرك وسمع فإن احتمال روايته عن التابعي بعيدة جداً .
وبعض المحدثين يقصر المرسل على ما رواه التابعي الكبير عن رسول
الله وأما ما رواه التابعي الصغير فيسمونه منقطعاً لا مرسلاً والأول هو
الراجح وعليه معول أهل هذا الفن.
مثال المرسل: روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن
رسول الله عَلّه قال: ((إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا أشتد الحر
فأبردوا(١) عن الصلاة )) وعطاء من التابعين.
روى يحيى عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ان رسول
اللّه صَلّه قال: (( من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذينا بريح
الثوم )) وسعيد من التابعين.
تعريف الفقهاء والأصوليين :- المرسل: هو قول التابعي أو من
دونه قال رسول الله عَلَّه كذا ... أو فعل كذا .. مثلا فالمرسل عندهم
يشمل المرسل عند المحدثين والمنقطع بل والمعضل فهم يطلقونه على ما لم
يتصل إسناده، قال ابن الحاجب في مختصره: ((المرسل قول غير
الصحابي: قال رسول الله ع ◌َلَّه)) ... وبمثل هذا القول قال الخطيب من
المحدثين الا أنه قال: إن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال
ما رواه التابعي عن النبي يعد له .
نقد التعريف : - وقد انتقد هذا التعريف: بأنه يشمل قول من
قال: قال رسول الله عَلّله وإن كان في عصرنا وهو ما لم يقل به أحد،
وبأنه يلزم عليه دخول المنقطع، والمعضل، في المرسل وأهل الفن في
الحديث على التفرقة بينها نَعَم قد يقال: هذا اصطلاح لهم بخاصة ولا
مشاحة في الاصطلاح.
وقد جرى على هذا الإصطلاح بعض المحدثين فأطلق على المعلق،
(١) الابراد: تأخير صلاة الظهر حتى تنكسر حدة الحر.
٢٨١

والمنقطع - إنه مرسل كالبيهقي، وأبي نعيم، والدار قطني، وعلى هذا
مشى الإمام أبو داود صاحب ((السنن)) في كتابه ((المراسيل)» ..
((حكم المرسل عند المحدثين)»
الذي ذهب إليه جمهور المحدثين أن المرسل من قبيل الحديث
الضعيف للجهل بحال المحذوف لأنه لا يتعين أن يكون التابعي رواه عن
الصحابي بل يجوز أن يكون رواه عن تابعي آخر وهو يحتمل أن يكون
ثقة أو غير ثقة، وعلى الأول يحتمل أن يكون رواه عن تابعي أو صحابي
وعلى الأول يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وهكذا يتعدد هذا
الإحتمال اما بالتجويز العقلي فإلى ما لانهاية، واما بالإستقراء فإلى ستة
أو سبعة وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض(١) ومتى
: احتمل أن يكون المروي عنه ضعيفاً فقد سقط عن درجة الإحتجاج به
قال العلامة ابن الصلاح في مقدمته: ((ثم إن حكم المرسل حكم الحديث
الضعيف إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر فوروده من وجه
آخر يدل على صحة مخرج المرسل ... وما ذكرنا من سقوط الإحتجاج
بالمرسل، والحكم بضعفه هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ
الحديث، ونقاد الأثر وتداولوه في تصانيفهم وفي صدر صحيح مسلم
((المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة)).
وقد حكى هذا القول عن جماعة أهل الحديث ابن عبد البر حافظ
المغرب(٢).
(حكم المرسل عند الفقهاء)»
أما حكم المرسل عبد الفقهاء فقد احتج به مالك وأبو حنيفة
(١) نخبة الفكر بشرحها للحافظ ابن حجر وشرحها للقارى ص ٠١١١.
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح ص ٧٣ ط العاصمة.
٢٨٢

وأصحابهما، وقد حكى عن الإمام احمد الإحتجاج به في رواية (١) قال في
التدريب: ((قال النووي في شرح ((المهذب)»: وقيد ابن عبد البر وغيره
ذلك بما إذا كان من أرسله لا يرسل عن غير الثقات فإن كان فلا
خلاف في رده وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله
من أهل القرون الثلاثة الفاضلة فإن كان من غيرهم فلا؛ لحديث: ((ثم
يفشو الكذب (٢))) رواه النسائي وصححه.
ونقل أبو بكر الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية:
أن الراوي إذا كان يرسل عن الثقات وغيرهم أن مرسله لا يقبل
اتفاقاً، وأما إذا لم يعلم حاله فمرسله مقبول اتفاقا عند الحنفية
والمالكية .
أقول: ولعل وجهة نظر هؤلاء تحسين الظن بالراوي، وأن الشأن فيه
أن لا يروي إلا عن ثقة وإذا كان الأمر كذلك عند الحنفية والمالكية
على ما ذكره الرازي والباجي فينبغي أن يقيد احتجاجها به بذلك.
وقد حكى ابن جرير اجماع التابعين على قبول المرسل وأنه لم يأت
عن أحد منهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة إلى رأس المائتين الذين هم
من أهل القرون الفاضلة، المشهود لهم من المشرع صلوات الله وسلامه
عليه بالخيرية .
وقد بالغ بعضهم فقواه على المسند(٣) معللاً ذلك بأن من أسند فقد
أحالك، ومن أرسل فقد تكفل لك (٤) وهو توجيه كما ترى !!
وأما الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فقد احتج به بشروط ،
(١) التدريب ص ٠١٢٠
(٢) المصدر السابق.
(٣) أي الذي ذكر له إسناد متصل.
(٤) أحالك: أي على البحث عن الرواة ومعرفة عدالتهم وضبطهم تكفل لك: أي ضمن لك عدالتهم
وضبطهم .
٢٨٣

:
قال في كتابه ((الرسالة)): ((إن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت
من وجه آخر ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي، أو أكثر العلماء ،
أو كان المرسل لو سمى لا يسمى إلا ثقة فحينئذ يكون مرسله حجة ،
ولا ينتهض إلى رتبة المتصل، وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم
أحداً قبلها )).
وقد قيل إن الإمام الشافعي لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن
المسيب لأنه تتبعها فوجدها مسندة من وجوه أخر، وقد حقق الإمام
النووي أن الإطلاق في النفي والإثبات غير صحيح وأن الصحيح أنه
يحتج بمراسيل سعيد بن المسيب وغيره إذا استكملت الشروط التي
ذكرناها ، وليس لابن المسيب ميزة في هذا إلا أنه أصح التابعين إرسالاً
على أن في مراسيله ما لم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح.
وقد اعتمد الإمام النووي في هذا على ما قاله إمامان جليلان(١)
حافظان فقيهان، شافعيان متضلعان في الحديث والفقه والأصول
والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه (٢) ...
ومما ينبغي أن يعلم أن بعض التابعين قد يرسل الحديث لكونه سمعه
عن كثير من الصحابة أو لغير ذلك من الأغراض فإرسال مثل هذا لا
يطعن في روايته المرسلة، روى عن الحسن البصري أنه قال: إنما
أطلقه - أي المرسل - إذ سمعته من سبعين من الصحابة » وكان
يحذف اسم علي رضي الله عنه الخوف الفتنة.
((مرسل الصحابي )»
هو ما يرويه صغار الصحابة وأحداثهم كإبن عباس من قول رسول
الله عَ لَّه أو فعله، أو تقريره، ولم يسمعوه منه أو يشاهدوه.
(١) الإمامان الخطيب البغدادي، والبيهقي ..
(٢) التدريب شرح التقريب ص ٦٧، ٦٨ ط بولاق.
٠
٢٨٤

مثاله: حديث عائشة - رضي الله عنها - في بدء الوحي رواه
البخاري ومسلم وغيرهما: فعائشة - رضي الله عنها - لم تشهد القصة ،
ولم تكن ولدت حينئذ فهي إما أن تكون سمعت الحديث من النبي عدة
بعد ذلك، أو يكون بعض الصحابة أخبرها به فيكون من مراسيل
الصحابة، وعلى هذا الاحتمال الثاني يكون الاستدلال بالحديث.
«حكمه )» أنه حجة عند المحدثين والفقهاء وهو في حكم الموصول
المسند لأن أكثر روايتهم عن الصحابة(١) والجهالة بالصحابة لا تضر؛ لأنهم
كلهم عدول ثم ان بعض العلماء ذكر أن الاحتجاج به موضع اجماع، وقد
ذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا في الاحتجاج به عند الفقهاء،
ويحكى عدم قبوله عن الأستاذ أبي اسحق الإسفرايني لاحتمال تلقيه عن
بعض التابعين.
وقد روى جماعة من الصحابة عن التابعين كابن عباس وبقية
العبادلة فقد رووا عن كعب الأحبار بعض المرويات ولكن فيما لا يتعلق
بالحلال والحرام، وكعب من التابعين وقد صنف الخطيب وغيره في
رواية الصحابة عن التابعين فذكر جملة من الأحاديث والحق أن روايات
الصحابة عن التابعين قليلة نادرة، وأنها على قلتها ليست أحاديث
مرفوعة، وإنما هو من الإسرائيليات، أو قصص وحكايات، أو
موقوفات (٢).
(١) ذكر الغزالي في ((المستصفي)» أن عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس بسماعها من الني عمله أربعة
وهو قول غريب عجيب، وقد قلده في مقالته من غير بحث جماعة، وقال محمد بن جعفر المعروف بفندر
إنها عشرة وقال يحيى بن معين وأبو داود: إنها تسعة. وهو قول غير مقبول أيضا وذكر بعض
المتأخرين انها دون العشرين لكنها من طرق صحاح وقد اعتنى الحافظ ابن حجر بجميع الصحاح
والحسان منها فزادت عنده على الأربعين، وهذا سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل
حدث بحضرة النبي ◌َ﴾ [فتح الباري جـ ١١، ص ٤٨٣] أقول وهذا الذي وصل اليه الحافظ الكبير
هو الحق ولا يلتفت لما سواه.
(٢) التدريب شرح التقريب ص ٧١.
٢٨٥

«المنقَطع"
قد اختلفت آراء العلماء في تعريف المنقطع وهاك آراءهم في ذلك:
(الأول)) تعريف الحاكم أبي عبد الله.
: المنقطع: هو ما سقط فيه قبل الوصول الى التابعي راو في موضع أو
في مواضع أو ذكر فيه بعض الرواة بلفظ مبهم نحو رجل أو شيخ مثلاً.
فالفرق بينه وبين المرسل عنده أن المرسل ما رواه التابعي عن
النبي عَ ◌ّ من غير ذكر الصحابي.
وانتقد تعريف الحاكم: بأن الصحيح أن يقال: ((إلى الصحابي)) لأن
ما سقط منه التابعي يسمى مُعْضَلاً لا منقطعاً ...
وبأن ما روى عن شخص مبهم لا يوافقه عليه الأكثرون من العلماء
فإنهم لا يسمونه منقطعاً بل هو متصل في إسناده مجهول كما نبه على ذلك
الإمام العراقي في تعليقاته على ((علوم الحديث)) لابن الصلاح.
مثال ما حذف فيه راو واحد في أكثر من موضع ما رواه
عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يُتَيْعُ(١) عن
حذيفة قال: قال رسول الله عَ لّ ((إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين ... ))
الحدیث .
فهذا إسناد ظاهرة الإتصال ولكن إذا تأمل فيه الماهر في صنعة
الحديث وجده منقطعا في موضعين لأن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري
وإنما سمعه من النعمان بن أبي شيبة الجَنّدي(٢) عن الثوري ولأن الثوري
لم يسمعه أيضاً من أبي اسحق إنما رواه عن شريك عن أبي اسحق ومثال
(١) بضم الياء التحية وفتح الثاء المثلثة واسكان الياء التحتية ويقال: أشيع بهمزة بدل الياء.
(٢) بفتح الجيم والنون.
٢٨٦

الثاني: الحديث الذي رواه أبو العلاء بن الشِّخّيِر (١) عن رجلين عن
شداد بن أوس عن رسول الله عَلّه في الدعاء في الصلاة ((اللهم إني
أسألك الثبات في الأمور وعزيمة الرشد، وأسألك قلباً سليماً، ولساناً
صادقاً، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأستغفرك لما تعلم
وأعوذ بك من شر ما تعلم وأسألك من خير ما تعلم )) قال الحاكم هذا
مثال لنوع من المنقطع لجهالة الرجلين بين أبي العلاء بن الشخير،
وشداد بن أوس.
أقول: وقد علمت الحق في مثل هذا آنفا.
الثاني: تعريف الفقهاء وبعض المحدثين كالخطيب وابن عبد البر:
المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان سواء أكان
الساقط منه الصحابي أو غيره إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال عند
الإستعمال ما رواه التابعي عن النبي عليه، وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما
رواه من دون التابعي عن الصحابي وسواء أكان من أول السند أو
وسطه أو آخره، وسواء أكان الساقط واحداً أم أكثر قال ابن الصلاح
في مقدمته: ((وهذا المذهب أقرب صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم
وهو الذي ذكره الحافظ أبو بكر في ((كفايته (٢))).
ولعلك على ذكر مما ذكرناه لك في تعريف المرسل عند الفقهاء ، وعلى
ذلك يكون المنقطع والمرسل عندهم عند الإطلاق سواء ، وتكون النسبة
بينهما التوافق.
((مثاله)) مالك عن ابن عمر ... فإن مالكا - رضي الله عنه - ثم
(١) بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة.
(٢) هكذا في ((علوم الحديث)) ص ٤٦ وفي مختصره لابن كثير في كتابيه: وللخطيب كتابان في علوم
الحديث: أحدهما يسمى (الكفاية في قوانين الرواية) والثاني يسمى: (الجامع لآداب الشيخ والسامع).
فلعل المراد الأول المسمى بالكفاية على ما في المقدمة، أو هما معا كما في المختصر.
٢٨٧

يسمع من ابن عمر وإنما سمع من نافع عن ابن عمر ومن أمثلته التعاليق :
التي في صحيح البخاري ومسلم عن غير شيوخهما، ومراسيل أبي داود
ونحوها .
((القول الثالث)) المنقطع: هو ما روى عن التابعي أو من دونه قولا
كان أو فعلاً وهذا القول غريب ضعيف لأن المعروف أن ذلك يسمى
مقطوعاً لا منقطعاً وبينهما فرق.
((تعريف المحققين من المحدثين )»
ذهب المحققون من المحدثين كالحافظين العراقي وابن حجر وغيرهما
إلى ما يأتي : -
المنقطع: هو ما سقط منه قبل الصحابي راو واحد في موضع أو في
مواضع، فان سقط منه واحد في موضع قيل له منقطع، فإن سقط منه :
اثنان في موضعين قيل له منقطع: في موضعين وهكذا .
أما إن سقط منه الصحابي فهو المرسل، وإن سقط منه إثنان على
التوالي فهو المعضل وعلى هذا تكون النسبة بين المرسل والمنقطع،
والمعضل التباين ولو استبعدنا من تعريف الحاكم ما ذكر فيه أحد الرواة
بلفظ مبهم لكان تعريفه موافقاً لتعريف المحققين من المحدثين.
ومثال المنقطع عند المحدثين المثال الذي ذكرناه أولا .
((بم. يعرف الإنقطاع)»؟
يعرف الإنقطاع بين الراوي والمروي عنه إما بعدم المعاصرة، أو
بعدم الإجتماع به واللقي، ولم تكن له منه إجازة، وذلك يعرف من جهة
علم ((تاريخ الرجال)» المبين لمواليد الرواة ووفياتهم وتعيين أوقات
طلبهم، وارتحالهم ولقاء اتهم ولذلك عني المحدثون بعلم تاريخ الرجال :
عناية فائقة، وألفوا في ذلك كتباً كثيرة وواسعة ذكروا فيها كل راو
٢٨٨

بما له، وما عليه، وشرحوهم فيها تشريحاً دقيقاً عادلاً لا تحيف فيه ولا
غین .
ثم إن الانقطاع قد يكون ظاهراً وقد يكون خفياً فلا يدركه إلا
أهل المعرفة والإتقان وقد يعرف بمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو
أکثر.
((فائدة تتعلق بالمنقطع )»
ذكر الرشيد العطار أن في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج بضعة
عشر حديثاً في سندها انقطاع، وهذا مشكل؛ لأن المنقطع من قبيل
الضعيف عند المحدثين كما ذكرنا ومسلم إنما التزم في صحيحه تخريج
الأحاديث المسندة المتصلة !!
وقد أجاب عنها بأنها جاءت متصلة إما من وجه آخر عنده أو من
ذلك الوجه عند غيره ومن هذه الأحاديث: حديث حميد الطويل عن
أبي رافع أنه لقي النبي عَّ في بعض طرق المدينة ... )) الحديث
وصوابه: حميد عن أبي بكر المزني عن أبي رافع كما أخرجه الخمسة،
وأحمد، وابن أبي شيبة في مسنديهما ومنها:
حديث السائب بن يزيد عن عبد الله السعدي عن عمر في العطاء
وصوابه: السائب بن يزيد عن حويطب بن عبد العزى، عن ابن السعدي
كما أخرجه البخاري والنسائي ومن أراد استقصاء الأحاديث المنقطعة
كلها فليرجع إلى التدريب(١).
(١) التدريب ص ٧١، ٧٢ ط بولاق.
٢٨٩

:
((المُعضل))
المعضل لغة: مأخوذ من أعضله الأمر بمعنى أعياه فهو من أعضل
المتعدي لا من أعضل القاصِر بمعنى استغلق وأشكل لأن اسم المفعول في
مثل هذا إنما يأتي من المتعدي لا من القاصر وأعضل المتعدي منقول من
عضل اللازم، فالهمزة للتعدية، وعلى ذلك يكون عضل لازماً وأعضل
يأتي لازماً ومتعدياً.
ومما يدل على وجود عضل قاصراً ورود فعيل - بمعنى فاعل -
منه كقولهم: أمر عضيل أي مستغلق شديد، ومثل ذلك ((ظَلَم الليل،
وأظلم الليل، وأظلم الله الليل)) وبذلك ظهر أن لا إشكال في استعمال.
المحدثين لهذه الكلمة من حيث اللغة، وكأن الراوي بإعضال الحديث قد
أعياه وأضعفه فلم ينتفع به من یرویه عنه.
وفي الإصطلاح: هو ما سقط من إسناده اثنان فصاعداً على التوالي.
وهذا هو المعْتَبرِ عند المحدثين وبذلك يتميز عن المرسل الذي سقط منه.
الصحابي والمنقطع: الذي سقط منه راو واحد في موضع أو في أكثر.
ومن العلماء من يسميه مرسلاً كالخطيب، ومنهم من يجعله نوعاً من:
أنواع المنقطع ويقول: كل معضل منقطع، ولا عكس، وهذا إنما يتمشى
على مذهب من يرى أن المرسل والمنقطع يطلقان على كل ما لم يتصل
إسناده وهم الفقهاء ومن وافقهم مثاله: ما يرويه تابع التابعي قائلاً فيه
قال رسول الله عَ لَّه كذا أو فعل كذا وكذلك ما يرويه من دون تابع
التابعي عن رسول الله أو عن أبي بكر، وعمر وغيرهما غير ذاكر
للوسائط بينه وبينهم
. ومن ذلك قول الإمام مالك في ((الموطأ)» بلغني عن أبي هريرة أن :
رسول الله عَ لَّه قال: ((للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من
الأعمال الا ما يطيق، فقد سقط بين مالك وأبي هريرة اثنان، وذلك
ان مالكاً قد روى هذا الحديث متصلاً خارج الموطأ فرواه عن محمد بن
٢٩٠

عجلان عن أبيه عن أبي هريرة فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه(١) ومن
ذلك قول المصنفين من الفقهاء وغيرهم قال رسول الله عَ لَّم كذا ..
وما يلحق بالمعضل - كما قال ابن الصلاح - أن يروي تابع
التابعي عن التابعي حديثاً موقوفاً عليه وهو حديث متصل مسند إلى
رسول الله عَّ فقد جعله الحاكم أبو عبد الله نوعاً من المعضل.
مثاله: ما روى الاعمش عن الشعبي قال: يقال للرجل يوم القيامة
عملت كذا وكذا. فيقول: ما عملته، فيختم على فيه فتنطق جوارحه،
أو لسانه فيقول لجوارحه أبعدكن الله ما خاصمت إلا فيكن))
فقد أعضله الأعمش وهو عند الشعبي عن أنس عن رسول الله محمد اله
متصلاً مسنداً وبذلك يكون المحذوف منه اثنان: الصحابي ورسول
الله له .
وقال الحافظ ابن حجر: إن ما ذكره ابن الصلاح له شرطان.
(١) أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي عَّةٍ وإلا فهو مرسل.
(٢) ان يروى مسنداً من طريق الذي وُقِف عليه وإلا فهو موقوف
على التابعي لا معضل لاحتمال أنه قاله من عنده فلم يتحقق شرط
.(٢)
التسمية من سقوط اثنين
((فائدتان )»
(الأولى) قال السيوطي: قال شيخنا الإمام الشمني: خص التبريزي
المنقطع والمعضل بما ليس في أول الإسناد فأما ما كان في أوله فمعلق
وكلام ابن الصلاح أعم.
(الثانية) من مظان المعضل، والمنقطع، والمرسل كتاب السُّن
(١) قال اليوطي في التدريب: بل ذكر النسائي في التمييز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من أبيه بل رواه
عن بكير عن عجلان.
(٢) التدريب ص ١٢١، ١٣٢ ط المحققة.
٢٩١

لسعيد بن منصور، ومؤلفات ابن أبي الدنيا.
((تفريعات )»
((الأول)) الإسناد المعنعن: وهو الذي يقال فيه فلان عن فلان ما
حكمه؟ أهو محمول على الاتصال ام هو من قبيل المرسل والمنقطع؟
ذهب بعض العلماء إلى أنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين
اتصاله والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع وهو
الذي ذهب إليه جماهير العلماء من المحدثين وغيرهم وادعى أبو عمرو
الداني (١) المقرىء وابن عبد البر حافظ المغرب اجماع أهل العلم على هذا.
: وقد اشترطوا لإقادته الإتصال شرطين:
(١) معاصرة الراوي لمن روى عنه مع ثبوت اللقاء (٢) البراءة من
وصمة التدليس(٢) وقد اكتفى الإمام مسلم بالمعاصرة فحسب، ولم يشترط.
ثبوت اللقاء بالفعل وأنكر على من اشترط اللقاء، وشنع عليه في خطبة
كتابه الصحيح وقال ((إن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم
بالأخبار قديماً وحديثاً أن يثبت كونها في عصر واحد وإن لم يأت في
خبرقط أنهما اجتمعا أو تشافها (٣) )).
والحق هو الأول وهو اشتراط المعاصرة مع اللقي، قال ابن الصلاح
في مقدمته: «وفيما قاله مسلم نظر، وقد قيل إن القول الذي رده مسلم:
هو الذي عليه أئمة هذا الشأن: الشافعي وعلي بن المديني؛ والبخاري،
وغيرهما(٤))) ولهذا رجح صحيح البخاري على صحيح مسلم واشترط أبو
المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحبة فزاد هذا على ما شرط الجمهور:
۔۔
(١) الداني نسبة الى ذانية بلدة من بلاد الأندلس.
(٢) التدريب ص ١٣٢ ط المحققة.
(٢) مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ١٣٠.
(٤) علوم الحديث بشرح العراقى ص ٧٢.
٢٩٢

وهو قول ضعيف والعمل عند المحدثين على خلافه.
((الثاني)» اختلفوا في قول الراوي: إن (١) فلانا قال: كذا، أهو مثل
قوله: عن فلان فيكون محمولاً على الإتصال حتى يثبت خلافه، أم هو
دون قوله عن فلان؟
فذهب البعض إلى أنهما ليسا سواء فجعلوا ((عن)) تفيد الإتصال
و ((أن)) في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه.
وذهب الجمهور من العلماء إلى أنهما سواء وأنهما يفيدان الإتصال
بالشرطين المتقدمين:
(١) المعاصرة مع اللقي (٢) أن لا يكون معروفاً بالتدليس.
وما ذهب إليه الجمهور هو ما ذهب إليه الإمام مالك بن أنس إمام
دار الهجرة، ويقوي ما ذهب إليه الجمهور ما حكاه ابن عبد البر من
إجماع العلماء على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول
الصحابي: قال رسول الله، أو عن رسول الله أو ان رسول الله قال كذا
مثلا ، أو سمعت رسول الله يقول كذا، فكل ذلك محمول على السماع.
((الثالث)) الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا، ورواه بعضهم
متصلاً ما حكمه؟ أهو من قبيل المتصل أم من قبيل المرسل؟ خلاف
بين العلماء .
منهم من قال: إن الحكم للمرسل، ومنهم من قال: الحكم للأكثر،
والأحفظ ، فإذا كان من أرسله اكثر أو أحفظ فالترجيح للمرسل، ولا
يقدح في عدالة من وصله وأهليته، وقيل: يقدح في عدالته وأهليته.
ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده مطلقاً إذا كان عدلاً فيقبل خبره،
وإن خالفه غيره سواء أكان المخالف له واحداً أم جماعة، وهذا القول
(١) الاسناد الذي فيه (ان فلانا قال يسمى)) ((المُؤَنَّن))أو ((الْمُأنْأَن)) وأن بفتح الهمزة ويجوز كسرها.
٢٩٣

الأخير هو الصحيح الذي صححه الخطيب وابن الصلاح وعليه جمهور
الفقهاء، والأصوليين:
.. وسئل الإمام الكبير البخاري عن حديث: ((لا نكاح إلا بولي
وشاهدي عدل)) فحكم لمن وصله وقال: الزيادة عن الثقة مقبولة هذا مع
أن من أرسله شعبة، وسفيان وهما جبلان في الحفظ والإتقان.
وقيل: إن البخاري لم يحكم بذلك لمجرد الزيادة بل لأن لحذاق.
المحدثين نظراً آخر وهو الرجوع إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد(١)
وما قاله الإمام البخاري هو الحق الذي لا محيص عنه فإن من
· حفظ حجة على من إلم يحفظ وكذلك يكون الحكم فيما إذا رواه بعضهم :
مرفوعاً ورواه بعضهم موقوفاً ومثل ذلك ما إذا روى الراوي حديثاً
واحداً واختلفت الرواية عنه فروي عنه مرة مرفوعاً ومرة موقوفاً، أو
: مرة موصولاً، ومرة مرسلاً فالصحيح في ذلك تقديم الرواية الزائدة ..
لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة.
((المَعَلَقَ
التعليق لغة: هو قطع الإتصال
وفي الإصطلاح: هو الحديث الذي حذف من مبتدأ إسناده راو
واحِدٌ أو أكثر ولو كان السند كله فلو قال إمام من الأئمة كالبخاري مثلاً
قال مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَّ كذا، أو قال الزهري
عن أبي سلمه عن أبي هريرة عن النبي كذا، أو قال مجاهد عن ابن
عباس عن النبي أو قال ابن عباس كذا، أو قال رسول الله كذا، سمى
(١) : التدريب ض ٧٧.
(٢) بينه وبين العضل عموم وخصوص من وجه فيجامعه في حذف اثنين فصاعدا في أول السند وينفرد
المعضل في حذف اثنين في وسط السند، وينفرد المعلق في حذف واحد في أول السند.
٢٩٤
:
:
:
:
٠
:
:
:
أ
!
:
:

ذلك كله معلقاً، لأن بين البخاري ومالك وبين البخاري والزهري،
وبينه وبين مجاهد، وبينه وبين ابن عباس رواة محذوفون.
ومثاله: قول البخاري: قال بَّهْز بن حكيم عن أبيه، عن جده عن
النبي عَ ◌ّ ((الله أحق أن يستحيا منه)).
وقد جعل العلماء المعلق من قبيل الضعيف للجهل بحال الراوي
المحذوف، لجواز أن يكون غير ثقة - ليس بعدل، ولا ضابط -
فلمكان هذا الإحتمال لا يقبل الحديث الذي سنده هكذا على سبيل
الإحتياط للأحاديث وصيانتها عن التزيد والإختلاق، أو الخطأ،
والغلط وقد يحكم بصحة المعلق أو بحسنه إن عرف المحذوف بأن يجيء
مسمى من وجه آخر أما حكم المعلق في الصحيحين فمنه ما هو صحيح،
ومنه ما هو حسن، ومنه ما هو ضعيف، وقد قدمنا حكم التعليق عندهما
فيما سبق بعد مبحث الصحيح فكن على ذكر منه.
((الُدَلَّس)»
الُدلس: [بضم الميم وفتح اللام المشدودة] في اللغة: مأخوذ من الدلَس
[بفتح اللام] وهو: اختلاط الظلام بالنور وأطلقه المحدثون على الأنواع
الآتية لاشتراكها في الخفاء وعدم الوضوح.
وفي اصطلاح المحدثين له أقسام عدة أشهرها ثلاثة:
((القسم الأول)) تدليس الإسناد عرفه ابن الصلاح فقال: هو أن
يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهماً أنه سمعه منه أو عمن عاصره
ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه وذلك بأن يأتي بلفظ محتمل كقال
فلان أو عن فلان ونحوهما(١) وقد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر.
(١) أما إن أتى بصيغة صريحة في السماع أو الحديث ولم يكن سمعه من شيخه ولا قرأه عليه فلا يكون
تدليساً بل يكون كذبا سقطا للعدالة.
٢٩٥

وخالف ابنَ الصلاح: الحافظُ ابن حجر في النخبة وشرحها ففرق بين
ما إذا روى عمن لقيه ما لم يسمعه منه وما إذا عاصره ولم يلقه فجعل
الأول تدليساً والثاني: مرسلاً خفياً.
واستدل لما ذهب إليه بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية
المخضرمين(١) كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم عن النبي ◌َّ من
قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به
في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ◌َ ◌ّة قطعاً ولكن لم
يعرف هل لقوه أم لأ(٢)؟.
وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس أيضاً الإمام الشافعي وأبو بكر
البزار، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه، وهو المعتمد، ويعرف عدم
الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك أو حزم إمام مطلع بذلك، ولا يكفي
أن يقع في بعض الطرق زيادة راو أو أكثر بينهما، لاحتمال أن يكون من
المزيد في متصل الأسانيد(٣).
مناله: ما روي عن علي بن خَشْرَم قال: كنا عند سفیان بن عیینه
فقال: قال الزهري كذا فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: قال
الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لم أسمعه من الزهري ولا
من سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
(ذم هَذا النوع) وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء؛
وذموه، وكان شعبة بن الحجاج أشد الناس إنكاراً له روى عنه الإمام
(١) جمع مُخَضرم - بضم الميم وفتح الخاء وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة - اسم مفعول من
خضرم عما أدركه أي قطع وقيل بكسر الراء اسم فاعل من خضرم اذن الناقة اذا قطعها، كما حكى
الحاكم عن بعض مشايخه وذلك ان أهل الجاهلية ممن أسلم كانوا يخضرمون آذان الابل ليكون علامة
على إسلامهم إن أغير عليهم أو حوربوا.
(٢) التعبير الصحيح ألقوه ام لا؟ لأن هل يسأل بها عن التصديق.
(٣) شرح النخبة ص ٢٩ ط الاستقامة.
٢٩٦

الشافعي أنه قال: التدليس أخو الكذب، وقال أيضاً: ((لأن أزني أحب
إليّ من أن أدلس)) واعتبر ابن الصلاح هذا القول من شعبة مبالغة في
(١)
الزجر عنه والتنفير منه
(حكم هذا النوع) وقد اختلف العلماء في قبول رواية من عرف بهذا
النوع من التدليس فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحاً
بذلك، وقالوا: لا تقبل روايته بحال بين السماع أو لم يبين، ونقل
السيوطي في التدليس أن ابن عبد البر نقل عن أئمة الحديث أنه يقبل
تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر
ونظرائهما، ورجحه ابن حبان وقال: هذا شيء ليس في الدنيا الا
لسفيان بن عيينة فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن؛ ولا يكاد
يوجد له خبر دلس فيه الا وقد بين سماعه عن ثقة مثل ثقته ثم مثل
ذلك بمراسيل كبار التابعين فإنهم لا يرسلون الا عن صحابي وسبقه إلى
ذلك أبو بكر البزار وأبو الفتح الأزدي(٢) وهذا يعتبر قول ثان.
والصحيح التفصيل: فما رواه المدلِّس بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع
والإتصال فهو مرسل لا يقبل، وما رواه بلعظ مبين للإتصال نحو سمعت
وحدثنا وأخبرنا ونحوها فهو مقبول محتج به، وليس أدل على هذا من
أنه يوجد في الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير كقتادة ،
والسفيانين(٣) وهشام بن بشير، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم؛ لأن
التدليس ليس كذباً وإنما هو ضرب من الإيهام بلفظ محتمل ، وهذا الحكم
جار كما نص عليه الشافعي فيمن دلس ولو مرة واحدة.
ومما ينبغي أن يعلم أن ما كان في الصحيحين وأشباههما من الكتب
التي التزمت الصحة من الرواية عن المدلسين الذين رووا بلفظ عن - .
(١) علوم الحديث ص ٨١.
(٢) تدريب الراوي ص ٨٠.
(٣) سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري.
٢٩٧

محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، ولذلك نجد البخاري ومسلماً
كثيراً ما يذكرون للحديث الواحد أكثر من سند لهذا الغرض، وقد
يختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع
لكونها على شرطه دون تلك.
وفصل بعضهم تفصيلا آخر فقال: إن كان الحامل له على التدليس
تغطية الضعيف فَجَرَحٌ لأن ذلك حرام وغش وإلا فلا.
((القسم الثاني )) تدليس الشيوخ: وهو أن يروي عن شيخ حديثا
سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف كي لا
يعرف .
((مثاله)) ما روي عن أبي بكر بن مجاهد المقرىء أنه روى عن أبي
بكر بن أبي داود السجستاني فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله،
وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر شيخ المقرئين في عصره
المتوفي سنة ٣٥١ هـ فقال: حدثنا محمد بن سند نسبه إلى جدله عال.
١
((حكمه)) قال ابن الصلاح: إن هذا القسم أمره أخف من الأول
وفيه تضييع للمروي عنه وللمروي أيضاً؛ لأنه ربما لا يتنبه إليه فيصير
بعض رواته مجهولاً فلا يقبل ذلك الحديث وتوغير لطريق معرفته على
من يطلب الوقوف على حاله وأهليته، ويختلف الحال في كراهة ذلك.
بحسب الغرض الحامل عليه فقد يحمله على ذلك كون شيخه غير ثقة أو
كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه، أو كونه أصغر
سنا من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه فلا يجب الإكثار من
ذكر اسمه بلفظ واحد ، وتسمح بذلك جماعة من العلماء المصنفين منهم
الخطيب البغدادي.
أما حكمه فقد قال العراقي: جزم ابن الصباغ في العدة أن من
فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس، وإنما أراد أن يغير
: ٢٩٨
:
:
:
1
:
:
:
:
:
:
:
:
:

اسمه ليقبلوا خبره - يجب أن لا يقبل خبره يعني يكون مجروحا
بذلك، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فهو غلط لجواز أن يعرف غيره
من جرحه ما لا يعرفه هو، وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن
مجهول لا يقبل خبره حتى يعرف من روى عنه (١) وقال الآمدي: إن فعله
لضعفه فجرح أو لضعف نسبة أو لاختلافهم في قبول روايته فلا يكون
جرحاً وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه فجرح
وإلا فلا .
ومنع بعضهم إطلاق اسم التدليس على هذا روى البيهقي في المدخل
عن محمد بن رافع قال: قلت لأبي عامر كان الثوري يدلس؟ قال: لا ،
قلت: أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل قال:
حدثني رجل، وإذا عرف الرجل بالإسم كناه، وإذا عرف بالكنية سماه
قال: هذا تزيين ليس بتدليس (٢).
((القسم الثالث )» تدليس التسوية وهو أن يسقط المدلس غير شيخه
لضعفه أو لصغره فيصير الحديث ثقة عن ثقة فيحكم له بالصحة، ومن
اشتهر بذلك الوليد بن مسلم كان يحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء ، ويبقى
الثقاة فقيل له: لقد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ فقيل له:
تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري وغيرك
يدخل بين الأوزاعي وبين نافعٍ عبد الله بن عامر الاسلمي، وبينه وبين
الزهري ابراهيم بن مرة، قال: أُنبِّل الأوزاعي ان يروي عن مثل هؤلاء
فقيل له: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فاسقطتهم
أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعّف الأوزاعي؟ فلم
يلتفت الوليد إلى ذلك القول؛ قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان
الثوري يفعلان مثل هذا .
(١) مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص ٨٣
(٢) تدريب الراوي ص ٨٠.
٢٩٩

((حكم هذا القسم)) وهذا النوع شر الأقسام وفيه تغرير شديد قال
العراقي: وهو قادح فيمن تعمد فعله، وقال الحافظ ابن حجر: لا شك إنه
جزح وإن وصف به الثوري والأعمش، فلا اعتذار عنهما أنهما لا يفعلانه
إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفاً عند غيرهما وابن القطان سمى
هذا النوع تسوية بدون لفظ التدليس فيقول: سواه فلان وهذه تسوية ،
والقدماء يسمونه تجويداً فيقولون: جوده فلان أي ذكر من فيه من
الأجواد وحذف غيرهم ؟).
(«الشَّاذُ)).
الشاذ في اللغة من معانيه المنفرد، ففي المصباح [شد يُشِد وَيَشُد
شُذوذاً انْفَرد عن غيره] وفي القاموس [شذ يَشُد ويشِذْ شَدًّا وشذوذاً ندر
عن الجمهور].
وفي اصطلاح المحدثين له تعريفات أشهرها:
((الأول)» عرفه الإمام الشافعي فقال: ليس الشاذ من الحديث أن
يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف
ما روى الناس أي الحفاظ الثقات، ووافق الشافعي جماعة من العلماء ..
و ((الثاني)) قال الحافظ أبو يعلى الخليلي في كتابه ((الإرشاد)»: الذي
عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشد به ثقة
أو غيره فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل وما كان عن ثقة توقف
فيه ولا يحتج به فجعل الشاذ مطلق المتفرد من غير اعتبار المخالفة.
((الثالث)) وقال الحاكم أبو عبد الله: هو ما انفرد به ثقة وليس له
أصل بُتَابِعِ لذلك وَيَنْقَدِجُ في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة
الدليل على ذلك.
(١) تدريب الراوي ص ٧٨.
٣٠٠
: