النص المفهرس

صفحات 261-280

يَتَبحَّرْ في الحديث ولم يقف على شروط الأئمة في التصحيح وما أخذوا به
أنفسهم من التحوط البالغ والتحري الفائق في نقد الرجال ولا يضيرنا
مخالفة مثل هذا، فمن ذاق عرف، ومن عرف اعترف.
الفائدة الخامسة:
مظان الحديث الصَّحيح:
قلنا: إن البخاري ومسلما لم يستوعبا كل الصحيح ولم يلتزما ذلك،
وإذا كان الأمر كذلك فلنلتمس الصحيح الزائد على ما فيها من
الكتب التي جمعت بين الصحيح وغيره، أو التزم أصحابها تخريج
الصحيح.
ومَظَانُّ الصحيح - بعد الصحيحين - كتاب ((الموطأ)» لإمام دار
الهجرة مالك بن أنس الأصبحي المتوفي سنة ١٧٩ وكتب السنن الأربعة،
وهي السنن لأبي داود السجستاني(١)، والسنن لأبي عيسى الترمذي(٢)
والسنن النسائي(٣)، والسنن لابن ماجه(٤) والسنن لأبي الحسن
الدار قطني(٥) ولا يكفي مجرد كونه موجوداً في كتاب أبي داود وغيره
من الكتب التي جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف بل لا بد من أن
يكون أحد هؤلاء قد نص على صحته أو صححه أحد ممن يؤخذ بقولهم
فإن لم تجد تنصيصاً على صحته فلا بد من البحث والتحري عن الرواة
(١) هو أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي الجستاني ولد عام ٢٠٢ وتوفي في شوال عام ٢٧٥ هـ.
(٢) هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي له السنن وكتاب «العلل وكتاب الشمائل النبوية ولد عام
٢٠٩ هـ وتوفي بترمذ في رجب عام ٢٧٩ هـ.
(٣) أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الخراساني النسائي صاحب كتاب (( المُجْتّبّى)) والمعروف بسنن النسائي ولد
عام ٢١٥ وتوفي سنة ٣٠٣ هـ و((المجني)) هو النن الصغير يختار من ((السنن الكبير)) له.
(٤) هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني له كتاب ((النن)) ولد سنة ٢٠٧ وتوفي في رمضان سنة
٢٧٣ هـ.
(٥) هو الإمام أبو الحسن علي بن عمر بن احمد البغدادي الشهير بالدار قطني المتوفي سنة ٣٨٥ هـ وله كتاب
السنن المشهور.
٢٦١

والمروي حتى يتبين لك صحته إن كنت من أهل العلم بالحديث القادرين
على التمييز بين الصحيح وغيره.
ومنها الكتب التي التزم أصحابها تخريج الصحيح مثل صحيح ابن
خزيمة(١) وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي(٢) ومثل المستدرك
للحاكم أبي عبد الله (٣).
ومما ينبغي أن يعلم أن صحيح ابن خزيمة أعلى مرتبة من صحيح أبي
حاتم بن حبان لشدة تجريه حتى انه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام
في الإسناد، وأما ابن حبان فهو من المتساهلين في التصحيح، وكذلك.
الحاكم يتساهل في الحكم بالصحة، وتساهله أشد من تساهل ابن حبان
ولذلك لا ينبغي أن تعتمد تصحيحهما إلا بعد البحث والتحري أو أن
نجد من وافقه على التصحيح من أئمة هذا العلم.
ومن مَظَانٌ الصحيح الكتب المستخرجة(٤) على الصحيحين أو أحدهما
ككتاب أبي بكر الإسماعيلي (على البخاري) وكتاب أبي بكر البرقاني (٥)
(على البخاري أيضاً) وكتاب أبي عوانة الاسفرايني (على صحيح مسلم)
وكتاب أبي نعيم الأصفهاني (عليهما) وغيرها (٦).
(١) هو الإمام أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة شيخ ابن جبان توفي سنة ٣١١ هـ وله كتاب الصحيح.
(٢) هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي شيخ الحاكم توفي سنة ٣٥٤ هـ له كتاب ((التقاسيم والأنواع)).
. (٣) هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم توفي سنة ٤٠٥ هـ له ((المستدرك على:
الصحيحين ».
الإستخراج: ان يعمد حافظ من الحفاظ الى صحيح البخاري أو مسلم مثلا فورد أحاديثه بأسانيد
:(٤)
لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة من غير طريق البخاري أو مسلم إلى أن يلتقي مع صاحب الكتاب
. في شيخه أو من فوقه، والكتاب يسمى ((المتَخرَج)) بفتح الراء، ومؤلفه يسمى ((المنخرج » بكسر
الراء وفائدة المستخرجات (١) ما يقع فيها من الزيادات في الأحاديث التي لم تكن في الأصل
المستخرج علنية. (٢) علو الإسناد. (٣) تكثير طرق الحديث ليرجح بها عند التعارض.
(٥)
هو الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد ((الخوارزمي)» البرقاني الشافعي المتوفي سنة خمس وعشرين
وأربعمائة تذكره الحفاظ جـ ٣ ص ٨٠٧.
من اراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي أعلام المحدثين من ص ٣٣٢ - ٣٤٢ فقد ترجمت لأصحاب
المستخرجات.
(٦)
٢٦٢

ومنها كتاب ((المختارة)) للشيخ الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد
المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ وقد قال ابن كثير فيه: «كان بعض الحفاظ
من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم)) ولعل مراده ببعض مشايخه
الإمام ابن تيمية .
ومنها كتب ((المسانيد)» كمسند الإمام الجليل أحمد(١) ومسند أبي
يعلى، والبزار، وعبد بن حميد وكذا يوجد في معجمي الطبراني (٣) الكبير
والأوسط ، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد، والأجزاء.
ولا بد في كتب المسانيد، والمعاجم، ونحوها من أن ينص المخرج.
للحديث على صحته أو ينص على ذلك إمام معتبر آخر، فإن لم يوجد
فلا بد لك من البحث والتحري حتى تتحقق أنه صحيح إن كنت من
أهل الحديث والعلم به سنداً ومتناً.
((تعقيبات وتنبيهات ))
((الأول)) إذا علمت أن كتب السنن جمعت بين الصحيح وغيره
تبين لك أن صنيع الحاكم أبي عبد الله، والخطيب البغدادي في تسميتها
كتاب الترمذي، ((الجامع الصحيح )» فيه تساهل منهما لأن فيه الصحيح
والحسن والضعيف وفيه أحاديث منكرة بل وأحاديث موضوعة - على
قلة - ولا سيما في الفضائل.
((الثاني)) وكذلك ما قاله الحافظ أبو علي بن السكن، والخطيب
البغدادي في كتاب ((السنن)) للنسائي: إنه صحيح، وإن له شرطا
(١) هو الإمام الجليل شيخ الإسلام ومحبي السنة أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ولد سنة
١٦٤ هـ وتوفي سنة ٢٤١ هـ وله كتاب ((المسند)) المشهور ومعنى المسند الكتاب الذي جمعت فيه
أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر لوحدة الموضوع وقد رتب فيه الصحابة على حسب
الفضل.
(٢) الطبراني هو الإمام الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الشامي المتوفي سنة ستين وثلاثمائة وهو
منسوب إلى طبرية على غير قياس.
٢٦٣

!
في الرجال أشد من شرط مسلم - غير مسلم وهو تساهل منهما أيضاً لأن في
سنن النسائي الصحيح وغيره وفيه أحاديث ضعيفة، ومعللة ومنكرة، كما
أن في رواته رجالا مجهولين إما عيناً أو حالاً، بل وفيهم المجروح.
((الثالث)) وكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة
وهي: (١) صحيح البخاري (٢) وصحيح مسلم (٣) وسنن أبي داود (٤).
وسنن الترمذي (٥) وسنن النسائي: ((إنه اتفق على صحتها علماء المشرق
والمغرب )) تساهل منه، وكلامه مسلم في الصحيحين أما في السنن الثلاث.
فلا :
وقد حاول الإمام العراقي الإجابة عن السلفي، وتصحيح كلامه
فقال: ((إنما قال السلفي بصحة أصولها ولا يلزم من أن يكون الشيء له
أصل صحيح أن يكون هو صحيحاً(١))) ..
(«الرابع». مما ينبغي أن يعلم أن الكتب الخمسة المذكورة وهي
الصحيحان، والسنن الثلاث أعلى مرتبة من كتب المسانيد: كمسند
عبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وأبي داود الطيالسي(٢) وغيرهم لأن عادة
أصحاب المسانيد أن يخرجوا في مسند كل صحابي ما رووه من حديثه
غير متقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به فلهذا تأخرت مرتبتها - وإن
جلت لجلالة مؤلفيها - عن مرتبة الكتب الخمسة، وما التحق بها من
الكتب المؤلفة على الأبواب.
((الخامس)) كتاب (الموطأ)» للإمام مالك بن أنس من العلماء من
قدمه على الصحيحين كالإمام أبي بكر بن العربي، ومنهم من جعله في
درجتهما وإليه يُشير كلام الدَّهلوي في (( حجة الله البالغة)) ومنهم من
جعله في مرتبة دونهما وإليه يميل كلام ابن الصلاح في مقدمته(٣) وابن
-- -
(١) شرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح ص ٤٧.
(٢) قد قدمت ما يتعلق بمند أبي داود الطيالسي وأنه من جمع من بعده [التدريب ص١٠٢] ط المحققة.
(٣) علوم الحديث لابن الصلاح. ص٢٥٠ ظ العاصمة.
٢٦٤

حزم في مقالة له رتب فيها كتب الحديث بحسب درجتها، وقال بعض
العلماء المتأخرين: ((الحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة
المرفوعة إلى رسول الله عَّ صحاح كلها وهي في الصحة كأحاديث
الصحيحين وأما ما فيه من المراسيل، والبلاغات(١) وغيرها فيعتبر فيها
ما يعتبر في أمثالها مما تحويه الكتب الأخرى.
وإنما لم يعده بعض العلماء في الكتب الصحاح لكثرة ما فيه من
المراسيل، والبلاغات والمنقطعات وكثرة الآراء الفقهية فيه لمالك
وغيره(٢).
أما إفاضة القول في «الموطأ)) ففي كتابي ((أعلام المحدثين(٣) ))
فليرجع إليه من يشاء.
((الحَدِيثِ الحسن))
. اختلف العلماء في تعريف الحسن، وإليك أقوالهم في هذا مع نقدها
وبيان المقبول منها :
١ - قال الإمام الخطابي في تعريفه:
الحسن: هو ما عرف مَخْرجُه، واشتهر رجاله، وعليه مدار اكثر
الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ، ويستعمله عامة الفقهاء.
شرح التعريف: المَخْرَج - على وزن مفعَل بفتح العين - مكان
الخروج، والمراد به هنا: رواة الحديث وبهذا يخرج المنقطع، والمعضل،
والمرسل، والمدلس قبل بيانه ومعنى ((واشتهر رجاله)) أي بالعدالة
(١) البلاغات: هي ما يقول فيها الامام مالك بلغني عن فلان مثل قوله: بلغني عن أبي هريرة أن رسول
.الله عَ لَّه قال: ((للمملوك طعامه وكسوته)».
(٢) الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ص ٣٠ هامش.
(٣) ص ٥٩ : ٠٦٠
٢٦٥

والضبط إلا أن هذا الاشتهار دون اشتهار الصحيح، ومعنى ((عليه
مدار أكثر الحديث)) أي أن غالب الأحاديث لا تبلغ رتبة الصحيح،
وإنما قال: ويقبله أكثر العلماء ((لأن بعضهم لا يقبله روى عن ابن أبي
حاتم قال: سألت أبي عن حديث فقال: إسناده حسن، فقلت: يحتج به؟
قال: لا، اما الصحيح فيقبله عامة العلماء.
ومعنى «ويستعمله عامة الفقهاء)) أي يحتجون به ويعملون.
(«نقد التعريف» وانتقد هذا التعريف بأنه غير جامع لقسمي الحسن
وهما: الحسن لذاته والحسن لغيره، وهذا ينطبق على الحسن لذاته
فحسب .
كما انتقد أيضاً بأنه غير مانع لأن الصحيح كذلك وأجبت عن هذا
بأن المراد بالإشتهار في التعريف شهرة دون شهرة الصحيح فيكون
مانعاً من دخول الصحيح وبأن قوله: ويقبله أكثر العلماء يخرج الصحيح
أيضاً لأنه يقبله كل العلماء لا أكثرهم.
كما انتقد أيضاً بأن فيه إبهاما وعدم وضوح، وشرط التعريف
الصحيح أن يكون جامعاً مانعاً لا خفاء فيه ولا غموض.
٢ - قال الترمذي في كتابه «العلل)» الذي هو في آخر جامعه:
(الحديث الحسن)): هو الحديث الذي لا يكون في إسناده من يتهم
بالكذب ولا يكون حديثاً شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذاك».
شرح التعريف : - ((أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب »
يشمل حديث المستور والمجهول ونحوهما بخلاف الصحيح فلا بد أن يكون
رواته ثقات أي عدولا ضابطين.
ومعنى ((ويروى من غير وجه نحو ذاك» أن يكون مروياً من
وجهين أو أكثر، ولا يشترط فيه أن يكون وروده من طريق آخر بلفظه
٢٦٦

بل يكفي وروده ولو بمعناه.
نقد تعريف الترمذي:
وقد انتقد هذا التعريف بأنه غير جامع فقد عرف الحسن لغيره، ولم
يعرف الحسن لذاته والتعريف لا بد أن يكون جامعاً.
وانتقد أيضاً بأنه غير مانع لدخول الصحيح في تعريفه، وهذا
الإنتقاد مردود لما بينا في شرح التعريف من أن الحسن يكتفي فيه
برواية المستور بخلاف الصحيح فلا بد فيه من ثقات الرواة وأيضاً
فالحسن عند الترمذي لا بد من مجيئه من وجه آخر، ولم يشترط أحد في
الصحيح ذلك فالحق أن التعريف مانع. وانتقد أيضاً ابن كثير بأن
الترمذي كثيراً ما يقول في كتابه هذا حديث حسن غريب لا تعرفه إلا
من هذا الوجه.
والجواب عن ذلك ما أشرت إليه في شرح التعريف من أن شرط
مجيئه من غير وجه يتحقق بمجيئه بلفظه أو معناه، وعلى هذا يحمل
قوله: لا نعرفه إلا من هذا الوجه يعني بلفظه فلا ينافي أن يكون
معروفاً بمعناه من وجه آخر.
٣ - قال بعض المتأخرين وهو أبو الفرج بن الجوزي المتوفى سنة
سبع وتسعين وخمسمائة:
((هو الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل)).
وانتقد هذا التعريف بأن ما ذكره ليس مضبوطاً بضابط يتميز به
القدر المحتمل من غيره فهو مقول بالتشكيك، والتعريف بالْمُشَكَّك غير
جائز لأنه لا يحصل به التمييز عن غيره.
وقال ابن الصلاح بعد ذكر هذه التعريفات:
وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وقد أمعنت النظر في ذلك
٢٦٧

والبحث، فتنفتح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان، وإليك خلاصة
ما ذكره ابن الصلاح مع التصرف، قال:
أحدهما - وهو الحسن لذاته -
أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة غير أنه لم يبلغ
درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان ولا يعد ما ينفرد به منكرا،
ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً. قال: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي:
الثاني - الحسن لغيره -
هو الحديث الذي لا يخلو رجال اسناده من مستور لم تتحقق أهليته:
غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ ولا هو متهم بالكذب ويكون متن.
الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر فيخرج بذلك عن أن
يكون شاذاً أو منكراً وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، وكأن كلا
من الخطابي والترمذي اقتصر على أحد القسمين دون الآخر أو ذكر
البعض، وغفل عن الآخر.
(تنَبيهات وتعقيبات))
((التنبيه الأول ))
وينبغي أن يلاحظ في كلا التعريفين شرط اتصال السند فهو مراد :
وإن لم يصرح به في القسمين، وعلى هذا فشرط الإتصال لا بد منه في:
الحسن بقسميه فهو شرط مشترك بين الصحيح والحسن.
وكذا العدالة لا بُد منها في الصحيح والحسن لذاته وأما الضبط
فيشترط في الصحيح الضبط التام بخلاف الحسن لذاته فيكتفى فيه
بالضبط القاصر عن الكمال وأما الحسن لغيره فيكتفى فيه بأدنى
درجات الضيط كما يكتفى فيه برواية المستور وعلى هذا: يكون الحسن
لغيره قاصراً عن الصحيح بقسميه في العدالة والضبط ، وكذا عدم الشذوذ
٢٦٨ .

وعدم العلة لا بد منها في الصحيح والحسن بقسميه ومما ذكرنا تعرف
الفرق بين الصحيح والحسن بقسميه.
((تنبيه آخر)»
لا تظن أيها القاريء الفهم ان كل حديث ضعيف اذا جاء من طرق
متعددة ضعيفة انه يرتقي إلى درجة الحسن بل الضعيف في ذلك قسمان.
١ - ضعف لا يزول بتعدد الطرق كرواية الكذابين والمتروكين أو
المتهمين بالكذب او الفسق فتعدد الطرق برواية أمثالهم لا يزيد
الضعيف الا ضعفاً وذلك كحديث ((الأذنان من الرأس)» فقد
روي طرق عدة الا أنها كلها ضعيفة(١).
٢ - ضعف يزول بتعدد الطرق كما اذا كان راويه سيء الحفظ مع
كونه من أهل الصدق، والديانة، فإذا ما رأينا أن الحديث جاء
من طرق أخرى عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه،
وكذا اذا كان ضعفه جاء من جهة الإرسال او التدليس فإنه
يزول بالمتابعات وذلك كالحديث الذي يرسله إمام حافظ اذ فيه
ضعف قريب يزول بروايته من وجه آخر فكل هذا يرتقي الى
درجة الحسن لغيره لا لذاته.
وكذلك يرتقي الحسن لذاته الى درجة الصحيح لغيره اذا جاء من
طرق عدة فالصحيح لغيره أصله حديث حسن لذاته، ثم جاء من طرق
فارتقى إليه .
((تنبيه ثالث))
جرت عادة بعض الحفاظ وأئمة الحديث ان يقولوا: هذا حديث
(١) علوم الحديث بشرح العراقي ص ٣٧، واختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٤١.
٢٦٩

صحيح الإسناد او حسن الاسناد دون قولهم: حديث صحيح أو حديث
حسن فلماذا؟.
والسبب في هذا أن الاسناد قد يكون صحيحاً أو حسناً أي رواته
رواة الصحيح أو رواة الحسن ولا يكون المتن صحيحاً ولا حسناً وذلك
لكونه شاذاً أو معللاً في متنه دون سنده لأن العلة كما تكون في السند
تكون في المتن غير أن الحافظ المعتمد منهم اذا اقتصر على قوله:
حديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد ولم يذكر له علة ولم يطعن فيه :
بأي وجه من وجوه الطعن فالظاهر أن الحديث صحيح أو حسن في
ذاته؛ لأن عدم العلة والقادح هو الأصل.
«تنبيه رابع)»
ما صار إليه الإمام البغوي(١) صاحب ((كتاب المصابيح)) من تقسيم.
أحاديثه الى نوعين (١) الصحاح (٢) والحسان مريدا بالصحاح ما خرجه.
الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه.
ابو داود، والترمذي وأشباههما في كتبهم - هو اصطلاح له خاص.
وقد أنكر عليه العلامة ابن الصلاح، والإمام النووي وغيرهما من
أئمة الحديث هذا الصنيع؛ لأن هذه الكتب - السنن - فيها الصحيح
والحسن، والضعيف والمنكر، بل والموضوع على ندرة وقد أجابوا عن
البغوى انه يبين الغريب والضعيف غالباً فقد قال في خطبة
((مصابيحه)): ((وما كان فيها من ضعيف او غريب أشرت إليه)) ...
ولكنه يبقى عليه من الاعتراض والمؤاخذة مزجه صحيح السنن
بحسنها من غير تمييز، اللهم إلا أن يقال: الخطب في ذلك سهل؛
(١) البغوي: هو الإمام الحافظ محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي نسبة الى ((بنا)
المتوفى سنة ست عشرة وخمسمائة (٥١٦ هـ) واسم كتابه بالكامل «مصابيح السنة».
٢٧٠

فالصحيح والحسن كلاهما محتج به (١).
الاحتجاج بالحديث الحسن
الحسن وإن تقاصر عن الصحيح في درجته وشروطه لكن يشارك
الصحيح في العمل به، والإحتجاج عند جميع الفقهاء، وعند أكثر العلماء
من المحدثين وغيرهم وهو بقسميه ملحق بالصحيح في الإحتجاج به ومن
العلماء من يلحق بالصحيح الحسن لذاته، وأما الحسن لغيره فينبغي أن
ينظر فيه فما كثرت طرقه، وركنت إليه النفس يحتج به، والا فلا (٢).
((مظان الحسن)»
من مظان الحديث الحسن كتاب الترمذي وهو أصل في معرفة
الحسن، وهو الذي نوه به وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في
متفرقات من كلام بعض مشايخه كالإمامين أحمد، والبخاري والطبقة التي
قبل طبقة مشايخه كالإمام الشافعي.
ومن مظانه ايضا سنن أبي داود روي عنه أنه قال: ((ذكرت فيه
الصحيح وما يشبهه(٣)، ويقاربه(٤) وما كان فيه من وهن شديد فقد
بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح وبعضه أصح من بعض )» ...
قال ابن الصلاح ما توضيحه: فعلى ذلك ما وجدناه في كتابه مذكوراً
مطلقاً أي من غير تنصيص عليه بصحة أو ضعف وليس في واحد من
الصحيحين، ولا نص على صحته احد ممن يعتمد عليه في التصحيح ، ولا
ضعفه هو في غير السنن، ولا أحد غيره - فهو من الحسن عند أبي
داود وذلك على سبيل الإحتياط، لأن قوله: ((فهو صالح)) دائر بين
(١) علوم الحديث لابن الصلاح بتعليق العراقي ص ٤١.
(٢) توجيه النظر إلى علوم الأثر ص ١٤٨.
(٢) لعل مراده به الحسن لذاته.
(٤) لعل مراده به الحسن لغيره.
٢٧١

الصحيح والحسن فأخذنا بالأقل احتياطاً(١) وإن ثبت ما نقله ابن كثير:
عن أبي داود أنه قال: ((وما سكت عنه فهو حسن (٢))) يكن ما ذكره
ابن الصلاح استنتاجاً هو المتعين بالنص.
ومن مظانه أيضاً مسند الإمام أحمد، وسنن النسائي، وسنن ابن
ماجة، وسنن الدار قطني فقد نص على كثير منه في سننه.
((قول الترمذي: هذا حديث حسن صَحِيحَ))
استشكل العلماء قول الترمذي في سننه: هذا حديث حسن صحيح؛
لأن الحسن قاصر عن درجة الصحيح كما سبق بيانه، فالجمع بينهما في
حديث واحد جمع بين نَفى ذلك القصور وإثباته وهو محال فما الجواب؟.
أجيب عن ذلك بأجوبة .
١ - أن ذلك باعتبار إسنادين بأن يكون الحديث روي بإسناد
حسن والآخر صحيح فلك أن تقول: إنه حسن بالنسبة إلى أحدهما
صحيح بالنسبة الى الآخر فلا تناقض إذاً ولكن هذا الجواب لا يستقيم
في بعض الأحاديث التي يقول فيها الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح
غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه)» ..
٢ - وقال بعضهم: مراده حسن باعتبار المتن صحيح باعتبار
الإسناد، وغرض هذا القائل من حسن المتن الحسن اللغوي(٣) لا الحسن
الاصطلاحي حتى يكون في الكلام تناقض ورد هذا الجواب أيضاً بأن
الترمذي يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم والحدود والقصاص
ونحو ذلك من أحاديث الترهيب، وبأنه يلزم عليه أن يطلق على
الحديث الموضوع اذا كان حسن اللفظ حسنا أيضاً وهو ما لم يقل به
(١) علوم الحديث بشرح العراقي ض ٥٣،٥٢ ط العاصمة.
(٢) اختصار علوم الحديث ص/٤١.
(٣) وهو التعبير بالكلام العذب عن المعنى المرغوب فيه كأحاديث الترغيب.
٢٧٢

أحد من المحدثين.
٣ - وذهب ابن كثير في الجواب إلى أن ما قيل فيه حسن صحيح
قسم ثالث مزج من القسمين يقال في الحديث الذي فيه شبه لم يتمحض
لأحدهما وأنه درجة متوسطة بين الصحيح والحسن فما قيل فيه حسن
صحيح فوق ما قيل فيه حسن، ودون ما قيل فيه صحيح وانتقد بأن
هذا تحكم لا دليل عليه (١).
٤ - وأحسن الأجوبة ما ذكره الحافظ ابن حجر في النخبة
وشرحها، قال ما خلاصته: ((إنه إن كان للحديث إسنادان فأكثر
فوصفه بالصحة والحسن راجع الى أنه صحيح بإسناد حسن بإسناد آخر
وغاية ما هنالك أنه حذف حرف العطف وكان الأولى ان يقول: حسن
وصحيح وعليه فيكون ما يقول فيه حسن صحيح فوق ما يقول فيه
صحيح فقط لأن كثرة الطرق تقوي.
وأما اذا لم يكن له إلا إسناد واحد فالجمع بينهما للتردد الحاصل من
الإمام المجتهد في الحديث: أهو جامع الأوصاف الصحيح أم هو قاصر
عنها؟ ولا يترجح أحدهما عنده فاقتضاه الأمر إلى التعبير بهذا، وغاية
ما في التعبير أنه حذف منه حرف التردد، وكان حقه أن يقول: حسن
أو صحيح، وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قال فيه
صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد (٣).
((جمع الترمذي بين الحسن والغرابة))
قد يقال: إن الترمذي قد صرح في كلامه بأن شرط الحديث الحسن
أن يُرْوى من غير وجه نحوه، فكيف يقول في بعض الأحاديث: حسن
(١) الباعث الحثيث ص ٤٣، ٤٤.
(٢) النخبة وشرحها وحاشيتها للقاري ص ٧٣ - ٠٧٥
٢٧٣

غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
والجواب - كما قال الحافظ ابن حجر - أن الترمذي لم يعرف
الحسن مطلقا، وإنما عرفه بنوع خاص منه وقع في كتابه وهو ما يقول
فيه حسن من غير ضم صفة أخرى، ذلك أنه يقول في بعض الأحاديث:
حسن، وفي بعضها صحيح، وفي بعضها غريب، وفي بعضها حسن صحيح،
وفي بعضها: حسن غريب، وفي بعضها: صحيح غريب، وفي بعضها: حسن
صحيح غريب، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط، وعبارته في آخر
جامعه ترشد إلى ذلك حيث قال: «وما قلنا في كتابنا: حديث حسن
فإنما أردنا حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في اسناده
من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو
ذاك فهو عندنا حديث حسن)) فعرف بهذا انه يعرف ما يقول فيه.
حسن فقط أما ما يقول حسن صحيح أو حسن غريب أو حسن غريب.
أو حسن صحيح غريب فلم يعرج على تعريفه كما لم يعرج على تعريف ما :
يقول فيه صحيح فقط أو غريب فقط وكأنه ترك ذلك استغناء لشهرته.
عند أهل الفن، واقتصر على ما يقول فيه حسن فقط إما لغموضه وإما
لأنه إصطلاح جديد ولذلك قيده بقوله: ((عندنا)» ولم ينسبه إلى أهل
الحديث كما فعل الخطابي وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي
طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها فللَّه الحمد على ما ألهمٍ
علم (١).
أنواع أخرى: الجيّد، والقوى، والصالح، والمعروف، والمحفوظ،
والمجوَّد، والثابت، قال الإمام السيوطي في تدريبه (٢).
(١) المرجع السابق ٧٥ - ٧٧.
(٢) ص ٥٨ : ٥٩° ط القديمة وص ١٠٤ - ١٠٥ ط المُحقَّقة.
٢٧٤

خاتمة
من الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيد ، والقوي،
والصالح، والمعروف، والمحفوظ، والحَوَّد، والثابت.
فأما الجيد: فقال شيخ الاسلام - يعني الحافظ ابن حجر - في
الكلام على أصح الاسناد لما حكى ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل، أن
أصحها: الزهرى، عن سالم، عن أبيه (١)، عبارة أحمد أجود الأسانيد كذا
اخرجه عنه الحاكم.
F'
قال - يعني الحافظ -: ((وهذا يدل على أن ابن الصلاح يرى
التسوية بين الجيد والصحيح)» ولذا قال البلقيني بعد أن نقل ذلك:
((من ذلك يعلم أن الجودة يعبر بها عن الصحة وفي جامع الترمذي في
((الطب)) هذا حديث جيد حسن، وكذا قال غيره: لا مغايرة بين جيد
وصحيح عندهم الا أن الجهبذ(٢) منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيد إلا
النكتة كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه
الصحيح، فالوصف به أنزل رتبة من الوصف بصحيح، وكذا القوي.
وأما الصالح: فهو شامل للصحيح والحسن لصلاحيتهما للإحتجاج،
ويستعمل ايضا في ضعيف يَصْلُح للإعتبار يعني: المتابعات والشواهد.
وأما المعروف: فهو مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشاذ وسيأتي
تقرير ذلك في نوعيهما - إن شاء الله تعالى -.
وأما المجود، والثابت فيشملان ايضا الصحيح والحسن.
قال السيوطي: ومن ألفاظهم المشبه وهو يطلق على الحسن وما يقاربه
فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد الى الصحيح، قال أبو حاتم: أخرج عمرو
(١) هو عبد الله بن عمر وسالم ابنه.
(٢) الجهيد: بكسر الجيم وسكون الها، وكسر الباء الموحدة: الناقد البصير.
٢٧٥

ابن حصين الكلابي أول شيء أحاديث مشبهة حسانا، ثم اخرج بعد
أحاديث موضوعه، فأفسد علينا ما كتبنا.
((الحديث الضعيف))
تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات
هو كل حديث لم
الحديث الحسن ويمكن إجمال شروط الصحيح والحسن بقسميه في ستة
شروط .
(١) إتصال السند (٢) عدالة الرواة (٣) السلامة من كثرة الخطأ
والغفلة وهو الضيط (٤) السلامة من الشذوذ (٥) السلامة من العلة. (٦)
مجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور ليس متها،
ولا كثير الغلط - على ما ذكرنا في الحسن لغيره -.
فكل حديث فقدت فيه بعض هذه الشروط أو كلها هو حديث
ضعيف .
((أقسام الضعيف))
وينقسم الضعيف الى أقسام كثيرة أوصلها بعضهم - بحسب القسيمة
العقلية والتشقيقات النظرية الى ثلاثمائة وإحدى وثمانين أصورة، وأما
بحسب القسمة الواقعية فهي تسعة وأربعون نوعاً كلها داخلة تحت هذا
التعريف كما قال أبو حاتم محمد بن حِبَّان البستى المتوفى سنة أربع وخمسين
وثلاثمائة .
ثم إن من هذه الأقسام ما ليس له اسم خاص فيكون له اللقب العام
وهو الضعيف ومنها ماله لقب خاص به كالمرسل، والمنقطع، والمعضل،
والمعلق، والمدلس، والشاذ والمنكر، والمتروك، والُعَلّ، والمضطرب،
والمدرج، والمقلوب، والموضوع، وهو شر أنواع الضعيف وأرذلها .
٢٧٦

((حكم الحديث الضعيف رواية وعَملاً ))
الحديث الموضوع او الساقط او الذي لا أصل له لا تجوز روايته الا
مقترناً ببيان وضعه، أو سقوطه، أو أنه لا أصل له، ومن روى شيئا من
ذلك من غير بيان وهو يعلم فهو آثم أشد الإثم كما أنه لا يجوز العمل
بالموضوع، وما شاكله قط لا في الحلال والحرام ولا في باب الترغيب
والترهيب، والقصص والمواعظ ، ولا في التفسير؛ لأنه مختلق مكذوب
فمن عمل به فقد زاد في الشرع ما ليس منه.
أما الضعيف الذي لم يصل الى حد السقوط والوضع، وهو الضعيف
المحتمل فقد اختلفت فيه أنظار العلماء وإليك آراءهم في هذا:
قال ابن الصلاح: يجوز رواية ما عدا الموضوع من أنواع الأحاديث
الضعيفة ، من غير اهتمام ببيان ضعفها فيهما سوى صفات الله تعالى
وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما وذلك كالمواعظ والقصص،
وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له
بالأحكام والعقائد(١).
ومقتضى ذلك العمل به فيما ذكر قال: وممن روينا عنه التنصيص على
التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل رضي الله.
عنهما .
والمراد بفضائل الأعمال: الأعمال الفاضلة الثابتة قبل بالأحاديث
الصحيحة بمعنى أنه اذا ورد حديث ضعيف دال على ثواب مخصوص
من الأعمال الثابتة قبل فإن أصل العمل ثابت استحبابا من دليل آخر
ولم يثبت بالضعيف الا الثواب المرتب على هذا العمل وحينئذ لم يثبت
حكم شرعي بالحديث الضعيف.
(١) مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص ١١٣ ط العلمية بحلب ..
٢٧٧

وقال الإمام ابن العربي المالكي (٢): لا يعمل به مطلقا، لا في الجلال
والحرام ولا في الفضائل ونحوها .
.وأجاز بعض الأئمة رواية الضعيف من غير بيان ضعفه والعمل به
ولكن بشروط :
١ - أن يكون الحديث في القصص، أو المواعظ ، أو فضائل
الأعمال، أو نحو ذلك مما لا يتعلق بصفات الله، وما يجوز له، وما
يستحيل عليه سبحانه، ولا بتفسير القرآن ولا بالأحكام كالخلال
والحرام، وغيرهما .
٢ - أن يكون الضعف فيه غير شديد فيخرج حديث من أنفرد
من الكذابين والمتهمين بالكذب والذين فحش غلطهم في الرواية،
والحديث الذي كثرت طرقه، ولم تخل طريق منها من شدة الضعف.
٣٠ - ان يكون ما ثبت به مندرجاً تحت أصل من أصول الشريعة
لئلا يثبت ما لم يثبت شرعا به وحينئذ يكون الضعيف مؤكداً لما ثبت
بذاك الأصل الكلي.
٤ - أن لا يعتقد العامل به ثبوته بل يقصد الاحتياط والخروج
من العهدة.
٥ - ان لا يعارضه دليل آخر أقوى منه (١).
والحق أنه لا يجوز رواية الضعيف الا مقترنا ببيان ضعفه وبخاصة
(١) هو الإمام الحافظ العلامة القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي ولد سنة ثمان وستين
وأربعمائة رحل مع أبيه إلى المشرق وسمع من كثير من علماء عصره وسمع عنه الكثيرون أثنى عليه ابن
بشكوال وقال: أخبرني أنه رحل إلى المشرق سنة خمس وثمانين وأربعمائة وسمعت باشبيلية منه وقرطبة
كثيراً وكان أبوه من علماء الوزراء وكان فصيحا مفوها شاعرا ولما مات أبوه بمصر رجع إمامنا إلى
الأندلس وقد قيل: انه بلغ مرتبة الاجتهاد صنف في الحديث، والفقه، والأصول، وعلوم القرآن،
والأدب، والنحو والتواريخ، وكانت وفاته بالعدوة بفاس سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
(٢) الباعث الحثيث ص ٩١، و(التدريب)». ص ١٩٦، والاسلوب الحديث في علوم الحديث لشيخنا الشيخ
امين الشيخ - بحث العمل بالضعيف.
٢٧٨

في هذه العصور التي قلت معرفة الناس فيها بالأحاديث وعدم القدرة
على معرفة درجة الأحاديث ومن هذه الشروط تستخلص ان الضعيف
قسمان :
١ - ضعيف منجبر بغيره كتعدد الطرق أو نحوها وهو الذي يعمل به
في الفضائل وما شابهها ، والانجبار إنما يكون بمساو أو بأقوى أما
بما هو أقل منه فلا.
٢ - ضعيف غير منجبر ولا يشهد له أصل شرعي وهذا لا يعمل به
قط لا في الفضائل ولا غيرها.
((فائدة )»
قال أئمة الحديث: من نقل حديثا صحيحاً بغير إسناده وجب ان
يذكره بصيغة الجزم فيقول مثلا: قال رسول الله عَ لّم أو نحوه.
ويقبح جداً ان يذكره بصيغة التمريض التي تشعر بضعف الحديث
لئلا يقع في نفس القاريء أو السامع انه حديث غير صحيح.
وأما اذا نقل حديثا ضعيفا بغير إسناد أو حديثاً لا يعلم حاله -
سواء أكان صحيحاً أو ضعيفاً - فإنه يجب أن يذكره بصيغة التمريض
كأن يقول: روي عن رسول الله كذا، أو ذُكِر، أو بلغنا، أو نحوها.
والأولى والأحوط لمن يتيقن ضعف حديث ان يبين أنه ضعيف لئلا
يَغْتَربه القاريء أو السامع الذي لا يعلم هذا الإصطلاح، ولا يجوز للناقل
له أن يذكره بصيغة الجزم؛ لأنه يوهم ان الحديث صحيح ولا سيما إذا
كان الناقل من أهل العلم بالحديث الذي يثق الناس بنقلهم.
وهذا نوع من الأمانة والدقة اللذين امتاز بها علماء الحديث.
٢٧٩

«المُيل)»
الرسل: لغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع، ومنه:
قوله تعالى: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزآ(١)﴾
أي سلطناهم عليهم، ولم نمنعهم منهم، ويقال: أرسلت الطائر اذا
أطلقته، وأرسلت الكلام اذا أطلقته من غير تقييد فكأن المرسل اطلق
الإسناد ولم يقيده برأو مخصوص معروف.
وأما في الإصطلاح فقد اختلفت في تعريفه أنظار العلماء وإليك
أقوالهم في هذا:
تعريف جمهور المحدثين : - هو ما رواه التابعي سواء أكان كبيراً أم
صغيراً عن النبي عُ لّ من قوله أو فعله أو تقريره، ولا بد من قيد ذكره
الحافظ ابن حجر وهو أن يكون التابعي سمعه من غير النبي عية، فإن
سمعه من النبي حال كفره ثم أسلم بعد ذلك ورفع الحديث فإن حديثه.
يكون متصلاً لا مرسلاً كالتنوحي رسول هرقل فقد أخرج حديثه الإمام
احمد وأبو يعلى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
. والمراد بالتابعي الكبير من لقي كثيراً من الصحابة وجالسهم وكانت
جل روايته عنهم كسعيد بن الْمُسَيب، وعبيد الله بن عدي بن الخيار،
وقيس بن أبي حازم وأمثالهم.
والصغير: هو من لم يلق من الصحابة الا العدد اليسير أو لقي جماعة
ولكن جل روايته عن التابعين كالزهرى، ويحيى بن سعيد الأنصاري ،
وأبي حازم، وأمثالهم.
ومن رأى النبي ◌ُّ وهو غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق فإنه
صحابي ولكن روايته حكم المرسل لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل في:
مراسيل الصحابة لأن اكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي بخلاف
(١) سورة مريم / ٠٨٣
٢٨٠
: