النص المفهرس
صفحات 181-200
عزم على الرحلة فلا يترك أحداً من شيوخ بلده الا ويكتب له ما تيسر وإن قل، ولذا قيل: ((ضيع ورقة ولا تضيع شيخاً(١))). ((الرحلة في سبيل العلم )) لعل مما يتميز به أئمة العلم في الاسلام - ولا سيما أئمة الحديث. كثرة الارتحال وملازمة الأسفار. وقد جروا في ذلك على سنن بعض الصحابة والتابعين. فقد كان الواحد منهم يبلغه الحديث بطريق الثقات فلا يكتفي بهذا. بل يرحل الأيام والليالي حتى يأخذ الحديث عمن رواه بلا واسطة. وفي صحيح البخاري تعليقا قال ((ورحل جابر بن عبد الله الأنصاري مسيرة شهر الى عبد الله بن أنيس في حديث واحد (٢) وإليك القصة بتمامها .. روى الإمام البخاري في «الأدب المفرد » وأحمد وأبو يَعْلى في مسنديهما. والبيهقي في ((المدخل)) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((بلغني حديث رجل سمعه من رسول الله عَ لّه فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام. فأتيت عبد الله بن أنيس فقلت للبواب. قل له: جابر على الباب فقال ابن عبد الله؟ فقلت نعم. فخرج فاعتنقني واعتنقته. فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله عَ لَّم فخشيت أن أموت قبل أن أَسْمَعه. فقال: سمعت رسول الله عَ لَّه يقول: يحشر الله العباد أو قال الناس عراة غرلا(٢) بهما. قلنا: ما بها؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه من بُعد كما يسمعه من قرب. أنا الديان - (١) التدريب ص ١٧٧، ٠١٧٠ (٢) عبد الله بن أنيس - بالتصغير - ابن مسعود الجهنى بضم الجيم وفتح الهاء. حليف الأنصار شهد العقبة مع السيمين من الأنصار. وشهد احدا وما بعدها من المشاهد. وبعثة رسول الله سرية وحده. وتوفي بالشام سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية فرضي الله عنه وأرضاه. (٣) جمع أغْرَل وهو الذي لم تقطع قلفته، والقلفة: هي ما تقطع عند الختان. ١٨١ لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة. ولا لأحد من أهل النار: عنده مظلمة حتى أقصَّه منه حتى اللطمة. قلنا كيف؟ وإنما نأتي الله. عراة غرلا بُهما؟ قال بالحسنات والسيئات)). واستدل البيهقي برحلة موسى عليه السلام إلى الخضر وهي في صحيح البخاري (١). وروى البيهقي في المدخل بسنده عن وهب بن عبد الله المعافري قال: قدم رجل من أصحاب النبي ◌َّه من الأنصار على مسلمة بن مُخَلَّد(٢) فألفاه نائماً فقال: أيقظوه. قالوا: بل نتركه حتى يستيقظ قال: السبت فاعلاً. فأيقظوا مسلمة له. فرحب به وقال: انزل. فقال: لا حتى ترسل الى عقبة بن عامر لحاجة لي إليه. فأرسل إلى عقبة فأتاه فقال: هل سمعت رسول الله ع ◌َلّ يقول ((من وجد مسلما على عورة فستره فكأنما أحيا مَوْءُودة من قبرها)) فقال عقبة نعم: وهذا الرجل الأنصاري المرتحل هو السيد الجليل أبو أيوب الأنصاري. رواه احمد وكذلك روي عن بعض الصحابة مثل هذا (٣). ( وارتحال التابعين ومن بعدهم)) وعلى هذا الدرب الواضح سار التابعون ومن جاء بعدهم من أئمة العلم والحديث روى الخطيب بسنده عن عبد الله بن عدي قال: بلغني حديث عن علي فخفت إن مات أن لا أجده عند غيره. فرحلت حتى قدمت عليه العراق. وروى بسنده عن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد .. (١) كتاب العلم - باب الخروج في طلب العلم. (٢) مَسْلمة - بفتح الميم وسكون إلين وفتح اللام - ابن بخلد - بضم الميم وفتح الخاء، وفتح اللام المشددة، آخره دال صحابي صغير سكن مصر ووليها مدة توفي سنة اثنيتن وستين. (٢) عمدة القارىء جـ ١ ص ٤٦٣ : ٤٦٤، ط عثمانية. ١٨٢ ۔۔ وقال أبو العالية: ((كنا نسمع عن أصحاب رسول الله عَ لَّه فلا نرضى حتى رَحلنا إليهم فسمعنا منهم ». وسئل الإمام أحمد: «رجل يطلب العلم يلزم رجلا عنده علم كثير أو يرحل؟ قال يرحل يكتب عن علماء الأمصار)». وقال ابن معين: أربعة لا يُؤْنَس منهم رشد ... وعد منهم: رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث(١) ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى كتابي ((أعلام المحدثين(٢) )). ولم تزل الرحلة من قديم الزمان ديْدَن العلماء والمحدثين. حتى القرن العاشر الهجري. ثم قصرت الهمم في العصور الأخيرة. واكتفى كل بعلماء بلده. بل ببعضهم. وعسى ان تحيا هذه السنة التي كادت أن تموت في بلاد الاسلام ... ((المسألة الثالثة)) الجمع والانتخاب .. على طالب العلم والحديث أن يعتني بالمهم. وأن يكتب كل ما يقع له من حديث أو علم. والأولى له ألا ينتخب. فربما احتاج بعد ذلك الى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه وتخيره، فيندم، وقد قال ابن المبارك ((ما انتخبت على عالم قط الا وندمت)) الا أن أحتاج الى الانتخابات فلا بأس. ومن أقوال المحدثين المأثورة قول أبي حاتم ((إذا كتبت فقَمِّشْ واذا حدثت فَقَتِّش(٣))) وقد فسرها العراقي فقال: اكتب الفائدة ممن سمعتها منه ولا تؤخر حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو سفره أو غير ذلك. فإذا كان وقت الرواية (١) فتح الباري جـ ١ ص ١٤١، ١٤٢. (٢) ص ١٩، ٢٠ ومن تراجم وحياة المحدثين المذكورين في هذا الكتاب أكبر شاهد على ذلك. (٣) فَقَمَّش: بفتح القاف وكسر الميم المشددة آخره ثين معجمة - من القماش، وهو في الاصل ما على وجه الأرض، من فتات الأشياء حتى يقال لرذالة الناس: قاش، وما أعطاني إلا قماشا أيْ أرْدَاً ما وجده؛ وتقّمش أكل ما وجد وإن كان دونا [أنظر القاموس مادة القمش، جـ ٢ ص ٢٨٥]. ١٨٣ أو العمل فَفَتِّش حينئذ يعني: فتخير ما صح وثبت. ودع ما عداه .. أقول: وما أجدر أهل العلم ولا سيما المؤلفين والباحثين باتباع هذه الكلمة الحكيمة في تأليف رسائلهم وكتبهم. فعلى الواحد منهم أن يجمع النصوص والآراء التي تتصل ببحثه وعند الكتابة يتخير الصحيح والأليق بموضوعه، وهذه الكلمة التي قالها أبو حاتم تعتبر الأساس الصالح لتأليف الكتب العلمية والبحوث التي تنال بها درجات التخصص اليوم. ((المسألة الرابعة)) الجمع بين الحفظ والفقه للأحاديث ... لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر من الحديث على سماعه وكتابته أو حفظه دون التعرف على فقهه وفهمه. فيكون قد أتعب نفسه من غير طائل. أو الحصول على أن يعد في أهل الحديث .. بل عليه أن يجمع بين الرواية والدراية بحيث يعرف صحيحه من حسنه من ضعيفه. وفقهه ومعانيه. ولغته. وإعرابه. وما فيه من بلاغة وفصاحة. وأن يعرف اسماء. رجاله. ومنازلهم من الجرح والتعديل. وكذا ناسخه ومنسوخه ومختلفه. ومشكله الى غير ذلك. ولتكن عِنَايته بالصحيحين ثم سنن أبي داود. والترمذي. والنسائي(١). ثم صحيح ابن خزيمة (٢) ثم صحيح ابن حبان (٣). ثم السنن الكبرى للبيهقي. فإنه لم يصنف مثله في بابه. ثم ما تمس الحاجة من كتب الحديث ثم كتب المسانيد. وأهمها مسند أحمد. والجوامع. وأهمها الموطأ ثم بكتب الأحكام وما أكثرها ثم كتب العل ككتاب الدارقطني. ثم بكتب الرجال وضبط الأسماء وما أكثرها، وليعتني طالب الحديث بكتب غريبه، وكتب شروحه وهي (١) لم يذكروا مع السنن سنن ابن ماجة لتأخر رتبها عن رتب السنن الثلاثة. (٢) قيل: هو أصح ما ألف في الصحيح بعد الصحيحين. (٣) ذكروا انه متساهل في التصحيح. ١٨٤ أكثر من أن تحصى. ولا سيما شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني. وشرحه أيضاً للعلامة العيني. فإنهما أجل كتب الشروح وأوسعها وأجمعها وبشروح صحيح مسلم، وأجّلُّها شرح النووي :- ((المألة الخامسة)) اذا تأهل طالب العلم والحديث للتأليف فيه فَلْيَعْتَنِ بذلك. وليصرف جل همه للشرح وبيان المشكل ورد الشبه الواردة عليه. ولا سيما في عصرنا هذا. فقد تهجم على الأحاديث والسنن بغير علم من لا يكاد يعرف ما هو الحديث؟ وما هي السنة؟ وتحقيق الروايات ونحو ذلك. ولا نكاد نجد شيئاً يثبت العلم ويدعو الى استذكاره ومراجعة كتبه وأصوله ويقدح زند الفكر. ويَشْحذ الطبع ويبعث الهمم. ويبسط اللسان ويجيد البيان ويكشف المُشْتَبه. ويوضح الملتبس. مثل التأليف وإنما يعرف ذلك من يعاني صنعة التأليف. ثم هو إلى ذلك ثواب لا ينقطع، وخلود دائم. وذكر جميل. وشذي يتضوع .. وصدق الرسول الكريم حيث قال ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث: صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له )) رواه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. وصدق القائل: يموت قوم فيحييى العلم ذكرهم والجهل يجعل أحياء كأموات(١) وقال الأمام النووي في شرح ((المهذب)) بالتصنيف يطلع على حقائق العلوم ودقائقها .. ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التَّفْتِيش والمطالعة . والتحقيق والمراجعة، والاطلاع على مختلف كلام الأئمة، ومتفقه وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه. وجزله من ركيكه، وما لا اعتراض (١) في بعض النسخ: والجهل يلحق أحياء بأموات. ١٨٥ فيه من غيره. وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. قال الربيع: لم أر الشافعي آكلا بنهار. ولا نائما بليل (٢) لاهتمامه بالتصنيف. وقال النووي: في «تقريبه)): وينبغي أن يتحرى في تصنيفه العبارات الواضحة والموجزة والاصطلاحات المستعملة، ولا يبالغ في الإيجاز بحيث يفضي إلى استغلاق المعنى، ولا في الايضاح بحيث ينتهي إلى الركاكَة، وليكن اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر .. وقال في شرح المهذب: والمراد بذلك ألا يكون هناك تصنيف يغني عن مصنفه من جميع أساليبه. فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الاساليب. وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه (٣). وقال الزركشي في قواعده: إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهما واطلاعاً. فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس. وقالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي اتصف بها العلماء: وهي: (١) إختراع معدوم (٢) أو جمع مفترق (٣) أو تكميل ناقص (٤) أو تفصيل مجمل (٥) أو تهذيب مطول (٦) أو ترتيب مخلط (٧) أو تعيين مبهم (٨): أو تبيين خطأ. كذا عددها أبو حيان. وتمكن الزيادة فيها .. وذكر ابن عبد البر في كتاب ((جامع بيان العلم وفضله)) عن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: (( وأعلموا ان الناس أبْناء ما يحسنون وقدر كل امرىء ما يحسن. فتكلموا في العلم تتبين (٤) أقدار كم (١) الربيع الجيزي تلميذ الشافعي وأحد حملة علمه .. (٢): كناية عن اشتغاله التَّصْنيف حتى لا يأكل إلا قليلا ولا ينام الا غرارا. (٣) التدريب ص ٠١٨ (٤) قواعد التحديث ص ٠٣٧ ٣٨. ١٨٦ أقول: وكلما كان المؤلف متمكنا من مادته وعلمه ظهرت شخصيته العلمية واضحة في مؤلفه. ولو ألف فيما مرجعه غالبا إلى النقل والاصطلاح. ويمكنه أن يضفي على القديم شيئا من الجدة فيبدو جديدا . وأن يكوّن من المفرق وحده. ومن المتنافر شيئا مألوفا .. وعلى المؤلف في فن الا يتسرع قبل أن يتأهل. وإلا جاءت آراؤه فطيرة. وعاد عليه ذلك بالعوار والنقص. وألا يخرج مؤلفه الا بعد تحرير وتهذيب وتحقيق وتمحيص وتكرار النظر. وهذا هو السر في أن المحققين والمتثبتين في العلوم يغلب عليهم الإقلال في التأليف .. ((أدَب أهل العلم والحديث وطلابه مع الله ورسوله)) ينبغي المحافظة على الثناء على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله كعز وجل وتبارك وتعالى ونحوه. وإن لم يكن في أصل الكتاب الذي يروي منه أو يقرؤه لأنه يقصد به الثناء لا الرواية. وكذلك ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله عَ ◌ّ كلما ذكر ولا يسأم من تكراره. فإن من أغفله حرم حظاً عظيما وثوابا جزيلا. فقد قيل في قوله عَّه ((إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)) صححه ابن حِبَّان أنهم أهل الحديث لكثرة ما يتكرر ذكره في الرواية فيصلون عليه وأما الحديث الذي يورده البعض في هذا المقام وهو حديث ((من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب )) فقد حكم ابن الجوزي عليه بالوضع وعارضه السيوطي فقال: إنه وإن كان ضعيفا فإن له طرقا تخرجه عن الوضع وتَقْتَضي ان له أصلا .. وكذلك حديث أنس يرفعه ((اذا كان يوم القيامة جاء أصحاب الحديث وبأيديهم المحابر فيرسل الله إليهم جبريل فيسألهم من أنتم؟ وهو أعلم. فيقولون: أصحاب الحديث فيقول: ادخلوا الجنة طالما كنتم تصلون ١٨٧ على النبي في دار الدنيا )» فقد حكم عليه الخطيب بالوضع وعارضه السيوطي(١) وينبغي أن يجمع عند ذكره عَ لّه بين الصلاة عليه بلسانه وكتابته ذلك ببَنَانِه ثم إن كانت الصلاة والتسليم في الكتاب الذي ينقل منه كتب ذلك بالاتفاقُ. فإن لم يكن في الأصل ففي كتابة ذلك خلاف فالإمام احمد لا يرى كتابة ذلك. وكان يكتفي بالصلاة والتسليم نطقا. ومال الى صنيع احمد ابن دقيق العيد فقال ((ينبغي أن يتبع الأصول والروايات)) وغرضهم بذلك المحافظة على الأصول وصيانتها من التغيير والتبديل والاقتصار على المروي وخالف الإمام أحمد غيره من المتقدمين فقالوا: لا يتقيد بالأصل بل يكتبه خطا ويتلفظ به نطقاً لأنه دعاء لا: کلام يرويه .. واختار بعض المتأخرين ما ذهب إليه الامام احمد محافظة على الأصول القديمة. ومراعاة لغاية الدقة والأمانة في النقل ... ويكره. الاقتصار على الصلاة أو التسليم في الكتابة وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما قال الإمام النووي في صحيح مسلم (٢) وذلك لقوله تعالى ﴿إِن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً وقد اقتصر الامام مسلم في مفتح صحيحه على الصلاة. وهذا مما أنكر عليه .. ويكره أيضاً الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين أو أكثر كمن يكتب ((صلعم)) أو ((ص)) وكذلك ينبغي الترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار. ولا يجوز استعمال ((عز وجل)) ونحوه في صَّى اللّه النبي ◌ُّ ته . (١) التدريب ص.١٥٥. (٢) صحيح مسلم يشرح النووي إجـ ١ ص ٤٤. ۔۔ (٣) سورة الأحزاب الآية ٥٦ ١٨٨ («تقسيمُ الحَديثِنِ حَيْث عَدُدُ رُواتٌ» ينقسم الحديث من حيث عددُ رواته إلى مُتواترٍ وآحَادٍ فالمتواتر: ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو صدوره منهم اتفاقا من غير قصد ويستمر ذلك من أوله إلى آخره ويكون مرجعه إلى الحس من مشاهد أو مسموع أو نحوهما. والآحَاد: ما ليس كذلك. ((شروط المتواتر)» (١) أنه يرويه جمع كثير، وقد اختلف في تحديده فقيل: خمسة وقيل: سبعة وقيل: عشرة لأنها أول جموع الكثرة وقيل: اثنا عشر عدد نقباء بني اسرائيل، وقيل: عشرون وقيل: أربعون وقيل: غير ذلك وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد فأفاد العلم وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الإختصاص. والمحققون على أنَّ الصحيح عدم تعيين العدد وأن العبرة إنما هي بإفادة العلم بنفسه فأي عدد يفيد العِلْم بنفسه فهو المعتبر وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر. (٢) كون هذا العدد بحيث تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أو صدوره منهم اتفاقاً أي من غير قصد وبعض العلماء قال: (بحيث يحيل العقل) والمراد إحالة العقل المستند إلى العادة فيتوافق التعريفان . (٣) استمرار هذا العدد المفيد للعلم في السند من ابتدائه إلى منتهاه والمراد أن لا تنقص الكثرة المفيدة للعلم لا أنه لا يزيد إذ الزيادة هنا من باب أولى فلو رواه مثلا في طبقة ثلاثون ثم رواه عنهم أربعون فهو أولى وأحسن. ١٨٩ (٤) أن يكون ذلك الخبر مستند رواته الحس من مرئي أو مسموع أو ملموس أو مذوق أو مَشْموم فلا تواتر في العقليات الصرفة. كوجود الصانع وقدمه وقدم صفاته وحدوث العالم فلو أن أهل : بلد أو مصر مثلا أخبروا بحدوث العالم أو بوجود الصانع لا يكون متواتراً (؟) لأن العقليات لا يحصل اليقين بها إلا بالبرهان. ولا يشترط في الخبر المتواتر من حيث هو إسلام ولا عدالة لأن المعول عليه الكثرة بشروطها فلو أن أهل بلد أخبروا بحصول حادثة مَّا يحصل العلم بخبرهم ولو كانوا كفاراً .. أقسام المتواتر : ينقسم المتواتر إلى قسمين: (١) لفظي (٢) ومعنوي. فاللفظي: ما رواهٍ جمع كثير .. الخ واتفقوا على لفظه وستأتي أمثلته من الأحاديث. والمعنوي: ما روي من طرق متعددة بألفاظ مختلفة إلا أنها اتفقت في إفادة شيء واحد وذلك مثل الأخبار التي نقلت كرم حاتم مثلا فإنها آحاد نقلت وقائع مختلفة يدل كل واحد منها على أنَّ حاتما أعطى شيئاً إذا نقل رجل عن حاتم أنه اعطى جملا وآخر أنه اعطى فرساً وثالث أنه أعطى مالا وهكذا لكنها مع هذا اشتركت في إفادة معنى واحد هو الكرم ومثل الأخبار التي نقلت شجاعة سيدنا علي مثلا فإنها نقلت وقائع مختلفة لكنها اتفقت في معنى واحد وهو الشجاعة. ومثاله في الحديث: أحاديث رفع اليدين في الدعاء لكنها في قضايا ووقائع مختلفة فكل واقعة منها لم تتواتر لكن القدر المشترك بينها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع (١). (١) شرح نخبة الفكر ص ١،٤ (٢) تدريب الراوي ض ١٩١ ١٩٠ العِلم الذي يفيده المتواترُ المتواتر يفيد العلم اليقيني القطعي أي العلم الضروري الذي يُضْطَّر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه واليقين: هو الإعتقاد الجازم المطابق للواقع وهذا هو المعتمد وقال بعضهم: لا يفيد العلم إلا نظرياً قال الحافظ ابن حجر: ((وليس بشيء لأن العلم بالمتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي إذ النظر ترتب أمور معلومة أو مظنونة ليتوصل بها إلى علوم أو ظنون وليس في العامي أهلية ذلك فلو كان نظريا لما حصل لهم، ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري. إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال والنظري يفيده لكن مع الإستدلال على الإفادة وأن الضروري يحصل لكل سامع والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر والاستدلال(١) )). وقد خالف في إفادة المتواتر العلم بعض الطوائف من لا يُعْتَد بهم لتهافت رأيهم قال الإمام الآمدي: في كتابه: ((الإحكام في أصول الأحكام )»: واتفق الكل على أن خبر المتواتر يفيد العلم خلافاً للسمنية والبراهمة(٢) في قولهم: لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية والأمم السابقة والقرون الخالية والملوك والأنبياء والأئمة والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضية بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه )» (١) شرح نخبة الفكر ص ٦. (٢) في القاموس، والسُّمنية كعرنية قوم بالهند دهريون قائلون بالتناسخ ((والبراهمة طائفة بالهند لهم. عقائد وثنية باطلة خاصة بهم في الألوهية وغيرها. ١٩١ الشبه التي أوردت على المتواتِرٍ قد أورد بعض الناس شبها على وجود المتواتر وإفادته العلم واليك بعضها : (١) قالوا: إن تطور اجتماع العدد الكثير على الأخبار بخبر واحد غير مسلم فإن الناس مختلفون في الأمْزِجة والطبائع والآراء والأغراض. وقصد الصدق والكذب ومع هذا فلا يتصور واقعاً فَضْلًا عن كونه يفيد العلم لسامعه . والجواب: أن هذا مكابرة للمحسوس فإنه قد شوهد اتفاق العدد الكثير من الناس على الأخبار بكثير من الأشياء مع اختلاف طبائعهم: وتنائي أماكنهم وذلك كاتفاقهم على الإخبار بوجود مكة أو القاهرة أو بغداد أو لندن أو برلين وغيرها من المدن والبلاد التي لم تشاهدها وإنما المعول في ذلك على إنجبار العدد الكثير ونحن لا نشك في هذه المدن كما لا نشك في وجود الأنبياء والملوك والعظماء والمدار في ذلك على: الأخبار . (٢) إن كل واحد يجوز عليه الكذب بتقدير انفراده كما يجوز عليه. الصدق فلو امتنع عليه الكذب حالة الاجتماع مع غيره لانقلب الجائز! ممتنعا وهو مجال. والجواب: أنه لا يلزم في العقل أن ما يكون ثابتاً لآحاد المجموع يكون ثابتاً له فإنه ما من واحد من معلومات الله سبحانه إلا هو متناه مع أن جملة معلوماته تعالى غير متناهية، والمدعي ان المقطوع بصدقه هو المجموع لاكل واحدٍ ومثال ذلك أيضاً في المحسوس الخيط المكون من عدة خيوط فإن له من القوة والمتانة ما ليس لكل خيط على حدة. وإنكار ذلك مكابرة. (٣) لو جاز أن تخبر جماعة بما يفيد العلم لجاز أن تخبر جماعة أخرى ١٩٢ بنقيض خبرهم فيلزم التناقض في الخبر الواحد وانه محال كما إذا أخبر جماعة بأن فلاناً كان في وقت كذاحيا وأخبر جماعة كثيرون آخرون بأنه كان في ذلك الوقت ميتاً ولا مرجح لأحدهما على الآخر لكونهما متساويين في الصفات فيلزم اجتماع العلم بحياته وموته في وقت واحد وهو محال فثبت أن التواتر لا يفيد العلم. والجواب: أن هذا فرض محال فإنه متى أخبر جمع توافرت فيه شروط التواتر بشيء فإنه لا يمكن لجمع آخر مساوٍ له في تلك الشروط أن يخبر بما يناقض خبره. (٤) لو كان المتواتر مفيداً للعلم لأفاد خبر اليهود وبعض النصارى العلم بقتل عيسى عليه السلام وصلبه واللازم باطل للقطع بوجود عيسى بعد الإخبار بقتله فالملزوم مثله. وأيضاً فالقرآن الكريم وهو المتواتر القطعي نفي قصة القتل والصلب قال تعالى: ((وما قتلوه وما صلبوه ولكنه شُبِّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يَقِيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً))(١) فيلزم التناقض بين الخبرين المتواترين. والجواب: منع تواتر خبر اليهود والنصارى إذا عدد المخبرين بقتله لم يبلغ حد التواتر لا في الطبقة الأولى ولا الوسطى ، وشرط التواتر إخبار الكثير عن مثلهم في كل طبقة فاختل شرط التواتر في إخبارهم وكُتاب الأناجيل والرسائل المعتمدة لا يبلغ عددهم العدد الكثير الذي لا بد منه في التواتر وأيضاً فلم يخبر أحد منهم عن مشاهدة ومن نقل عنه المشاهدة كبعض النساء لا يؤمن عليه الإشتباه بل قال يوحنا في إنجيله: ((إن مريم المجدلية وهي أعرف الناس بالمسيح اشتبهت فيه وظنت أنه البستاني)) وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿ولكن شبه لهم﴾ وإذا انعدم شرط التواتر فلا يكون خبرهم مفيداً للعلم قطعاً وإنما هي ظنون لا (١) سورة النساء / ١٥٧. ١٩٣ تُغْنِي من الحق شيئاً كما صرح به القرآن الشاهد والمُّهَيْمِنَ على الكتب السماوية. كلها . والأحرار من رجال الفكر في الغرب على أن هذه الأناجيل كتبت بعد عصر عيسى عليه السلام ولعلك على ذكر مما نقلناه عن ابن حزم فيها سبق من انقطاع أساتيد اليهود والنصارى وعدم إتصالها وقد بين العلامة الشيخ رحمة الله الهندي - رحمه الله - وغيره انقطاع أسانيد: هذه الكتب وتناقضها بالدلائل البينات .. : ثم إِن إنجيل برنابا - وقد سلم من التحريف - ينكر قصة الصلب ويوافق القرآن في هذا وأيضاً فقد أنكر الصلب من المسيحيين فرق ((السيرنثيين)) و((التاتيانوسيين)) اتباع تاتيانوس وقال: ((نونيوس)) إنه قرأ كتاباً يسمى رحلة الرسل فيه اخبار بطرس ويوحنا، واندراوس ، وتوماً، وبولس، ومما قرأ فيه: «إن المسيح لم يصلب ولكنه صلب غيره وقد ضحك بذلك من صالبيه)) وقد حرمت مجامعهم الأولى قراءة. الكتب التي تخالف الأناجيل الأربعة والرسائل التي اعتمدتها فصار أتباعهم يحرقون هذه الكتب ويتلفونها إلا ما سلم منهم كإنجيل « برنابا )) .. والخلاصة: أن أخبار اليهود والنصارى بقتل عيسى وصلبه ليست متواترة ولا تفيد العلم قط : وجود المتواتر من الأحاديثِ اختلفت أنظار العلماء في هذا الموضوع فادعى ابن حبان ومن تبعه عدم وجود المتواتر من الحديث وقال ابن الصلاح ما خلاصته: ((إن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعز - ينذر - وجوده إلا أن يدعي ذلك في حديث «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار(١))) وذهب (١) مقدمة ابن الصلاح ص ٠:٢٢٦ ٢٢٧. ١٩٤ العراقي والحافظ ابن حجر وغيرهما من أئمة الحديث إلى وجود المتواتر لَفظاً أو معنى وجود كثرة وقد رَدَّ الحافظ ابن حجر على من قال بالقلة أو العدم فقال: ((وما ادعاه - يعني ابن الصلاح - من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم به؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الإطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤا على الكذب أو يحصل منهم إتفاقاً ومن أحسن ما يقرر به كونه المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مُصَنِّفِيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني إلى قائله ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير(١) )). وقد عد العراقي من الأحاديث المتواترة: أحاديث الحوض وأحاديث الشفاعة، والمسح على الخفين وأحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ورفع اليدين في الصلاة للإحرام والركوع والرفع منه؛ وقال: إن ابن حزم قال في ((المحلى)) إنها متواترة؛ كما ذكر من قال بتواترها من العلماء كالقاضي عياض وابن عبد البر(٢). وذكر نحو ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وعد من المتواتر حديث ((من بنى الله مسجداً)» والمسح على الخفين، ورفع اليدين في الصلاة، والشفاعة والحوض، ورؤية الله في الآخرة وحديث ((الأئمة من قريش وغير ذلك والله المُسْتَعان(٣) )). · ومن جزم بوجود المتواتر بكثرة الحافظ جلال الدين السيوطي (١) نخبة الفكر وشرحها ص ٦ : ٠٨ (٢) شرح العراقي على المقدمة ص ٢٣١. (٣) فتح الباري جـ ١ ص ١٦٥. ١٩٥ -- : وألف في ذلك كتاباً أسماه ((الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة)) ثم لخصه في كتاب سماه «قطف الأزهار)) أورد فيها أحاديث كثيرة منها ما ذكرناه وزاد أحاديث أخرى مثل «نَضَّرَ الله امْرءاً سمع مقالتي)» وحديث (كل مسكر حرام) وحديث (بدأ الإسلام غريباً) وحديث سؤال منكر ونكير، وحديث (كل مُيَسَّر لما خلق له) إلى غير ذلك(١). وقد ذهب بعض المحققين إلى أن النزاع لفظي: فمن حزم بوجود المتواتر فيما يروي أراد المتواتر المعنوي كما يظهر من الأدلة التي ذكروها: ومن جزم بعدمه أو ندرته أراد المتواتر اللفظي. والذي يظهر لي بعد البحث والنظر في كلام الأئمة واستقراء الأحاديث المتواترة وجود المتواتر اللفظي ولكنَّه قليل وأن من قال بعدمه لم يصب وأما المتواتر المعنوي فكثير. ((أمثلة المتواتر)» روى البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم إلى رسول الله عَ لّ أنه (١) قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فقد رواه الجم الغَفيرُ من الصحابة قيل أربعون وقيل اثنان وستون، ولم يزل العدد على التوالي في ازدياد وقد اجتمع على روايته العشرة المبشرون بالجنة ووصل ابن الجوزي بطرقه إلى أزيد من التسعين ووصل بها الحافظ ابن حجر في الفتح إلى مائة الا أنها ليست كلها صحيحة كما أن بعضها في ذَم مطلق الكذب على النبي من غير تقيد بهذا الوعيد الخاص ومهما يكن من شيء فالحديث بهذا اللفظ متواتر ولا ريب (٢). (١) التدريب ص ١٩١. (٢) فتح الباري جـ ١ ص ١٦٤، التدريب ض ١٩٠. ١٩٦ . (٢) روى البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث بأسانيدهم إلى النبي عَّ أنه مسح على الخفين (١) قال الحافظ في الفتح(٢): (وقد صرح جمع من الخفاظ بأن المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين منهم العشرة المبشرون بالجنة وفي مصنف ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري: حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين. (٣) روى البخاري ومسلم(٣) وغيرهما بأسانيدهم عن أبي هريرة (أن ناساً قالوا لرسول الله عَ له: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال: هل تُضَارُّون(٤) في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فإنكم ترونه كذلك ... ) الحديث وقد ذهب إلى تواتره جمع من الحفاظ الثقات النقاد منهم القاضي عياض في الشفاء والحافظ ابن حجر وغيرهما. (٤) روى البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم عن النبي عَ لَّه قال: حوضى مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، ومن شرب منه فلا يظمأ أبداً (٥)) وقد حكم بتواتره جمع من الحفاظ منهم القاضي عياض والحافظان العراقي وابن حجر والحافظ السيوطي وغيرهم. (فائدة) اشتهر عند بعض الناس أن حديث (إنما الأعمال بالنيات) (١) صحيح البخاري - كتاب الطهارة - باب المسح على الحقين، صحيح مسلم وشرح النووي جـ ٣ ص ١٦٤ - ٠١٧٩ (٢) جـ ١ ص ٢٤٤. (٣) فتح الباري جـ ١٢ ص ٣٥٨ - ٣٦٥، صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٢ ص ١٥ - ٣٤. (٤) بضم التاء وتشديد الراء من المضارة، وروي بتخفيف الراء من الضير. (٥) فتح الباري جـ ١١ ص ٣٩٤، ٤٠٣، صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١٥ من ٥٣ - ٦٦. ١٩٧ متواتر وهذا غير صحيح لأنه فقد شرطاً من شروط التواتر وهو العدد الكثير في كل طبقة من أوله إلى آخره وهذا الحديث لم يصح عن رسول اللهِ عٍَّ إلا من طريق عمر - رضي الله عنه ولم يصح عن عمر إلا من طريق علقمة بن وقاص الليثي ولم يصح عن علقمة إلا من طريق محمد بن: إبراهيم التيمي، ولم يصح عنه إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ثم كثر رواته بعد يحي هذا حتى قيل إنه رواه عنه نحو مائتين فهو ليس بمتواتر ولا مشهور وإنما هو حديث فرد غريب صحيح وإنما اشتهر في :.. آخره. أخبَار الآحادُ خبر الواحد: هو ما لم تجتمع فيه شروط المتواتر فيشمل ما رواه واحد في طبقة أو في جميع الطبقات: وما رواه اثنان وما رواه ثلاثة فصاعداً ما لم يصل إلى عدد التواتر. وتنقسم إلى (١) مشهور (٢) وعزيز (٣) وغريب. فالمشهور من الحديث: هو ما رواه ثلاثة فصاعداً ولم يصل إلى حد التواتر. وهذا هو المراد بالشهرة عند المحدثين سمي بذلك لوضوحه وظهوره وسماه جماعة من الفقهاء: ((المستفيض)) لانتشاره مأخوذ من فاض الماء يفيض فيضاً، ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون في ابتدائه ووسطه وانتهائه سواء والمشهور أعم من ذلك ومنهم من قال بالعكس . والمشهور يكون صحيحاً وحسنا وضعيفاً على حسب صفات رواته والمشهور منه ما هو مشهور بين أهل الحديث خاصة، ومنه ما هو مشهور بين الفقهاء وبين الأصوليين ومنه ما هو مشهور بين المحدثين ١٩٨. وغيرهم من العلماء والعامة. مثال المشهور على الإصطلاح وهو صحيح حديث «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد)) رواه الشيخان ومثل له الحاكم وابن . الصلاح بحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقد بينت الحق فيه وانه صحيح وليس بمتواتر ولا مشهور ومثال المشهور وهو حسن حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم )» فقد قال المزي: إن له طرقاً يَرْتقي بها إلى رتبة الحسن ومثاله وهو ضعيف حديث ((الأذنان من الرأس)) كما قال الحاكم. ومثال المشهور بين أهل الحديث خاصة حديث أنس ((أن رسول الله ◌َّ قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وعُصَيَّة)) أخرجه الشيخان. ومثال المشهور عند الفقهاء وهو صحيح حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) صححه الحاكم، ومثاله وهو حسن حديث ((من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة )» حسنه الترمذي ومثاله وهو ضعيف حديث ((لاصلاة لنجار المسجد الا في المسجد )» ضعفه حفاظ الحديث. ومثال المشهور عند الأصوليين حديث ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) صححه ابن حبان والحاكم بلفظ ((ان الله وضع .... )» ومثال المشهور عند أهل الحديث والعلماء حديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )» فقد رواه في كل طبقة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أكثر من ثلاثة. وقد يطلق المشهور بحسب اللغة على ما اشتهر على الألسنة فيشمل المشهور في الإصطلاح وما ليس له إلا إسنادان وما ليس له إلا إسناد واحد بل يطلق على ما لا يوجد له إسناد اصلا، وهو ما لا أصل له ، ١٩٩ وما هو موضوع مكذوب من الأحاديث مثل حديث: (كنت كنزا مخيفاً. فأحببت أن أعرف فخلقت: الخلق ليعرفوني)، وهو موضوع كما قال ابن تيمية وغيره والعجب أن بعض الخاصة يغلط في ذكره زاعماً أنه حديث، ومثل (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، ومثل (ولدت في زمن الملك العادل كسرى)، و(ربيع أمتي العنب والبطيخ)، و(الباذنجان لما أكل له) و(العدس قُدِّس على لسان سبعين نبياً). فكلها باطلة مكذوبة: على النّبي ◌َّةٍ(١) ومثل: (يوم صومكم يوم نجركم)، و(من بشرني بخروج آذار(٢) بشرته بالجنة) فقد قال الإمام أحمد: انها من الأحاديث التي تدور على ألسنة الناس ولا أصل لها إلى غير ذلك من الأحاديث المشتهرة وهي مختلفة ويغلط في ذكرها العامة وبعض الخاصة وقد بينت الكثير من ذلك في كتابي: «الوضع في الحديث ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين(٣))). وهو الذي نلت به إجازة العالمية من درجة أستاذ ((الدكتوراه)). (المؤلفات في الاحاديث المشهورة): جمع العلامة الزركشي بدر الدين (م ٧٩٤ هـ) كتاباً سماه (اللآليء المنثورة في الأحاديث المشهورة) والحافظ السخاوي كتاباً سماه (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة) واختصره الشيخ عبد الرحمن بن الدَّيْبَع الزَّبِيديّ في كتاب سماه (تمييز الطلب من الخبيث فيا يدور على ألسنة الناس من الحديث) والحافظ السيوطي كتاب اللآلىء المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) وللعلامة العجلوني كتاب (كشف الخفا ومزيل الإلباس عما (١) تدريب الراوي ص ١٨٨، ٠١٨٩ (٢) هو شهر مارس. (٣) ما زال مخطوطا، وسيطيع إن شاء الله تعالى قريبا، وقد أخذت فصلين منه وأوسعت البحث والقول فيها فصارا كتابين برأسها: (١) دفاع عن السنة (٢) الموضوعات والإسرائيليات في كتب التفسير ولم أسبق اليه. : : ٢٠٠