النص المفهرس
صفحات 141-160
وهذا ما يعينك - إن شاء الله - على القدرة على قراءة هذه الكتب المخطوطة القديمة ومعرفة مناهجها في الكتابة بل وتحقيقها تحقيقا علميا صحيحا إن قدر لك أن تدخل في هذا المضمار: مضمار تحقيق المخطوطات، وإبرازها من عالم الخط إلى عالم الطباعة، وتلقي بدلوك في الدلاء . وأحب أن أقول بهذه المناسبة: إن المحدثين قد سبقوا إلى كثير مما كتبه المُحْدَثون من بُحُوث في كيفية تأليف الكتب والرسائل العلمية وأذكر أن أخانا الأستاذ الدكتور أحمد شلبي أهداني ((رسالته)) التي موضوعها: ((كيف تؤلف رسالة)» وبعد قراءتها أهديته نسخة من كتابي ((علوم الحديث)) وقلت له: اقرأه، وستجد أن الكثير مما ذكره المعاصرون في هذا قد سبق إليه المُحَدِّثون في كتبهم التي ألفوها في ((علوم الحديث)) و((أصوله)) و((مصطلحه)). ((صفة رواية الحديث وآدابها )) قدمت في أول هذا الكتاب تعريف الرواية، وأقسامها، وتاريخها ، وأركانها، وشروطها، وطرق التحمل والأداء فكن على ذكر مما ذكر وسنذكر في هذا الفصل ما طويناه فيما سبق، وسنفصل ما أجملناه. وقد شدد قوم في الرواية فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرّطوا، فمن المشددين من قال: لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكره، روي ذلك عن مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى، وأبي بكر الصيدلاني رحمه الله، فروى الحاكم بسنده عن أشهب(١) قال: سئل مالك: أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة؟ فقال: لا ، فقال: فإن أتى بكتب (١) أشهب بن عبد العزيز بن داود القيي أبو عمرو الفقيه المصري تلميذ الإمام مالك قيل: اسمه مسكين، ولقبه أشهب توفي في شعبان سنة أربع ومائتين. ١٤١ فقال سمعتها: وهو ثقة؟ فقال: لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في حديثه في الليل وهو لا يدري ». وروى عن أشهب أيضا قال: سئل مالك عن الرجل الغير الفهم (١). يخرج كتابه فيقول: هذا سمعته فقال: ((لا تأخذ إلا عمن يحفظ حديثه أو يعرف )». وروى البيهقي عن مالك، وعن أبي الزناد قالاً: ((أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، لا يؤخذ عنهم شيء من الحديث، يقال: ليس من أهله)) ولفظ مالك، ((لم يكونوا يعرفون ما يحدثون)) اقول: وهذا النص يدل دلالة ظاهرة على أنه لا يكتفى في الرواية بالعدالة فحسب بل لا بد من الضبط واليقظة، وعدم الغفلة، وأنه لا بد أيضا من العلم والفهم للمروي. قال السيوطي: ((وهذا مذهب شديد، وقد استقر العمل على خلا فه » . ومنهم من جوزها من كتابه الا إذا خرج من يده بالإعارة أو الضياع أو غير ذلك، وهذا ايضا تشديد . وأما المتساهلون فقد تقدم في «باب التحمل والأداء)» طرف منهم، ومنهم قوم رووا من نسخ غير مقابلة بأصول، فجعلهم الحاكم أبو عبد الله مجروحين قال: وهذا كثير قد تعاطاه قوم من أكابر العلماء والصالحين. والصواب: ما عليه الجمهور، وهو التوسط بين الإفراط والتفريط ، لأن خير الأمور الوسط ، وما عداه شطط . فإذا قام الراوي في الأخذ والتحمل عن الشيوخ، والمقابلة لكتابه بما (١) في التدريب: الغير فهم وهو خطأ فإن المضاف إذا كان فيه ((أل)» لزم أن تكون في المضاف اليه: فأوردنه على الصحيح. ١٤٢ تقدم من الشروط جازت الرواية من الكتاب وإن غاب عنه ما دام الغالب على ظنه سلامة كتابه من التغيير والتبديل، ولا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه التغيير غالبا. ((مسائل تتعلق بهذا الفصل)» ((المسألة الأولى)) الضرير ومثله البصير الأمي اذا لم يحفظ ما سمعه فاستعان بثقة في ضبط سماعه، وحفظ كتابه عن التغيير، واحتاط عند القراءة عليه بحيث يغلب على ظنه سلامته من التغيير صحت روايته عند الجمهور، وقد منع من روايتهما غير واحد من العلماء. ((المسألة الثانية)) إذا روى طالب الحديث كتابا كصحيح البخاري مثلا عن شيخ، ثم وجد نسخة ليس فيها سماعه أو ليست مقابلة على أصل شيخه لكن سمعت على شيخه أو فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى او كتبت عن شيخه، وسكنت نفسه الى صحتها، فقد حكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية منها، منهم الشيخ أبو نصر ابن الصباغ الفقيه. وحكى أيوب السختياني ومحمد بن بكر البرساني (١) انها رخصا في الرواية منها، وإلى هذا مال الحافظ ابن كثير (٢)، وهو الصواب. وقد توسط الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فقال: إِن كانت له من شيخه إجازة عامة لمروياته أو لهذا الكتاب جازت له الرواية منه، والحال هذه، وإلا فلا(٣). ((المسألة الثالثة)) إذا وجد الحافظ للحديث في كتابه خلاف ما في (١) البرساني، بضم فكون ينسب إلى قبيلة من الأزد يقال لها: برسان وهو بصري توفي سنة ثلاث ومائتين . . (٢) اختصار علوم الحديث ص ١٤٠. (٢) علوم الحديث لابن الصلاح، والتدريب ص ٢٠٩، ٣١٠، وفتح المغيث جـ ٢ ص ٢٠٩ - ٢١١. . ١٤٣ حفظه فماذا يصنع؟ والجواب: أنه إن حفظ من كتابه رجع إليه وإن كان حفظ من سماعه من شيخه اعتمد على حفظه، إن لم يشك، والأحسن ان يجمع بينهما في الرواية، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا كما فعل شعبة بن الحجاج وغيره، وكذلك اذا خالفه غيره من الحفاظ يقول: حفظي كذا، وقال فيه غيري أو فلان كذا ، كما فعل الثوري وغيرهم. وإذا وجد سماعه في كتابه، ولا يذكره ففيه خلاف، فعن أبي حنيفة وبعض الشافعية لا يجوز روايته حتى يتذكر . ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن: صاحبَيْ الإمام الأعظم أبي حنيفة جوازها، وهو الصحيح بشرط أن يكون السماع بخطه أو بخط من يثق به والكتاب مصون بحيث يَغْلِب على ظنه سلامته من التغيير، وتسكن الى ذلك نفسه، فإن شك فيه ثم يجز، وكذا إنْ لم يكن الكتاب بخط ثقة. ((المسألة الرابعة)» الرواية بالَمِعْنَى لا خلاف بين العلماء أن المحافظة على ألفاظ الحديث وحروفه أمر حسن مرغوب فيه. وأن الأولى لكل ناقل المحافظة على اللفظ ما استطاع إلى ذلك سبيلا. بل قد أوجبه قوم من التابعين والتزموه في رواياتهم .. قال وكيع: كان القاسم بن محمد وابن سيرين، ورجاء بن حَيْوَة يعيدون الحديث على حروفه. أي على لفظه، وأما الرواية بالمعنى ففيها خلاف وإليك خلاصة ذلك : اتفق العلماء قاطبة على أن الراوي إذا لم يكن عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ولا خبيرا بما يحيل معانيها ولا بصيراً بمقدار ٠١٤٤ التفاوت بينها - لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى. بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه .. ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعالم العارف الخبير ... فمنعها أيضا كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول ومنهم ابن سيرين. وأبو بكر الرازي من الحنفية. وروي عن ابن عمر .. وبعضهم قيد المنع بأحاديث رسول الله عَ ◌ّ المرفوعة وأجازها فيا سواه وهو قول الإمام مالك رواه البيهقي عنه في المدخل. وبه قال الخليل بن احمد. واستدل له بحديث: ((رب مبلغ أوعى من سامع)) فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضعه ومعرفة ما فيه. وبعضهم قال بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى لأنه وجب عليه التبليغ. وقد تحمل اللفظ والمعنى. وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر. وقيل عكسه: وهو الجواز لمن يحفظ اللفظ ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه. وجزم القاضي أبو بكر بن العربي في ((أحكام القرآن)) بجواز ذلك للصحابة دون غيرهم لأنا لو جوزنا لكل أحد لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث، والصحابة قد اجتمع فيهم أمران: (١) الفصاحة والبلاغة بالجِبِلَّة والسليقة (٢) ومشاهدة أفعال النبي عَ ◌ّه وسماع أقواله. فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة واستيفاء القصد كله. وليس من أخبر كمن عاين .. والأصح جواز الرواية بالمعنى إذا كان عالما خبيرا بما ذكرناه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه عند الجمهور سلفا وخلفا ومنهم الأئمة الأربعة. وذلك لما يأتي: ١ - لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين. وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا بألفاظ مختلفة. وما ذلك الا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ . ١٤٥ ٢ - ولأنه ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن مندة في معرفة: الصحابة والطبراني في المعجم الكبير من حديث عبد الله بن أكيمة الليثي قال: ((قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أؤديه كما أسمع منك يزيد حرفاً أو ينقص حرفا. فقال: إذا لم تجلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا! بأس » فذكر ذلك للحسن فقال: ((لولا هذا ما حدثنا)» وكذا زواه الخطيب البغدادي في كتبه، والحديث وإن كان مضطربا - كما قال السخاوي - إلا أنه يؤخذ به في مثل هذا وقد ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) ومعروف تساهله في ذلك. وكذلك كان يروي بالمعنى غيره، أسند البيهقي في المدخل عن ابن عون قال: ((كان الحسن وابراهيم والشعبي يأتون بالحديث على المعاني. وكان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة يعيدون الحديث على حروفه)» وأسند أيضا عن سفيان قال: ((كان عمروبن دينار يحدث بالحديث على المعنى. وكان إبراهيم بن ميسرةٍ لا يحدث إلا على ما سمع)» وعن وكيع « إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ». ٣ - ولأنه كما قال الحافظ ابن حجر - يجوز بالإجماع شرح الشريعة وتبليغها للعجم بلسانهم للعارف به. فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه بالعربية أحرى(١). ومما ينبغي أن يُعلم أن بعض المجوزين للرواية بالمعنى استثنوا من ذلك (١) الأحاديث التي تتعلق بالعقائد كذات الله وصفاته(٢) والأحاديث التي يتعبد بها كأحاديث التشهد والأذكار(٣). ١ (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٨٩، تدريب الراوي ص ١٦١، ١٦٢ ١٤٦ والأحاديث التي تشتمل على جوامع كلمة مع له فإنها لا تجوز روايتها على لفظها .. فائدتان الأولى: ما ذكرناه من الخلاف في الرواية بالمعنى إنما هو في غير المؤلفات أما هي فلا يجوز تغيير شيء منها وإبداله بآخر وإن كان بمعناه قال ابن الصلاح: ((ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس فيما نعلم - فيما تضمنته بطون الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه. فإن الرواية بالَعْنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم فيها في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب. وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب. ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تصنيف غيره ». أقول: وهذا غاية الأمانة في النقل والمحافظة على الأصول التي امتاز بها أئمة هذا العلم النبوي الشريف. ((الثانية)) الأولى لمن روى حديثا بالمعنى أن يعقبه بقوله ((أو كما قال)) أو نحوه، أو شبهه وما في معناه وكذلك إذا رواه أو ذكره بغير المعنى على سبيل الاحتياط فقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس رضي الله عنهم - يقولون إذا رووا الحديث ((أو نحو هذا)) ((أو شبهه)) ((أو قريبا منه)) فإذا قالوا ذلك وهم أعلم الناس باللسان، وبمواقع الخطاب فما بالك بنا؟ وكذلك إذا اشتبهت على القارىء لفظة فيحسن بعد قراءتها على الشك أن يقول: ((أو كما قال)) ونحوها وذلك لما في ذلك من الخروج من العهدة والتخلص من التبعة. ((والنتيجة)»: التي نخرج منها من هذا البحث أن بعض الرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم التزموا الرواية على اللفظ الذي سمعوه. ١٤٧ وأن الكثير من الأحاديث رويت على ألفاظها ولا سيما الأحاديث القصار وأن الذين أجازوا الرواية بالمعنى من السلف فمن بعدهم أجازوها بشروط وتحوطات بالغة الغاية في الدقة والأمانة في الرواية. وتبعد الشك والارتياب. فمن ثم نرى - ونحن على يقين واطمئنان - أن الرواية بالمعنى لم تدخل على الدين ضررا - ولا على السنة تحريفا وتبديلا كما زعم بعض المتخرصين والمغرضين وذوي الأهواء المضلِّلة الذين ألفوا في الأحاديث. وطلعوا على الناس بكتب فجة. وآراء مبتسرة عارية عن التحقيق والأصالة في البحث. كما صنع صاحب كتاب (أضواء على السنة المحمدية)) فكن من سمومه على حذر. ولا تلق إليه بالا . فإنما هو بوق من أبواق الدخلاء والمستغربين، والمسْتَشْرِقين وأعداء الاسلام والمسلمين. ((المسألة الخامسة)): هل يجوز اختصار ((الحديث(١)))؟. اختلف العلماء في رواية بعض الحديث دون بعض، فمنعه بعضهم مطلقاً بناء على منع الرواية بالمعنى. ومنعه بعضهم مع تجويزها إذا لم يكن رواه هو أو غيره على التمام قبل هذا وإلا جاز. وجوزه بعضهم مطلقاً. وينبغي تقييده بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور تعلقا يخل بالمعنى حذفه. كالاستثناء والشرط والغاية ونحوها. والصحيح التفصيل: فإن كان غير عالم امتنج ذلك، وإذا كان عالما جاز اذا كان ما تركه متميزا عما ذكره غير متعلق به بحيث لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة بتركه، سواء جوزنا الرواية بالمعنى ام لا ، وسواء رواه قبل تاما أم لا ، لأن ذلك بمنزلة خبرين منفصلين ثم هذا إن ارتفعت منزلته عن التهمة ، فأما من رواه تاما، فخاف إن رواه ثانيا ناقصا أن يتهم بزيادة أولا ، (١) هكذا جاء في بعض كتب علوم الحديث ((اختصار)) انظر تدريب الراوي ص ٢١٥، والدقيق ان يُعبّر بالاقتصار ويكون العنوان هل يجوز الاقتصار على بعض الحديث دون بعض والفرق بينهما ان الاقتصار ذكر بعض الحديث وترك بعضه، وأما الاختصار فهو الإتيان بالمعنى بعبارة وجيزة: ١٤٨ أو بنسيان لغفلة، أو قلة ضبط فيما رواه ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء ان تعين عليه أداؤه تاما لئلا يخرج الحديث بذلك عن حَيِّز الاحتجاج به. ((المسألة السادسة)) تقطيع أي تجزئة الحديث في الأبواب: أما تقطيع المؤلف الحديث الواحد في الأبواب بحسب الاحتجاج به في المسألة فهو إلى الجواز أقرب، ومن المنع أبعد. قال ابن الصلاح: ((ولا يخلو من كراهة)) وعن الإمام أحمد: ((ينبغي ألا يفعل)) والحق أنه جائز بلا كراهة فقد فعله الأئمة .: مالك، والبخاري، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، وأكبر شاهد على الجواز صنيع . الإمام البخاري في صحيحه. ((تنبيه)): قال الإمام البُلقِيني: يجوز حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيرا تورعا بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، قال: ومحل ذلك زيادة لا تعلق للمذكور بها، فإن تعلق ذكرها مع الشك كحديث: ((العرايا في خمسة أوسق (١) أو دون خمسة أوسق)» فلا. أقول: ومراده حديث الترخيص في العرايا .... وهو حديث رواه البخاري ومسلم في ((كتاب البيوع)». وأما كتابة الأطراف فيجوز فيها الاكتفاء ببعض الحديث مطلقا وإن لم يفد كما قال السيوطي (٢). ((المسألة السابعة)) على طالب الحديث ان يتعلم من النحو واللغة ما (١) وذلك لأن الزيادة هنا أفادت حكما شرعيا وهو جوازها فيما دون خمسة أوسق. (٢) تدريب الراوي ص ٣١٦. ١٤٩ يسلم به لسانه من اللحن(١) والتصحيف، قال الأصمعي: ((إن أخوف ما أخاف على طالب العلم اذا لم يعرف النحو ان يدخل في جملة قوله مح له ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)) لأن مت له لم يكن يلحن فمَهْما رويت عنه ولحنْت فيه كذبت عليه)). وقال شعبة بن الحجاج: ((مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف العربية كمثل رجل عليه برنس (٢) وليس له رأس)) ومثل هذا يكون ضُحِكَة - بضم الضاذ وسكون الحاء - للناس أو هزأة وأرجو ان يكون في هذا عبرةٌ، وزاجر للخطباء والوعاظ والمتحدثين في الندوات وفي الإذاعات المسموعة والمرئية الذين يذكرون الأحاديث ملحونة ولا يتوزعون عن الغلط فيها وإنه لعاب كبير وإثم عظيم للذين يصدر منهم ذلك، ولا سيما المنتسبون إلى العلم الشرعي نسأل الله لنا ولهم السلامة. وينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة تمان(٣) أو مُصَحِّف بفتح الصاد المهملة وكسر الجاء المشددة - والطريق في السلامة من التصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والتحقيق والضبط عنهم، لا من بطون الكتب ولذلك يسمون من يأخذ من الصحف لا من الشيوخ (صَحَفِيّا)) وقد روى عن سليمان بن موسى أنه قال: ((كان يقال: لا تأخذوا القرآن عن مُضْحَفِي، ولا العلم مِن صحفيّ، وقال ثور ین یزید: لا يفتي الناس صَحَفِي، ولا يقرئهم مُصْحَفِي، وروى في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال: ((ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في (١) يقال: لحن - بفتح الحاء المهملة - يَلْحَن - بفتحها في المضارع لحنا - بسكون الحاء - إذا علط في الإعراب، ويقال: لجن - بكر الجاء - يلحن - بفتحها - تَحَنا بفتح الحاء وهو الفطنة؛ ويطلق اللحن على اللغة ومنه قوله عة («اقرأوا القرآن بلحون العرب - اي لغاتها - وإياكم ولحون · أهل الكتاب)). (٢) الْبُرْنسِ: ثوب له رأس بوضع على الرأس. (٣) من اللحن عندي أن يخطىء في اللغة فما كان مثلا من باب ضرب بضرب لا يجعله من باب سمع يسمع وهكذا . ١٥٠٠ الصحف فوقع عند غير أهله )». ويتصل بهذه المسألة مسألة أخرى وهي ما إذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد قال ابن سيرين وعبد الله بن سخبرة، وأبو معمر، وأبو عبيد القاسم بن سلام فيما رواه البيهقي عنهما يرويه على الخطأ كما سمعه. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح: وهذا غلو في اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى والصواب وقول الأكثرين منهم ابن المبارك، والأوزاعي، والشعبي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعطاء وهمام، والنضر بن شميل يرويه على الصواب لا سيما في اللحن الذي يختلف المعنى به . واختار شيخ الإسلام وسلطان العلماء ، العز بن عبد السلام كما حكاه عنه صاحبه ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)» انه يترك روايته إياه عن ذلك الشيخ مطلقا، لأنه إن تبعه فيه فالنبي ◌َ ◌ّه لم يكن يلحن، وإن رواه عنه على الصواب، فهو لم يسمعه منه كذلك (١) وكذا حكاه ابن كثير لكن ابهم قائله(٢). وأما إصلاحه في الكتاب وتغيير ما وقع فيه فجوزه بعضهم ايضا ، والصواب تقريره في الأصل على حاله، مع التضبيب عليه، وبيان الصواب في الحاشية كما تقدم، فإن ذلك اجمع المصلحة، وأنفى للمفسدة، وقد يظهر له وجه صحته، واللغة بحر واسع ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل. ثم الأولى عند السماع أن يقرأ أولا على الصواب ثم يقول: وقع في روايتنا أو عند شيخنا او من طريق فلان كذا، وله أن يقرأ ما في (١) التدريب ص ٣١٨. (٢) اختصار علوم الحديث ص ١٤٥. ١٥١ الأصل أولا ، ثم يذكر الصواب، وإنما كان الأول أولى، لئلا يتقول على رسول ◌ُ الله ما لم يقله وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية أخرى أو حديث آخر فإن ذكره أمن من التقول المذكور. وإن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل فلا بأس بالحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه، بأن يعلم أنه سقط في الكتابة كلفظ : ابن في النسب، وكحرف لا يختلف المعنى به، وقد سأل أبو داود احمد ابن حنبل فقال: وجدت في كتابي: حجاج عن جريج، يجوز لي أن أصلحه ابن جريج؟ قال: أرجو أن يكون هذا لا بأس به. وقيل لمالك الإمام: أرأيت حديث النبي صَ لّهِ يزاد فيه الواو والألف، والمعنى واحد؟ فقال: ((أرجوا أن يكون خفيفاً)). وان غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل تأكد الحكم بذكر الأصل مقرونا بالبيان لما سقط، فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده وأن من فوقه من الرواة أتى به فله ايضا أن يلحقه في أصل الكتاب مع كلمةٍ ((يعني» قبله كما فعل الخطيب إذ روى عن أبي عمر بن مهدي عن المحاملي بسنده الى عروة عن عمرة عن عائشة قالت: ((كان رسول عَ ◌ّهُ يدني إلي رأسه فأرجله)) قال الخطيب: كان في أصل ابن مهدي عن عمرة قالت (كان .. )) فالحقنا فيه ذكر عائشة اذ لم يكن منه بدّ، وعلمنا أن المحاملي كذلك رواه، وإنما سقط من كتاب شيخنا، وقلنا له ما فيه، يعني لأن ابن مهدي لم يقل لنا ذلك، قال: وهكذا رأيت غير واحد من شيوخنا يفعل في مثل هذا، ثم روى عن وكيع أنه قال: ((أنا استعين في الحديث بيعني)). هذا اذا علم ان شيخه رواه له على الخطأ فأما إن رواه في كتاب : ١٥٢ نفسه، وغلب على ظنه انه من كتابه لا من شيخه فيتجه إصلاحه في كتابه، وروايته كما اذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن فانه يجوز استدراكه من كتاب غيره اذا عرف صحته، وسكنت نفسه الى أن ذلك هو الساقط ، كذا قاله أهل التحقيق وممن فعله نعيم بن حماد، ومنعه بعضهم، وإن كان معروفا محفوظا وبيانه حال الرواية أولى. وهذا الحكم جار في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب ثقة غيره او حفظه، كما روي عن أبي عوانه، وأحمد وغيرهما، ويحسن أن يبين مرتبته كما فعل يزيد بن هارون وغيره ففي مسند أحمد: حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا عاصم بالكوفة فلم أكتبه، فسمعت شعبة يحدث به فعرفته به عن عاصم عن عبد الله بن سَرْجس ان رسول الله عَ لَّه كان إذا سافر قال: «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر». وفي غير المسند: عن يزيد أخبرنا عاصم وثبتني فيه شعبة فعله أبو داود في « سننه)» عقب حديث الحكم بن حزن، قال: ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا، فإن وجد في كتابه كلمة من غريب العربية غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويروبها على ما يخبرونه به، فعل ذلك أحمد واسحاق وغيرهما والله أعلم. («المسألة الثامنة)» :. ((الجمع بين الشيوخ في الرواية عنهم)) إذا كان الحديث عند الراوي عن اثنين او أكثر من شيوخه واتفقا أو اتفقوا في المعنى دون اللفظ فله أن يجمع بينهما أو بينهم في الإسناد. ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما فيقول: أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان - أو - وهذا اللفظ لفلان. وله بعد هذا أن يسند القول الى من له اللفظ أو يسنده اليهم فيقول: قالاً أو قالوا: أخبرنا فلان ونحوه ١٥٣ من العبارات .. وللإمام مسلم في صحيحه عبارة مثل حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد عن الأعمش ..... فالظاهر من إعادته أبا بكر ثانيا أن اللفظ له(١) وأن رواية الأشج بمعناه فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ اليه بل أتى ببعض لفظ هذا وبعض لفظ ذاك فقال: أخبرنا فلان وفلان - وتقاربا في اللفظ - أو - والمعنى واحد قالا حدثنا فلان .... جاز على مذهب من يجوز الرواية بالمعنى دون من لم يجوزها. وقول أبي دَاوُد صاحب السنن: حدثنا مسدد وأبو توبة المَعْنى قالا حدثنا أبو الأحوص - يحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمدد ويوافقه أبو توبة في المعنى. ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة. بل رواه بالمعنى عن كليهما. وهذا الاحتمال الثاني يقرب في قوله: حدثنا مسلم بن ابراهيم وموسى بن اسماعيل - المعنى واحد - قالا حدثنا أبان ... فإن لم يقل تقاربا ولا شبهة فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى وإن كان قد عيب به الإمام البخارى وغيره. ((المسألة التاسعة)) ((التعريف بالراوي بذكر نسبه)) ليس للراوي أن يزيد في نسب من فوق شيخه من رجال الإسناد أو صفته مدرجا ذلك إلا أن يميزه فيقول مثلا: هو ابن فلان الفلاني أو - يعني ابن فلان ونحوه - فيجوز وقد فعل ذلك الإمام أحمد وغيره أما إذا كان شيخه قد ذكر نسب شيخه بتمامه في أول حديث ثُمَّ اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض نسبه. فقد حكى الخطيب (١) قال العراقي ويحتمل انه اعاده لبيان التصريح بالتحديث دون الآخر. ١٥٤ عن أكثر العلماء جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن الأول مستوفياً فيها نسب شيخ شيخه. وحكى عن بعضهم ان الأولى فيه أيضاً أن يقول: يعني ابن فلان. وحكي عن علي بن المديني وغيره أنه يقول: حدثني شيخي أن فلانا بن فلان حدثه. وحكى عن بعضهم انه قال: أخبرنا فلان. قال: أخبرنا فلان هو ابن فلان. ويسوق نسبه إلى منتهاه. واستحب الخطيب هذا الأخير لأن لفظ - أن - استعملها قوم في الإجازة كما ذكرنا في باب التحمل والأداء .. قال ابن الصلاح: جميع هذه الوجوه جائزة وأولاها ان يقول: هو ابن فلان أو يعني ابن فلان، ثم قوله: إن فلانا بن فلان - ثم أن يذكر بكماله من غير فصل(١) - وكثيرا ما يصنع الأول الإمام مسلم في صحيحه . ((المسألة العاشرة» ((حذف لفظ ((قال)» في الإسناد خطا لا نطقا)» جرت عادة المحدثين بحذف لفظ ((قال)» ونحوه بين رجال الإسناد خطا اختصارا. وينبغي للقارىء التلفظ بها. قال ابن الصلاح وغيره: لا بد من ذكره حال القراءة لفظا. أما إذا كان في الإسناد وقرىء على فلان أخبرك فلان - أو قرىء على فلان: حدثنا فلان. فليقل القارىء في الأول: قيل له أخبرك فلان، وفي الثاني قال: حدثنا فلان، قال ابن الصلاح: وقد جاء هذا مصرحا به خطا هكذا في بعض ما رويناه قال السيوطي: وينبغي أن يقول في قرأت على فلان: قلت له أخبرك فلان وإذا تكرر لفظ قال. كقول البخاري ((حدثنا صالح بن حيان قال: قال عامر الشعبي)) فإنهم يحذفون أحدهما خطّاً .. والظاهر أنها الأولى فيتلفظ بها القارىء جميعا. قال الإمام النووي: ولو ترك القارىء (١) لأن ذكر النسب زيادة في التعريف ولا دخل له فى نص الحديث. ١٥٥ قال في هذا كله فقد أخطأ، والظاهر صحة السماع .. ومقتضى كلام ابن الصلاح السابق أنه لا يصح السماع بدونها .. ولكنه خالف ذلك في: الفتاوى. فإنه لما سئل عن ترك القارىء قال: فقال هذا خطأ من فاعله. والأظهر أنه لا يبطل السماع لأن حذف القول جائز اختصارا جاء به القرآن الكريم(١) قال السيوطي: وما يحذف في الخط أيضاً لفظ ((أنه)) كحديث البخاري عن عطاء بن أبي ميمونة سمع أنس بن مالك أي أنه سمع. قال الحافظ بن حجر في شرحه لفظ أنه يحذف في الخط عرفا (٢) ((المسألة الحادية عشرة)) ((طريقة رواية النخ المشهورة النسخ والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة هَمَّام بن منَبِّه عن أبي هريرة التي رواها عبد الرزاق، عن معمر، عن همام وكنسخة شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة عن النبي عَّة، ومثل نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (٣). · من أئمة الحديث من يجدد الإسناد في أول كل حديث منها وهو أحوط ، وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة وأوجبه بعضهم، ومنهم من يكتفي في أول حديث منها أو أول كل مجلس من سماعها ويدرج الباقي عليه ويقول في كل حديث بعده وبالإسناد أو وبه، وذلك هو الأغلب الأكثر، فمن كان سماعه هكذا فأراد رواية غير الحديث الأول مفردا (١) وذلك في مثل قوله تعالى ((ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا )) اي قائلین ربَّنا الخ. (٢) مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي ص ١٩٦ والتدريب ص ١٦٧. (٣) فتح المغيب شرح ألفية الحديث للعراقي جـ ٢ ص ٢٥٢٠. ١٥٦ عنه بالإسناد المذكور جاز له ذلك عند الأكثرين منهم: وكيع بن الجرّاح، وابن معين، والإسماعيلي، لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وأيضاً فهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله. ومن المحدثين من يمنع ذلك منهم الأستاذ أبو اسحاق الإِسْفَرَايِني(١)، ورأى ذلك تدليسا ، فعلى هذا الرأي على من يريد أن يروي حديثا منها بالإسناد الأول ان يبين ذلك كما فعل الإمام مسلم في صحيحه في صحيفة هَمَّامٍ بن مُنّبِّه عن أبي هريرة قال: حدثنا محمد بن رافع (قال) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله عَ ◌ّه: ((إن أدنى مقعد أحدكم في الجنة أن يقال له: تَمنَّ، فيتمنى، ويتمنَّى فيقول له: هل تمنيت؟ فيقول: نعم، فيقول له: لك ما تمنيت ومثله معه (٢). وقد التزم الإمام مسلم ذلك في هذه النسخة في صحيحه، وهكذا فعل مثل مسلم كثير من المؤلفين. وأما الإمام البخاري فإنه لم يسلك قاعدة مطردة فتارة يذكر أول حديث في النسخة ويعطف عليه الحديث الذي يساق الإسناد لأجله وذلك كقوله في «كتاب الأيمان والنذور - بَابُ قول الله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) الآية)). حدثني اسحاق بن ابراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن مُنَبِّه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبيِ عَ لّه قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) وقال رسول الله عَ ليه ((والله لأن يلَجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض (١) بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء الممدودة وكسر الياء المثناة من تحت آخره نون، ثم ياء النسبة الى اسفَرَايِنْ. (٢) كتاب الايمان - باب معرفة طريق الرؤية وجـ ١ ص١٦٧ من متن صحيح مسلم. ١٥٧ (١) الله عليه : «< وتارة لا يذكر الحديث الأول في النسخة، ويذكر الحديث الذي يريد أن يسوقه بعد السند وذلك مثل ما صنع في ((كتاب التعبير - باب الاستراحة في المنام (٢))) وفي «كتاب الاستئذان - باب تسليم القليل على الكثير(٣)، وكأن البخاري اراد ان يبين بِصَنِيعه هذا أن كلا من الأمرين جائز وما ينبغي أن يعلم أن الإمام السيوطي في ((تدريبه)) مثل للنوع الأول فقال: ((كقوله في ((الطهارة(٤))): حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله عَ ◌ّه يقول: ((نحن الآخرون السابقون، وقال: ((لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدائم)) الحديث(٥) )) .: ولا أدري أأغوز السيوطي مثال لما في صحيح البخاري من نسخة همام بن منبه عن أبي هريرة أم أنه لم يكلف نفسه البحث عن ذلك؟ العلم عند الله، والسخاوي وهو ممن يتعقب السيوطي لم يعلق على ذلك. بكلمة، ولا استدرك عليه ما فاته. وقد أشكل على معظم الشراح بيان المناسبة بين حديث («نخن الآخرون السابقون)) وبين حديث ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)) وركبوا في ذلك كل صعب وتكلفوا غاية التكلف ولم يصل الى الحق في هذا إلا الإمام الحافظ ابن حجر، فقال: ((والصواب أن البخاري في الغالب يذكر الشيء كما سمعه لتضمنه موضع الدلالة المطلوبة منه، إنْ لم (١) صحيح البخاري جـ ٨ ص ١٥٩، ٠١٦٠ (٢) متن صحيح البخاري جـ ٨ ص ٦٤. .. (٣) صحيح البخاري جـ ٩ ص ٤٩. (٤) كتاب الوضوء - باب البول في الماء الدائم. (٥) تتمة الحديث: ( الذي لا يجزي ثم يغتسل فيه)». ١٥٨ يكن باقية مقصوداً، كما صنع في حديث عروة البارقي في شراء الشاة كما سيأتي بيانه في الجهاد، وأمثلة ذلك في كتابه كثيرة، وقد وقع المالك مثل هذا في «المُوَطَّأَ)) إِذْ أُخرج في «باب صلاة الصبح والعَتَمَةِ: متونا بسند واحد أولها «مر رجل بغصن شوك ... )» وآخرها: ((لو يعلم الناس ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوا(١) )) وليس غرضه منها الا الحديث الأخير لكنه أداها على الوجه الذي سمعه، قال ابن العربي في («القَبَس)): ترى الجهال يتعبون في تأويلها ولا تعلق للأول منها بالباب أصلا)) ثم قال الحافظ: ((والظَّاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عنه، ولهذا قل حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما حديث ((نحن الآخرون السابقون )) فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما، وسلك مسلم في نسخة همام طريقا أخرى. فيذكر في كل حديث أخرجه منها: قال رسول الله عَّة، فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله عَ لَّه فِيَذْكر الحديث الذي يريده يشير بذلك إلى أنه من اثناء النسخة لا من أولها والله أعلم(٢))). أقول ويؤيد ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر من أن نسخة ابي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عن أبي هريرة وأن كلا منهما كانت مبدوءة بحديث («نحن الآخرون السابقون يوم القيامة )) ما ذكره البخاري في الكتاب الجهاد - باب يقاتل من وراء الإمام ويُتَّقى به )) قال: حدثنا أبو اليَمَانِ حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج حدثه انه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله عَ لَه يقول: ((نحن الآخرون السابقون)). (١) كتاب صلاة الجماعة - باب العتمة والصبح - متن الموطأ جـ ١ ص ١٣١. (٢) فتح الباري جـ ١ ص ٣٤٦، ٣٤٧. ١٥٩ : وبهذا الإسناد: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أُميري فقد أطاعني، ومن يَعْصِ أُمِيري فقد : عصاني ... )). أوفي (كتاب الديات - باب من أحد حقه، أو اقتص دون السلطان، قال: حدثنا أبو اليَمَانِ أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أنَّ الأعرج حدثه انه سمع أبا هريرة انه سمع رسول الله عَ ◌ّ يقول ((نحن الآخرون السابقون )). وباسناده: «لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له، حذفته بِحَضَاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح)» .. وفي ((كتاب التوحيد - باب: يريدون أن يبدلوا كلام الله قال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد أن الأعرج حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله عَ لّة قال ((نحن الآخرون السابقون )». وبهذا الاسناد قال الله تعالى: ﴿أَنْفِقِ أُنْفق عليكِ﴾. وهذه المسألة قد بحثتُها وأُطَلت البحث حتى وصلت الى هذا التحرير البالغ فللَّه الحمد والمنة. وأما إعادة بعض المحدثين الإسناد في آخر الكتاب أو الجزء فلا. يرفع هذا الخلاف السابق بين العلماء، إلا أنه يفيد احتياطا، ويتضمن. إجازة من أعلى أنواعها، ويفيد أيضاً سماعه لمن لم يسمعه أولاً (١))). (١) تدريب الراوي ٣٢٥، ٣٢٦ ط المحققة، فتح المغيث للسخاوي جـ ٢ ص ٢٥٢ - ٢٥٤. ١٦٠