النص المفهرس

صفحات 101-120

والصحيح التفصيل: فإن فهم الناسخ المقروء صح السماع، وإن لم يفهمه
لا يصح. ويروي أنه قد حضر الدار قطني مجلس اسماعيل الصفار وهو
يلي والدار قطني ينسخ جزءا كان معه، فقال له بعض الحاضرين: لا
يصح سماعك وأنت تنسخ. فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك. ثم قال له:
تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا. فقال الدار قطني
أملي ثمانية عشر حديثا. فعدت فوجدت كما قال. ثم سردها كلها
بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه ..
((الثالث)) إذا قال الشيخ بعد التحديث بحديث لمن يسمع منه: لا
تروِ عني أو رجعت عن إخبارك. أو لا آذن لك في الرواية عني ونحو
ذلك غير معلل ذلك بخطأ منه فيما حدث به. أو شك فيه ونحوه، لم تمتنع
رواية التلميذ عنه. فإن استند الى شيء من ذلك امتنعت الرواية عنه.
ولو خص بالسماع قوما فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه ولو
قال: أخبركم ولا أخبر فلانا جاز له الرواية عنه لأن العبرة في الرواية
بصدق الراوي في حكاية ما سمعه من شيخه. وصحة نقله عنه. فلا يؤثر
في ذلك تخصيص البعض بالرواية عنه. أو نهى البعض وأيضا فالأحاديث
ليست ملكا له. وإنما هي ملك الشارع. فمن سمعها فله أن يروبها وعليه
أن يبلغها ..
((الطريق الثالث))
الإجازة: معناها لغة: قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي:
الإجازة مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث. يقال:
استجزته فأجازني إذا سقاك ماء لماشيتك وأرضك. كذا طالب العلم
يستجيز العالم علمه فيجيزه إياه أي يمنحه ويعطيه إياه. قال ابن
الصلاح (١) فعلى هذا يجوز أن يقال: أجزت فلانا مسموعاتي أو مروباتي
(١) علوم الحديث - بحث الإجازة.
١٠١

متعدياً بغير حرف جر وبدون ذكر لفظ الرواية. ومن جعل الإجازة
إذنا وإباحة وهو المعروف يقول: أجرت له رواية مسموعاتي. ومن قال:
أجزت فلانا مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره(١) ..
وفي اصطلاح المحدثين: إذن الشيخ للطالب في الرواية عنه من غير
سماع منه ولا قراءة عليه. فهي إخبار إجمالي مروياته.
وإنما تستحسن الاجازة إذا علم المجيز ما يجيزه. وكان المجاز له من
أهل العلم لأنها توسيع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها .
واشترطه بعضهم في صحتها ...
والإجازة: إما بالتلفظ أو بالكتابة. وينبغي للمجيز كتابة أن يتلفظ
بها أيضا. فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت ..
ولا يشترط في الإجازة القبول. قال السيوطي في التدريب: فلو ردَّ
فالذي ينقدح في الذهن الصحة. وكذا لو رجع الشيخ عن الإجازة.
ويحتمل أن يقال: إن قلنا: الإجازة إخبار لم يَضِره الرد ولا الرجوع
وان قلنا: إذن وإباحة ضَرَّا كالوقف والوكالة. لكن الظاهر الأول (٢).
أنواعها:
الأول: إجازة لمعين من الطلبة في معين من الكتب وذلك مثل
أجزتك أو أجزتكم - الجماعة معروفين - كتاب كذا. أو ما اشتملت
· عليه فهرستي (٣) هذه. ولهذه أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة ..
حكمها: والصحيح الذي قاله الجمهور من المحدثين وغيرهم، واستقر
(١) في القاموس المحيط مادة ((جاز)) والجواز كسحاب. صك المسافر. والماء الذي يسقاء المال من المائية
والحرث، وقد استجزته فأجازبي سفى أرضك أو ماشيتك .. وأجاز له: سوغ له. ورأيه انفذه كجوزه.
واستجاز طلب الإجازة أي الإذن».
(٢) التدريب . ص ٠١٤٢.
(٣) الفهرس. الكتاب الذي تجمع فيه الكتب. معرب فهرست - قاموس.
١٠٢

عليه العمل جواز الروية والعمل بها. بل ادعى أبو الوليد الباجي.
والقاضي عياض الإجماع على ذلك. وإن كان ابن الصلاح نقض الإجماع
بما روي عن الشافعي وغيره المنع من الرواية بها ..
وأبطلها جماعات من المحدثين وغيرهم منهم شعبة. روي عنه أنه قال:
((لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة)) ومنهم ابراهيم الحربي، وأبو الشيخ
محمد بن عبد الله الأصبهاني. وابو الحسن الماوردي. وحكي عن أبي
حنيفة ومالك وأبي يوسف. وقال. ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة. بل
بالغ بعضهم فقال: ((إن من قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني ما لم
تسمع فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب علي لأن الشرع لا يبيح رواية
ما لم يسمع)) والراجح جوازها. قال ابن الصلاح: ((ثم إن الذي استقر
عليه العمل. وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول
بتجويز الإجازة. وإباحة الرواية بها وفي الاحتجاج لذلك غموض.
ويتجه أن نقول: إذا جاز له ان يروي عنه مروياته وقد أخبره بها
جملة. فهو كما لو أخبره بها تفصيلا. وإخباره بها غير متوقف على
التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ كما سبق (١).
وقد احتج بعض أهل العلم لجَوَازِها بحديث ((أن النبيِ عَلَّه كتب
سورة براءة في صحيفة ودفعها لابي بكر. ثم بعث علي بن أبي طالب
فأخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضا حتى وصل إلى مكة ففتحها
وقرأها على الناس)) رواه ابن إسحاق، والإمام أحمد، والترمذي.
((وجوب العمل بها)» وكما تجوز الرواية بالإجازة يجب العمل بالمروي
بها بشرطه أي إذا توفرت فيه شروط القبول بأن يكون صحيحا أو
حسنا وخالف في هذا بعض الظاهرية ومن تابعهم فقالوا: تجوز الرواية
بها ولا يجب العمل بها كالمرسل. وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما
(١) علوم الحديث ص ١٠٢.
١٠٣

يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به ..
منزلتها: الجمهور على أنها دون السماع. وقيل هما سواء، ومنهم من
شذ فجعلها أعلى من السماع. وقال الطوفي: في عصر السلف السماع أولى.
وأما بعد أن دونت الدواوين وجمعت السنن، واشتهرت فلا فرق بينهما:
والراجح والصحيح هو الأول. وأنها دون السماع. ودون القراءة على
. الشيخ لما في السماع والقراءة من تحقيق الرواية وضبط الألفاظ
((النوع الثاني)» أن يجيز لمعين من الطلبة في غير معين من الكتب أو
المرويات كأجزتك أو أجزتكم جميع مسموعاتي أو مروياتي ..
والخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر من الأول. والجمهور من العلماء
المحدثين والفقهاء على جواز الرواية بها ووجوب العمل بما روى بها
بشرطه - يعني أن يكون صحيحا أو حسنا -.
((النوع الثالث)) الإجازة لغير معين بوصف العموم كأجزت جميع
المسلمين. أو كل والحد أو أهل زماني وما أشبه ذلك ...
وقد اختلف في أجواز هذا النوع. فمنهم من جوزه كالقاضي أبي
الطيب الطبري وتلميذه الخطيب البغدادي. وابن مَنده. وأبي العلاء
الهمداني. وأبي الوليد بن رشد وغيرهم حتى جمعهم بعضهم في جزء كما
قال السيوطي في التدريب. وكُلَّما كان هذا النوع من الإجازة مقيدا
بوصف حاصر كأجزتُ طلبة العلم ببلد كذا. أو من سمع مني كتاب
كذا كان أقرب إلى الجواز من غير المقيدة.
ومنهم من منع الرواية بها منهم العلامة ابن الصلاح حيث قال: ((ولم
نسمع عن أحد يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها. ولا عن
الشرذمة المتأخرة الذين سوغوها .. والإجازة في أصلها ضعف. وتزداد
بهذا التوسع والاسترسال ضعفا كثيرا لا ينبغي احتماله والله أعلم».
:
وقد انتقد ابن الصلاح النووي فقال: ((الظاهر من كلام مصححها.
١٠٤

جواز الرواية به. وهذا مقتضى صحتها. وأي فائدة لها غير الرواية
بها )» وكذلك انتقده العراقي في شرحه على المقدمة فقال: ((إن ما رجحه
المصنف من عدم صحتها خالفه فيه جمهور المتأخرين. وصححه النووي في
الروضة من زياداته فقال الأصح جوازها. وبعد أن ذكر أن بعض
المتقدمين روى بها كالحافظ ابن خير الأشبيلي. وبعض المتأخرين كالحافظ
الدمياطي وغيره. وصححها ابن الحاجب قال: وبالجملة ففي النفس من
الرواية بها شيء. والأحوط ترك الرواية بها(١) إلا المقيدة بنوع حصر
فإن الصحيح جوازها .
((النوع الرابع)) الإجازة لمعين من الطلاب بمجهول من الكتب. أو
الإجازة بمعين من الكتب لمجهول من الناس مثل: أجزتك كتاب السنن
مثلا وهو يروي كتبا في السنن أو أجزت سنن أبي داود مثلا لمحمد بن
خالد الدمشقي. وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم. فإن لم تكن
هناك قرينة دالة على مراده فهي باطلة. وإلا فهي صحيحة لأنه مع
وجوف القرينة يصير كالمعلوم ..
فإن أجاز لجماعة مسمين في الإجازة أو غيرها. ولم يعرفها بأعيانهم
ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم صحت الإجازة منه. وذلك مثل
سماعهم منه في مجلسه في هذا الحال ..
وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق بشرط .
فالأظهر بطلانه وبه جزم البعض. وصحح هذا الضرب من الإجازة
بعض العلماء وقال: إن الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة. ولو قال:
أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كالسابق في البطلان بل وأكثر جهالة
وانتشارا ..
ولو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز. ولو قال:
(١) علوم الحديث بشرح العراقي ص ١٥٤، ١٥٥ والتدريب ص ١٣٨.
١٠٥

أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني. أو لك إن شئت أو أحببت أو
أردت فالأظهر الجواز.
(«النوع الخامس)) الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان، وقد
اختلف المتأخرون من العلماء في صحتها. فإن عطفه على موجود
كأجزت لفلان ومن يولد له أو لك ولولدك ولعقبك ما تناسلوا فأولى
بالجواز مما لَوْ أفرده بالإجازة قياسا على الوقف. فقد أجاز أصحاب
مالك وأبي حنيفة الوقف على المعدوم وإن لم يكن أصله موجودا ...
وقد فعل هذا الثاني من المحدثين الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي
داود السجستاني فقد سئل الإجازة فقال: ((أجزت لك ولأولادك.
ولحبل الحبلة(١) يعني الذين لم يولدوا بعد .. وأجاز الأول ايضا الخطيب
البغدادي وألف فيه جزءا. وحكاه عن القاضي أبي يعلى بن الفراء
الحنبلي: وابن عروس المالكي وأبطلها القاضي أبو الطيب. وابن الصباغ
الشافعيان وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، لأن الإجازة في حكم
الإخبار جملة بالْمُجاز. فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا يصح الإجازة
له. أما إجازة من لم يوجد مطلقا فلا يجوز بالاجماع (٢).
((النوع السادس)» إجازة ما لم يتحمله الجيز وهو الشيخ ليرويه المجاز
له وهو الطالب اذا تحمله الجيز. قال القاضي عياض في كتابه («الإلماع))
لم أر من تكلم فيه من المشايخ. ورأيت بعض المتأخرين والعصريين
يصنعونه. ثم حكي عن قاضي قرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث منع
ذلك قال عياض: وهذا هو الصحيح .. وقال النووي: وهذا هو
الصواب. ومن قال ببطلانها الإمام ابن الصلاح وقال: سواء قلنا إن
الاجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملة أو إذن. إذ لا يجيز بما لا خبر
(١) في المصباح المنير: وحبّل الحيلة بفتح الحاء المهملة ولد الولد الذي في بطن الناقة وغيرها))."
: (٢) مقدمة ابن الصلاح بشرح العراقي بحث الإجازة والتدريب ص ١٤٠ والباعث الحثيث ص ١٣٧.
١٠٦

عنده. ولا يُؤذن فيما لم يملكه الآذن بعد كالإذن في بيع ما لم يملكه فعلى
هذا يتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسلموعاته أن
يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قبل الإجازة له ..
وأما قول الشيخ: أجزت لك ما صح وما يصح عندك من مسموعاتي
فصحيح تجوز الرواية به لما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبلها .
وقد فعل هذا الدار قطني وغيره.
(النوع السابع)) الإجازة بالمجاز كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز
لي روايته وقد منع هذا بعض من لا يعتد به من المتأخرين وهو الحافظ
عبد الوهاب بن المبارك شيخ أبي الفرج بن الجوزي، واحتج: له بأن
الإجازة ضعيفة. فيقوي الضعف باجتماع اجازتين. والصحيح الذي عليه
العمل جوازه. وبه قطع الأئمة الحفاظ: الدار قطني وابن عُقدة وأبو
نُعيم وأبو الفتح نصر المقدسي. وفعله الإمام الحاكم. وادعى ابن طاهر
الاتفاق عليه، وكان أبو الفتح المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة.
وربما والى بين ثلاث إجازات. ووالى الإمام الرافعي في أماليه بين أربع
أجائز. والحافظ قطب الدين الحلبي بين خمس أجائز في تاريخ مصر.
وشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في أماليه والى بين ست أجائز(١) ...
وينبغي للراوي بالإجازة عن الإجازة تأملها. والوقوف عند شروطها
حتى لا يروي بها ما لم يدخل تحتها ..
(( تتمة))
الإجازة للطفل الذي لا يميز صحيحة على الصحيح الذي قطع به
القاضي أبو الطيب الطبري والخطيب. ولا يعتبر فيه سن ولا غيره خلافا
لبعضهم حيث قال: لا يصح الإجازة للطفل كما لا يصح سماعه. ولما ذكر
(١) التدريب ص ١٤٢، ٠١٤٣
١٠٧

ذلك لأبي الطيب قال: يجوز أن يجيز للغائب. ولا يصح سماعه قال
الخطيب: وعلى الجواز كافة شيوخنا. قال ابن الصلاح في تعليل الجواز:
كأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع ليؤدي بعد حصول الأهلية
البقاء الإسناد وأما الطفل المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له (١).
وبقي بيان الإجازة للمجنون والكافر والحمل ...
فأما المجنون فالإجازة له صحيحه. ويتحمل إذا عقل ..
وأما الكافر فقال العراقي: لم أجد نقلا. وقد تقدم أن سماعه
صحيح. ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر. إلا
أن شخصا من الأطباء يقال له: محمد بن عبد السيد. سمع الحديث في
حال يهوديته (٢) على أبي عبد الله الصوري. وكتب اسمه في الطبقة مع
السامعين. وأجاز لهم الصوري وهو من جملتهم. وكان ذلك بحضور
المِزي (٣) فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقر عليه. ثم هدى الله هذا
اليهودي إلى الإسلام وسمع منه أصحابنا قال: أما الفاسق والمبتدع فهما
أولى بالإجازة من الكافر إذا زال المانع. قال: وأما الحمل فلم أجد فيه
نقلا، إلا أن الخطيب قال: لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال.
ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أو لا. قال: ولا شك أنه أولى بالصحة ؛
. (٤).
من المعدوم
(( ألفاظ الأداء عن الإجازة))
أجازني أو أجازنا فلان. حدثني فلان أو حدثنا إجازة. أخبرني أو
أخبرنا إجازة. وأما بإطلاق حدثنا وأخبرنا فأجازه البعض والذي عليه
. (١) المرجع السابق ص ١٤٠.
(٢) هذا إن دل على شيء فإنما يدل على ما كان للثقافة الإسلامية من أثر وقوة حتى إنها جذبت إليها غير
المسلمين ممن كانوا يعيشون في الدولة الإسلامية عن طواعية منهم واختيار. وهو شيء عجيب حقا.
فإن أطباء المسلمين اليوم لا نكاد نعثر فيهم على مثل هذا !!!!.
(٣) بكر الميم وتشديد الزاي المكسورة نسبة إلى المزة وهي قرية من ضواحي دمشق.
(٤) علوم الحديث بشرح العراقي.
١٠٨

الجمهور المنع وهو الصحيح، واصطلح قوم من المتأخرين على إطلاق
((أنبأنا)» في الإجازة. وخصوا التحديث بالسماع من الشيخ والإخبار
بالقراءة عليه كما ذكرنا سابقا. وهذا هو ما عليه العمل عند المتأخرين
واستقر عليه الاصطلاح. واستعمل بعض المتأخرين في الإجازة الواقعة
في رواية من فوق الشيخ لفظ ((عن)) وبعضهم لفظ ((أن)) وهما
اصطلاحان خاصان وما قبلها هو الاصطلاح السائد ..
ثم إن المنع من إطلاق حدثنا أو أخبرنا في الإجازة لا يزول بإجازة
المجيز ذلك. فقد اعتاد قوم من الشيوخ ذلك في إجازاتهم. لأن إباحة
الشيخ لا يغير بها الممنوع في الاصطلاح(١).
الطريق الرابع:
المناولة: وهي على نوعين:
الأول: مناولة مقرونة بالإجازة وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقاً،
ومن صورها :
أ - أن يناول الشيخ الطالب كتابه أو فرعا مقابلا عليه ويقول له:
هذا سماعي أو رِوَايتي عن فلان فاروه عني ثم يبقيه معه ليملكه، أو
لينسخه ثم يرده.
ب - أن يأتي الطالب الى الشيخ بكتاب من حديث الشيخ أصلا له
أو مقابلاً به. فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له:
هو حديثي أو روايتي فاروه عني. أو أجزت لك روايته. وهذا سماه
غير واحد من الأئمة عرضا. وقد سبق أن القراءة على الشيخ تسمى
عرضاً. فليسم هذا عرض المناولة. وذلك عَرْض القراءة.
وقد احتج بعض أهل العلم لصحة المناولة بحديث ((أن النبي عَ لّه
(١) التدريب ص ١٤١.
١٠٩

كتب لعبد الله بن جَحْش كتاباً وقال له: لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا
وكذا )» فلما بلغ ذلك المكان قرأه على أصحابه في السرية، وأخبرهم بأمر
رسول الله لهم أن يتوجهوا الى ((نخلة))(١) ليترصدوا بها عيرا لقريش وقال:
له: لا تُكره أحداً ممن معك فلما قرأ الكتاب عليهم قال: أما أنا فأسمع
وأطيع لأمر رسول الله عَّة فقالوا جميعاً: ونحن كذلك، رواه الطبراني:
والبيهقي بإسناد حسن. وقد أخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً(٢).
واستدل به على صحة المناولة. واستدل الحاكم لها بما رواه ابن عباس أن:
رسول الله عَّ بعث يكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمى.
وأمره أن يدفعه الى عظيم البحرين. فدفعه عظيم البحرين الى كسرى )،
رواه البخاري. وكلا الاستدلالين صحيح. وفقه قويم .
«حكمها ومنزلتها )»
وهذه المناولة المقرونة بالإجازة أعلى أنواع الإجازة. وأجمع العلماء
على صحة الرواية بها. ولكنهم اختلفوا في رتبتها. فمنهم من جعلها
كالسماع في القوة والرتبة كالزهري. وربيعه الراي ومجاهد والشعبي.
وابراهيم النَّجَمِّي. ومالك. وجماعات آخرين من كل قطر ومصر سردهم
السيوطي في التدريب(٣) ومنهم من جعلها أرفع من السماع. لأن الثقة
بكتاب الشيخ من إذنه فوق الثقة بالسماع منه، وأثبت؛ لما يدخل من
الوهم على السامع والمُسْمع (٤).
والصحيح أنها منحظةٍ عن السماع من الشيخ والقراءة عليه. وإليه ذهب
الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم قال الحاكم: وعليه
(١) واد بين مكة والطائف: معروف
(٢) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان.
(٣) تدريب الراوي ص ٢٧٠ ٢٧١.
(٤) المسمع من يبلغ كلام الشيخ.
١١٠

عهدنا أئمتنا. وإليه نذهب. وهو الذي رجحه ابن الصلاح ...
ح - ومن صورها أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويُجِيزُه. ثم يمسكه
الشيخ ولا يبقيه عند الطالب. وهذا دون ما سبق. ويجوز روايته إذا
وجد ذلك الكتاب الْمُنَاوَل له. أو وجد فرعا مقابلا به موثوقا بموافقته لما
تناولته الإجازة. ولا يظهر في هذه المناولة كبير مزية على الإجازة
المجردة الواقعة في معين. بل قال جماعة من أصحاب الفقة والأصول لا
تأثير لها ولا فائدة.
د - ومنها أن يأتيه الطالب بكتاب ويقول له: هذا روايتك
فناولنيه وأجز لي روايته فيجيبه من غير نظر فيه. ولا تحقق لروايته له.
فهذا النوع لا يجوز ولا يصح. فإن وثق بخبر الطالب ومعرفته اعتمده.
وصحت الإجازة والمناولة كما يعتمد في القراءة على الشيخ من أصله إذا
وثق بدينه ومعرفته اي الطالب.
الثاني : المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله الكتاب مقتصراً
على قوله: هذا سماعي. أو هذا حديثي ولا يقول له: إروه عني. ولا
أجزت لك روايته ونحو ذلك ..
قال ابن الصلاح: هذه مناولة مُخْتَلَّة لا تجوز الرواية بها. وعابها غير
واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها وسوغوا
الرواية بها وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها .
وأجازوا الرواية بها ثم قال: إن الرواية بها تترجح على الرواية بمجرد
اعلام الشيخ الطالب أن هذا الكتاب سماعه من فلان. فإنها لا تخلو من
إشعار بالإذن في الرواية وقال النووي: لا تجوز الرواية بها على الصحيح
الذي قاله الفقهاء والأصوليون وعابوا المحدثين المجوزين لها ..
ومال العراقي إلى الجواز بشروط وقال: وعندي أن يقال ان كانت
المناولة جواباً بالسؤال كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويه عنك
١١١

فناوله ولم يصرح بالإذن صحت. وجاز له أن يرويه كما تقدم في الإجازة
بالْخَط بل هذا أبلغ. وكذا إذا قال له: حدثني بما سمعت عن فلان
فقال له: هذا سماعي من فلان فتصح أيضا. وما عدا ذلك فلا. فإن
ناوله الكتاب: ولم يقل له: إنه سماعه لم تجزالرواية به بالاتفاق (١).
صيغ الأداء: ناولني وأجازني فلان. أو ناولني مع الإجازة. أو
ناولني فلان عند من يجيز المناولة المجردة من الإجازة. حدثني فلان
بالمناولة والإجازة أخبرني فلان بالإجازة والمناولة. أنبأني فلان بالإجازة
والمناولة. أو اجازة ومناولة في الصيغ الثلاث. وأما بإطلاق ((حدثنا))
و «أخبرنا)» فجوزه بعضهم. وهو مقتضى قول من جعلها سماعنا.
والصحيح الذي عليه الجمهور المنع منه والتقييد بالإجازة والمناولة ..
وأما اطلاق الإنباء فذلك في الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكرنا
آنفا .
الطريق الخامس
((المكاتبة)) وهي أن يكتب الشيخ مسموعاته أو شيئاً من حديثه
لحاضر عنده أو غائب عنه. ويرسله إليه سواء كتب بنفسه. أو أمر غيره
بكتابته ويكفي أن يعرف المكتوب له خط الشيخ أو خط الكاتب عن
الشيخ بشرط أن يكون ثقة - أي عدلا ضابطاً - وشرط بعضهم
البينة على الخط وهو قول ضعيف والمكاتبة قسمان:
١ - أن تكون مقرونة بالإجازة وهي في الصحة والقوة كالمناولة
المقرونة بالإجازة بل يرى البعض أنها أرجح منها ...
٢ - أن تكون مجردة من الإجازة. وهذا الضرب منع الرواية به
قوم منهم الماوردي والآمدي وابن القطَّان، وأجازها الجمهور من
(١) علوم الحديث ص ١٦٣، التدريب ص ١٤٥، الباعث الحثيث ص ١٤٣ ط أولى.
١١٢

المتقدمين والمتأخرين من الفقهاء والأصوليين. وهو الصحيح المشهور بين
أهل الحديث ويوجد في مصنفاتهم كثيراً: كتب إلى فلان قال: حدثنا
.فلان .... وقال السمعاني. هي أقوى من الإجازة. قال السيوطي. وهو
المختار بل وأقوى من أكثر صور المناولة ..
وليس أدل على صحتها من اعتبار صاحبي الصحيحين لها. ففي
صحيح البخارى في ((الأيمان والنذور)» كتب إلى محمد بن بشار -
شيخه - وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره. وفيه وفي صحيح مسلم
أحاديث كثيرة بالمكاتبة في أثناء السند منها:
ما أخرجاه عن وَرَّادُ(١) قال: ((كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن
اكتب إلى ما سمعت من رسول الله ◌َّ فكتب إليه)) الحديث في القول
عقب الصلاة.
وأخرجا عن ابن عون قال: ((كتبت إلى نافع فكتب إلى أن النبي
عَِّ أغار على بني الْمُصْطَلِقِ وهم غَارُّون(٢))) إلى غير ذلك(٣).
((ألفاظ الأداء)) كتب إلى فلان. كاتبني فلان قال: حدثني فلان
بالمكاتبة والإجازة. أخبرني بالمكاتبة والإجازة. أو يقيد ذلك بالمكاتبة
إذا لم تكن مقرونة بالإجازة. أما اطلاق حدثنا أو أخبرنا فلا يجوز على
الصحيح. وجوز بعضهم إطلاق أخبرنا دون حدثنا ...
((الطريق السادس)»
(الإعلام)) وهو إعلام الشيخ الطالب بأن هذا الحديث أو الكتاب
سماعه من فلان من غير أن يأذن له في روايته عنه ..
(١) بفتح الواو وفتح الراء المشددة المحدودة آخره دال: أبو سعيد أو أبو الورد الثقفي الكوفي كاتب
المغيرة بن شعته ومولاه وهو ثقة من الطبقة الثالثة.
(٢) أي غافلون، ولكن كانوا قد بلغتهم الدعوة.
(٢) تدريب الراوي ص ١٤٧.
١١٣

وقد جوز الرواية به كثير من المحدثين والفقهاء والأصوليين وأهل
الظاهر بل قال بعض الظاهرية: ((لو قال هذه روايتي لكن لا تروها عني
كان له أن يروبها عنه كما لو سمع منه حديثا ثم قال له: لا تروه عني لم
يضره ذلك)) وأيد هذا القاضي عياض فقال ((وهذا صحيح لا يقتضي
النظر سواه، لأن منعه أن لا يحدث بما حدثه لاَ لِعلَّة ولا من ريبة لا
يؤثر. لأنه قد حدثه فهو شيء لا يُرجع فيه)).
وقاسوا ذلك على القراءة على الشيخ. فإن الرواية بها لا تتوقف على
الإذن وقال ابن الصلاح ووافقه النووي: الصحيح ما قاله غير واحد من
المحدثين وغيرهم أنه لا تجوز الرواية به. وبه قطع الغزالي في المستصفى
قال: ((لأنه قد لايُجَوِّز روايته مع كونه سماعه لخلل يعرفه فيه)) ..
واستدل المانعون من الرواية به بقياسه على مسألة الشهادة على
الشهادة فإنها لا تصح إلا إذا أذن الشاهد الأول للثاني بأن يشهد على
شهادته .. وأجاب القاضي عياض: بأن هذا القياس غير صحيح. لأن
الشهادة على الشهادة لا تصح الا مع الإذن على كل حال. والحديث عن
السماع والقراءة لا يحتاج فيه إلى إذن باتفاق. وأيضاً فالشهادة تفترق عن
الرواية في أكثر الوجوه (١).
وقال بعض العلماء المعاصرين (( والذي اختاره القاضي عياض هو
الراجح الموافق للنظر الصحيح. بل إن الرواية على هذه الصفة اقوى
وأرجح عندي من الرواية بالإجازة المجردة عن المناولة. لأن في هذه
شبه مناولة وفيها تعيين للراوي بالإشارة إليه(٢).
وجوب العمل به: ثم إنه يجب العمل بما أخبره به الشيخ أنه سمعه
إن صح سنده وادعى القاضي عياض الاتفاق على ذلك. وإن اختلف
(١) انظر ما قدمناه في الفرق بين عدل الرواية وعدل الشهادة يظهر ذلك الفرق ..
(٢) هامش الباعث الحثيث ص ١٤٦.
١١٤

العلماء في جواز الرواية به وعدمه.
((صيغ الأداء عن هذا الطريق)» أعلمني فلان. حدثني فلان
بالإعلام أخبرني بالإعلام ونحو ذلك ..
الطريق السابع
((الوصية)) هي أن يوصي الشيخ بكتاب يرويه عند سفره أو موته
لشخص. وقد روى عن بعض السلف جواز رواية الموصى له بذلك عن
الموضي - الشيخ - واحتج المجيزون لها بشبهها( بالإعلام والمناولة)».
ومنع من الرواية بها ابن الصلاح فقال: «وهذا بعيد. وهو إما زلة
عالم. أو مُتَأْوِّل على أنه أراد الرواية على سبيل الوجادة التي يأتي
شرحها إن شاء الله تعالى، وتابعه النووي وقال: الصواب أنه لا يجوز ..
وقد نازع ابن الصلاح في مقالته ابن أبي آدم فقال: ((الوصية أرفع
رتبة من الوجادة بلا خلاف. وهي معمول بها عند الشافعي وغيره فهذا
أولی )».
وقد اختلفوا في وجوب العمل بما صح إسناده من الحديث المروي
بها. والصحيح وجوب العمل به كوجوبه في سائر الأنواع ..
وصيغ الأداء عن هذا الطريق عند من يصحح الرواية به: أوصى
لي فلان، حدثني بالوصية، أخبرني بالوصية، ونحوها ..
الطريق الثامن
((الوجادة)» في اللغة بكسر الواو مصدر لوجد مولد غير مسموع من
العرب قال العلامة المعافي بن زكريا النهرواني ((فرع المولدون قولهم
وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة
من تفريق العرب بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة )» ..
قال ابن الصلاح ((يعني قولهم. وجد ضالته وجدانا. ومطلوبه
١١٥

وُجُودا وفي الغضب مَوْجِدِهِ. وفي الغنى وُجْداً. وفي الحب وَجداً(١) »
وفي الاصطلاح: أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها
وهي بخطه ولم يَلْقَه أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه.
أو سمع منه ولكن لا يروي تلك الأحاديث الخاصة الواجِدُ بسماع أو
قراءة أو إجازة أو يجد أحاديث في كتب لمؤلِّفين مَعْروفِينَ.
والتعبير الدقيق لمن وجد ذلك. وأراد روايته أن يقول: وجدت أو
قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه حدثنا فلان ... ويسوق الإسناد
والمتن أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديما
وحديثا وفي مسند الإمام أحمد أحاديث كثيرة نقلها عنه ابنه عبد الله
يقول فيها: وجدت بخط أبي في كتابه .. ثم يسوق الحديث، ولم يستجز
أن يرويبها عن أبيه وهو رَاوِيَةُ كتبه. وابنه وتلميذه. وخط أبيه معروف
له. وكتبه محفوظة عنده. وهذا من الورع والأمانة في النقل. وهو من
باب المنقطع. ولكن فيه شوب اتصال بقوله: وجدت بخط فلان ..
وقد تساهل بعضهم فروى في الوجادة بلفظ عن «قال ابن الصلاح:
(«وذلك تدليس قبيح إذا كان بحيث يوهم سماعه منه)» وجازف بعضهم
فأطلق فيها ((حدثنا فلان)) أو ((أخبرنا فلان)) وقد أنكر ذلك العلماء.
ولم يجزه أحد يعتمد عليه )) ..
وإذا وجد حديثا في تأليف شخص وليس بخطه قال: ((ذكر فلان))
أو ((قال فلان أخبرنا فلان)» وهذا منقطع لا شوب فيه من الاتصال
وهذا كله إذا وَثق بخطه أو كتابه ..
أما عند عدم الثقة بالخط أو بالكتاب فليس له الا أن يقول:
(١) ((وجدانا)) بكسر الوار - «وُحوداً)) بضم الواو - ((موجدة)) بكسر الجيم، وفي الغني وُجدا
بطم الواو - في الحب - ((وَجْدا)) بفتح الواو.
١١٦

((بلغني عن فلان)) أو ((وجدت عن فلان)) أو ((قرأت في كتاب أخبرني
فلان أنه بخط فلان)) أو ((ظننت أنه مخط فلان)) أو ((ذكر كاتبه أنه
فلان)) أو ((تصنيف فلان)» ونحو ذلك.
وإذا نقل شيئاً عن تأليف فلا يقل فيه ((قال فلان)) أو ((ذكر))
بصيغة الجزم إلا إذا وَثِق بصحة النسخة بمقابلته على أصل مؤلفه. أو
مقابلة ثقة بها. فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل: بلغني عن فلان. أو
وجدت في نسخة من كتابه ونحوه. وتسامح كثير من الناس في هذه
الأعصار بالجزم في ذلك من غيره تحرٍّ ولا تثبت ..
وقد اجترأ كثير من الكتاب في عصرنا في مؤلفاتهم وفي غيرها من
الصحف والمجلات والمحاضرات. فصاروا ينقلون من كتب السابقين من
المؤرخين وغيرهم من غير تثبت ولا تحر. بل وبلفظ التحديث فيقولون:
مثلا ((حدثنا الطبري)) و((حدثنا ابن خلدون)) وهذا لا يوافق لغة ولا
اصطلاحا كما عرفت وفي هذا تجرؤ على اللغة. وإفساد المصطلحات
العلوم. وإيهام بغير الحقيقة. ولو أنهم اتبعوا قواعد المحدثين في هذا
لكان خيراً لهم، وأجمل بهم.
((العمل بالوجادة)) وقد نقل عن معظم المحدثين والفقهاء من المالكية
وغيرهم أنه لا يجوز العمل بها. وعن الشافعي ونظار أصحابه أنه يجوز
وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه غيره في هذه الأعصار كما قال ابن
الصلاح: ((فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لاند باب العمل
بالمنقول لتعذر شروط الرواية فيها (١) )).
الاحتجاج لها: وقد احتج الحافظ عماد الدين ابن كثير في أوائل
تفسيره للعمل بالوجادة بالحديث المرفوع: ((أي الخلق أعجب إيمانا .؟
قالوا: الملائكة. قال وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم.؟! قالوا: الأنبياء.
(١) علوم الحديث ص ١٦٩.
١١٧

قال. وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي؟! قالوا: نحن فقال: وكيف لا
تؤمنون وأنا بين أظهرك؟ قالوا فمن يا رسول الله؟ قال قوم يأتون من
بعد كم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها )) قال البُلْقِينيّ: وهو استنباط
حسن. والحديث رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) قال السيوطي: وله
طرق كثيرة أوردتها في الأمالي وفي بعض ألفاظه ((بل قوم من بعدكم
يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعلمون بما فيه. أولئك أعظم منكم
أجرا)) أخرجه أحمد والدارمي والحاكم. وفي لفظ للحاكم من حديث
عمر (يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان
إيماناً)».
((فائدة)) ذكر الإمام السيوطي في التدريب(١) أنه وقع في صحيح
مسلم أحاديث مروية بالوجادة. وانتقدت بأنها من المنقطع كما هو حكم
الوجادة كقوله في الفضائل: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: وجدت
في كتابي عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة («إن كان:
رسول الله عَّم ليتفَقَّد يقول: أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا :.. الحديث
وروى أيضا بهذا السند حديثها ((قال لي رسول الله عَيّة إني لأعلم إذا
كنت عني راضيةٍ ..... )) الحديث وحديث:
((تزوجني رسول الله عَ له: لست سنين ... )). وقد أجاب الرشيد
العطار بأن مسلما روى هذه الأحاديث الثلاثة من طرق أخرى موصولة
الى هشام وإلى أبي أسامة. وهذا الجواب صحيح في ذاته. لأن مسلما
رواه كذلك.
وأجاب السيوطي بجواب آخر. وهو أن الوجادة المنقطعة أن يجد في
كتاب شيخه لا في كتابه عن شيخه فتأمل. وهذا هو الجواب الصحيح
المتعين هنا. لأن الراوي إذا وجد في كتاب نفسه حديثا عن شيخه كان .
(١). علوم الحديث ص ٤٩
١١٨

على ثقة من أنه أخذه عنه. وقد تخونه ذاكرته فينسى أنه سمعه منه.
فيحتاط - تورعا - ويذكر أنه وجده في كتابه كما فعل أبو بكر ابن
أبي شيبة رحمه الله(١) وهذا الذي فعله أبو بكر بن أبي شيبة هو غاية
الدقة، وغاية الأمانة في الرواية فليع الطاعنون في الرواة ذلك.
((النتيجة))
ومما ذكرناه في التحمل والأداء وطرقهما، والألفاظ في التعبير عنها
عند الأداء والرواية يتبين لنا جليا أن الأحاديث والسنن حملت عن
الرواة من لدن النبي ◌ُ ◌ّه إلى وقت اكتمال التدوين بأقوم طرق الرواية،
مع التحقيق والتدقيق البالغين.
وأن الأحاديث والسنن قامت على أصل ثابت قويم متين، وهي
الرواية وأن الرواية في الإسلام، ولا سيما في الحديث تعتبر بدعا في بابها
لأنها قامت على أساس من الجرح والتعديل اللذين لم يكونا موجودين
قبل الإسلام وأن الإسناد المتصل الصحيح يعتبر من خصائص هذه الأمة
الإسلامية ولا يوجد في غيرها من الأمم.
وأن على هذه الأمة الإسلامية أن تحافظ على هذه الخصائص حتى
يرث الله الأرض ومن عليها، وما عليها، والحمد لله رب العالمين على هذه
النتيجة الموفقة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
((الإسناد العالي والنازل))
قدمنا في بحث الرواية منزلة الإسناد في الإسلام. وأن الإسناد
الصحيح من خصائص الأمة الإسلامية وهنا نقول:
إن طلب العلو في الإسناد سنة عن السلف كما قال الإمام احمد
وغيره ولذلك استحبت الرحلة. وكانت قدرا مشتركا بين المحدثين قديما
: (١) الباعث الحثيث ص ١٥٣ بالهامش.
١١٩

وحديثا. ويستأنس لطلب العلو في الإستاذ بما ذكرناه في هذا الكتاب في
فصل الرحلة في سبيل العلم وقصة ضمام بن ثعلبة التي ذكرناها في باب
التحمل ..
والعلو: هو قلة رجال سند الأحاديث بالنسبة الى سند آخر يرد به
ذلك الحديث بعينه بعدد أكثر من الأول. فالأول يسمى عاليا والثاني
يسمى نازلا. وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب الإسناد العالي حتى
غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه
كالحفظ والاتقان والفقه والدراية.
وإنما كان العلو مرغوبا فيه لكونه أقرب الى الصحة وقلة الخطأ
لأنه ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثروا
كثرت مُظَانٌ التجويز والاحتمال. وكلما قلوا قلت ..
((أقام العلو)» قسم ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره العلو إلى
خمسة أقسام وإليك هذه الأقسام:
((الأول)) وهو أجلها: القرب من رسول الله عية بإسناد صحيح
نظيف. فإن كان مع ضعف ففيه صورة العلو لا حقيقته وأما إذا كان
فيه بعض الكذابين المتأخرين من ادعى سماعا من الصحابة كابن هُدْبة
وأبي الدنيا الأشج ونجوهما. فإنه كالعدم وهذا النوع سماه الحافظ ابن :
حجر في شرح النَّخبة ((العلو المطلق)).
((الثاني)» القرب من إمام من أئمة الحديث ذوي الصفات العلية
كالحفظ والضبط والفقه مثل شعبة ومالك والثوري والشافعي والبخاري
ومسلم ونحوهم. وإن كثر بعده العدد إلى رسول الله عد ◌ّة. وهذا والذي
بعده سماه الحافظ ابن حجر العلو النسبي ..
٦٠
((الثالث)) العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة أو غيرها من
الكتب المعتمدة كمسند احمد وهو ما كثر إعتناء المتأخرين به من
١٢٠