النص المفهرس
صفحات 81-100
المسلمين - في القرون الثلاثة الأولى - أشرف الناس نفسا. وأعلاهم خلقا. وأشدهم خشية الله. وبذلك نصرهم الله وفتح عليهم المالك وسادوا على كل الأمم والحواضر في قليل من السنين بالدين والخلق قبل أن يكون بالسيف والرمح(١) )». أقول: ولن يؤمن بهذه الأكذوبة وبهذا التجني الآثم الا رجل ألغى عقله وكفر بقواعد البحث العلمي الصحيح. وأهْمَل الخصائص الدينية والخلقية والنفسية التي تمثلت أقوى ما تكون في هؤلاء السلف الصالح: أهل القرون الثلاثة الفاضلة .. «مناهج المحدثين في التأليف)» وقد سلك المحدثون في تأليفاتهم مسالك مختلفة منها ما أشرنا إليه فيا سبق ومنها ما لم نشر إليه. وإليك أشهر مناهجهم في التأليف: ١ - أجودها تصنيفة على الأبواب الفقهية. بأن يذكر في كل باب ما ورد فيه من أحاديث. فالجامع بينها وحدة الموضوع. وأصحاب هذا المنهج منهم: من يقتصر على الصحيح كأصحاب الكتب الصحاح. وعلى رأس هؤلاء صاحبا الصحيحين: البخاري والمسلم. ومنهم من يجمع بين الصحيح والحسن والضعيف كأصحاب السنن: سنن أبي داود ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. ونحوها كشعب الإيمان للبيهقي. و((البعث والنشور)) له. وهؤلاء الجامعون بين الصحيح وغيره منهم من يبين كل نوع ويميزه عن الآخر ومنهم من لم يبين ويكتفي بإخراج الحديث بسنده اعتماداً على نقد القارىء له. ومعرفة درجته عن طريق النظر في سنده. ٢ - التأليف على المسانيد بأن يجمع في ترجمة كل صحابى ما عنده من حديث صحيحا أو حسنا أو ضعيفا من غير أن يكون بينها وحدة (١) مقدمة الباعث الحثيث ص ٨ - ١٠ ط أولى. ٨١ في الموضوع فقد يُذكر حديث في الصلاة بجانب حديث في الزكاة بجانب حديث في البيوع وهكذا فالوحدة في كتب المسانيد هي: وحدة الصحابى. وقد اختلف في أول من ألف على المسانيد فقيل: نعيم بن حماد. وقيل أسد بن موسى. وقيل عبيد الله بن موسى العبسي. وأبو داود الطيالسي(١) وقيل غير ذلك. وأصحاب هذه الطريقة منهم من يرتب الصحابة على حسب السوابق في الاسلام فيبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة. ثم أهل بدر ثم أهل الحديبية. ثم المهاجرين بينها وبين الفتح. ثم من أسلم يوم الفتح ثم. أصاغر الصحابة سنا كالسائب بن يزيد وأبي الطفيل عامر بن واثلة ثم بالنساء بادئا بأمهات المؤمنين وذلك كما صنع الإمام الجليل أحمد في مسنده .. ومنهم من رتب على القبائل فبدأ ببني هاشم. ثم بالأقرب نسبا إلى رسول الله آلله .. ومنهم من رتب على حسب حروف المعجم كما فعل الطبراني في المعجم الكبير فإنه رتب الصحابة فيه على حسب حروف المعجم. : ٣ - وهنالك طريقة سلكها ابن حِبَّانَ في صحيحه فقد رتبه على الأوامر والنواهي والأخبار والإباحات وأفعال النبي ◌َ ◌ّة. ونوَّع كل نوع من هذه الأنواع الخمسة الى انواع وسمى كتابه «التقاسيم والأنواع)) وهي طريقة مشكلة معقدة لا يسهل الكشف بها على الحديث .. (١) هو أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي بفتح الطاء، والياء وكسر اللام ينسب إلى الطيالسة التي تجعل على العمائم مولى آل الزبير الفارسي الأصل البصري الحافظ له مسند قيل: أنه أول مسند صنف وقد جمعه بعض الحفاظ من خراسان، جمع فيه ما رواه يونس بن يزيد عنه خاصة وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو تكثر منه وتوفي بالبصرة سنة ثلاث ومائتين وقد رَدّ العراقي أنه أول منتد صنف [تدريب الراوي ص١٠٢]. ٨٢٠ ٤ - ومن أحسن المناهج في التأليف تصنيف معلَّلا بأن يجمع في كل حديث أو باب طرق واختلاف رواتِه. فإن معرفة العلل أجل أنواع الحديث وأدقها. والأولى جعله على الأبواب ليسهل تناوله وذلك كما فعل ابن أبي حاتم الرازي .. وقد صنف الإمام يعقوب بن شيبة مسنداً معللا فلم يتم. قيل ولم يتم مسند معلل قط وقد صنف بعضهم مسند أبي هريرة معللا في مائتي جزء .. ٥ - ومن طرق التأليف جمعه على الأطراف وذلك بأن يذكر طرف الحديث(١) الدال على بقيته ويجمع أسانيده إما مستوعِياً لجميع الكتب او مقيدا بكتب مخصوصة كأطراف الصحيحين للحافظ ابراهيم ابن محمد الدمشقي المتوفى سنة احدى وأربعمائة (٤٠١) هـ وكتاب ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) للحافظ أبِي الحَجَّاج يوسف بن عبد الرحمن المِزِّي الدمشقي المتوفى سنة اثنين وأربعين وسبعمائة، جمع فيه أطراف الكتب الستة على مسانيد الصحابة، وقد طبع أخيرا بالهند، وعليه كتاب ((النكت الظراف على الأطراف)) للحافظ ابن حجر، وقد أشرف على طبعه السيد عبد الحميد شرف الدين الهندي. وكتاب ((اتحاف المهرة بأطراف العشرة)) للحافظ ابن حجر المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وقد جمع فيه أطراف الكتب الآتية: (١) الموطأ (٢) ومسند الشافعي (٣) ومسند أحمد (٤) ومسند الدارمي (٥) وصحيح ابن خزيمة (٦) والمتنقى لابن الجارود (٧) وصحيح ابن حبان (٨) ومستدرك الحاكم (٩) ومستخرج أبي عوانة (١٠) وشرح معاني الآثار (١١) وسنن الدارقطني، وانما زاد العدد واحدا، لأن صحيح ابن خزيمة (١) طرف: بفتح الراء: أوله الدال عليه. ٨٣ لم يوجد منه سوى قدر ربعه)» هكذا في ((لحظ الألحاظ ذيل تذكرة الْحُفَّاظَ (١).). ٦ - ومنها أنهم يجمعون حديث الشيوخ. كل شيخ على حدة. كمالك وسفيان وغيرهما وذلك كحديث الأعمش للاسماعيلي. وحديث الفضيل ابن عياض للنسائي وغيرهما .. ٠ ٧ - ومنها أنهم يجمعون الأحاديث على التراجم المشهورة. كمالك عن نافع عن ابن عمر وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة .. ٨ - ومنها أنهم يجمعون على الأبواب. بأن يفرد كل باب على حدة بالتصنيف ((كرؤية الله تعالى)) أفرده الآجرى. و((رفع اليدين في أ. الصلاة)) و((القراءة خلف الإمام)» أفردها البخاري و((النية)) أفردها ابن أبي الدنيا و((القضاء بالشاهد واليمين)) أفرده الدارقطني و ((القنوت)) أفرده ابن مندة و((البسملة)) أفرده ابن عبد البر وغيره. ٩٠ - ومنها أنهم يجمعون الطرق - الأسانيد - لحديث واحد كطريق حديث «من كذب علي معتمدا ... )) للطبراني. وطرق حديث ((الحوض)) للضياء المقدسي وغير ذلك .. « شروط الراوي في الإسلام» أجمع العلماء المسلمون قاطبة من أهل الحديث والفقه والأصول أن الراوي لا تقبل روايته الا إذا اجتمع فيه صفتان (١) العدالة (٢) والضبط. وكذلك اتفقوا على ذلك في الشاهد. فما هي العدالة؟ وما هو الضبط؟ (١) الرسالة المستطرفة ص ٢٦، ط الأولى. ٨٤ (١) العدالة(١). ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة. والتقوى هي امتثال المأمورات واجتنات المنهيات. أما المروءة فهي آداب نفسانية تحمل صاحبها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات .. والعدل: هو المسلم البالغ العاقل الخالي من أسباب الفسق وخوارم المروءة. وإنما شرطنا الإسلام لأن الباب باب الدين. والكافر يسعى دائما في هدمه فلا يقبل قوله في أموره .. وشرطنا البلوغ والعقل لأنهما مناط التكليف. إذ الصبي لا يَتَحَرَّج من الكذب والجنون لا يعي ما يقول. والمراد بالسلامة من أسباب الفسق أن يكون معروفا بالتقوى فلا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة(٢) ولا يكون مبتدعا. لأن من شأن المبتدع أن يميل مع هواه. ويسعى في نصرة مذهبه: ومثل هذا لا يؤمن عليه الكذب والاختلاق في سبيل تأييد مذهبه وبدعته. ولذلك رد بعض العلماء رواية المبتدع مطلقا أي سواء كان داعية إلى بدعته أم لم يكن. وفصل بعضهم بين أن يكون داعية إلى بدعته أو لا. فردوا رواية الأول. وقبلوا رواية الثاني. وهذا هو مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء. كما قال ابن الصلاح. وهو أعدل المذاهب وأولاها بالقبول. فكثير من المبتدعة غير الدعاة قد احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما. لأن غير الداعية له من دينه الذي يحرم عليه الكذب ومن صلاحه واستقامته على الشرع ومروءته ما يحول بينه (١) العدالة بمعنى الاستقامة على الدين. مصدر عَدُلَ بضم الدال يعدل من باب كرم. عدالة وعدولة فهو عدل أي مرضي في الرواية والشهادة. أما العدل ضد الجور فهو مصدر عدل يعدل من باب ضرب فهو عادل. والعدال يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثني والجمع فيقال رجل عدل. وامرأة عدل. ورجال عدل وتجوز المطابقة فيقال امرأة عدلة. رجال عدول. والملكة هي الكيفية والصفة الراسخة في النفس فإن لم تكن راسخة فهي حال .. (٢) أما من يفعل بعض الصغائر من غير إصرار فهو عدل ولا محالة. م ٨٥ وبين التزيد والاختلاق. نعم إن روى المبتدع غير الداعية ما يؤيد بدعته فروايته مردودة لاحتمال التهمة. أما ما يخل بالمروءة فقسمان (١) الصغائر الدالة على الخسة كسرقة شيء حقير كرغيف مثلا (٢) المباحات التي تسبب الاحتقار، وتذهب بالكرامة. وذلك كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال .. وقد مثل العلماء في باب الشهادة والرواية لذلك أيضاً بالمشي عاري الرأس والأكل على قارعة الطريق ... وفي الحق أن هذه الأمور التي تخل بالمروءة ترجع الى العرف. والأعراف تختلف في هذا. ولو أخذنا بهذين الأخيرين لتعذر وجود شاهد اليوم فإنه لا يكاد أحد يغطي رأسه اليوم. وكثير من الناس يأكل في الطريق للضرورة لزحمة العمل وضيق الوقت. فمن ثم لا نرى أن هذين يخلان بالمروءة أما البول في الطريق وفرط المزاح فلا يزالان من صفات المستهترين وإنما لا تقبل شهادة ولا رواية من اخل بالمروءة لأن الإخلال بها إما لخبل في العقل أو نقصان في الدين أو لقلة الحياء. وكل ذلك رافع للثقة بقوله. الفرق بين عدل الرواية والشهادة ولا يشترط في عدل الرواية العدد ولا الذكورة ولا الحرية ولا البصر. فيقبل خبر الواحد والمرأة، والعبد، والأعمى. وكذا المحدود في قذف إذا تاب وإن لم تقبل شهادته عند بعض الأئمة (١). (١) الذين يقولون أن المخدود في قذف لا تقبل شهادته وإن تاب هم بعض السلف، وإليه ذهب أبو حنيفة، وجعل الاستثناء في قوله تعالى (إلا الذين تابوا .. )) عائد إلى الفسق في الآية السابقة لها فحسب. وذهب كثير من السلف الى قبول شهادة من حُدٍّ في قذف إذا تاب وإليه ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد. ذهابا منهم الى أن الاستثناء في الآية يعود إلى عدم قبول الشهادة والفق،. فبالتوبة يرتفع الأمران .... ٨٦ والفرق بين الرواية والشهادة أن الشهادة اعتبر فيها معان أخرى تتوقف عليها منها: التمييز بين الأشياء، والإشارة الى المشهود به وعليه. وهذا لا يمكن مع العمى وقال رسول الله عَلّة: ((على مثل الشمس فاشهد )). وأما العبد والمرأة فلأن الشهادة من باب الولاية. فإن الشاهد سيلزم المشهود عليه المشهود به. ولا ولاية لهما على غيرهما لا نْتِقَاصِها بالأنوثة وانعدامها بالرق. وأما الإخبار بالحديث فليس من باب الولاية لأن الناقل لا يلزم المنقول اليه شيئاً بل الحكم المستفاد من الحديث يلزم المنقول إليه بالتزامه الشريعة .. وأما المحدود في قذف فلأن ردَّ شهادته عند من يرى ذلك من تمام حده وقد ثبت ذلك بالنص وهو قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم تثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ النور الاية ٥،٤ فبعد التوبة لا تقبل شهادته. ويقبل حديثه بناء على عدالته حينئذ لزوال اسم الفسق عنه، وذلك لأنهم يجعلون الاستثناء عائدا على الأخير وهو الفسق لا على رد الشهادة كما ذكرنا وأيضا فلو اشترط لقبول الرواية الذكورة أو الحرية أو العدد لتعطلت أحكام كثيرة. فقد رويت أحاديث كثيرة في الأحكام والآداب عن أمهات المؤمنين وغيرهن. وكثير منها مروي عن الموالي والماليك كعكرمة مولى ابن عباس. ونافع مولى ابن عمر. وبلال الحبشي. وصهيب الرومي وغيرهم وكثير من الأحاديث مروية بطريق الآحاد ولم تُرَد إلا من طريق واحد فقط وبذلك ظهرت الحكمة في الفرق بين عدل الرواية وعدل الشهادة. ٨٧ هل العَدالة تتفاوت؟؟. جمهور العلماء على أن: العدالة لا تقبل الزيادة والنقصان فهي كالإيمان عند من يقول بعدم قبوله ذلك ... والصحيح أن العدالة كالضبط تقبل الزيادة والنقصان والقُوَّة والضعف وقد أشار الى ذلك علماء الأصول في باب الترجيح في الأخبار. وصرح به العلامة نجم الدين سليمان الطوفي في ((شرح الأربعين)» حيث قال: ((ان مدار الرواية على عدل الراوي وضبطه. فإن كان مبرزا فيهما كشعبة وسفيان ويحيى القطان ونحوهم فحديثه صحيح. وإن كان دون المبرز فيهما أو في أحدهما لكنه عدل ضابط بالجملة فحديثه حسن)» وهذا هو أجود ما قيل في هذا المكان ... . واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الزاوي. أو يوجد فيه العدالة وحدها أو الضبط وحده. فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا .. وإن اجتمعا فيه قُبِل وهو الصحيح الْمُعْتَبَر. وإن وجدت فيه العدالة دون الضبط قبل حديثه لعدالته وتوقف فيه لعدم ضبطه حتى يُوقَف على شاهد منفصل يَجْبُر ما فات من صفة الضبط. وإن وجد فيه الضبط دون العدالة لم يقبل حديثه لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية. ثم إن كل واحد من العدالة والضبط له مراتب: عليا، ووسطى. ودنيا. ويحصل بتركيب بعضها مع بعض مراتب للحديث مختلفة في القوة والضعف وهي ظاهرة مما ذكرناه ... (١). ولعل الذي أوجب خفاء تفاوت العدالة عند بعض العلماء أنهم رأوا أن أئمة الحديث قلما يرجحون بها. وإنما يرجحون بأمور تتعلق بالضبط .. وسبب ذلك أنهم رأوا أن الترجيح بزيادة العدالة ربما يوهم الناس أن الراوي الآخر غير عدل فيسوء به ظنهم. ويشكون في سائر ما يرويه. (١) توجيه الفطر الى علوم الاثر ص ٢٠. ٨٨ : وقد فرض أنه عدل ضابط .. وقد زعم بعض العلماء عدم تفاوت الضبط أيضاً. وقد رد عليه بعضهم بقوله: لا شك في تحقق تفاوت مراتب العدالة والضبط في العدول الضابطين من السلف والخلف وقد وضح ذلك حتى صار كالبدهي وهذه المسألة لها نظائر لا تحصى قد غلط فيها كثير من له موقع عظيم في النفوس فإنهم يُذهَلون عن بعض الأقسام. فتراهم يقولون: الراوي إما عدل أو غير عدل. وكل منهما إما ضابط أو غير ضابط. غير ملاحظين أن العدالة والضبط مقولان بالتشكيك. فينبغي الانتباه لذلك فإنه ينحل به كثير من المشكلات(١). بم تثبت العدالة؟ .. ١ - تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة. فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم. وشاع الثناء عليه بها كفى في عدالته. ولا يُحتَاج مع ذلك الى معدل ينص عليها، وذلك كالأئمة مالك والسفيانين: سفيان الثوري. وسفيان بن عُيَيْنَه. والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل والليث بن سعد. وشعبة. وابن المبارك. ووكيع بن الجراح. ويحيى بن معين وعلي بن المديني - رحمهم الله - ومن جرى مجراهم في نياهة الشأن، واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء ، وإنما يسأل عمن خفى أمره. وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عن إسحاق بن راهويه فقال: ((مثل اسحاق يسأل عنه ))؟ وهي كلمة لها معناها ومغزاها. وسئل يحيى بن معين عن أبي عبيد القاسم بن سَلَّم فقال: «مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس)). (١) المرجع السابق ص ٣١. ٨٩ ۔۔ . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ((الشاهد والمخبر إنما يحتاجان الى: التزكية اذا لم يكونا مشهورين بالعدالة، والرضا، وكان أمرهما مشكلاً ملتبسا، ومجوزا فيهما العدالة وغيرها ))، قال: والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما، واشتهار عدالتها أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة. ٢ - وتثبت العدالة أيضاً بتنصيص عالمين عليها، او واحد على الصحيح، ولو بروايته عنه في قول(١). ٣ - وتوسع الحافظ أبو عُمَر بن عبد البر النمري القرطبي في ثبوت العدالة فقال ما توضيحه: «كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره ابدا على العدالة حتى يتبين جرحه)) ووافقه على هذا ابن المواق من المتأخرين لقوله عَ له: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوْلُه ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)» رواهُ من طريق العُقيلي من رواية معان - بضم الميم - ابن رفاعة. السلامي (٢) عن ابراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعًا، وقوله هذا غير مرضي والحديث الذي استدل به من الطريق الذي أورده مرسل (٢)، أو معضل(٤)، وابراهيم الذي أرسله قال فيه ابن القطان: ((لا نعرفه البتة)) ومُعَان أيضاً وثقه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، قال ابن القطان: ((وخفى على أحمد من أمره ما علمه غيره)» وهذا الحديث قد توسع في الكلام عليه الإمام العراقي ((في التقييد والإيضاح» بما لا مزيد عليه. من ناحية سنده ومتنه. أما من ناحية سنده فقال: «لقد ورد هذا الحديث مفصلا من رواية (١) تدريب الراوي ص ١٠٩ ط الأولى. (٢) بتخفيف اللام وهو شاميلين الحديث كثير الإرسال توفي بعد سنة مائة وخمين .. (٢) المرسل: ما سقط منه الصحابي. (٤) المعضل ما سقط منه اثنان او أكثر على التوالي. ٩ علي، وابن عُمَر، وابن عَمْرو، وجابر بن سمرة، وأبي امامة، وأبي هريرة، وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل ... إلى آخر ما قال)). وأما من ناحية متنه فقال: ((ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبرا اي متمحضا للخبرية، ولا يصح على الخبر لوجود من يحمل هذا العلم وهو غير عدل وغير ثقة (١) فلم يبق له محمل إلا على الأمر(٢) ومعناه أنه أمر للثقات بحمل هذا العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم، والدليل لذلك أن في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: «لِيَحْمِلْ هذا العلم )» بلام الأمر. أقول: واذا حملناه على الأمر فقد عرا عن أن يكون دليلا لما ذهب اليه ابن عبد البر ولا يقال: لم لا يصير هذا الحديث حسنا بتعدد الطرق؟. لأنا نقول: ان الضعيف قسمان (١) ضعيف ينجبر بتعدد الطرق كما اذا كان ضعفه محتملا (٢) وضعيف لا ينجبر فيما اذا كان غير ذلك وهذا من الثاني، والله أعلم(٣). : ٢ - الشرط الثاني: الضبط: وهو إتقان ما يرويه الراوي بأن يكون متيقظاً لما يروي، غير مُغَفَّل(٤) وذلك بأن يكثر صوابه على خطئه وغَفْلته، حافظاً لروايته إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه، عالما بما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى حتى يثق (١) فيلزم عليه الخلف في خبره عَّ وهو مستحيل شرعا. . (٢) اي انه فعل مضارع يراد به الأمر اي ليحمل. (٢) علوم الحديث لابن الصلاح بشرح العراقي ١٣٨، ١٣٩، ط العاصمة، وتدريب الراوي شرح تقريب التواوي ص ١٩٩، ٣٠٠. (٤) بضم الميم وفتح الفين وفتح الفاء المشددة. ٩١ المطلع على روايته، والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كما تحملها لم يغير منها شيئاً. والضبط ينقسم إلى قسمين: : ١ - ضبط صدر: وهو أن يحفظ ما سمعه في صدره من جهة تحمله إلى وقت أُدَائِه بحيث يتمكن من استحضاره، متى شاء، مع المحافظة على اللفظ ان كان ذاكرا له، مستكملا لشروط الرواية بالمعنى، إن روي بالمعنى. ٢ - ضبط كتاب: وهو أن يصون كتابه الذي تحمل الحديث فيه من: وقت تحمله إلى وقت أدائه بحيث يأمن عليه من التغيير والتبديل، والزيادة والنقصان، وإذا أعاره إلى أحد لا يعيره الا · لرجل مؤتمن. وضبط الصدر مجمع على قبول الرواية به، وأما ضبط الكتاب فخالف في قبول الرواية بعض الأئمة الكبار کأبي حنيفة وأبي عبد الله مالك رحمها الله تعالى(١). تفاوت الضبط : وتتفاوت مراتب الضبط بحسب تفاوت الرواة في الحفظ والتيقظ وعدم الغفلة والسهو إن روى من حفظه، وبمقدار ضبطه لكتابه وصيانته له إن روى من كتابه. وبمقدار علمه بمعنى ما يرويه. وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى بالمعنى. ((بم يعرف الضبط)»؟ ويعرف ضبط الراوي بمقارنة مروياته بمرويات الثقات المتقنين (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٨٥. ٩٢ : الضابطين وقياسها بمقياس حديثهم. فإن وافقهم في روايتهم غالبا ولو من حيث المعنى فهو ضابط ولا تضر مخالفته لهم النادرة. فإن كثرت مخالفته لهم. وندرت الموافقة اختل ضبطه ولم يحتج بحديثه (١). وإذا اثبت عدالة الراوي وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه، وترجح جانب صوابه على جانب خطئه. وليس بعد تحقق الطمأنينة وترجح جانب الصواب من الراوي الا قبول روايته. وبعد تحقق العدالة والضبط وشروطهما يصير احتمال الكذب او الغلط من الراوي احتمالا بعيدا جدا إن لم يكن غير ممكن. بل هو لا يعدو أن يكون أمراً جائزاً جَوَازاً عقلياً، وبالعدالة والضبط يجوز الراوي درجة القبول. ويتهيأ مرويه للنظر فيه. ويتأهل إسناده للبحث عنه. فإذا قبل الراوي ينظر للمروي هل توفرت فيه شروط القبول؟ وهي: السلامة من الشذوذ ومن العلة، وذلك بألا يخالف الثقة من هو أوثق منه فيما رواه. وبأن يسلم المروي من قادح خفي تظهر السلامة منه. فإذا تخطى المروي هذه العقبة فإنه ينظر للرواية. فإذا تحقق اتصال الإسناد وسلامته من الخلل وانتفى عنه التعليق والإرسال والإنقطاع والإعضال والتدليس والاضطراب ومخالفة الأرجح عددا أو صفة كان المتن أهلا للقبول. وترجحت نسبته إلى من عزي إليه ترجحا قويا يكاد يصل عند أهل هذا الفن المتمرسين فيه. والذين اكتسبوا ملكة النقد بمزاولته إلى حد العلم واليقين. وهكذا يظهر لنا جليا أن الشروط التي وضعها المحدثون للراوي والمروي. والرواية يوَجب الثقة والطمأنينة الى الراوي والمروي. وأنها تمثل ادق الأصول في النقد وأوفاها وأرقاها. وأن علم الرواية في الإسلام من مفاخر الأمة الإسلامية. (١) التدريب ص ١١٠ ومثل ذلك إدراك استقامة الخط المستقيم بقياسه بالمسطرة في المحسوس فإذا لم تخرج عن استقامة المسطرة كان مستقيما والا فلا. ٩٣ ((التحمل والأداء وشروطهما )» الرواية لا بد فيها من تحمل وأداء فما هو التحمل؟ وما هو الأداء؟ التحمل: هو نقل الحديث عن الغير بأي طريق من طرق التحمل الصحيحة المعتبر وهذا الغير يسمى في عرف المحدثين شيخا .. الصحيح ـمية مجها شرطه: لا يشترط في التحمل الا التمييز والضبط لما يروي ويسمع وحدد المحدثون أول زمن يصح فيه السماع للصغير بخمس سنين. وعلى هذا استقر العمل بين أهل الحديث وأمته. واحتجوا لهذا بما رواه البخاري في صحيحه عن محمود بن الربيع قال: ((عقلت من النبي معد ◌ّ. رحجة حجها في وجهي من دلو. وأنا ابن خمس سنين » وأما من دون هذا السن فيقولون: له حضور والصواب: أن العبرة بالتمييز والضبط. فقد يكون ابن أربع وهو ميز ضابط وقد يكون ابن سبع وهو ليس كذلك(١). وعلى هذا يجوز التحمل من الصبي المميز. ولكنه لا يؤدي إلا بعد البلوغ كحديث محمود بن الربيع هذا ويجوز التحمل من الكافر ولكنه لا يؤدي الا بعد الإسلام. وذلك كقصة أبي سفيان بن حرب مع هرقل حينما استدعاه لما بلغه كتاب النبي عَّة بدعوته إلى الاسلام وسؤاله عنه(٢) فقد تحملها وهو كافر. ولكنه أداها بعد إسلامه .. الأداء: الأداء هو رواية الحديث للغير. وهذا الغير يعرف عند المحدثين بطالب الحديث. شروطه: وأما شروط الأداء فهي العدالة والضبط بأن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة حافظًا لحديثه إن أدى من صَدْرِه ولكتابه إن حدث منه عالما بمدلولات الألفاظ. وبما (١) النخبة وشرحها . (٢) صحيح البخاري باب - كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله عَ ﴾ ٩٤ يحيل - يغير - المعاني إن روي بالمعنى على ما فصلنا في شروط. الراوي ... (( طرق التحمل والأداء)) للتحمل طرق وكيفيات مخصوصة. وهي على ما ذكرها ابن الصلاح وغيره ثمانية. وعلى من تحمل بطريق من هذه الطرق أن يعبر بصيغة تدل على ذلك الطريق الذي تحمل به ويسميها المحدثون «صيغ الأداء)). الطريق الأول: السماع من لفظ الشيخ بأن يكون الشيخ يقرأ الحديث والطالب يستمع. وسواء في هذا أكان الشيخ يحدث من حفظه أم من كتابه وسواء أكان مع إملاء ام من غير إملاء. وهذا القسم أعلى أنواع التحمل عند الجمهور سلفا وخلفا. ويجوز السماع من وراء حجاب اذا عرف صوته. فقد أمر النبي ◌َّ بالإعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم في الصيام في حديث «إن بلالا يؤذن بليل. فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم » رواه البخاري ومُسْلم مع غيبة شخصه عَمَّن يسمعه. وأيضا فقد كان الصحابة والتابعون يروون عن أمهات المؤمنين من وراء حجاب .. صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: سمعت أو سمعنا. حدثني أو حدثنا (١) أخبرني أو أخبرنا سماعا منه. أنبأني أو أنبأنا سماعا منه. أما إطلاق الإخبار والإنباء فالبعض يجيزه والبعض لا يجيزه كما ستعلم عن كثب. قال الخطيب البغدادي «أرفع العبارات سمعت ثم حدثنا وحدثني. فإنه لا يكاد أحد يقول: سمعت في الإجازة والمكاتبة. (١) سمعت وحدثني ان كان وحده. وسمعنا وحدثنا إن كان معه غيره. فإن شك اقتصر على حدثني. لأن الأصل عدم الغير. وقيل العكس لأنه أدون مرتبة، لأن في حدثني إشعار بأنه قصده بالتحديث بخلاف حدثنا وهذا يدل على دقة الحدثين في تفرقتهم بين الألفاظ. ٩٥ ولا في تدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا .. فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة. ثم أخبرنا وأنبأنا )). وهذا كان قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ وأنبأنا : بالإجازة منه .. وقال ابن الصلاح ((حدثنا وأخبرنا أرفع من جهة أخرى. إذ ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رؤَّاه الحديث - أي قصده بالرواية بخلافهما(١) وهو اختلاف في الأنظار تبعا للإختلاف في الاعتبار. الطريق الثاني : ((القراءة على الشيخ)) وأكثر المحدثين يسمونها عرضا من حيث أن القاريء يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرىء. وسواء في هذا النوع أن يكون الطالب هو القاريء. أم كان القاريء غيره وهو يسمع. وسواء قرأ من كتاب أو من حفظه. وسواء أكان. الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه أو لا يحفظ ولكن يمسك أصله(٢) هو أوثقة غيره٠٠. زاد العراقي: وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قرىء وهو. مستمع غير غافل وقال الحافظ ابن حجر: ينبغي ترجيح الإمساك في : الصور كلها على الحفظ لأنه خوان ولا يشترط أن يُقِرَّ الشيخ بما قرىء عليه نطقا بل يكفي سكوته في اقراره عليه عند الجمهور. وخالف في هذا بعض الشافعيَّة والظاهرية وقالوا لا بد من نُطقه والصحيح الأول ... ((الرواية بهذا الطريق)) والرواية عن الشيخ بالقراءة عليه رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك الا ما حكي عن بعض السلف من العلماء المتشددين كوكيج. وأبي عاصم النبيل. ومحمد بن سَلاَّم .. (١) تدريب الراوي ص ١٢٩، ١ (٢) كتاب الشيخ. ٩٦ قال الحافظ ابن حجر في الفتح ((وقد انقرض الخلاف في كون القراءة على الشيخ لا تجزىء وإنما يقول بذلك بعض المتشددين من أهل العراق(١))) وحُكِيَ القول بصحتها عن الجماهير من الصحابة والتابعين ومنهم الفقهاء السبعة ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم. الدليل عليها: وقد استدل الحميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة لما أتى النبي عَ لّم فقال له: إنا سائلك فمشدد عليك. فلا تَجِدْ علي في نفسك فقال له: ((سل عما بدا لك)) فقال: أسألك بربك ورب من قبلك. الله أرسلك إلى الخلق كلهم؟ قال ((اللهم نعم)» ثم سأله عن شرائع الإسلام من صلاة وصيام وزكاة فلما فرغ قال آمنت بما جئت به. وأنا رسول من ورائي. فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه اي قبلوا منه. رواه البخاري ومسلم (٢) وأسند البيهقي في المدخل عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي ◌ُّه في القراءة على العالم فقيل له. وما هو؟ قال قصة ضمام: آلله أمرك بهذا؟ قال ((نعم )) وقد عقد البخاري لذلك بابا في صحيحه من كتاب بالعلم وهو ((باب القراءة والعرض على المحدث)) .. مَنْزلتها مما قبلها: وقد اختلف في مرتبتها بالنسبة لما قبلها. فقيل: هما سواء وحكى هذا عن مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومعظم علماء الحجاز والكوفة. والبخاري وغيرهم .. وقيل إنها أعلى من السماع. وحكى هذا عن الإمام أبي حنيفة وغيره. ورواية عن الإمام مالك. واعتلوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه بخلاف ما لو غلط الطالب فإن الشيخ يرد عليه .. (١) فتح الباري جـ١ ص ٠١٢٢ (٢) البخاري كتاب العلم - باب القراءة والعرض على المُحَدِّث، سلم كتاب الإيمان - باب السؤال عن اركان الاسلام. ٩٧ وقيل إنها تلي السماع في المرتبة وهو الصحيح، وعليه جمهور علماء أهل المشرق وذلك لأن الشيخ وهو يقرأ يكون متيقظا لما يقرأ ويبعد عليه السهو بخلافه وهو يسمع فقد يسهو أو يغفل ... صيغ الأداء: وصيغ الأداء عن هذا الطريق: قرأت على فلان أو ". قُرِىء على فلان وأنا أسمع أو ((أخبرني بقراءتي عليه)) أو (أخبرنا قراءة عليه وأنا أسمع)) أو ((حدثني بقراءتي عليه)) أو ((حدثنا قراءة عليه وأنا أسمع )). وأما إطلاق ((حدَّثنا» و«أخبرنا)) فمنع منه جماعة منهم احمد بن حنبل والنسائي. وجوزهما طائفة، وهو مذهب الزهري ومالك والبخاري وجماعات من المحدثين ومعظم الحجازيين والكوفيين. وقد عقد البخاري لذلك كتابا في صحيحه من كتاب العلم فقال: «باب قول الحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا)) ذهابا منه إلى أنهما بمعنى. واستدل" لذلك بحديث النبي عَّةٍ ((إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها. وإنها مثل المسلم فحدثوني ما هي؟ ... )) الحديث. وفي رواية بلفظ (أخبروني)»: وفي رواية الاسماعيلي ((أنبئوني)). وفصلت فرقة فأجازت إطلاق ((أخبرنا)» ومنعت من إطلاق ((حدثنا)) وهو مذهب الشافعي وأصحابه. ومسلم بن الحجاج. وجمهور أهل المشرق وقيل إنه مذهب أكثر المحدثين. وصار الفرق هو الشائع الغالب على أهل الحديث. وادعاء الفرق بينهما من حديث اللغة تكلف شديد. لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية. فتقدم على الحقيقة اللغوية(١) وأصحاب هذا المذهب يخصون التحديث بما يلفظ به. الشيخ. والإخبار بما يقرأ عليه ثم أحدث أتباعهم تفصيلا آخر: فمن سمع وحده من الشيخ قال ((حدثني)) ومن سمع مع غيره قال: ((حدثنا)»: (١) فتح الباري جـ ١ ص ١١٧ إلى ١١٩. والتدريب ص ١٣٠ - ١٣٣. : ٩٨ ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال ((أخبرني (١))) ومن سمع وغيره يقرأ قال: ((أخبرنا)). وكذلك خصص المتأخرون ((الإنباء)» بالإجازة التي يشافه بها الشيخ من يجيزه فإن أجازه وحده قال ((أنبأني)» وإن أجازه وغيره قال « أنبأنا )). «فائدة )» قوال الراوي: ((أخبرنا سماعا)) أو ((قراءة)) أو ((حدثنا سماعا)) أو ((قراءة عليه)) هو من باب قولهم: ((أتيته سعيا)) ((وكلمته مشافهة)) ولِلنَّحاة فيها مذاهب: ((الأول)). رأي سيبويه: أنها مصادر وقعت موقع اسم الفاعل حالا ، وأنه لا يستعمل منها الا ما سمع ولا يقاس عليها .. فعلى هذا فاستعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع لعدم نطق العرب بها .. ((الثاني)) رأي المبرد: أنها ليست أحوالا بل مفعولات لفعل مضمر من لفظها وذلك المضمر هو الحال. وأنه يقاس في كل ما دل عليه الفعل المتقدم .. ((الثالث)» رأي الزجاج: قال بقول سيبويه لكن قال: إنه مقيس. ((الرابع)) رأي السيرافي: قال إنه من باب جلست قعودا منصوب بالفعل الظاهر مصدرا معنوياً (٢) وعلى هذا يكون لهذه الصيغة وجوه في تخريجها على القواعد اللغوية ويكون استعمالها صحيحا عند الأكثر من النحاة . (١) قال العراقي: سواء سمعه معه غيره ام لا. (٢) تدريب الراوي ص ١٣٣. ٩٩ تفريعَات ((الأول)) كتب المتقدمين لا يصح لمن يروبها أن يغير فيها ما يجده من ألفاظ المؤلف أو شيوخه في قولهم: حدثنا أو أخبرنا أو نحو ذلك بغيره. وإن كان الراوي يرى التسوية بين هذه الألفاظ لاحتمال ان يكون المؤلف أو شيوخه ممن يرون التفرقة بينهما. ولأن التغيير في ذاته ينا في: الأمانة في النقل ويؤدي إلى تغيير النصوص. .وأما إذا روى الراوي حديثا عن أحد الشيوخ في غير الكتب المؤلفة. فإن كان الشيخ مِمَّن يرى التفرقة بين التحديث والإخبار فإنَّه لا يجوز للراوي إبدال أحدهما بالآخر. وإن كان ممن يرى التسوية بينهما جاز للراوي ذلك. لأنه يكون من باب الرواية بالمعنى. وقال آخرون بمنعه مطلقا وهو الحق لأنه ينافي الدقة في الرواية. وفي هؤلاء احمد بن حنبل قال: «اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا . ولا تَعْدُه )) .... ((الثاني)) إذا نسخ السامع أو المُسْمِع حال القراءة فما الحكم؟ قال جماعة منهم إبراهيم الحربي وابن عدي والأستاذ أبو اسحاق الإسترايني(١): لا يصح السماع وصحح السماع جماعة منهم: الحافظ موسى ابن هرون الحمال. وأبو حاتم محمد بن حِيَّان البُستي .. وكان ابن المبارك ينسخ وهو يقرأ عليه. وكتب أبو حاتم حالة السماع عند عارم. وقال أبو بكر احمد بن اسحاق الصِّبغي (٣) على من ينسخ أن يقول: حضرت ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا وهو رأي وسط ، وتحوط مشكور (١) بكر الهمزة وسكون الين وفتح الغاء والراء ثم كسر الياء والنون نسبة الى إنْفَرَاين. (٢) بكر الصاد وسكون الباء الموحدة والغين المعجمة. وياء النسبة في آخره وهو ما يصبغ به من الألوان. وهو أمام مشهور له رحلة الى العراق والحجاز وسمع الحارث بن أبي أسامة ومحمد بن عيسى بن الكن وتوفي سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة (٣٤٢) وكان أبوه يبيع الصبغ ومن سمع عن محمد بن يحيى الذهلي وأبي زرعة وتوفي اسحاق سنة إحدى وسبعين ومائتين. ١٠٠