النص المفهرس
صفحات 41-60
((كون الرواية طريقا الى العلم )» الرواية أحد طرق العلم المشهورة لأنها طريق الى الخبر المفيد للعلم (١) وقد قال العلماء إن أسباب العلم ثلاثة: (١) العقل (٢) الحواس السليمة (٣) والخبر ... والمراد بالخبر ما يشمل المتواتر وغيره. فإن كان متواترا أفاد اليقين والقطع. وإن كان غير متواتر أفاد الظن والرجحان. وقد يقترن بأخبار الآحاد من القرائن ما يرقى بها إلى إفادة اليقين ككون الحديث مرويا من طريق الأئمة المتفق على عدالتهم وضبطهم وجلالتهم. أو تلقي الأمة له بالقبول كالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم. أو انفرد بها أحدهما فيما عدا الأحاديث القليلة التي انتقدت عليهما. أو الأحاديث التي اتفق عليها أصحاب الكتب السنة وهذا العلم اليقيني إنما يحصل للعلماء الذين وقفوا على شروط الأئمة الجامعين للحديث ومبلغ تحريهم. ومبالغتهم في البحث عن الرواة والنظر في كتبهم. وتذوقوا الأحاديث بذوقهم. وسبروها بمسبارهم. أما غيرهم فهذا العلم ربما يبدو غريبا أو بعيداً عندهم. (١) المراد بالعلم ما هو أعم من اليقين والظن. وهو إدراك الطرف الراجح حتى يدخل في الخبر الأخبار- المتواترة وأخبار الآحاد. ٤١ تَارِيخُ السِوَائِيَة الرواية عند الأمم السابقة: الرواية ليست من خصائص الأمة الإسلامية، فقد وجدت في الأمم الغابرة والأجيال الماضية كالفرس واليونان والرومان والهنود وغيرهم. فقد كانوا يعتمدون عليها في نقل وحفظ ما يتعلق بأنساب آلهتهم وعظمائهم وسير أبطالهم ومشاهيرهم. ووقائعهم وملاحمهم المشهورة. وأشعار شعرائهم .. وقصص قصاصهم إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه في ربط الحاضر بالماضي. وقد نبغ في اليونان والرومان مؤرخون أمثال ((هيرودوت)) و ((توسيديد)» كتبوا التاريخ ونظموه بالقدر الذي يسمح به عصرهم كما نبغ فيهم شعراء، وقد بقي لنا من آثارهم في شعر الملاحم والقصص الإلياذة والأوذيسة(١) للشاعر هوميروس (٢) بيد أن هذه الأمم لم تبلغ في الرواية والنقل عن أسلافهم ما بلغت الأمة العربية لأنها كانت أما أقرب إلى الحضارة منها الى البداوة. كما كانوا أهل علم بالقراءة والكتابة أكثر. من العرب. ولأنهم لم يكن لهم من الخصائص النفسية والبواعث المعنوية مثل ما لأمة العرب. الرواية عند العرب وفي مقدمة الأمم التي عنيت بالرواية الأمة العربية. فقد كانت الرواية فاشية فيهم. لأنهم كانوا أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب وإن وجد (١) فجر الاسلام ص ١٦٦. (٢) أحد شعراء اليونان وأدبائهم: ٠٤٢ فيهم من يعرف القراءة، ويجيد الكتابة فهم قلة جدا .. وكان ديدنهم التكاثر والتنافر، والتفاخر بالأحساب والأنساب والتنابذ بالمعايب والألقاب. كما كانوا يحافظون أشد المحافظة على صفاء أنسابهم وصيانتها من الهجنة والاختلاط. فمن ثم عنوا بحفظ أنسابهم وما كان لآبائهم وأسلافهم من أمجاد ومفاخر. وما كان لأعدائهم من مثالب ونقائص. وما كان بينهم وبين غيرهم من حروب ووقائع. فكان من الضروري لهم أن يعلموا ما يؤدي به هذه الأغراض. ولما كانوا ليسوا ممن يخط بالقلم لم يكن لديهم من الكتب والصحف ما يقيدون فيه هذه المفاخر أو المثالب أو الوقائع وما فيها من البطولات كان لا بد لهم من الاعتماد على الحفظ والذاكرة. فمن ثم نشأت عندهم ملكة الأخذ عن الغير. وتحمل بعضهم عن بعض حتى كان الواحد منهم كأنه سجل يدون فيه التاريخ. وكان الواحد منهم يعظم في قومه بمقدار ما يحفظ من الأنساب والأحساب. وطبعي أنهم لم يكونوا في هذا سواء. بل كانوا متفاوتين في الحفظ والضبط على قدر تفاوتهم في الاستعداد والأحوال والملابسات .. فمنهم من كان يحفظ أنساب قبائل العرب وأحسابها. ومنهم من كان يحفظ ما يتعلق ببعض القبائل. ومنهم من كان يقتصر على حفظ ما يتعلق بنسب قبيلته ومفاخرها .. وأيضا فقد كان الشعر يعتبر سجل العرب وديوانهم. وكان الشاعر يعتبر لسان القبيلة المتغني بفضائلها. والزائد عن عرضها. فكان يقوم مقام وسائل الإعلان والدعاية في عصرنا هذا من نشر وصحافة وإذاعة. ولذلك ما كانوا يسرون بشيء أعظم من سرورهم بشاعر ينبغ في القبيلة قال ابن رشيق في العمدة: ((وكانوا - أي العرب - لا يهنأون الا ٤٣ بغلام يولد، أو شاعر يَنْبُغ، أو فرسِ تُنْتَجِ(١). وما كان الشعر بمدون في كتب أو صحف. وإنما كان الاعتماد فيه على الرواية يرويه الخلف عن السلف. ويُروُّونَه لمن بعدهم (٢) ومن هذا العرض الموجز يتبين لنا أن الرواية عند العرب في الجاهلية كان عليها جل اعتمادهم في حفظ أشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيام حروبهم. وأنهم ضربوا فيها بسهم راجح فاقوا فيه من عداهم. وقد شاء الله لهم هذا. حتى يكون من الأسباب الحاملة للأمة العربية على أن تحفظ كتاب ربها وسنة نبيها وتبليغهما للناس كافة. لما تشرفت بحمل خاتمة الرسالات إلى الناس كافة وأشرفها وأحقها بالخلود .. ميزات الرواية في الإسلام والرواية وإن كانت قديمة معروفة قبل الإسلام إلا أن الرواة قبل الاسلام من العرب وغيرهم ما كانوا يهتمون بتصحيح الأخبار والتحري عن رواتها والبحث عن صدقها ومطابقتها للحق والواقع. ولم يكن عندهم من صفة النقد والجرح والتعديل وتمحيص المرويات مثل ما كان للرواية بعد الإسلام. وذلك لأن تلك المرويات لم يكن لها من القداسة والحرمة والتقدير ما للمرويات الإسلامية. فمن ثم لم يدققوا فيها. ولذلك نجد أغلبها أساطير وأحاديث خرافة. يقصد بها إشباع الرغبة أو التسلية أو بث روح الإقدام والشجاعة، واستنهاض الهمم وإثارتها للحروب .. أما الرواة الإسلاميون فهم يعلمون حق العلم أن مرجع الأحكام الشرعية من حلال وحرام وغيرهما إلى القرآن الكريم والسنة النبوية. (١) بضم التاء وسكون النون وفتح التاء آخره جيم على صيغة المبني للمجهول. (٢) تاريخ الأدب العَرَبي للرافعي. ٤٤ ويعلمون أن التساهل في زيادة شيء من الدين كالتساهل في نقص شيء منه . والقرآن الكريم ثابت بالتواتر المفيد للقطع واليقين في نسبته إلى الله جل وعلا. فلا مجال للشك فيه. فكان لا بد لهم من أن يتأكدوا من صحة نسبة الأحاديث والسنن إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه. فمن ثم شدّدوا في الرواية . ووضعوا لها شروطا وأصلوا لها أصولا وقواعد هي أدق وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث. فهذا القدر وهو الاعتناء بتصحيح الأخبار والتثبت منها ونقدها من جهة السند والمتن نقدا علميا صحيحا هو الذي اختصت به الرواية الإسلامية . «عناية المسلمين بنقد الأسانيد والرواة )) وقد عُنِيَ العلماء المسلمون ولا سيما علماء الحديث والفقه والأصول بعلم الإسناد ونقد الرواة عناية فائقة إذ به يعرف التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف من المرويات والمقبول من المردود منها. وذلك لَمَّا رأوا الله ورسوله يحضان على التثبت في المرويات وأنه لا يقبل إلا خبر العدل الضابط. ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين(١)﴾ وقال أيضا جل ثناؤه ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان من ترضون من الشهداء(٢)﴾ وقال عز شأنه: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله (١٣) فقد دل ما ذكرنا من الآي ان خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير (١) الحجرات/٦. (٢) البقرة آية ٢٨٢ -. (٢) الطلاق آية ٣ -. ٤٥ العدل مردودة، والخبر وإِن فارق معناه الشهادة في بعض الوجوه .. فقد يجتمعان في أعظم معانيها إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم: كما أن شهادته مردودة عند جميعهم. ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق. وهو الأثر المشهور عن رسول اللّهِ عَ له ((من حدث عَنِّي بحديث يرى (١) أنه كذب فهو أحد الكاذبين(٢) )) .. وروي في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله محمد اله قال: ((إن كذبا علي ليس ككذب على أحد. فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار(٣) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: ((كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)» ... وكذلك ورد عن النبي عَ لَّه وعن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم. النهي عن الرواية عن الكذابين والضعفاء والمجروحين والمجهولين. والتحري في الرواية. ففي صحيح مسلم عن النبي عد له أنه قال: ((يكون. في آخر الزمان دجالون(٤) كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آبائ كم. فإیا کم وإیاهم لا یضلونكم. وروی بسنده عن مجاهد قال: ((جاء بُشَيْر العدوى إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول: الله ◌َّ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه(٥) ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله معد له ولا (١) روى يرى بضم الياء بمعنى يظن وبفتحها بمعنى يعلم. وروى الكاذبين بصيغة الجمع وبصيغة المثنى. وقد دل الحديث على أنه إن علم كذب حديث أو غلب على ظنه ذلك حرم عليه روايته دون بيان. .. وضعه ... (٢) مقدمة صحيح مسلم ج١ ص ٦١، ٦٢ - ، (٣) صحيح البخاري - كتاب العلم باب إثم من كذب على النبي عد ◌ّة، وصحيح مسلم ج١ باب تغليط الكذب على رسول الله . (٤) جمع دجال وهو المموه الذي يحاول ان يلبس الباطل ثوب الحق .. (٥). لا يستمع ولا يصغي. تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة (١) إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ◌َ الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف » وفي رواية طاووس للقصة. ((فلما ركب الناس الصعب(٢) والذلول تركنا الحديث عنه)) وروى بسنده عن محمد بن سيرين قال: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)». وعنه أيضا قال: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد. فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم. وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم». . وروى بسنده عن عبد الله بن المبارك قال: ((الاسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)) وروى عنه أيضا أنه كان يقول: ((بيننا وبين القوم القوائم (٣) يعني الإسناد وروى بسنده عن أبي إسحاق ابراهيم ابن عيسى الطَّالقاني قال: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء ((إن من البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك. وتصوم لهما مع صومك)) قال: فقال عبد الله يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال قلت له. هذا من حديث شهاب بن فراس. قال: ثقة عمن؟ قال: قلت عن الحجاج بن دينار. قال: ثقة، عمن؟ قال: قلت. قال رسول الله عَ لَّه قال: يا أبا اسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي عَ ◌ّه مفاوز(٤) تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف )) وذلك لأن الحجاج ابن دينار هذا من تابعي التابعين. فأقل ما يمكن ان يكون بينه وبين (١) حينا : وذلك قبل أن يظهر الكذب. (٢) أصل الصعب والذلول في الإبل فالصعب: العر المرغوب عنه؛ والذلول: الطيب السهل الحبوب فالمعنى سلك الناس كل مسلك مما يذم ويحمد. (٣) جعل الحديث كالحيوان، لا يقوم الحديث بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان وينتفع به بغير قوائم. (٤) مغاوز جمع مفازة وهي الصحراء اي انقطاع كثير. ٤٧ النبي ◌َّة اثنان: التابعي والصحابي فلذلك قال هذا. وهذا لون من ألوان النقد الأصيل النزيه. وروى مسلم بسنده عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان فقيه أهل المدينة قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله (١). وقال سفيان الثوري: ((الإسناد سلاح المؤمن» وقال الإمام الشافعي ((مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كخاطب ليل)» إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالأسانيد. ونقد الرواة. وتشريحهم تشريحا علميا دقيقا. ولولا هذا لوجد الزنادقة وأعداء الإسلام الفرصة سانحة للإفساد في الدين والاختلاق في الأحاديث من غير أن يجدوا من يكشف عن زيغهم وكذبهم ويرد عليهم: کیدھم. الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية فلا عجب وقد سمعت خَصِيصَة الرواية في الإسلام أن يكون الإسناد الصحيح المتصل من خصائص الأمة الإسلامية. وإليكم كلام رجل عارف بالملل والنحل وتاريخ المذاهب الإسلامية وهو الإمام أبو محمد علي بن حزم، قال في كتابه ((الفِصَل في الملل والنحل)) ما خلاصته .. ((نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي عة مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الأمم وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد عد له. بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أزيد من ثلاثين عصراً في أزيد من ألف وخمسمائة عام. وإنما يبلغون بالنقل الى شمعون ونحوه. وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تجريم الطلاق وجده فقط على أن مخرجه من كذاب قد ثبت كذبه .. (١) صحيح مسلم بشرح النووي ج ١ ص ٧٨ - ٨٨. ٤٨ : : i : : : : وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول فلا يمكن اليهود أن يصلوا الى صاحب نبي أصلا. ولا إلى تابع له. ولا يُمكِنُ للنصارى ان يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص. وقال أبو علي الجَيَّاني ((خص الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب(١))». صَلى الله الحديث في عهد النبي كان معظم الصحابة رضوان الله عليهم يأخذون عن رسول الله محمد اله الوحي أخذا شفاهيا بطريق السماع من النبي عَ ◌ّه. ومن لم تمكنه ظروف حياته من التلقي عن الرسول عَ لله مباشرة بسبب السفر أو الاشتغال بالجهاد أو أمور المعاش أخذ عمن تلقى عن الرسول. فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم(٢) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يتناوب هو وجار له من الأنصار في الذهاب الى مجلس الرسول مَ له هذا ينزل يوما. وذاك ينزل يوما. فإذا نزل أحدهما جاء للآخر بخبر ذلك اليوم من الوحي والأحاديث والأخبار. وهكذا نجد أنهم ما كان يشغلهم دينهم عن دنياهم. ولا تشغلهم دنياهم عن دينهم بل جمعوا بين الحسنيين. وحازوا الفضيلتين: العمل للدنيا والعمل للآخرة. وكذلك من نأى عن الرسول كانوا يرسلون الوفود لتأتيهم بخبر الرسول والوحي قرآنا أو سنة. وذلك كما فَعَل قوم ضمام بن ثعلبة. فقد وفد على النبي عَ ◌ّه رسولا من قومه وسأله عن الرسالة وشرائع الإسلام. وكوفد عبد القيس. فقد وفدوا على النبي عَ ◌ّهُ وسألوه عن الإيمان وشرائع الإسلام فأجابهم وعلمهم وأوضاهم أن يحفظوا الإيمان والعلم، ويبلغوه من وراءهم رواهما (١) التدريب ص ١٨٣ الباعث الحثيث هامش ١٨٩ - ١٩٠. (٢) صحيح البخاري - كتاب العلم. باب التناوب في العلم، وصحيح مسلم كتاب الطلاق. ٤٩ البخاري ومسلم(١) بل كان الرسول ◌ّ يرسل مع الوفود من علماء الصحابة من يقرئهم القرآن. ويعلمهم السنة. ويفقههم في الدين وذلك كما فعل مع الأنصار قبل الهجرة. فقد أرسل معهم الصحابي الجليل مصعب ابن ◌ُمَير داعياً إلى الإيمان ومقرئا ومعلماً. وكان النبي ◌ُ ◌ّ كثيرا ما يشحذ عزائمهم إلى حفظ الأحاديث والسنن وتبليغها بمثل قوله معَّ ((نَضّر الله امرءًا سمع مني مقالة فحفظها. ووعاها، فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع)» رواه أبو داوود والترمذي وروى نحوه الشافعي والبيهقي وفي آخره «فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ». وقال مُ له ((ليبلغ الشاهد الغائب فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه)». وقال «فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع )» رواهما البخاري(٢) وقال عَ لّ ((العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارا: ولا درهما. وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر » رواه الترمذي من حديث طويل. إلى غير ذلك من الأحاديث التي كانت تحمل الصحابة على العناية الفائقة بحفظ الأحاديث والسنة وتبليغها .. ((كتابة القرآن كله )». لقد كتب القرآن جَميعه بين يدي النبي ◌ُّ. وإن كان كتب مفرقا في العُسب والأكتاف، والرقاع. واللخاف(٢) وتلقاه عن النبي عَ ◌ّ الصحابة (١) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب القراءة والعرض على المحدث - وباب تحريض النبي وفد عبد القيس أن يحفظوا الإيمان والعلم .. (٢) كتاب العلم باب رب مبلغ أوعى من سامع. (٣) : العنيب: جمع عسيب طرف الجريد العريض، والأكتاف: جم كتف اي عظم الكتف، الرقاع: جمع رقعة: ما يكتب فيه من جلد أو قماش او ورق، اللخاف: جمع لخفة؛ وهي حجارة رقيقة يكتب: عليها . ٥ وقد كان المعول عليه في حفظ القرآن. وضبط كلماته هو التلقي والسماع. فقد تلقوه كله عنه آية آية. وكلمة كلمة. وحرفا حرفا من غير تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان، ثم بلغوه كما تلقوه لمن بعدهم وهكذا نقله كل جيل عمن قبله حتى وصل الينا كما أنزله الله غضا طريا كأن عهده بالنزول أمس. وبذلك اجتمع للقرآن الكريم الحفظ في الصدور. والكتابة في السطور. والتلقي الشفاهي والكتابي. وصدق الله حيث يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(١)﴾. ولم تقف عنايتهم بالقرآن عند حفظ. لفظه. وضبط كلماته بل عنوا برواية كل ما يتصل بالقرآن كتفسيره. ومكيه ومدنيه. وأسباب نزوله. والأحْرُف التي نزل عليها. وقراءاته، ورسمه. ووقوفه. وطرق أدائه ونحوها . صَّى اللّهِ ﴾ ﴿لم لَم تدون الأحاديث كلها في عهد النبي عَّة وإنما لم تدون الأحاديث كلها ((كالقرآن)» - في عهد النبي ◌ّ لأمور (١) لِفُشُوُّ الأمية، وعدم توفر أدوات الكتابة فيهم (٢) ولسعة حفظهم. وسيلان أذهانهم، واعتمادهم على الحفظ اكثر من اعتمادهم على الكتابة (٣) لورود النهي عن ذلك. فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخُدْرِي عن النبي صَ لِّ قال ((لا تكتبوا عَنِّي ومن كتب عني غير القرآن فليمحه (٢) )) وهذا هو الحديث الوحيد - فيما أُعْلَم - في هذا المعنى. وسيأتي بيان وجهة هذا النهي. وقد كان هذا النهي بمثابة إشحاذ الهمم، وتقوية العزائم لحفظ الأحاديث والسنن. وتبليغها للغير باللفظ إن أمكن وإلا فبالمعنى. ولا سيما أن النبي ◌َّ كان يحثهم ويرغبهم في ذلك بمثل ما ذكرناه آنفا. (١) الحجر ٩. (٢) صحيح سلم، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم في أواخر الصحيح. ٥١ وبمثل ما رواه أبو محمد الرامهرمزي في كتابه («المحدث الفاصل بين الرواي والواعي» بسنده عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: (« سمعت علي بن أبي طالب يقول: خرج علينا رسول الله عَ لَّه فقال: (اللهم ارحم خلفائي. قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال الذين: يروون أحاديثي ويعلمونها الناس». فمن ذا الذي يسمع هذا وأمثاله. ولا يبذل غاية وسعة في حفظ كلام رسول الله عَ لَّه لتكون له هذه الخلافة المشرفة .. ؟ (( الإذن: لبعض الصحابة بالكتابة)) ومع ورود هذا النهي عن الكتابة فقد أباح النبي ◌ُ ◌ّم البعض الصحابة أن يكتبوا الأحاديث، وهذا يدل على أن النهي لم يكن قاطعا على سبيل الحتم، وأنه لم يكن عاما يقصد به الجميع. وإنما كان لأسباب واعتبارات سنعرض لها فيما يأتي: الأحاديث الدالة على الكتابة في العهد النبوي وقد وردت أحاديث دالة على أن بعض الصحابة كان يكتب. وأن النبيِ مَّ أَذن لبعضهم في الكتابة. وأذن للصحابة أن يكتبوا لغيرهم. فمن ذلك. ١ - ما رواه البخاري(١) ومسلم (٢) في صحيحهما وغيرهما ((أن عليا رضي الله عنه سئل: ((هل عندكم عن رسول الله عَ لّه شيء سوى القرآن؟ فقال لا والذي فلق الحبة. وبرأ النسمة(٣) إلا أن يعطي الله عبدا فهما في (١) صحيح البخاري - كتاب العلم باب كتابة العلم - وصحيح البخاري - كتاب الفرائض - باب ١ثم من تبرأ من مواليه، وهذه من طريق إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي وهي أوفى الروايات. : (٢) صحيح مسلم - كتاب الحج - باب فضل المدينة ودعاء النبي ◌َّ فيها بالبركة وبيان تحريمها .. ورواية مسلم من طريق ابراهيم التميمي عن أبيه قال خطبنا علي الح هي أوفى الروايات وأشملها. (٢) خلق النّفس. ٥٢ كتابه. وما في هذه الصحيفة. قلت : - هو أبو جُحَيفة السائل(١) - وما في هذه الصحيفة؟ قال: ((العقل (٢) وفكاك(٣) الأسير وألا يقتل مسلم بكافر)) وفي رواية لهما: «ما عندنا شيء نقرؤه الا كتاب الله وهذه الصحيفة. فاذا فيها: المدينة هرم ما بين عبر الى ثور)) (٤))). وفي رواية لمسلم بسنده عن علي وفيها « .... فأخرج صحيفة مكتوبة فيها: لعن الله من ذبح لغير الله ... )) الحديث. والنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي فإذا فيها ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم ... )) الحديث. وللإمام احمد عن طريق ابن شهاب «فيها فرائض الصدقة ... )) أي زكاة السوائم من إبل وبقر وغنم ونحوها. وهذا يدل على أن هذه الصحيفة كانت حافلة بكثير من الأحاديث ولكن كلا من الرواة نقل ما حفظه أو اقتصر على بعض ما فيها .. ٢ - ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: ((ما من أصحاب رسول الله عَ الم أحد أكثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن (١) كان من صغار الصحابة. قيل توفي رسول الله عليه ولم يبلغ الحلم. وقد روى له الجماعة. وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه، ويثق به. وجعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها. (٢) أي الديات سميت الإبل عَقْلا لأنهم كانوا يعقلونها بالعقل . - أي الحبال - حين يقدمونها في الديات. (٣): العمل على تخليصه من الأسر ولو كان بغداء. (٤) أما وجود غير وثور بالمدينة فقد أنكره مصعب الزبيري وأما أصحاب الغريب وشراح الأحاديث فقد اختلفوا: فمنهم من قال: ان ذكر غير صحيح وثور غير صحيح قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وتابعه ياقوت الحموي في «معجم البلدان)» وابن الأثير في ((النهاية)). والمحققون من المحدثين أثبتوها كالقاضي عياض والنووي وابن حجر على أن كلا من الجبلين موجود بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وان خلَف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم ان خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا الى الحمرة بتدوير يسمى ((ثوراً)» وقال بعض الذين ألفوا في «أخبار المدينة: (( وقد تحققته بالمشاهدة)) وكذلك حقق صاحب القاموس المحيط صحة الرواية وأن ((عيرا)) و ((ثورا)» جبلان بالمدينة [القاموس المحيط جـ ١ ص ٢٨٤] ومن اراد استقصاء في هذا فليرجع إلى ((فتح الباري » جـ ٤ ص ٨٢، ٠٨٣ ٥٣ العاص فإنه كان يكتب ولا أكتب (١) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهما (٢) ((أن أبا شاه(٣) اليمني التمس من النبي عَ ◌ّ أن يكتب له شيئاً سمعه من خطبته عام الفتح فقال النبي ◌َّةُ: ((اكتبوا لأبي شاه)) .. ٤ - ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اشتد بالنبي عَ ◌ّ وجعه قال: ((ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ... )) الحديث. أي آمر بأن يكتب لكم كتاب. فهذا إذن منه عَّ وهمِّ بالكتابة بالفعل، ورسول اللهعَّ لا يأَذِن ولا يهم الا بما هو مشروع. ٥ - ما ثبت أن مح له كتب كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمروبن عزم وغيره روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس: ((أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له هذا الكتاب لما وجهه الى البحرين ((بسم الله الرحمن الرحيم: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله محمد خالد على المسلمين والتي أمر بها رسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يُعْطِ ... )) الحديث. ٦ - وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمروبن ٠(١) وكأن مقتضى هذا أن يكون أكثر حديثا من أبي هريرة مع أن ما أحصاه العلماء من مرويات عبد الله أقل مما أحصاه العلماء لأبي هريرة بكثير جدا والسبب في هذا: ١ - ان عبد الله كان أكثر مقامة بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة: إليها ممن يطلب العلم كالرجلة الى المدينة التي كان مستوطن أبي هريرة مع تصديه الرواية أو الفتوى حتى مات. ٣ : - ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي له بألا ينسى ما يحدث به. ٣ - أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الرواية عنه كثير من أئمة التابعين - فتح الباري جـ ١ ص ٢٠٧. (٢) عمدة القاري جـ ١ ص ٥٦٨ ط استانبول. (٣) أبو شاه: بشين معجمة وهاء بعد الألف في الوقف والدرج. ولا يقال بالتاء بل هو خطأ وتصحيف. ولا يعرف اسم أبي شاه هذا. وإنما يعرف بكنيته وهو كلي يمي. ٥٤ العاص قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك الشيء أفأكتبه؟ قال ((نعم)) قلت: في الغضب والرضا:؟ قال «نعم فإني لا أقول فيها إلا حقا )». وكانت له صحيفة - أي نسخة تضم أحاديث كثيرة - وكان يسميها الصادقة لثقته بكل ما رواه فيها من الأحاديث وكان يعتز بها غاية الاعتزاز حتى كان يقول: « ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة، والوهط )» والوهط بستان له كان بالقرب من الطائف، وقد روى الكثير منها حفيده عمروبن شعيب صاحب النسخة المشهورة عند المحدثين. ٧ - وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: ((كان رجل من الأنصار يجلس الى رسول الله عَ لّ. فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه. فشكا ذلك الى رسول الله عَ الله فقال: ((استعن بيمينك)» وأومأ بيده الى الخط. أي أشار إلى الكتابة بإصبعه قال الترمذي: وهذا الحديث ليس اسناده بذلك القائم. ٨ - وأسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال: ((قلت يا رسول الله. إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: ((أكتبوا ذلك ولا حرج)»، وقد ضعف بعض العلماء هذا الحديث. ٩ - وروى الحاكم وغيره من حديث أنس وغيره موقوفا «قيدوا العلم بالكتاب )» وفي سنده مقال: ١٠ - وأسند الديلمي من علي رضي الله عنه مرفوعا: ((إذا كتبتم الحديث فاكتبوه ((بسنده)) وفي سنده مقال. ومن هذه الروايات وغيرها يتبين لنا أن ما كتبه النبي عَ لّ لعماله بشأن الزكوات وأنصبتها. وما كتبه في عهود بينه وبين اليهود بالمدينة وغيرها ، ومن عهود بينه وبين المشركين كما حدث في الحديبية، والكتب التي كتبها الى الأمراء بالجزيرة، والى ملوك الدنيا المعروفة آنئذ داعياً ٥٥ الى الله والإسلام وما كتبه الصحابة أو كتبوه لغيرهم - يكون عددا كثيراً من الأحاديث التي قد تملأ مجددا وسيطا. : «اختلاف السلف)» وقد اختلف السلف من الصحابة والتابعين في كتابة الأحاديث وتدوينها في الكتب فكرهها طائفة منهم: ابن عمر. وابن مسعود وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري. وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة رضي الله عنهم .. وأباحها أو فعلها طائفة منهم: عمر. وعلي، وابنه الحسن وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وجابر. وابن عباس والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح. وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز. وحكاه القاضي عياض عن أكثر الصحابة والتابعين. ومن مُلَح قول بعضهم وهو أبو المليح « يعيبون علينا أن نكتب العلم وندونه وقد قال الله عز وجل ﴿إنما علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى(١)﴾. ثم أجمعوا بعد ذلك على جوازها بل على وجوبها قال ابن الصلاح في . مقدمته ((ثم إنه زال ذلك الخلاف. وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة (٢). وقال الحافظ ابن حجر: ((ولم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة وبذلك ارتفع الخلاف الذي كان بينهم اولا في كتابة الحديث. واستقر الأمر، وانعقد الإجماع على جواز كتابته. بل على استحبابه بل على وجوبه على من خشى عليه النسيان ممن يتعين عليه تبليغ (٢) العلم (٢). (١) التدريب ص ١٥٠. . (٢) علوم الحديث بشرحه ص ١٧١ ط حلب. (٣) فتح الباري جـ ١ ص ٢٠٤. ٥٦ (آراء العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي) وقد اختلف العلماء في التوفيق بين أحاديث الإذن وحديث النهي فمنهم من قال: إن الإذن لمن خيف عليه النسيان كأبي شاه. والرجل الأنصاري. والنهي لمن آمن عليه النسيان ووثق بحفظه. وخِيفَ اتكاله على الكتابة. فيكون النهي مخصوصا به. ومنهم من قال: إن النهي خشية أن يلتبس على البعض الحديث بالقرآن الكريم. أو أن يكون شاغلا لهم عنه. والإذن لمن أمن عليه ذلك بأن كان قارئا كاتبا. ويؤمن عليه الانصراف عن القرآن والاشتغال بالسنة كعبد الله بن عمرو بن العاص وسيدنا علي رضي الله عنهم. ومنهم من أعل حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم وقال إنه موقوف عليه. ومنهم الإمام البخاري. وهذا غير مسلّم فإن الحديث صحيح ولا ريب .. ومنهم من قال: إن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي. وان النهي كان في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم بالأحاديث عن القرآن أو خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن. ثم لما أمن ذلك نسخ. قال الحافظ في الفتح ((وهو أقربها مع أنه لا ينافيها )» وهذا الرأي هو الصحيح. ويؤيد القول بالنسخ. أن بعض أحاديث الإذن متأخرة التاريخ فأبو هريرة رضي الله عنه راوي حديث كتابة عبد الله بن عمرو وهو متأخر الاسلام فقد أسلم في أوائل العام السابع عقب خيبر مما يدل على أن عبد الله كان يكتب بعد إسلامه. وقصة أبي شاه كانت عام الفتح سنة ثمان. وحديث طلب النبي كتابا ليكتبوا له ما كان يريد قبيل وفاته. ولو كان حديث أبي سعيد في النهي متأخرا عن هذه الأحاديث لعرف ذلك عند الصحابة يقينا، إذ مثل ذلك مما لا يخفى عليهم. ثم جاء إجماع الأمة على الكتابة بعد قرنية على أن الإذن هو الأمر ٥٧ : الأخير. ومهما يكن من شيء فقد انقضى العصر النبوي والذين كانوا يكتبون الأحاديث من الصحابة أقل من كانوا لا يكتبون. ((الحَديث في عهد الصحابة وكبار التابعين)) ما إن توفي رسول الله عَّه. وجاور الرفيق الأعلى حتى كثر عدد من كان يكتب من الصحابة. إذ لم يعد هناك تحرج من الكتابة. لأن معظم الاعتبارات التي ذكرناها في توجيه النهي عن الكتابة لم تعد موجودة. فالقرآن كله قد كتب وحفظه الجم الغفير من الصحابة. وانقطع الوحي بوفاة الرسول عَ لله كما أن الأمية زالت عن كثير من الصحابة. الدعوة الإسلام إلى إزالة الأمية والتعلم. وقد كان من الأعمال البارعة الرشيدة ما وضعه الرسول ح له من أساس صالح عقب غزوة بدر. فقد قبل ممن لا يقدر على دفع الفداء من الأسارى وكان يعرف القراءة والكتابة أن يعلم عشرة من صبيان المدينة المسلمين القراءة والكتابة(١). وقد كان من الحوافز على الكتابة ما قام به الخليفة الأول أبو بكر الصديق من كتابة الأحاديث والسنن المتعلقة بالزكاة والصدقات لعماله. روى البخاري في صحيحه بسنده عن أنس - رضي الله عنه - كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين (٢): بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ع ◌َّ على المسلمين والتي أمر بها رسوله. فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها. ومن سئل فوقها فلا يعط .... الحديث(٣) وفي هذه الكتب بيَّن أنصبة زكاة الإبل والبقر والغنم. (١) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة للمؤلف جـ ٢ ص ١٣٨ ط ثانية. (٢) إقليم مشهور معروف يشتمل على مدن معروفة قاعدتها: هجر. وينطق به هكذا بلفظ التشنية. والنسبة اليها بجرافي .. (٣) صحيح البخاري. باب زكاة الغنم - وباب زكاة الإبل -. ٥٨ : : ((هم الفاروق رضي الله عنه أن يكتب الأحاديث)) وقد هم الفاروق عمر - رضي الله عنه - أن يجمع الأحاديث ويقيدها في كُتُب فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله عَ ليهِ. فأشاروا عليه ان يكتبها. فطفق يستخير الله في ذلك شهرا. ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: ((إني كنت أردت أن أكتب السنن(١) وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً)). رواه البيهقي في المدخل (٢). فَدَلٌ هذا على أن جمهور الصحابة كان رأيهم الكتابة. وأن من تيسرت له الكتابة منهم كانوا يكتبون. فقد شاعت القراءة والكتابة في هذا العصر عن ذي قبل. وما كانت تحدث مثل هذه القصة دون أن يكون لها أثر في حفز نفوس الكثيرين إلى كتابة السنن وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أنس بن مالك قصة سماعه حديثا مرويا عن عتبان بن مالك - رضي الله عنه - سمعه من رسول الله عَ لّة في أن من شهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صادقا من قلبه لا يدخل النار. قال أنس: ((فأعجبني هذا الحديث فقلت لإبني: أكتبه (٢) فکتبه(٢) )). وروى الحاكم وغيره من حديث أنس موقوفا «قيدوا العلم بالكتاب(٣))) وكان ممن نشط وشمر عن ساعد الجد في كتابة الحديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنها: روى الدارمي والحارث في مسنديهما بسنديهما عن ابن عباس قال: ((لما قبض رسول الله عَ لَّه. قلت لرجل من الأنصار. هَلُمَّ فلنسأل (١) أي يدونها تدوينا عاما وليته رضي الله عنه فعل. (٢). التدريب ص ١٥١. (٣) صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١ ص ٢٤٤. ٥٩ أصحاب(١). رسول الله عَ لّه فإنهم اليوم كثير قال: واعجباً لك !! أَتُرى الناس يفتقرون إليك؟ قال: فترك ذلك - يعني هذا الرجل - قال ابن عباس. وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله عَ لَّه فإن كان ليبلغني الحديث عن رجل منهم فآتى بابه وهو قائل(٢) فأتوسد (٣): ردائي يسفي الريح عَلَيَّ من التراب فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما حاجتك؟ هلا أرسلت إلي فآتيك؟ !! فأقول: لا أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث. فعاش الأنصاري حتى رآني. وقد اجتمع الناس حولي يسألوني. فقال: هذا الفتى كان أعقل مني)). ورويا بسنديهما عن أبي رافع(٤) ((كان ابن عباس يأتي أبا رافع فيقول: ما صنع النبي يوم كذا؟ ومع ابن عباس من يكتب ما يقول)» .. (التابعون)» ثم جاء التابعون رضوان الله عليهم. وقد تهيأ لهم من كتابة الأحاديث والسنن ما لم يتهيأ لغيرهم. فأكثروا من التقييد والكتابة فقد تمت معظم الفتوحات. وسكن الصحابة الذين حملوا الأحاديث عن رسول الله عز له الأمصار الإسلامية، وأصبح هناك تفرغ للعلم والرواية والفتوى. وتكونت المدارس العلمية في الحجاز وغير الحجاز. وأضحى لهذه المدارس أساتذة وأئمة. وطلاب كثيرون. وأصبح للعلم ولا سيما علم القرآن والسنة في المجتمع الإسلامي منزلة تفوق منزلة الإمارة. بل والخلافة. فلا عجب أن أقبل التابعون على العلم بنهم غريب. وكان لرواية الأحاديث والسنن من ذلك حظ كبير. (١) يريد كبار الصحابة الذين سمعوا ما لم يسمعه. ورأوا من النبي ◌َّ ما لم يره. (٢) مستريح وقت القيلولة وهي اشتداد الحز. (٣) أجعله كالوسادة وأنام عليه (٤) لعله أبو رافع مولي النبي عَدَّة. ٦٠ :