النص المفهرس
صفحات 1-20
الوَسَيْط في ◌ُلُمْ وَمُ صْطِلَةِ الحَدُِّ ألْفَهُ خَادِمِ القُرْآنِ وَالسَُّّنَّة الأسْتَاذ الدكتور الشيخ محمَّدبْنُ محمد أبو شَحْبَة أستَاذْ عُلومِ القُرآن وَلِلحَديث، وَعُلُوُمه بَجَامِعَة الأزهَرِ سَابقًا - وَجَامِعَة أم القرى حاليًا عالم المصرفلفة للنشر والتوزيع بِشِ الله الرحمن الرحيم تَقْلِمَّةٌ بَيْ یَکَیّالكِتَابٌ الحمد لله الذي أنزل على عبده ونبيه محمد القرآن وحيا يتلى، وأنزل عليه السنة وحيا غير متلو، حيث قال فيما صح عنه ﴿ألا إِنَّني أُوتيت الكتابَ، ومثله معه(١)﴾ والصلاة والسلام على سيدنا محمد بعثه الله على حين فترة من الرسل ليفتح به أعينا عميا وآذانا صميا ،وقُلوباً غلفا فعلاً الدنيا إيماناً وتوحيداً بعد أن ملئت شركاً وكفراً، وهدى بعد أن ملئت ضلالاً وخيراً بعد ان ملئت شراً، وعلماً بعد ان ملئت جهلاً، ونوراً بعد أن كانت في ظلمات وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن اهتدى بهداه الى يوم الدين. أما بعد : فإن عِلْم الحديث النبوي الشريف لم يزل من قديم الزمان - والإِسلام غَضٌ طري، والدين محكم الأساس قوي - أشرف العلوم وأجلها، وأنفعها وأبقاها ذكرا، وأعظمها أثرا، بعد علم القرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم. وقد عُنِيَت الأمة الإسلامية من لدن عصر الرسول عَ لَّه بحفظ الأحاديث وروايتها، والالتزام بها علما، وعملا، وسلوكا، واخلاقا ثم عنيت بجمعها، وتدوينها في كتب الأحاديث والسنن، من الصحاح، (١) رواه أبو داود في سننه مطولا، كتاب السنة - باب لزوم السنة، وهو حديث صحيح، ورواه الترمذي بأوجز من رواية أبي داود. ٥ والسنن، والمسانيد والمعاجم، والجوامع، والمشيخات، والأجزاء ونحوها(١) . وكذلك عنيت بالرواة، والمرويات من حيث القبول والرد، وَوَضَعُوا في ذلك أدق، وآصل، وأحكم قواعد النقد العلمي الصحيح، وتركوا لنا في علم تاريخ الرجال ثروة نادرة لا توجد في أية أمة من الأمم الأخرى وفي علم الجرح والتعديل ما لم يعرف عند أمة أخرى .. وكانت هذه العناية ممثلة في علماء الحديث، وجهابذته (٢)، وأتمته النقاد الذين قضوا حياتهم في الارتحال، والأسفار، وجانبوا الراحة والاستقرار في سبيل لقاء الرواة، والبحث عنهم، وميزانهم بميزان دقيق، لا تخيف فيه على أحد منهم ولا غبن له، ولا نقص لحقه. كما تكلموا في علم غريب الحديث، وعلم علله، وعلم مختلف الحديث ومشكله، وعلم ناسخه، ومنسوخه، وعلم محكمه، ومتشابهه، وعلم أسباب وروده وعلم التنبيه الى التصحيف والتحريف الذي وقع فيه بعض المحدثين إلى غير ذلك من العلوم وهكذا نجد أنه ما من علم يتعلق بجانب من جوانب الحديث إلا وتكلموا فيه وأوسعوه شرحا وبيانا. وكذلك عنوا بضبط متون الأحاديث ضبطا محكما متقنا، وتحقيق الروايات وتحريرها، ويبدو ذلك جَليّاً في النسخة المحققة من صحيح الإمام البخاري. وكذلك عنوا بشرح الأحاديث وبيان معانيها الإفرادية والتركيبية وما يستنبط منها من العقائد، والأحكام، والحكم والآداب، وما تشتمل عليه من وجوه البلاغة وأساليب البيان، والمحسنات البديعية، حتى غدت كتب هذه الشروح دواوين عقيدة وشريعة، وأخلاق، ومواعظ، (١) سيأتي إن شاء الله تعالى شرح ذلك كله. (٢) جمع جهيذ - بكر الجيم - الناقد البصير. ٦ وعلم، وأدب، وبلاغة وبيان فكانت كالحديقة المزهرة المثمرة الغناء التي يتنقل فيها الناظر من روض الى روض، ومن ثمار الى ثمار، ومن زهور الى زهور حتى غدت متع القلوب ومشتهى النفوس، وانشراح الصدور، وقرات العيون .. إن تأليفي لهذا الكتاب يرجع الى نحو ثلث قرن أو يزيد، حينما كنت أقوم بتدريس ((الحديث الشريف)) و((علومه)» بكلية أصول الدين - احدى كليات الجامع الأزهر العتيق، المعمور بالعلم والعلماء ، أيام أن كان الأزهر الشريف بكلياته ومعاهده الدينية العلمية - هو الأزهر - والعلم هو العلم، وطلاب الأزهر - هم الطلاب - وحرصهم على العلم هو الحرص. وقد كان في أول الأمر مباحث مكتوبة بخط يدي أمليها على الطلاب شيئاً فشيئاً، ثم بدا لي - ونعم ما بدا - أن أجمع هذه البحوث، ولا زلت أهذبها وأنقحها، وأقدم فيها وأؤخر، وأزيد فيها وأعيد حتى جاءت على هذا الوضع الحسن المستطاب. ومن فضل الله على أني لا أسطر كلمة في العلم، ولا أكتب بحثا، ولا أحقق مسألة من مسائل إلا وأحتفظ بما أكتبه عندي في حرز مصون، وما احتفظت بشيء مما كتبت إلا وانتفعت به غاية الانتفاع، حتى البحوث التي كتبتها في زمن طلب العلم. · ولعلكم تعجبون اذا قلت لكم - صادقا - أني ما فرطت في كتاب ولا في «دفتر(١))» من الدفاتر التي كانت عندي من عهد الصبا والطلب، وبعضها موجود في ((مكتبتي)» بقريتنا الى يومنا هذا. (١) الدَّفتر - بفتح الدال وكرها - مجموعة من الأوراق التي يكتب فيها جمعة دفاتر كما في القاموس والكراس بضم الكاف والكراسة الصحف أو جزء الصحيفة التي يكتب فيها. ٧ وما أردت - علم الله - بذكر هذا الا استحثاث طلاب العلم، والتلاميذ اليوم على الاحتفاظ بكتبهم، والمذكرات التي تملى عليهم ،! لتكون ذكرى عندهم، وليرجعوا اليها عند الحاجة. وقد كان الاحتفاظ بالكتب والدفاتر ونحوها خصيصة من خصائص طلاب الأزهر في هذا الوقت، وهو شيء أسجله تقريرا للحقيقة والواقع. منهجي في تأليف هذا الكتاب: ولم أنهج في هذا الكتاب المنهج الذي اتبعه الإمام ابن الصلاح في (علومه)» ومن نهج منهجه في هذا من جاء بعده بالبدء ببحوث الصحيح والحسن والضعيف ولا المنهج الذي اتبعه الإمام الحافظ ابن حجر. في ((النخبة، وشرحها)) ولكني نهجت منهجا آخر ألهمني الله إیاہ. ذلك أني بدأت بشرح الألفاظ التي يكثر دونها في هذا العلم - وبشرح ألقاب المحدثين - وذكر الحديث القدسي، والفرق بينه وبين القرآن، وبينه وبين الحديث النبوي. ثم بدا الى أن أؤخره حيث وضعته . ثم ثنيت بشرح هذا المركب «علم الحديث)» وتقسيمه الى (١) علم الحديث رواية (٢) وعلم الحديث دراية، والأطوار التي مر بها هذا المدونة فيه قديما وحديثا ثم ثلثت بالرواية: العلم - وأشهر الكتب شروطها - تاريخها - عناية الأمة العربية تعريفها - أقسامها - بها - عناية الأمة الاسلامية بها - عناية الأمة الاسلامية بالإسناد : - الإسناد المتصل الصحيح من خصائص هذه الأمة ثم بينت الأطوار التي مر بها تدويّ الحديث في عهد النبي عَّ - ثم في عهد الصحابة. وفيه سَنَّ الخلفاء الراشدون سنة التثبت في الرواية - ثم في عهد التابعين، - ثم عرضت لتدوين الأحاديث والسنن تدويناً عاماً في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، ثم وفقت بين حديث النهي عن الكتابة، والأحاديث المتكاثرة الدالة على كتابة الأحاديث في العهد النبوي، ثم العهود بعده، لأبين أن تدوين السنة بدأ في عهد مبكر جداً. ثم بينت أشهر الكتب المؤلفة في القرن الثاني الهجري - كتاب الموطأ هو الباقي منها، ثم في القرن الثالث الذي يعتبر العصر الذهبي لتدوين الأحاديث والسنن. ثم ذكرت أشهر الكتب المؤلفة في القرن الرابع، وبذلك تم جمع الأحاديث والسنن او كاد - ثم جاءت عصور التهذيب والجمع بين الكتب المتفرقة وذلك في القرن الخامس وما بعده وبذلك اعطيت . لطالب الحديث صورة واضحة لتدوين الأحاديث والسنن، واعطيته تصورا عاما عن أشهر الكتب المؤلفة في الحديث وبذلك تشوقت نفسه الى معرفة ما يتعلق بهذه الكتب التي سيأتي دراسة الكثير منها على التفصيل . ثم بينت مناهج المؤلفين وطرائقهم في التأليف في الأحاديث، ثم عرضت لشروط الراوي في الإسلام، والفرق بين عدل الرواية ، وعدل الشهادة، وكفاية شروط الراوي في الاطمئنان الى مروياته، وترجح جانب الصدق على جانب الكذب، وجانب الضبط على جانب الغفلة ثُمَّ خلصت بعد هذا الى طرق التحمل وطرق الأداء، وهي ثمانية؛ ليعلم الطالب، والباحث أن الأحاديث قامت على أساس متين من طرق الرواية الصحيحة، ثم بينت الأسناد العالي وأقسامه، والإسناد النازل وأقسامه ليعلم الطالب أن طلب علو الإسناد سنة قديمة ثم ذكرت جملة من المسائل والقواعد التي تتعلق بصفة كتابة الأحاديث وضبطها ، وصفة روايتها، ومن ذلك الرواية بالمعنى، وبيان شروطها، وبَيَان أنها لم تجن ٩ على الدين كما زعم بعض الناس وهذه المسائل والقواعد تعتبر بمثابة المفتاح لكتب الأحاديث والسنن وحَلِّ رموزها ثم عرضت لآداب المحدث ثم لآداب طالب الحديث - ولا سيما الرحلة في سبيل العلم والحديث ثم عرضت للزمن الذي يتهيأ فيه الطالب للتأليف في الحديث؟ بل وغيره، وان عليه أن يتريث حتى يصير آهلا لذلك، وكان لا بد أن أعرض للأغراض التي تقصد من التأليف، على ما ذكره الإمام النووي وغيره. ثم شرعت بعد ذلك في بيان ما يتعلق بأقسام الحديث في اصطلاح العلماء فبدأت بتقسيم الحديث من حيث عدد رواته إلى الأقسام الآتية: المتواتر - وما هو؟، وما شروطه، وما هي الشبه التي أوردت: أيُوجَد أم لا؟ - والعلم الذي يفيده - وأهو علم ضروري أم نظري .. المشهور - ما هو؟ - المستفيض ما هو - العزيز - الغريب. وقد أوسعت القول في المتواتر، وفي المشهور، وأقسامه، والكتب التي ألفت في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن ما عدا · المتواتر قد يكون صحيحا أو حسنا أو ضعيفا. ثم شرعت في تقسيم الحديث تقسيماً ثانياً من حيث نسبته الى قائله، وأنه ينقسم الى (١) المرفوع (٢) والموقوف (٣) والمقطوع وبيَّنت ما هو مرفوع صراحة، وما هو مرفوع حكماً، وعقبت الموقوف بتفريعات مهمة عني بها أهل هذا الفن، ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن هذه الثلاثة تشترك بين الصحيح والحسن، والضعيف لا كما زعم البعض أنها من أقسام الضعيف. ثم شرعت في تقسيم الحديث تقسيماً ثالثاً من حيث القبول والرد إلى ثلاثة أقسام: (١) الصحيح: (٢) والحسن (٣) والضعيف. وبعد تعريف الصحيح ذكرت مسائل مهمة فيما يتعلق بالصحيحين، وبعد الحسن ذكرت ما يتعلق بالسنن وما هو على غرارها من الكتب ، ثم ١ استقصيت أنواع الضعيف مبتدئاً بالمرسل منتهياً بالموضوع الذي هو شرها وأدونها. وقد أفضت في القول في الحديث الموضوع! متى نشأ الوضع؟ وما هي أسبابه؟ وما هي علاماته وأماراته، وآثاره السيئة في كتب العلوم جاعلا لكتب كل علم فصلا ثم بينت جهاد العلماء المتشعب الفروع في مناهضة الوضع والوضاعين، والموضوعات عن طريق (١) التأليف في الموضوعات حينا (٢) وتجريح الرواة وتعديلهم حينا آخر (٣) وتأليف كتب التخاريج حينا ثالثا (٤) وتأليف كتب الأحاديث المشتهرة حينا رابعا حتى أسلِّح طالب الحديث ضد دعاوي المستشرقين وافتراءاتهم في هذا الباب ثم شرعت في ذكر علم الجرح والتعديل، وكل ما يتصل به من قواعد ومسائل وإلى هنا كان الكتاب مبيضا من منذ بضعة عشر عاماً. ثم رأيت أن أتممه بذكر ما فاتني وذكر العلوم التي ألف فيها على سبيل الاستقلال وذكرت في كتب ((علوم الحديث)) و((مصطلحه)) على أنها نوع من الأنواع. وقد انتهزت فرصة تفرغي شهوراً قبل موسم حج هذا العام ١٤٠٢ هـ وشهراً بعده فكان أن أتممت ما بقي من المباحث والأنواع فلله الحمد والمنة على ما وفق وألهم. وقد كنت في عام ١٣٨٢ هـ ١٩٦٢ م ألفت كتاباً وهو جزء صغير في بعض أنواع علوم الحديث وسميته: ((في أصول الحديث )) وقد طبع ونفذ . وفي عام ١٣٨٥ هـ ١٩٦٦ م ألفت كتابا في بعض مباحث وأنواع علوم الحديث وفي آداب كتابة الحديث وآداب روايته، وفي آداب المحدث، وفي آداب طالب الحديث وسميته ((علوم الحديث)) وقد طبع ونفذ . ١١ وقد جمعت ما كان في الكتابين وأضفت إليه أضعافهما فكان هذا السفر الكبير في «علوم الحديث)) و((مصطلحه)». وقد جاء هذا الكتاب خلاصات محررة لما يوجد في متفرقات كتب الفن من لدن الرَّامَهُرْمُزِيّ إلى عصرنا هذا، وقد بخضتها حتى استخرجت زبدها مع حسن التبويب والتنسيق وتيسير العسير، وتقريب البعيد ،. ومع حسن العبارة وطلاوتها؛ وجمال العرض والأسلوب وما أشدَّ. حاجة طلاب العلم اليوم، والمثقفين ثقافة غير إسلامية إلى تقريب ألوان الثقافة الإسلامية الأصيلة إليهم ولا سيما علوم القرآن، وعلوم السنة ولما قمت في ((التلفزيون)) بمصرنا العزيزة بندوات في التعريف بالسنة وأئمتها وأشهر الكتب المدونة فيها نالت قبولا حسنا من رجال القانون والقضاء، والأطباء، والمهندسين وعلماء الكون والفلكيين، والضباط وغيرهم وقد مكثت في ذلك ما يقرب من عام في برنامج «نور على نور )» فعلمت أن هذه الأمة الإسلامية لا زالت بخير، ولكننا معاشر المشتغلين بالعلوم الاسلامية بعامة والمشتغلين بالأحاديث والسنة بخاصة علينا تبعات جسام في عدم قيامنا بما يجب علينا من تقريب وتيسير الثقافة الإسلامية إلى الناس كافة، فهل نحن فاعلون؟ وليس من الخير للإسلام والمسلمين أن يبقى العلم بهذه العلوم الاسلامية مقصوراً على أهل العلم وطلابه .. أضف إلى كون هذا الكتاب زبدة أو خلاصة كتب الفن ما من الله به عليَّ من حصيلة دراساتي واشتغالي بالحديث وعلومه ما يقرب من نصف قرن فقد عنيت به من عهد الطلب حتى استأهلت - ولله الحمد والمنة - أن أناقش الأقوال وأنقد الآراء وأرجح قولاً عن قول، ورأياً على رأي وأن يكون لي اجتهاد في كثير من مسائل هذا الفن كما يبدو ذلك واضحا من ثنايا بحوث هذا الكتاب وقد أقر بهذا بعض الزملاء والأقران الذين تخلصوا من العقد النفسية في بعض مؤلفاتهم ولا ٢ أقول ذلك تعالما ولا تفاخرا، وإنما هو التحدث بنعمة الله عليَّ وصدق الله ﴿وأما بنعمة ربك فحدث(١)﴾. وقد حصل من بعض الزملاء من طبقتنا (٢)، ومن بعض الأبناء الذين هم من طبقة بعد طبقتنا - اجتهادات في تنظيم مباحث هذا الفن وترتيبه، ولكل منا وجهة هو موليها . وإذا كان العلماء قد قالوا: لا مشاحة في الاصطلاح فأنا أقول: ((لا مشاحة في الإجتهاد )» وبحسب المجتهد إن أصاب أن يكون له أجران، وإن أخطأ أن يكون له أجر، ولما كان هذا الكتاب ليس طويلا ملا، ولا قصيرا مخلا لم أتكلف له عنواناً واسميته («الوسيط في علوم، ومصطلح الحديث )). والله أسأل أن يجعل عملي هذا مقبولا ، ونفعه دائما، وأجره موصولا إنه سميع مجيب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، والحمد لله حمداً يوافي نعمه؛ ويكافىء مزيده وصلى الله تبارك وتعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مكة المكرمة في يوم الاثنين التاسع والعشرين من المحرم ١٤٠٣ هـ. الموافق ١٩٨٢/١١/١٥ م. وكتبه خادم القرآن والسنة أبو السادات محمد بن محمد أبو شهبة (١) سورة الضحى. (٢) هم الذين اشتركوا في لقاء الشيوخ مع التقارب في الن. حاشية أما ما يتعلق بعلم رجال الحديث من لدن الصحابة الى ان تم تدوين الأحاديث والنن والصحابة فلذلك كتاب آخر ان شاء الله تعالى؟. ١٣ المَرْجَل للكِتَابُ في شرح بعض المفردات التي يكثر دوراتها في كتب الحديث والتفسير والفقه والوعظ والأخلاق، ومعرفة اصطلاحات العلماء فيها كي يكون القاريء والباحث على بَيِّنة من أمر هذه الألفاظ. وألقاب المشتغلين بالحديث .. ((الحديث)) هو في اللغة ضد القديم. ويطلق أيضاً على قليل الكلام وكثيره قال تعالى ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ وإطلاق الحديث على الكلام لأنه يحدث ويجد شيئا فشيئاً(١). وفي اصطلاح المحدثين: هو أقوال النبيِ عَ لّه وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية والخُلُقية(٢) مثل كونه أبيض اللون مشربا بحمرة. ليس بالطويل البائن. ولا بالقصير. إلى غير ذلك من الصفات. ومثل كونه أشجع الناس وأشدهم حياء وتواضعاً وجوداً. وعطفاً على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى. وأعفاهم عند المقدرة إلى غير ذلك من غرر الأخلاق. ويدخل في ذلك سيرته وغزواته مع اليه(٣). -- ومعنى التقرير أن يفعل أحد من الصحابة فعلا أو يقول قولا أمام (١) القاموس المحيط مادة ((حدث)) جـ ١ ص ١٦٤. (٢) الاولى بكر الخاء المعجمة نسبة إلى الخلقة وهي الفطرة والثانية بضم الخاء المعجمة واللام نسبة الى الخلق. (٣) والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، وكأنهم خصوا كلام النبي ◌ُ ◌ّه بالحديث ليقابل القديم · أو لكونه أشرف الكلام بعد كلام الله تعالى. ١٥ النبي ◌َّ ولا ينكره عليه. أو لا يكون أمامه ولكن يبلغه ويسكت عنه. فعدم إمكانه وسكوته تقرير له لأنه ◌َ ◌ّ لا يُفر أمرا غير مشروع. والقول إما صريح كقال رسول الله أو حدثنا أو سمعت منه كذا! وإما حكمي كقول الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائليات فيما لا مجال: للرأي فيه. وكذلك الفعل إما صريح وإما حكمي والتقرير إما صريح : وإما حكمي. وستتبين الأمثلة فيما سنذكره في بحث ((الموقوف)) إن شاء .الله تعالى. ومن العلماء من يزيد في تعريف الحديث: وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم، وهو اصطلاح آخر. ويشهد له صنيع كثير من المحدثين في : كتبهم حيث لا يقتصرون على المرفوع إلى النبي عَّة، وانما يذكرون الموقوف والمقطوع. السنة: هي في اللغة الطريقة، والسيرة. قال صاحب المصباح المنير ((والسنة الطريقة، والبسنة السيرة حميدة كانت أو ذميمة (١) )). لكنها عند الإطلاق تنصرف إلى الحميدة. وفي اصطلاح المحدثين: أقوال النبي عَ لَّه وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخلقية والخلقية. وزاد بعضهم: وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم: وعلى هذا فهي مرادفة للحديث في اصطلاحيه السابقين .. ويرى بعض العلماء أن الحديث خاص بقوله وفعله، والسنة تشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والصفات، والسكنات والحركات في اليقظة والمنام والهم(٢) وعلى هذا فالسنة أعم من الحديث .. وللسنة (١) وفي الحديث الصحيح ومن سنُّ سنة حسنة فله ثوابها وثاب من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ... )) الحديث رواه مسلم،، (٢) وذلك كهمه ◌َ ◌ّ بالذين يتخلفون عن صلاة الجماعة والجمعة أن يحرق عليهم بيوتهم. ١٦ اصطلاحات آخر، فهي عند الشرعيين تقابل البدعة، وعند الفقهاء تطلق على ما يقابل الفرض والواجب كقولهم سنة الصلاة كذا . الخبر: قيل هو والحديث مترادفان وعليه فيكون تعريف الخبر هو ما ذكرناه في تعريف الحديث: وقيل إن الحديث والخبر متباينان. فالحديث ما صدر عن النبي من قوله وفعله .. الخ. والخبر ما جاء عن غيره موقوفاً عليه ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ أخباري(١)، ولمن يشتغل بالحديث محدث. وقيل: الخبر أعم من الحديث: فالحديث خاص بما جاء عن النبي ◌َّه، والخبر يشمل ما جاء عن النبي وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم فكل حديث خبر ولا عكس فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق يتجمعان وينفرد الأعم منهما. الأثر: من العلماء من يجعله مرادفاً للحديث فيكون تعريفهما واحداً ومنه ما في مقدمة صحيح الإمام مسلم من تسمية الأحاديث بالآثار ومنه ما جاء عند الإمام الطحاوي في كتابه ((مشكل الآثار)» ومن العلماء من يقول: الأثر أعم من الحديث. فالحديث خاص بما جاء عن النبي. والأثر يشمل ما جاء عن النبي وغيره من الصحابة والتابعين، وقيل إنهما متباينان. فالحديث ما جاء عن النبي، والأثر ما جاء عن الصحابة. وإلى هذا ذهب فقهاء خراسان. قال أبو القاسم الفوراني منهم: الفقهاء يقولون: الخبر ما يروى عن النبي عَ لّه والأثر ما يروى عن الصحابة، وفي النخبة لشيخ الإسلام ابن حجر: «ويقال للموقوف والمقطوع أ. (٢) الأثر (٢) )). (١) بفتح الهمزة نسبة إلى الجمع، وهو جائز اذا كان الجمع اشهر وذلك مثل أنصاري (٢) تدريب الراوي ص ٦١ نخبة الفكر بشرحها ص ٤٩. ولا يهولنك كثرة الآراء لأنها اصطلاحات مردها إلى اختلاف الاعتبارات. ولا مشاحة في الاصطلاحات كما قيل: والشأن في مثل هذا أوسع من أن يضيق. وأبعد من أن يكون تناقضا واضطرابا .. ١٧ السند: السند من معانيه في اللغة « ما استندت إليه من حائط وغيره)) [المصباح المنير ... ] وفي القاموس: ((السند محركة ما قابلك من الجبل، وعلا عن السفح ومعتمد الإنسان». وفي اصطلاح المحدثين: هو الطريق الموصل للمتن. وبعبارة أوضح: هم رواة الحديث الذين رووا لفظ الحديث. والمناسبة بين المعنيين ظاهرة. فإن الرواة للحديث هم الذين يعتمد عليهم المحدثون في معرفة المقبول من المردود، والصحيح من غيره. ((الإسناد)) في اللغة: قال في القاموس ((وسند اليه سُنُودًا وتساند إسْتَنَدَ وفي الجبل صعد كأسند وأسندته أنا فيها)) ح١ ص ٣٠٣ وفي اصطلاح المحدثين له اطلاقان (١) هم الرواة الراوون للمتن وعليه فهو مرادف للسند (٢) رفع الحديث إلى قائله ونسبته إليه وعليه فهو مغاير للسند ويكون من عمل الراوي للحديث .. المسند: بفتح النون له معان عند المحدثين (١) يُطْلَق ويراد به الإسناد فيكون مصدراً ومثاله ((مسند الشهاب)) ((ومسند الفردوس)» أي أسانيد أحاديثهما(١) ويطلق ويراد به أحد أنواع علوم الحديث وسنذكره فيما يأتي ان شاء الله تعالى: وأما المسند بكسر النون: فهو الذي يرفع الحديث الى قائله. المتن: المتن في اللغة. قال في المصباح المنير (( متُن الشيءُ بالضم متانة اشتد وقوى فهو متين. والمتن من الأرض ما صلب وارتفع .. والمتن الظهر وفي القاموس. مادة متن ((ومتن الكبش صفنه واستخرج بيضه (١) الشهاب .. كتاب القضاعي. وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي ذكر فيه أحاديث غير مسندة. ثم ذكر أسانيدها في كتاب سماه ((مبند الشهاب)) ((والفردوس)» اسم كتاب للحافظ أبي شجاع شيرويه بن شهردار المتوفي سنة تسع وخمسمائة أورد فيه عشرة آلاف حديث فصار بغير ذكر إسناد مرتبة على حروف المعجم. أما مسند الفردوس فهو لابنة أبي منصور شهر داربن شيرويه الهمداني المتوفي سنة ثمان وخمسين وخمسمائة .. وقد أسند فيه أحاديث كتاب أبيه. ١٨ بعروقها، وبالمكان متوناً أقام .. والماتنة : المباعدة في الغاية)). وفي اصطلاح المحدثين: هو ما ينتهي إليه السند من ألفاظ الحديثِ الدالة على معانيها. والمناسبة بين المعنيين ظاهرة. فهو إِمَّا مأخوذ من المباعدة في الغاية لأنه غاية السند، أو لأن الْمُسْنِدَ استخرج المتن بسنده. أو لأنه المتن قوى واشتد بذكر سنده .. ولكي تكون على بينة من ذلك عملياً تذكر حديثاً ونطبق هذه المصطلحات الأخيرة عليه. قال الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا الحميدي (قال) حدثنا سفيان (قال) حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري (قال) أخبرني محمد بن ابراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله عَ له يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى .. )) الحديث فعمل الإمام البخاري في ذكر الحديثِ بسنده يسمى اسناداً بالمعنى الثاني للفظ إسناد. ومن قوله حدثنا الحميدي .. إلى قول عمر: سمعت رسول الله معد له يقول: يسمى سنداً، ويسمى إسناداً أيضاً بالمعنى الأول، وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) يسمى متن الحديث. والحديث يسمى مسنداً. بفتح النون. أي حديثاً ذكر إسناده، والبخاري في ذكره للحديث بسنده: ((مُسْنِداً)) بكسر النون . ((ألقاب المشتغلين بالحديث)) الراوي: أو ((المسند)» هو ناقل الحديثِ بالإسناد سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد الرواية .. طالب الحديث: هو المشتغل بدراسة الحديث رواية، ودارية، وشرحاً، وفقها . ١٩ المحدث: من تحمل الحديث رواية. واعتنى به دراية بأن يحفظ المتون ويكون عنده علم بالرجال وتواريخهم وجرحهم وتعديلهم. ((الحافظ)): هو من روى ما يصل إليه، ووعى ما يحتاج إليه أي بأن يكون ما يعلم من الأحاديث والرجال أكثر مما يجهله: وقال بعضهم تحديداً له بالعدد هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث. الحجَّة: أرفع درجة من الحافظ، وقال بعضهم: هو من حفظ ثلثمائة ألف حديث بأسانيدها .. الحاكم: هو من أحاط علمه بجميع الأحاديث المروية متنا وإسنادا وجرحا وتعديلا وتاريخال وعِلَلاً، وغريبا، وناسخا ومنسوخا، وتوفيقا بين ما ظاهره التعارض الى نحو ذلك. (( من مفاخر المحدثين)) ولا تستكثرن أيها القاريء هذا فقد كان أئمة الحديث وجهابذته في العصور الأولى يحفظون ذلك وأكثر منه. روي عن إمام الأئمة البخاري أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح. ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال الإمام في شأن صحيحه: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة . وقال أبو داوود: (كتبت عن رسول الله عزَّله خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن ». وقال إمام أهل السنة احمد بن حنبل: ((انتقيت المسند من سبعمائة ألف وخمسين ألف حديث )) .. : وسئل الإمام أبو زُرْعَةً(١) عَن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة (١) بضم الزاي وهو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروح القرشي مولاهم الرازي الحافظ الثقة المتوفي سنة أربعة وستين ومائتين. ٢٠