النص المفهرس
صفحات 141-160
وَ﴿ يقولُ: كذا، أَو: حدَّثَنا رسولُ اللهِ وَلَ بِكَذا، أَو يقولُ هو أَو غيرُه: قالَ رسولُ اللهِ وَ ﴿ كذا، أو: عنْ رسولِ اللهِ وَِّ أَنّه قالَ كذا، أَو نحوَ ذلك. ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحاً: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: رأَيْتُ رسولَ اللهَ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وسلَّم فعَلَ كذا، أَو يقولَ هُو أَو غيرُه: كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ يفعَلُ كذا. ومِثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ تَصريحاً: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ: فعَلْتُ بحضرَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ كذا، أَو يقولَ هو أَو غيرُهُ: فَعَلَ فُلانٌ بِحَضْرَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم كذا، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك(١). ومثالُ المرفوع مِن القولِ حُكْماً لا تَصْريحاً: أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ - الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ(٢) - ما لا مجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، ولا لهُ تعلُّقٌ ببيانٍ لُغةٍ أو شرحٍ غريبٍ؛ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ وأُخْبارِ الأنبياءِ (٣)، أو الآتيةِ كالملاحمِ والفِتَنِ وأحوالِ يومِ القيامةِ . وكذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ أُو عِقَابٌ مَخْصوصٌ. (١) انظر: ((إرشاد الفحول)) (ص ٣٩). وللأخ الدكتور محمد سليمان الأشقر في كتابه ((أفعال الرسول ومير ودلالتها على الأحكام الشرعيَّة)) (٢ / ١١٢ - ١٣٣) بحث ماتع في التقرير النبوي وأنواعه وأحكامه وشروطه . (٢) وهذا قيد مهمٌّ جدّاً. وانظر رسالتي: ((التحذيرات من الفتن العاصفات)) (ص ١٨ - ٢٤). (٣) ولكنَّ في هذا أيضاً مظنَّة الرواية عن الإِسرائيليَّات؛ لما هو معلوم - مع ملاحظة القيد السابق - من أخذ الصحابة بعضهم عن بعض . ١٤١ وإِنَّمَا كانَ لهُ حُكْمُ المرفوع ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتضي مُخْبراً لَهُ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقْتَضي مُوقِفاً للقائلِ بهِ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عن الكُتب القديمةِ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عن القسمِ الثَّاني، وإِذا كانَ كذلك؛ فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ؛ فَهُو مَرْفوعٌ؛ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطٍ . ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ حُكماً: أَنْ يفعَلَ الصَّحابيُّ ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ، فيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ كما قالَ الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ(١) في صلاةٍ عليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أكثرَ مِن رُکوعیْنِ . ومثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْماً: أَنْ يُخْبِرَ الصَّحَابِيُّ أَنَّهُم كانُوا يَفْعَلونَ في زمانِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ كذا؛ فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكُمُ الرَّفعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ اطّلاعُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ على ذلك لتوقُرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أمورِ دِينِهِم، ولأنَّ ذلك الزَّمانَ زمانُ نُزولِ الوَحْيِ فلا يقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويستمرُّونَ عليهِ إِلَّ وهُو غيرُ ممنوع الفعلِ . وقدِ استدلَّ جابرٌ وأبو سعيدٍ الخُدريُّ رضيَ اللهُ عنهُما على جوازِ العَزْلِ بأنّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ ينزلُ (٢)، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرآنُ . (١) انظر: ((سنن البيهقي)) (٣ / ٣٣٠)، و((التلخيص الحبير)) (٢ / ٩٤). (٢) رواه: البخاري (٩ / ٢٦٦)، ومسلم (١٤٣٩)؛ عن جابر. ولم أره عن أبي سعيد، ولم يذكره المصنّف في ((فتح الباري)) (٩ / ٣٠٥ - ٣٠٧) شرحاً لحديث جابر. ١٤٢ = ٠ ويلتَحِقُ بقَولي: ((حُكْماً))؛ ما وردَ بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنّسبةِ إِليهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم؛ كقولِ التَّابعيِّ عنِ الصَّحابيِّ: يرفعُ الحَديثَ، أَو: يرويِهِ، أَو: يَنْمِيهِ، أَو: روايةً، أَو: يبلُغُ بهِ، أَو: رواهُ. وقد يَقْتَصِرونَ على القولِ معَ حَذْفِ القائلِ ، ويُريدونَ بِهِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ؛ كقولِ ابنِ سيرينَ عنْ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ؛ قالَ: قالَ: ((تُقاتِلونَ قَوْمً))(١) الحديث. نعم؛ في الباب عن أبي سعيد، فانظر: ((عشرة النساء)) (ص ١٧١ - ١٧٩) للنسائي، = والتعليق عليه . وللمصنّف رحمه الله كلامٌ عزيزٌ في هذه المسألة في ((الفتح))؛ فليُنْظَر. (١) ذكر علي القاري في ((شرح شرح النخبة)) (ص ١٧١) تتمّته: (( ... صغار الأعين، تسوقونهم ثلاث مرات، حتى تلحقوهم بجزيرة العرب ... ))! وهكذا في ((لقط الدُّرر)) (ص ٩٦)! ومثله في حاشية ((النُّزهة)) (ص ٩٦ - طبع الجامعة السلفية)! قلت: وليس هذا الحديث عن أبي هريرة، إنما هو من حديث بُريدة، رواه أبو داود في ((سننه)) (٤٣٠٥) بسند فيه لينٌ . وفي ((اليواقيت والدُّرر)) (ق ١٣١ / ب)، تتمَّته: (( ... صغار الأعين ... ))، كذا فقط، ثم قال: ((أخرجه الشيخان))! قلت: وليس هو كذلك أيضاً؛ نعم؛ هو في ((الصحيحين)) عن أبي هريرة، لكن من غير رواية ابن سيرين عنه . وانظر: ((جامع الأصول)) (١٠ / ٣٧٥)، و((فتح الباري)) (٦ / ٧٦)، و((تحفة الأشراف)) (١٠ / ١٦٧). فلعلَّه سبقُ قلمٍ من الحافظ رحمه الله، أراد أن يكتب: ((الأعرج))، فكتب: ((ابن = ١٤٣ وفي كلامِ الخَطيب(١) أَنّه اصْطِلاحٌ خاصٌّ بأَهلِ البَصرَةِ. ومِن الصِّيَغِ المُحْتَمِلةِ: قولُ الصَّحابيِّ: مِن السُّنَّةِ كذا، فالأكثرُ على أنّ ذلك مرفوعٌ . ونقلَ ابنُ عبدِ البِرِّ فيهِ الاتّفاقَ؛ قالَ: ((وإِذا قالَها غيرُ الصَّحابيِّ؛ فكذلك، ما لم يُضِفْها إِلى صاحِبِها؛ كسُنَّةِ العُمَرِينِ(٢)). وفي نَقْلِ الاتّفاقِ نَظَرٌ، فَعَن الشَّافعيِّ في أُصلِ المسألةِ قولانِ . وذهَبَ إِلى أَنّهُ غيرُ مرفوعٍ أَبو بكرِ الصَّيرفيُّ (٣) مِن الشَّافعيَّةِ، وأبو بكرِ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ، وابنُ حزمٍ مِن أَهلِ الظَّاهِر(٤)، واحتَجُوا بأَنَّ السُّنَّةَ تتردّدُ بينَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ وبينَ غيره، وأُجِيبوا بأنَّ احْتِمالَ إِرادةٍ غيرِ النبيِّ حَ بعيدٌ(٥). = سيرين))! وبخاصة أنهما من مشاهير الرواة عن أبي هريرة، والله أعلم. ثم رأيت ما يرجّح ذلك من إيراد الخطيب رحمه الله في ((الكفاية)) (ص ٥٨٦) الحديث نفسه من طريق الأعرج عن أبي هريرة، والحمد لله على توفيقه . (١) قارن: بـ ((الکفایة)) (ص ٥٩٣) له. (٢) أي : أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. (٣) توفي سنة (٣٣٠هـ)، ترجمته في ((طبقات الإِسنوي)) (٢ / ١٢٢). (٤) انظر: ((إحكام الأحكام)) (١ / ١٩٤) له. (٥) وللمصنّف رحمه الله بحثٌ مطوّل في هذه المسألة أودعه: ((النُّكت على ابن الصلاح)) (٢ / ٥١٩ - ٥٢٨)؛ فليراجع. وانظر: ((المسوّدة)) (ص ٢٩٤) لآل تيمية، و((شرح ألفية العراقي)) (١ / ١٢٦)، و («جامع الأصول)) (١ / ٩٢). ١٤٤ وقد روى (١) البُخاريُّ في ((صحيحِه))(٢) في حديثِ ابنِ شِهابٍ عن سالِمِ ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أبيهِ في قصَّتِهِ معَ الحجّاج حينَ قالَ لهُ: ((إِنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ؛ فَهَجِّرْ بالصَّلاةِ [يومَ عَرَفَةَ])). قالَ ابنُ شِهابٍ: فقلتُ لسالِمٍ : أَفَعَلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ؟ فقالَ: وهَلْ يَعْنونَ بذلك إِلَّ سُنَّتَهُ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ؟! فَقَلَ سالمٌ - وهو أَحدُ الفُقهاءِ السَّبعَةِ (٣) مِن أَهلِ المدينةِ وأَحدُ الحقَّاظِ مِن التَّابعينَ عن الصَّحابةِ - أَنّهم إِذا أُطلَقوا السُّنَّةَ؛ لا يُريدونَ بذلك إِلَّ سُنَّةَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ . وأُمَّا قولُ بعضِهم: إِذا كانَ مرفوعاً؛ فلمَ لا يقولونَ فيهِ: قالَ رسولُ اللهِ؟ فجوابُهُ: إِنَّهُم تَرَكوا الجَزْمَ بذلك تورُّعاً واحتياطاً. ومِن هذا: قولُ أَبي قِلابةَ عن أَنْسٍ : ((مِن السُّنَّةِ إِذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثِّبِ (١) ساقه المصنف في ((النَّكت)) (٢ / ٥٢٥) بقوله: ((وممَّا يؤيِّد مذهب الجمهور ... ))، وساقه . (٢) (برقم: ١٦٦٢)، وما بين المعكوفين منه . (٣) وهم من ذُكروا في هذا النظم: فِقِسْمَتُهُ ضِيْزَى عَنِ الحَقِّ خَارِجَهْ أَلَا كُلُّ مَنْ لا يَقْتَدِي بِأَتْمَّةٍ سَعِيدٌ أَبو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ فخُذْهُمْ: عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قاسِمٌ قلت: فعُبيد الله هو ابن عبدالله بن عُتبة بن مسعود، وعُروة هو ابن الزُّبير، وقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق، وسعيد هو ابن المسيِّب، وأبو بكر هو ابن عبدالرحمن، وسليمان هو ابن يَسار، وخارجة هو ابن زيد، وانظر: ((التغليق)) (١١٨/٢-١١٩)، و((الإِشارات)) (ص ٦١٠-٦١١) للنووي. ١٤٥ أَقَامَ عندَها سَبعاً))، أَخرَجاهُ في الصَّحيحين(١). قالَ أَبو قِلابةَ: لو شِئْتُ لقلتُ: إِنَّ أَنْساًّ رفَعَهُ إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ . أي: لو قُلتُ: لِمْ أَكْذِبْ؛ لأنَّ قولَه: ((مِن السُّنَّةِ)) هذا معناهُ(٢)، لكنَّ إِيرادَهُ بالصّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابيُّ أَوْلِى . ومِن ذُلكِ: قولُ الصَّحابيِّ: أُمِرْنا بكذا، أَو: نُهينا عنْ كذا، فالخِلافُ فيهِ كالخِلافِ في الَّذِي قَبْلَهُ؛ لأنَّ مُطْلَقَ ذُلك ينصَرِفُ بظاهِرِهِ إِلى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ، وهُو الرَّسُولُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ . وخالَفَ في ذُلك طائفةٌ تَمَسَّكوا باحْتِمالٍ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه، كأَمرِ القُرآنِ، أَو الإِجماعِ ، أَو بعضِ الخُلفاءِ، أَو الاستنْبَاطِ! وأُجيبوا بأَنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ، وما عداهُ مُحْتَمَلٌ، لكنَّهُ بالنسبةِ إِليهِ مرجوحٌ. وأيضاً؛ فمَن كانَ في طاعةِ رئيسٍ إِذا قالَ: أَمِرْتُ؛ لا يُفْهَمُ عنهُ أَنَّ آمِرَهُ ليس إِلاَّ رئيسُهُ. وأمَّا قولُ مَن قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُظنَّ ما ليسَ بآمرٍ آمراً! فلا اخْتِصاصَ لهُ بهذهِ المسأَلَةِ، بل هُو مذكورٌ فيما لو صرَّحَ، فقالَ: أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ (١) رواه: البخاري (٩ / ٢٨٥)، ومسلم (١٤٦١). (٢) قال الإِمام الشافعي في ((الأم)) (١ / ٢٣٩): ((وأصحاب النبي ◌َّ لا يقولون بالسنَّة والحق إلا لسنَّة رسول الله وَّل إن شاء الله تعالى)). ١٤٦ وسلَّمَ بكذا . وهو احْتِمالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الصَّحابيَّ عدلٌ عارفٌ(١) بالِّسانِ، فلا يُطلقُ ذلك إِلَّ بعدَ التحقُّق. ٦ ومِن ذُلك: قولُه: كنّا نفعَلُ كذا، فلهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضاً كما تقدَّمَ. ومِن ذُلك: أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنّه طاعةٌ للهِ أَو الرسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، أَو معصيةٌ؛ كقولٍ عمَّارٍ: ((مَن صامَ اليومَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ؛ فقدْ عَصى أبا القاسِمِ))(٢). (١) قارن برسالتي ((الكاشف في تصحيح رواية البخاري لحديث المعازف)). (٢) علَّقه البخاري في ((صحيحه)) (٤ / ١١٩ - فتح)؛ قال: ((وقال صِلَة عن عمَّار ... )). وقد وصله: أبو داود (٢٣٣٤)، وابن ماجه (١٦٤٥)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤ / ١٥٣)، والدارمي (٢ / ٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢ / ١١١)، والدَّارقطني (٢ / ١٧٧)، وابن خُزيمة (١٩١٤)، والبيهقي (٤ / ٢٠٨)، والحاكم (١ / ٤٢٤)، وابن حبان (٣٥٩١)، وأبو يعلى (١٦٤٤)؛ من طريق عمرو بن قيس المُلائي عن أبي إسحاق عن صِلَّة به. وقال الدارقطني عقِبَ إخراجه: ((هذا إسناد حسن صحيح، رواته كلهم ثقات)). وقال الحاكم: ((هذا صحيح على شرطهما، ولم يخرِّجاه)). وتعقّبه المصنَّف في ((تغليق التعليق)» (٣ / ١٤١) بقوله: «لم يُخْرِج البخاريُّ لعَمْرو ابن قَيْس في ((صحيحه)) شيئاً، وللحديث مع ذلك علَّة خفيّة: ذكر الترمذي في ((العلل)» أن بعض الرواة؛ قال فيه: عن أبي إسحاق؛ قال: حُدِّثْتُ عن صِلَة ... (فَذَكَره)). ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنَّفه)) (٣ / ٧٢) عن عبد العزيز العَمِّي عن منصور عن ربعي: أن عمَّار بن ياسر وناساً معه - أَتَوْهُم - يسألونه في اليوم الذي يشكُّ فيه أنه من : ١٤٧ ٤٧ - أَو إِلى الصَّحابِّ كَذلكَ. فلهذا حُكْمُ الرَّفعِ أَيضاً؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تلقَّهُ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ . (أَو) تَنْتَهي غايةُ الإِسنادِ (إِلى الصَّحابيِّ كذلكَ)؛ أي: مِثْلَ ما تقدَّمَ في كونِ اللَّفْظِ يَقْتَضِي التَّصريحَ بأَنَّ المَقولَ هُو مِن قولِ الصَّحابيِّ، أو مِن فعلِهِ، أَوْ مِن تقريرِهِ، ولا يَجِيءُ فيهِ جَميعُ ما تقدَّمَ (١) بل مُعْظَمُه(٢). والتَّشبيهُ لا تُشْتَرَطُ فيهِ المُساواةُ مِن كلِّ جهةٍ . ولمَّا أَنْ كانَ هذا ((المُخْتَصرُ)) شامِلاً لجَميعِ أنواع عُلومِ الحَديثِ = رمضان ... الحديث. وللحديث عِلَّة : فرواهُ عبد الرزَّاق في ((مصنَّفه)» (٧٣١٨) عن الثوري عن منصور عن رِبْعيٍّ عن رجل عن عمَّار نحوه. قال المصنّف في ((التغليق)) (٣ / ١٤٢): ((وفي رواية الثَّوري دليل على أن ربعياً لم يُدْرِك هذه القصة، وإنْ كان الرجل المُبْهَم في روايته هو صلة بن زُفَر؛ فهي متابعة قويَّةٌ لحديث أبي إسحاق)). وللحديث شاهد في ((تاريخ بغداد)) (٢ / ٣٩٧) من حديث ابن عباس؛ فهو حسن إن شاء الله . وقارن بـ: ((إرواء الغليل)) (٩٦١)، و((نصب الراية)) (٢ / ٤٤٢). (١) ((لعدم شموله لما ثبت حُكْماً أنه: قول الصحابي، أو فعلُه، أو تقديرُه، ولِما ذُكر آخراً، وهو أن يحكُمَ الصحابيُّ على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ورسوله أو معصيته)) ((شرح نخبة الفكر)» (ص ١٧٦) للقاري . (٢) ((أي: أكثرُه، فإذا قيلَ عند ذِكر الحديث: يرفعُه، أو نحوه؛ فهو مرفوع أيضاً؛ كما إذا قيل عن الصحابي)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٩٨). ١٤٨ وهُو: مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعالى عليهِ وعَلى آلِهِ وسلَّمَ مُؤمِناً بهِ وماتَ عَلى الإِسلامِ، ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ؛ في الأَصَحِّ. اسْتَطْرَدْتُ منهُ إِلى تَعريفِ الصَّحابيِّ مَن هو، فقلتُ: (وهُو مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وسلَّمَ مُؤمِناً بهِ، وماتَ على الإِسلامِ ، ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ في الأصحّ)). والمرادُ باللَّقاءِ ما هُو أَعُمُّ مِن المُجالَسَةِ والمُماشاةِ ووصولٍ أَحدِهِما إِلى الآخَرِ وإِنْ لم يُكالِمْهُ، وتدخُلُ فيهِ رُؤيَةُ أُحدِهما الآخَرَ، سواءٌ كانَ ذلك بنفسِه أو بغيره . والتَّعْبِيرُ بـ (اللُّقِيِّ) أُولِى مِن قولِ بعضِهم: الصَّحابيُّ مَن رأى النبيَّ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وسلَّمَ؛ لأنَّهُ يخرُجُ حينئذٍ ابنُ أُمِّ مكتومٍ(١) ونحوُهُ مِن العُميانِ، وهُم صحابةٌ بلا تَرَدُّدٍ، واللُّقى في هذا التَّعريفِ كالجِنْسِ . وقولي : ((مُؤمناً))؛ كالفَصْلِ، يُخرِجُ مَن حَصَلَ لهُ اللِّقاءُ المذكورُ، لكنْ في حالٍ كونه كافراً. وقولِي: ((بهِ))؛ فصْلٌ ثانٍ يُخْرِجُ مَن لَقِيَهُ مُؤمِناً لكنْ بغيرِهِ مِن الأنبياءِ. لكنْ: هل يُخْرِجُ مَن لَقِيَهُ مُؤمِناً بَأَنَّهُ سَيُبْعَثُ ولمْ يُدْرِكِ البِعْثَةَ؟ فيهِ نَظرٌ! وقولي: ((وماتَ على الإِسلامِ))؛ فصلٌ ثالِثٌ يُخْرِجُ مَنِ ارتَدَّ بعدَ أَنْ لَقِيَه مُؤمِناً بهِ، وماتَ على الرِّدَّةِ؛ كعُبيدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ (٢) وابن خَطَلٍ (٣). (١) وهو من مؤذِّني النبيِّ وَل. (٢) انظر: ((البداية والنهاية)) (٤ / ١٤٣). (٣) واسمه: عبدالله، ويُقال: هلال، ويُقال: هشام. ١٤٩ = وقَوْلِي : ((ولو تَخَلَّلَتْ رِدَّةٌ))؛ أي: بينَ لُقِّهِ لهُ مُؤمِناً بهِ وبينَ موتِه على الإِسلام ؛ فإِنَّ اسمَ الصُّحبةِ باقٍ لهُ، سواءٌ أَرجَعَ إِلى الإِسلامِ في حياتِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ أَو بعدَه، وسواءٌ أَلَقِيَهُ ثانياً أَمْ لا! وقوْلي : ((في الأصحِّ))؛ إِشارةٌ إِلى الخِلافِ في المسألةِ. ويدلُّ على رُجْحانِ الأوَّلِ قصَّةُ الأَشْعَثِ بن قيسٍ ؛ فإِنَّهُ كانَ مَمَّن ارتَدَّ، وأَتِيَ بهِ إِلى أبي بكرٍ الصدِّيقِ أسيراً، فعادَ إِلى الإِسلام، فقَبِلَ منهُ ذلك، وزوَّجَهُ أُخْتَهُ، ولم يتخلَّفْ أَحدٌ عنْ ذِكْرِهِ في الصَّحابةِ (١) ولا عنْ تخريج أحاديثِه في المَسانيدِ(٢) وغيرها . = انظر: ((القاموس المحيط)) (ص ١٢٨٤)، و((البداية والنهاية)) (٤ / ٢٩٢ - ٢٩٧). وحديث أمر النبي وّر بقتله رواه: البخاري (٣٠٤٤)، ومسلم (١٣٥٧). (١) انظر: ((أسد الغابة)) (١ / ١١٨)، و((الاستيعاب)) (١ / ٢٤٧)، و((الإِصابة)) (١ / ٧٩). وقصته مع أبي بكر رواها: أبو عبيد في ((الأموال)) (رقم ٣٠٣)، ومن طريقه ابن زَنْجَويه في ((الأموال)) (٤٦٦). وفي سنده شريك النَّخعي؛ سِّىء الحفظ. وله طريق آخر في ((طبقات ابن سعد)) (٥ / ١٠)، وفي سنده الواقدي؛ متروك. وله شاهدٌ في ((معجم الطبراني الكبير)) (٦٤٩)؛ قال فيه الهيثمي في ((المجمع)) (٩ / ١١٥): ((ورجاله رجال الصحيح، غير عبد المؤمن بن عليّ، وهو ثقة)). وسنده صحيح . تنبيه: فات هذا الشاهد محقِّق ((أموال ابن زنجويه))، فضعَّف القصة !! (٢) انظر: ((مسند أحمد)) (٥ / ٢١١)، و((معجم الطبراني الكبير)) (١ / ٢٣٢)، و((تحفة الأشراف)) (١ / ٧٦)، و((فتح الباري)) (٧ / ٤). ١٥٠ تَنْبیھانِ : أَحَدُهما: لا خَفاءَ برُجْحَانِ رُتْبةٍ مَن لازَمَه صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ، وقاتَلَ معَهُ، أَو قُتِلَ تَحْتَ رايتِه، على مَن لم يُلازمْهُ، أَو لم يَحْضُرْ معهُ مشهداً، وعلى مَن كَلَّمَهُ يَسيراً، أَو ماشاهُ قَليلاً، أَو رآهُ على بُعْدٍ، أَو في حالِ الطَّفولةِ، وإِنْ كانَ شرفُ الصُّحْبةِ حاصِلاً للجَميعِ . ومَنْ ليسَ لهُ مِنْهُم سماعٌ منهُ؛ فحديثُهُ مُرْسَلٌ(١) من حيثُ الرِّوايةُ، وهُم معَ ذلك معدودونَ في الصَّحابةِ؛ لما نالوهُ مِن شرفِ الرُّؤيةِ . ثانيهما: يُعْرَفُ كونُه صحابيّاً(٢)؛ بالتَّواتُرِ، أَو الاستفاضَةِ، أَو الشُّهرةِ، أَو بِإِخبارِ بعضِ الصَّحابةِ، أَو بعضِ ثقاتِ الَّابِعِينَ، أَو بإخبارِهِ عنْ نفسِهِ بأَنَّهُ صحابيُّ؛ إِذا كانَ دعواهُ ذلكَ تدخُلُ تحتَ الإِمكانِ! وقد استَشْكَلَ هذا الأخيرَ جماعَةٌ مِن حيثُ إِنَّ دعواهُ ذلك نظیرُ دْوی مَن قالَ: أَنَا عَدْلٌ! ويَحْتَاجُ إِلى تأمُّلِ (٣) !! (١) لكنه من مراسيل الصحابة . وقد قال المصنّف في ((هدي الساري)) (ص ٣٧٨) فيها: ((وقد اتَّفق الأئمة قاطبة على قبول ذلك؛ إلَّ مَن شذَّ مَمَّن تأخّر عصرُه عنهم، فلا يعتدُّ بمخالفته)» . وانظر: ((الفتح)) (١ / ٣،١٩ / ٢٣٥) له. (٢) يُنْظَر تفصيل المؤلف في ذلك في ((الإِصابة)) (١ / ٥ -٦). (٣) والتأمُّل يبيّن أن من ادَّعى - بغير حق - عدالة نفسه؛ رُدَّ ذلك علیه، وما قُبل منه، =. ١٥١ ٤٨ - أَو إِلى التَّابِعِينَ، وهو مَنْ لَقِيَ الصَّحابِيَّ كذلكَ. (أَو) تنتَهي غايةُ الإِسنادِ (إِلى التَّابِعِيِّ، وهُو مَنْ لَفِيَ الصَّحابيّ كذلكَ)، وهذا متعلَّقٌ باللُّقيِّ، وما ذُكِرَ معهُ (١)؛ إِلَّ قَيْدُ الإِيمانِ بِهِ (٢)؛ فذلكَ (٣) خاصّ بالنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ. وهذا هُو المُختارُ؛ خلافاً لمَن اشْتَرَطَ في التَّابعِيِّ طولَ المُلازمةِ، أو صُحْبَةَ(٤) السَّمَاعِ ، أَو الثَّمِيزَ. وَبَقِيَ بينَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ طَبَقَةٌ اخْتُلِفَ في إلحاقِهِم بأَيِّ القِسمينِ، وهُم المُخَضْرَمُونَ(٥) الَّذِينَ أُدْرَكوا الجَاهِلِيَّةَ والإِسلامَ، ولم يَرَوا النبيَّ صلَّى اللهُ فلتَأمَّل. = فكيف إذا كان الأمر متعلّقاً بالصُّحبة، وهي أعلى من مُطلَق العدالة وأشرف؟! وبخاصة أنَّ مثل هذه المطالب مشهورة غير مغمورة . ... (١) أي: من القيود المذكورة في تعريف الصحابي . (٢) أي: بالنبيِّي ◌َّ . (٣) أي: القيود الأخرى المذكورة آنفاً؛ من حيث تعلُّق الصُّحبة بِهِصَه. قلت: وقد اجتهد الشُّرَّاح كثيراً في شرح هذه العبارة من كلام المصنف، وتبيين المراد بها، ولعل ما هنا هو الأقرب إن شاء الله. (٤) قال علي القاري في ((شرحه)) (ص ١٨٥): ((صُحبةً مصحوبةٌ بالسماعِ، فلو صحبه ولم يسمع منه الحديث؛ لا يكون تابعيّاً، وتصحَّف ((الصُّحبة)) بـ ((الصِّحَّة)) على شارح ... )). قلت: وفي بعض النسخ: ((صحَّة))، والذي يظهر لي صحَّة الوجهين، والله أعلم . (٥) انظر: كلام الحافظ برهان الدين الحلبي في («تذكرة الطالب المعلّم بمن يقال: إنّه مخضرم)) (ص ٧ - ١١) في تحرير ذلك، وما تقدَّم (ص ١١٤). ١٥٢ فالأوَّلُ: المَرْفوعُ. عليه وآلهِ وسلَّم، فعدَّهُم(١) ابنُ عبدِ البِرِّ في الصَّحابةِ. وادَّعَى عِياضٌ وغيرُهُ أَنَّ ابنَ عبدِ البرِّ يقولُ: إِنَّهُم صحابةٌ! وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ أفصَحَ في خُطبةٍ كتابه بأَنَّهُ إِنَّمَا أَوْرَدَهُم ليكونَ كتابُه جامِعاً مُستوعِباً لأهْلِ القرنِ الأوَّلِ . والصَّحِيحُ أَنَّهُم مَعدودونَ في كبارِ التَّابعينَ سواءٌ مُرف أَنَّ الواحِدَ منهُم كانَ مُسلماً في زمن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم - كالنَّجاشيِّ - أُمْ لا؟ لكنْ إِنْ ثبتَ(٢) أَنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ ليلةَ الإِسْراءِ كُشِفَ لهُ عن جَميعٍ مَن فِي الأَرْضِ فَرَآهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَنْ كانَ مُؤمِنً بهِ في حياتِهِ إِذْ ذاكَ - وإِنْ لمْ يُلاقِهِ - في الصَّحابةِ؛ لحُصولِ الرُّؤْيَةِ مِن جانِبِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ (٣). (فـ) القسمُ (الأوَّلُ) ممَّا تقدَّمَ ذِكْرُهُ مِن الأقْسامِ الثَّلاثةِ - وهُو ما تَنْتَهي إِلى (١) أي: ذكرهم، وانظر: ((الاستيعاب)) (١ / ٣٨ - ٤٠) له، وما سيأتي من كلام المصنّف یوضح المراد. (٢) ولا إخاله يثبت، ولم أجده بعد طول بحث، ثم رأيت في ((المجموع)) (٥ / ٢٥٣) للنووي ما يؤيِّد نفي؛ فراجعه . (٣) «وردَّه الكمال بن أبي شريف بأن هذا لا يسلّم على ما ذكره من التعريف باللقاء؛ متابعاً فيه غيره، إنما يسلَّم على تعريف من عرَّف الصحابي بأنه من رآه النبيُّ ◌ِ﴿ ... إلخ)) ((اليواقيت والدرر)) (ق ١٤٠ / أ). قلت: ثم على فرض صحة تلك الرواية؛ فهل أحكام الغيبيَّت لها أحكام الحاضر والمشاهدة؟! الظاهر - والله أعلم - النفي ؛ إلا بدليل زائد. ١٥٣ والثَّانِي: المَوْقوفُ. والثَّالِثُ: المَقْطوعُ، ومَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ فِيهِ مِثْلُهُ. ويُقالُ للأخيرينِ: الْأَثَرُ. ٤٩ - والمُسْنَدُ: مرفوعٌ صَحابِيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتِّصالُ. النَّبِّي ◌َِّ غايةُ الإِسنادِ - هُو (المَرْفوعُ)، سواءً كانَ ذلك الانتهاءُ بإِسنادٍ مُتَّصلٍ أم لا. ء (والثَّاني: المَوْقوفُ)، وهو ما انْتَهَى إِلى الصَّحابيِّ. (والثَّالِثُ: المَقْطوعُ)، وهو ما يُنْتَهِي إِلى النَّابعيِّ. (ومَنْ دُونَ التَّابعِيِّ) مِن أَتْبَاعِ التَّابعينَ فَمَنْ بَعْدَهُم؛ (فيهِ)؛ أَي: في التَّسميةِ، (مِثْلُهُ)؛ أي: مثلُ ما ينتهي إلى التَّابعيِّ في تسميةِ جميعِ ذُلك مَقطوعاً، وإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: موقوفٌ على فُلانٍ . فحَصَلَتِ النَّفرقةُ في الاصطلاحِ بينَ المَقطوعِ والمُنْقَطِعِ ، فالمُنْقَطِعُ مِن مباحِثِ الإِسنادِ كما تقدَّمَ، والمَقْطوعُ مِن مباحِثِ المَتْنِ كما ترى. وقد أَطلَقَ بعضُهُم هذا في موضِعٍ هذا، وبالعكْسِ ؛ تجوُّزاً عن الاصطلاح (١). (ويُقالُ للأخيرين)؛ أي: الموقوفِ والمَقطوع: (الأثَرُّ). (والمُسْنَدُ) في قولِ أَهلِ الحَديث: هذا حديثٌ مُسنَدٌ: هو: (مَرْفوعُ صحابيٍّ بسنَدٍ ظاهِرُه الاتِّصالُ)، فقولي: ((مرفوعٌ)) كالجنسِ (٢)، وقولي : (١) كمثل ما قاله الميَّانَشي في ((ما لا يسَعُ المحدِّث جهلُه)) (ص ٣٠ - بتحقيقي)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (١ / ١٠٦)، وانظر: ((فتح المغيث)) (١ / ١٠٦). (٢) أي أنَّه شامل للمُراد تعريفُه وغيره. ١٥٤ ((صحابيٍّ)) كالفصلِ، يَخرُجُ بهِ ما رفعهُ التَّابعيُّ؛ فإِنّه مُرْسَلٌ، أَو مَن دونَه؛ فإِنّه مُعْضَلٌ أَو مُعلَّقٌ. وقولي: ((ظاهِرُهُ الاتِّصالُ)) يُخْرِجُ ما ظاهِرُه الانقطاعُ، ويُدخِل ما فيه الاحتمالُ، وما يوجَدُ فيه حقيقةُ الاتِّصالِ مِن باب أولى . ويُفهَمُ مِن النَّقييدِ بالظُّهورِ أَنَّ الانقطاعَ الخفيَّ كعنعَنَةِ المدلِّسِ والمُعاصرِ الذي لم يُثبُتْ لُقِيُّهُ؛ لا يُخرِجُ الحديثَ (١) عن كونه مُسنَداً، لإِطباقِ الأئمَّةِ الَّذينَ خَرَّجوا المسانيدَ على ذلك. وهذا التَّعريفُ مُوافِقٌ لقَولِ الحاكم (٢): ((المُسْنَدُ: ما رواهُ المحدِّثُ عن شيخٍ يَظْهَرُ سماعُه منهُ، وكذا شيخُه مِن شيخِهِ مُتَّصلاً إِلى صحابيٍّ إِلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ)) . وأَمَّ الخَطيبُ؛ فقالَ (٣): ((المُسْنَدُ: المُتَّصلُ)). فعلى هذا: الموقوفُ إِذا جاءَ بسندٍ مُتَّصلٍ يسمَّى عندَه مسنداً، لكنْ قال: ((إِنَّ ذلك قد يأْتِي، لكنْ بقلَّةٍ)). وأَبعدَ ابنُ عبدِ البرِّ حيثُ قالَ: ((المُسندُ المرفوعُ))، ثم يتعرَّضْ للإِسنادِ؛ فإِنَّهُ يصدُقُ على المُرسلِ والمُعضَلِ والمُنقِطِعِ إِذا كانَ المتنُ مرفوعاً! ولا قائلَ به . (١) سقطت من طبعة العِتْر (ص ٥٩)! (٢) في ((معرفة علوم الحديث)) (ص ١٧). (٣) في ((الكفاية)) (ص ٢١) له. ١٥٥ ٥٠ - فإِنْ قَلَّ عَدَدُهُ؛ فإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسَلَّمَ، أَو إِلى إِمامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ؛ كشُعْبَةَ: فالأوَّلُ: العُلُوُّ المُطْلَقُ. والثَّانِي: النّسْبِيُّ. (فإِنْ قلَّ عَدَدُه)؛ أي: عددُ رجالِ السَّندِ، (فَإِمَّا أَنْ ينْتَهِيَ إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ) بذلك العددِ القليل بالنِّسبةِ إِلى أَيِّ سندٍ آخَرَ يَرِدُ بِهِ ذلك الحَديثُ بعينِهِ بعددٍ كثيرٍ، (أو) ينتَهِيَ (إِلى إِمامٍ) مِن أَئْمَّةِ الحَديثِ (ذي صفةٍ عليَّةٍ) كالحفظِ والفِقهِ والضَّبطِ والتَّصنيفِ وغيرِ ذلك من الصِّفاتِ المُقْتَضِيَةِ للتَّرجيحِ ؛ (كشُعْبَةَ) ومالكِ والثَّورِّ والشَّافعيِّ والبُخاريِّ ومُسلمٍ ونحوهم: (فالأوَّلُ) وهُو ما ينتَهي إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلَهِ وسلَّمَ: (العُلُوُّ المُطْلَقُ)، فإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يكونَ سندُهُ صحيحاً؛ كانَ الغايةَ القُصوى، وإِلَّ فَصُورةُ العلوِّ فيهِ موجودةٌ ما لم يكُنْ موضوعاً (١)؛ فَهُو كالعدَمِ. (والثَّاني): العُلُوُّ (النِّسبيُّ): وهُو ما يقلُّ العددُ فيهِ إِلى ذلك الإِمامِ، ولو كانَ العددُ مِن ذلك الإِمامِ إِلى مُنتهاهُ كَثِيراً. وقد عَظُمَتْ رغبةُ المُتَأْخِّرِينَ فيهِ، حتَّى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ مِنْهُم، بحيثُ أَهْمَلوا الاشتِغالَ بما هُو أَهمُّ منهُ (٢). وإنَّما كانَ العلوُّ مَرغوباً فيهِ؛ لكونِهِ أَقْربَ إِلى الصحّةِ، وقلَّةِ الخطإِ؛ لأنَّهُ ما مِن راوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلَّ والخطأ جائزٌ عليهِ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ وطالَ (١) في طبعة الخافقين (ص ٥٨): ((موضوعة))! (٢) وهي الصِّحَّة والثبوت والتدقيق في الرُّواة وأحوالهم. ١٥٦ وفيهِ: الموافَقَةُ، وهي الوُصولُ إِلى شيخٍ أَحدِ المُصَنَّفِينَ مِن غيرِ طريقهِ . السَّندُ؛ كَثُرَتْ مظانُّ النَّجويز (١)، وكلَّما قلَّتْ؛ قَلَّتْ(٢). فإِنْ كانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ ليستْ في العلوِّ؛ كأَنْ يكونَ رجالُه أَوثقَ منهُ، أَو أَحْفَظَ، أَو أَفقهَ، أَو الاتّصالُ فيهِ أَظهَرَ، ؛ فلا تردّدَ في أَنَّ النُّزولَ حينئذٍ أَولى. وأَمَّا مَن رجَّحَ النُّزولَ مُطلقاً، واخْتَجِّ بأَنَّ كَثْرةَ البحثِ تقتَضي المشقَّةَ؛ فيعظُمُ الأجْرُ (٣)! فذلك ترجيحٌ بأمرٍ أَجنبيٍّ عمَّ يتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ. (وفيهِ)؛ أي: العلوِّ النسبِيِّ (المُوافَقَةُ، وهِيَ الوُصولُ إِلى شيخِ أَحدٍ المصنَّفينَ مِن غيرِ طريقِهِ)؛ أي: الطَّريقِ التي تصلُ إِلى ذلك المصنّفِ المُعيَّنِ . مثالُه: روى البُخاريُّ عن قُتيبةَ عن مالكٍ حديثاً ... فلو رَوَيْنَاهُ مِن طريقِهِ؛ كانَ بيننا وبينَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ، ولو رَوَيْنا ذلك الحَديثَ (١) أي: مظانّ تجويز الخطإ عليه . (٢) أي: كلَّما قلَّت أعداد الوسائط؛ قلَّت مظانُّ التجويز. (٣) على وَفْق القاعدة الفقهيَّة المعروفة: ((الأجر على قدر المشقّة))، وهي قاعدة مستَنْبَطَة من قول النبي وَّ لأمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((يا عائشة! أجرك على قدْر نصبك)). رواه: البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١ و١٢١٧). وإن كان هذا الأصل ليس وارداً في هذا المقام، والله أعلم. ١٥٧ وفيهِ: الْبَدَلُ، وهو الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كذلكَ. وفيهِ : المُساواةُ، وهي استواءُ عددِ الإِسنادِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ معَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفِينَ. بعينِهِ مِنْ طريقِ أبي العبّاس السَّرَّاج (١) عن قُتيبةَ مثلاً؛ لكانَ بيننا وبينَ قُتِيبَةً سبعةٌ. فقدْ حَصَلَتْ لنا الموافقةُ معَ البخاريِّ في شیخِهِ بعینِهِ معَ عُلِّ الإِسنادِ على الإِسنادِ إِلیهِ. (وفيهِ)؛ أي: العلوِّ النسبيِّ (البَدَلُ، وهُو الوصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كذلك). كأَنْ يقعَ لنا ذلك الإِسنادُ بعينِهِ مِن طريقٍ أخرى إِلى القعنَبِيِّ عن مالكٍ، فيكونُ القَعْنَبِيُّ بَدَلَا فِيهِ مِن قُتَيْبَةً . وأكثرُ ما يعتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قارَنَا العُلُّوَّ، وإِلَّ؛ فاسمُ المُوافقةِ والبَدلِ واقِعٌ بدُونِه. (وفيهِ)؛ أي: العُلوِّ النسبيِّ (المُساواةُ، وهي: استواءُ عدَدِ الإِسنادِ مِن الرَّاوي إِلى آخرهِ)؛ أي: الإِسنادِ (معَ إِسنادِ أُحدِ المُصنّفِينَ). كأَنْ يرِيَ النَّسائيُّ مَثلاً حَديثاً يَقعُ بينَهُ وبِينَ النبِّ وَّ فِيهِ أَحدَ عشرَ نفساً، فيقعُ لنا ذلك الحديثُ بعينِه بإِسنادٍ آخَرَ (٢) إِلى النبيِّ وََّ، يقعُ بينَنَا فِيهِ وبينَ النَّبِيِّ (١) توفي سنة (٣١٣هـ)، ترجمته في ((سير النبلاء)) (١٤ / ٣٨٨). (٢) في طبعة العتر (ص ٦١): ((آخر بإسناد))! ١٥٨ وفيهِ المُصافَحَةُ، وهي الاستواءُ مَعَ تِلْمِيذِ ذلكَ المُصَنَّفِ. ويُقابلُ العُلُوَّ بِأَقْسامِهِ: النّزولُ. ٥١ - فإِنْ تَشارَكَ الرَّاوِي ومَنْ رَوى عَنْهُ في السِّنِّ واللّقِيِّ؛ فهو الأقْرانُ . وَ أَحدَ عشرَ نفساً، فنُساوي(١) النَّسائيّ مِن حيثُ العددُ معَ قطعِ النَّظر عن مُلاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ. (وفيهِ)؛ أي: العلوِّ النسبيِّ أَيضاً (المُصافَحَةُ، وهي: الاستواءُ معَ تلميذٍ ذلك المصنَّفِ) على الوجْهِ المَشروحِ أَوَلاً . وسُمِّيتْ مُصافحةً لأنَّ العادةَ جرتْ في الغالب بالمُصافحةِ بينَ مَن تلاقيا، ونحنُ في هذهِ الصُّورةِ كَأَنَّا لَقينا النَّسائيَّ، فكَأَنَّا صافَحْناهُ. (ويُقابِلُ العُلُوَّ بِأَقسامِهِ) المذكورةِ (النُّزولُ) فيكونُ كلُّ قسمٍ مِن أَقسامٍ العُلوِّ يُقابِلُهُ قسمٌ مِن أَقسام النُّزولِ ؛ خلافاً لمَن زعمَ أَنَّ العُلوَّ قد يقعُ غيرَ تابعٍ للنُّزولِ (٢). (فإِنْ تشارَكَ الرَّاوي ومَن روى عنهُ في) أَمٍ مِن الأمورِ المتعلَّقَةِ بالرِّوايةِ؛ مثل (السِّنِّ واللَّقِيِّ)، وهو الأخذُ عن المشايخِ؛ (فهُو) النَّوعُ الَّذِي يُقالُ لهُ: روايةُ (الأقرانِ)؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ راوياً عن قَرِينِهِ . (١) في طبعة العتر (ص ٦١): ((فتساوى))! (٢) في طبعة العتر (ص ٦١): ((النزول))! قلت: ومباحث العلو والنُّزول - شرحاً، وبياناً، وأمثلة - تراها في ((جزء العلو والنزول في الحديث)) لابن طاهر المقدسي، مع تعليقات الأخ صلاح الدين مقبول عليه. ١٥٩ ٥٢ - وإِنْ رَوَى كُلِّ مِنْهُما عَنِ الآخَرِ؛ فالمُدََّّجُ. ٥٣ - وإِنْ رَوى عَمَّنْ دُونَهُ؛ فالأكابرُ عَن الأصاغِر، ومِنْهُ: الآباءُ (وإِنْ رَوى كُلَّ منهُما)؛ أي: القَرِينَيْنِ (عَنِ الآخَرِ؛ فـ) هو (المُدَبَّجُ)، وهو أَخصُّ مِن الأوَّلِ، فكلُّ مُدَبَّجٍ أَقرانٌ، وليسَ كلُّ أَقرانٍ مدبَّجاً(١). وقد صنَّفَ الدَّارقطنيُّ في ذلك(٢)، وصنَّف أبو الشيخِ الأصبهانيُّ (٣) في الَّذي قبلَه . وإِذا روى الشَّيخُ عن تلميذِهِ صَدَق أَنَّ كلَّ منهُما يروي عنِ الآخَرِ؛ فهل يُسمَّى مُدبَّجاً؟ فيهِ بحثٌ، والظَّاهرُ: لا؛ لأنَّهُ مِن روايةِ الأكابِرِ عَنِ الأصاغِرِ، والتَّدبيجُ(٤) مأخوذٌ مِن دِيباجَتَي الوجهِ، فَيَقْتَضِي أن يكونَ ذلك مُستوياً مِن الجانبَيْن، فلا يجيءُ فیهِ هذا . (وإِنْ روى) الرَّاوي (عمَّن) هُو (دُونَه) في السنِّ أَو اللَّقيِّ أُو في المِقدارِ؛ (١) وهذا ضابط حسن للتفريق بينهما. وسيأتي عند الشارح رحمه الله بيان اشتقاقه، وقد سبق (ص ٣٩) مثال تطبيقيُّ عليه . (٢) واسم كتابه: ((كتاب المُدَبَّج))، وهو من موارد المصنف في بعض كتبه، كـ: ((تغليق التعليق)) (٣ / ١٨٩)، و((الفتح)) (٤ / ١٩٣). وقد فات هذا المصدر محقّق ((التغليق)) (١ / ٢٦١) لمّا سرد أسماء مصادر الكتاب! وكذا فاته غيرُه . وانظر كتابنا ((صفة صوم النبي (وَلّة)) (ص ٧٨)؛ ففيه فائدة لطيفة حول اسمه . (٣) واسم كتابه: ((ذكر رواية الأقران))، وصلَتْنا قطعة صالحة منه، وهو تحت التحقيق عندي مشاركة مع بعض الأفاضل، يسَّر الله إتمامه. (٤) انظر: ((المصباح المنير)) (ص ١٨٨). ١٦٠