النص المفهرس
صفحات 101-120
١٥ - وإِنْ وُجدَ مَتْنٌ يُشْبهُهُ؛ فهو الشَّاهِدُ.
ووَجَدْنا لهُ أَيضاً مُتَابَعَةً قاصرةً في ((صحيحِ ابنِ خُزَيْمَةَ)) (١) مِن روايةٍ عاصمِ
ابن محمَّدٍ عن أبيهِ محمَّدٍ بن زيدٍ عن جدِّهِ عبدِ اللهِ بن عُمرَ بلفظ: ((فَكَمِّلوا
ثلاثینَ».
وفي (صحيحِ مسلمٍ))(٢) من روايةٍ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَرَ
بلفظ: ((فاقْدُروا ثلاثينَ)).
ولا اقْتِصارَ في هذه المُتابعةِ - سواءٌ كانتْ تامَّةً أَم قاصرةً - على اللَّفْظِ، بل
لو جاءَتْ بالمعنى؛ لكَفَتْ، لكنَّها مختَصَّةٌ بكونِها مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ .
(وإِنْ وُجِدَ مَتْنٌ) يُروى مِن حديثٍ صحابيٍّ آخَرَ (يُشْبِهُهُ) في اللَّفِظِ
والمعنى، أو في المعنى فقطْ؛ (فُهُو الشَّاهِدُ):
ومثالُه في الحديثِ الَّذِي قدَّمناهُ ما رواهُ النَّسائيُّ(٣) مِن روايةِ محَمَّدٍ بِنِ
= على وجهين)).
قلت: ويريد بالوجه الثاني رواية القعنبيِّ؛ فقد رواه على الوجهين: ((فاقْدُروا له))،
و ((فأكملوا العدة ثلاثين))، وكلاهما في ((صحيح البخاري)).
ثم قال معقّباً: ((ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه؛ فله متابعات (ثم ذكرها)).
(١) (١٩٠٩).
(٢) (١٠٨٠) (٤).
(٣) (١٣٥/٤)، ورواه أحمد (٢٢١/١) - وفيه: محمد بن حُنَيْن - و(١ /٣٦٧)
- وفيه: محمد بن جبير-، ووقع الخلاف في اسم والده في نُسخنا أيضاً، وانظر ما سيأتي
(ص ١٨١).
ولتحقيق الخلاف في ذلك؛ انظر: ((النكت الظراف)) (٥ / ٢٣٠)، و((تهذيب
التهذيب)) (٩ / ١٣٦)؛ كلاهما للمصنف، و ((شرح المسند)) (١٩٣٢) للشيخ أحمد شاكر.
١٠١
١٦ - وتتبُّعُ الطُّرُق لذلك هو: الاعتبارُ.
١٧ - ثمَّ المَقبولُ؛ إِنْ سَلِمَ مِنَ المُعارَضَةِ؛ فهو المُحْكُمُ.
حُنَيْنٍ عن ابن عبّاسٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، فَذَكَرَ مثلَ حديثٍ
عبداللهِ بنِ دينارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ سواءً .
فهذا باللَّفِظِ .
وأُمَّا بالمَعْنى؛ فهو ما رواهُ البُخاريُّ(١) مِن روايةٍ محمَّدٍ بنِ زيادٍ عن أَبي
ءَ
هُرِيرةَ بلفظ: ((فإِنْ غُمَّ عليكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ)).
وخَصَّ قومٌ المُتابعةَ بما حَصَلَ باللَّفظِ، سواءً كانَ مِن روايةِ ذلك الصَّحابيِّ
أم لا ، والشاهدَ بما حصلَ بالمعنى كذلك.
وقد تُطْلَقُ المُتابعةُ على الشَّاهِدِ وبالعكس ، والأمرُ فيهِ سَهْلٌ .
(و) اعْلَمْ أَنَّ (تَتَبُّعَ الطُرُقِ) مِن الجوامِعِ والمسانيدِ والأجزاءِ (لذلك)
الحديثِ الذي يُظنُّ أَنَّه فردٌ لِيُعْلَمَ هلْ لهُ متابعٌ أَم لا (هُو الاعتبارُ).
وقولُ ابنِ الصَّلاحِ(٢): ((معرفةُ الاعتبارِ والمتابعاتِ والشَّواهِدِ))؛ قد يوهِمُ
أَنَّ الاعتبارَ قَسيمٌ لهُما، وليسَ كذلك، بل هُو هيئةُ التوصُّلِ إِليهِما (٣).
وجَميعُ ما تقدَّمَ مِن أَقسامِ المَقبولِ تَحْصُلُ فائدةُ تقسيمِهِ باعتبارِ مَراتِبِهِ
عندَ المُعارضةِ، واللهُ أعلمُ.
(١) (١٩٠٩)، ورواه مسلم (١٠٨١) (١٩).
(٢) في ((مقدمته)) المشهورة (ص ٧٤).
(٣) ((وردَّه الشيخ قاسم بأنَّ ما قاله ابن الصلاح صحيح؛ لأن هيئة التوصُّل إلى الشيء
غير الشيء)) ((اليواقيت والدرر)) (ق ٧٧ / أ).
١٠٢
١٨ - وإِنْ عُورضَ بِمِثْلِهِ؛ فإِنْ أَمْكَنَ الجَمْعُ؛ فَمُخْتَلِفُ
الحدیث .
(ثُمَّ المقبولُ) ينقسِمُ أَيضاً إِلى مَعمولٍ بِهِ وغيرِ مَعْمولٍ بِهِ؛ لأنَّهُ (إِنْ سَلِمَ
مِن المُعارَضَةِ)؛ أي: لم يَأْتِ خبرٌ يُضادُّهُ، (فُهُوَ المُحْكَمُ)، وأَمثلتُه كثيرةٌ .
(وإِنْ عُورِضَ)؛ فلا يَخْلو إِمَّا أَنْ يكونَ مُعارِضُهُ مقبولاً مثلَه، أو يكونَ
مَردوداً، فالثَّاني لا أَثْرَ لهُ؛ لأنَّ القويَّ لا تُؤثِّرُ فيهِ مُخالفةُ الضَّعيفِ.
وإِنْ كانتِ المُعارضةُ (بمِثْلِهِ)؛ فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ الجَمْعُ بينَ
مدلولَيّهما بغير تعسُّفٍ أَولا:
(فإِنْ أَمْكَنَ الجمعُ؛ ف) هو النَّعُ المسمَّى (مُخْتَلِفَ الحَديثِ)، ومِثَلَ لهُ
ابنُ الصَّلاحِ(١) بحديثٍ: ((لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ ولا هامَّةَ ولا صَفَر ولا غُول)) مع
حديث: ((فِرَّ مِنَ المَجذومِ فِرارَكَ مِن الأسَدِ)) .
وكلاهُما في ((الصَّحيحِ)) (٢)، وظاهِرُهما التَّعارُضُ!
ووجْهُ الجمعِ بينَهُما أَنَّ هُذهِ الأمراضَ لا تُعْدي بطبْعِها، لكنَّ اللهَ سبحانَه
وتعالى جَعَلَ مُخالطةَ المريضِ بها للصَّحيحِ سبباً لإِعدائِهِ(٣) مَرَضَه.
(١) في ((مقدمته)) (ص ١٤٣).
(٢) فالأول في: ((صحيح البخاري)) (١٠ / ٢٤١)، وفي ((صحيح مسلم)) (٤ /
١٧٤٣)، والثاني في: ((صحيح البخاري)) (١٠ / ٢٠٦).
(٣) وانظر كلام المصنف في: ((الفتح)) (١٠ / ١٦٠)، و((شرح مسلم)) (١٤ /
٢١٣) للنووي، و((عارضة الأحوذي)) (٨ / ٣١١)، و((تهذيب سنن أبي داود)) (٥ / ٣٧٥)
لابن القيِّم، و((مختصر)) المنذري (٥ / ٣٦٧)، و((شرح معاني الآثار)) (٤ / ٣١٠)،
و((الكواكب الدَّراري)) (٢١ / ٣) للكِرْماني، و((شرح السنة)) (١٢ / ١٦٩) للبغوي.
١٠٣
ثَّ قد يتخلَّفُ ذلك عن سببه كما في غيرِهِ مِن الأسباب، كذا جَمَعَ بينَهما
ابنُ الصَّلاحِ تبعاً لغيره!
والأوْلى في الجَمْعِ بِينُهُما أَنْ يُقَالَ: إِنَّ نَفْيَهُ (َّ للعَدْوى باقٍ عَلى
عُمومِهِ، وقد صحَّ قولُهُ)(١) صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ: ((لا يُعْدِي شيءٌ شيئاً)(٢)،
وقولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ لمَن عارَضَهُ: بأَنَّ الْبَعِيرَ الأَجْرَبَ يكونُ في الإِبلِ
الصَّحيحةِ، فيُخالِطُها، فَتَجْرَبُ، حيثُ ردَّ عليهِ بقوله: ((فَمَنْ أَعْدى الأوَّلَ؟))؛
يعني: أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ابتَدَأَ ذلك في الثَّاني كما ابْتَدَأَ في الأوَّلِ .
وأَمَّا الأمرُ بالفِرارِ مِن المَجْذومِ فمِن بابِ سدِّ الذَّرائِعِ (٣)؛ لئلا يَتَّفِقَ
للشَّخْصِ الذي يُخالِطُه شيءٌ مِن ذلك بتقديرِ اللهِ تعالى ابتداءً لا بالعَدْوى
المَنْفِيَّةِ، فَيَظُنَّ أَنَّ ذلك بسبب مُخالطتِه فيعتقدَ صِحَّةَ العَدْوى، فيقعَ في
الحَرَجِ ، فَأَمَرَ بتجنُِّهِ؛ حَسْماً للمادَّةِ.
واللهُ أَعلمُ.
وقد صنَّفَ في هذا النَّعِ الإِمامُ الشافعيُّ كتابَ ((اختلافِ الحديثِ)) (٤)،
لكنَّهُ لم يَقْصِدِ استيعابه .
(١) ساقط من طبعة العتر (ص ٣٩).
(٢) رواه: أحمد (٣ / ٣٢٧)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤ / ٣٠٨)،
وأبو عبيد في ((غريب الحديث)) (١ / ٣١٩)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٢٤٩)؛ عن أبي
هريرة بسند صحيح .
(٣) انظر: ((الحوادث والبدع)) (ص ٢٣) وتعليقي عليه.
(٤) وقد طبع غير مرة .
١٠٤
·
١٩ - أو لا، وثَبَتَ المُتَأْخِّرُ؛ فهو النَّاسِخُ، والآخَرُ المَنْسُوخُ.
وقد صنَّفَ فيهِ بعدَهُ ابنُ قُتيبةَ(١) والطَّحاويُّ(٢) وغيرُهما (٣).
وإِنْ لم يُمْكِن الجمعُ؛ فلا يخْلو إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ التَّارِيخُ (أَو لا):
فإِنْ عُرِفَ (وثَبَتَ المتأَخِّرُ) بهِ، أَو بأَصرِحَ منهُ؛ (فُهُوَ النَّاسِخُ، وَالآخَرُ
المَنْسوعُ).
والنَّسْخُ(٤): رفْعُ تعلُّقِ حُكمٍ شرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ منَأْخِّرٍ عنهُ.
والنَّاسِخُ: ما يدلُّ على الرَّفعِ المذكورِ.
وتسميتُهُ ناسِخاً مجازٌ؛ لأنَّ النَّاسخَ في الحقيقةِ هو اللهُ تعالى .
ويُعْرَفُ النَّسخُ بأمورٍ:
أَصرحُها ما ورَدَ في النَّصِّ كحديثِ بُرِيدَةَ في ((صحيحٍ مسلمٍ)) (٥): ((كنت
نَهَيْتُكُم عن زيارةِ القُبورِ فَزُوروها؛ فإِنَّها تُذَكَّرُ الآخِرَةَ)).
(١) كتاب ((تأويل مختلف الحديث))، وهو مطبوع مراراً، وقد فرغ بعض طلبة العلم
أخيراً من تحقيقه على نسخ مخطوطة عدة.
(٢) كتاب ((مشكل الآثار))، طبع قسمٌ منه في أربع مجلدات سنة (١٣٣٣هـ) في
الهند، ويعاد طبعه كاملاً في بيروت باسم ((شرح مشكل الآثار)) !!
(٣) انظر كتاب ((مختلف الحديث وموقف النقّاد منه)) (ص ٣٨١) للأستاذ أسامة
الخيَّاط .
(٤) انظر: ((الاعتبار)) للحازمي، و((المحصول)) (ق ٣ / ١ / ٤١٩) للرازي،
و((الإِحكام)) (٢ / ٢٣٦) للآمدي، و((المعتمد)) (١ / ٣٩٤) لأبي الحسين البصري،
و((شرح الكوكب المنير)) (٣ / ٥٢٥)، و((العدة في أصول الفقه)) (٣ / ٧٦٨)، وغيرها.
(٥) (برقم ٩٧٧).
١٠٥
٠
ومِنها ما يجزمُ الصَّحابيُّ بأنّه متأخِّرٌ كقولٍ جابرٍ: ((كانَ آخِرَ الأمْرَيْنِ مِن
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ تَرْكُ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ))، أُخرَجَهُ
أصحابُ السُّنن(١).
ومِنْها ما يُعْرَفُ بالتَّارِيخِ ، وهُو كَثِيرٌ.
وليسَ مِنْها مَا يَروِهِ الصَّحابيُّ المُتَأْخّرُ الإِسلامِ مُعارِضاً للمُتَقَدِّمِ عليهِ؛
لاحتمالِ أَنْ يكونَ سَمِعَهُ مِن صَحابيٍّ آخَرَ أَقدمَ مِنَ المُتَقَدِّمِ المذكورِ أو مثلِهِ،
ءَ
أَرْسَلَهُ.
لكنْ؛ إِنْ وَقَعَ التَّصريحُ بسماعِه لهُ مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وسلَّمَ؛
فيَتَّجُهُ أَنْ يكونَ ناسِخاً؛ بشَرْطِ أَنْ يكونَ المُتَأَّخِّرُ لمْ يَتحمَّلْ مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ
عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ شَيْئاً قبلَ إِسلامِهِ(٢).
(١) رواه: أبو داود (١ / ٣٢٧)، والنسائي (١ / ١٠٨)، وأحمد (٣ / ٣٠٧)، وابن
خزيمة (١ / ٢٨)، والطحاوي (١ / ٦٦)؛ بسند صحيح.
وقد أُعِلَّ الحديث؛ كما في: ((التلخيص الحبير)) (١ / ١١٦) و((علل ابن أبي حاتم))
(١٦٨)، ولكنها عللٌ غير قادحة؛ كما ترى الجواب عليها في: ((شرح المسند)) (١ / ١١٧)،
و ((المحلَّى)) (١ / ٢٤٣)، و((الجوهر النقي)) (١ / ١٥٦)، و((شرح الترمذي)) (١ / ١٢١ -
١٢٢) للشيخ أحمد شاكر.
تنبيه: لم يروِ الحديث من أصحاب ((السنن)) إلا أبو داود والنسائي، أما الترمذي وابن
ماجه؛ فلم يروياه! وبه تعرف خطأ الشيخ علي القاري في ((شرحه)) (ص ١٠٣) لمَّا قال:
((أي: الأربعة)) !!
(٢) ((ورُدَّ ذلك بأنه ليس بلازم؛ لاحتمال أن يكون متأخّراً في الإِسلام، وسمع عن
النبيِّ ◌َّ قبل سماع المتقدِّم، كأن يُسْلِم يوم الخميس مثلاً، ويسمع عنه يوم الجمعة، ومَن
أسلم قبلَه يسمع عنه يوم السبت مثلاً، فالصواب أن يقول: بشرط عدم تحمُّله شيئاً منه {9 =
١٠٦
والإَّ؛ فالتَّرْجِيحُ.
ثُمَّ التوقُفُ.
وأمَّا الإِجماعُ؛ فليسَ بناسِخٍ ، بل يدُلُّ على ذلكَ(١).
وإِنْ لمْ يُعْرَفِ التَّارِيخُ؛ فلا يخلو إِمَّا أَنْ يُمْكِنَ ترجيحُ أَحدِهِما على الآخَرِ
بوجْهٍ مِن وجوهِ التَّرجيح (٢) المُتعلِّقَةِ بالمتْنِ أَو بالإِسنادِ أو لا :
فإِنْ أُمْكَنَ التَّرجيحُ؛ تعيّنَ المصيرُ إِليهِ، (والَّ)؛ فلا.
فصارَ ما ظاهِرُهُ التَّعارُضُ واقِعاً على هذا التَّرتيب:
الجمعُ إِنْ أَمكَنَ.
فاعْتبارُ النَّاسِخِ والمَنْسوخِ .
(فالتَّرجيحُ) إِنْ تعيَّنَ.
(ثُمَّ التوقُّفُ) عنِ العَمَلِ بأَحدِ الحَديثِينِ.
والتَّعبيرُ بالتوقُّفِ أَولى مِن التَّعبير بالتَّساقُطِ (٣)؛ لأنَّ خفاءَ ترجيحِ أحدِهِما
= قبل إسلامه، مع موت متقدّم الإِسلام قبل إسلام المتأخِّر، أو مع العلم بأن المتقدِّم لم يسمع
شيئاً بعد إسلام المتأخِّر، فتأمَّل)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٦١).
(١) أي: يدلُّ على النسخ؛ فهو لا ينسخ بذاته.
(٢) وهي زيادة على المئة؛ انظرها في: ((الاعتبار)) (٤ - ١٥) للحازمي، و((التقييد
والإِيضاح)) (ص ٢٨٦ - ٢٨٩) للحافظ العراقي.
(٣) ((على ما اشتهر على الألسنة من أنَّ الدَّليلين إذا تعارضا؛ تساقطا، أي: تساقط
حكمهما، وهو يوهم الاستمرار، مع أنَّ الأمر ليس كذلك؛ لأن سقوط حكمهما إنما هو لعدم
ظهور ترجيح أحدهما حينئذ، ولا يلزم منه استمرار التساقط، مع أن إطلاق (التَّساقط) على
الأدلّة الشرعية خارج عن سنن الآداب السنية)) ((شرح القاري)) (ص ١٠٥).
١٠٧
ثمَّ المردودُ إِمَّا أَنْ يكونَ لِسَقْطٍ أَوْ طَعْنٍ .
والسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكونَ: مِنْ مَبادىء السَّنَدِ مِن مُصَنَّفٍ، أَو من
آخِرِهِ بعدَ التَّابعيِّ، أَو غير ذلك:
٢٠ - فالأوَّلُ: المُعَلَّقُ.
على الآخَر إِنَّما هُو بالنّسبةِ للمُعْتَبر في الحالةِ الرَّاهنةِ، معَ احتِمالٍ أَنْ يظهَرَ
لغيرِهِ مَا خَفِيَ عليهِ، واللهُ أعلمُ.
(ثُمَّ المَردودُ): وموجِبُ الرَّدِّ (إِمَّا أَنْ يكونَ لِسَقْطٍ) مِن إِسنادٍ، (أَو طَعْنٍ)
في راوٍ على اخْتِلافِ وُجوهِ الطَّعْنِ، أَعَمُّ مِن أَنْ يكونَ لأُمْرٍ یرجِعُ إِلی دِيانِةِ الرَّاوي
أو إِلى ضبْطِهِ .
(والسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يكونَ مِنْ مبادىءِ السَّنَدِ مِن) تصرُّفِ (مُصَنَّفٍ، أَو مِن
آخِرِهِ)؛ أي: الإِسنادِ (بَعْدَ التَّابعيِّ أَو غير ذلك، فالأوَّلُ: المُعَلَّقُ) سواءٌ كانَ
السَّاقِطُ واحداً أَو أكثرَ.
وبينَهُ وبينَ المُعْضَلِ الآتي ذِكْرُهُ عمومٌ وخُصوصٌ مِن وجْهٍ .
فِمِنْ حيثُ تعريفُ المُعْضَلِ بأَنَّهُ سقَطَ منهُ اثنانِ فصاعِداً يجتَمِعُ معَ
بعضِ صُورِ المُعَلَّقِ.
ومِن حيثُ تقييدُ المُعَلَّق بأنّه مِن تصرُّفِ مُصَنَّفٍ مِن مبادىءِ السَّنَدِ يفتَرقُ
مِنْهُ، إِذْ هُو أَعَمُّ مِن ذلك.
ومِن صُوَرِ المُعَلَّقِ: أَنْ يُحْذَفَ جميعُ السَّندِ، ويُقالَ مثلًا: قالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ .
ومنها: أَنْ يُحْذَفَ إِلَّ الصَّحابيَّ أَو إِلَّ الصَّحابيَّ والتَّابعيَّ معاً.
١٠٨
٢١ - والثّاني: المُرْسَلُ.
ومنها: أنْ يَحْذِفَ مَن حَدَّثَهُ ويُضِيفَهُ إِلى مَنْ فوقَهُ، فإِنْ كانَ مَن فوقَه شيخاً
لذلك المصنَّفِ؛ فقد اخْتُلِفَ فيه: هل يُسمَّى تعليقاً أَو لا؟
والصَّحيحُ في هذا: التَّفصيلُ: فإِنْ عُرفَ بالنَّصِّ أَو الاستِقْراءِ أَنَّ فاعِلَ
ذلك مُدَلِّسٌ؛ قضى بهِ(١)، وإلاّ فتعليقٌ.
وإِنَّمَا ذُكِرَ التَّعليقُ في قسمِ المردودِ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ .
وقد يُحْكَمُ بصحَّتِهِ إِنْ عُرِفَ بأَنْ يجيءَ مسمَّىٍّ مِن وجهٍ آخَرَ، فإِنْ قالَ:
جميعُ مَن أَحْذِفُهُ ثقاتٌ؛ جاءتْ مسألةُ التَّعديلِ على الإِبهامِ .
وعندَ الجُمهورِ لا يُقْبَلُ حتَّى يُسمَّى(٢).
لكنْ قالَ ابنُ الصَّلاحِ(٣) هنا: إِنْ وَقَعَ الحَذْفُ في كتابِ التُّزْمَتْ صحَّتُه؛
كالبُخاريِّ؛ فما أَتَى بالجَزْمِ دلَّ على أَنَّ ثَبَتَ إِسنادُهُ عِندَه، وإنَّما حُذِفَ لَغَرَضِ
مِنَ الأغْرَاضِ .
ومَا أَتَى فيهِ بغيرِ الجَزْمِ ؛ ففيهِ مقالٌ.
وقد أَوضَحْتُ أَمثلةَ ذلك في ((النُّكتِ على ابن الصَّلاحِ))(٤).
(والثَّاني): وهو ما سَقَطَ مِن آخِرِهِ مَن بعدَ التَّابعيِّ هو (المُرْسَلُ):
(١) أي: حكم عليه بأحكام التدليس.
(٢) انظر: ((فتح المغيث)) (١ / ٣٠٨)، و((الكفاية)) (١٥٥)، و ((توضيح الأفكار)) (٢
/ ١٧٢)، و((تدريب الراوي)) (١ / ٣١٢).
(٣) في ((علوم الحديث)) (ص ٦٢).
(٤) راجع (٥٩٩/٢)، وانظر مقدمة رسالتي ((تغليق التعليق على صحيح مسلم)).
١٠٩
وصورَتُهُ أَنْ يقولَ التابعيُّ سواءٌ كانَ كبيراً أَو صغيراً: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى
اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّم كذا، أو: فعَلَ كذا، أَو: فُعِلَ بحضرتِه كذا، أَو نحوُ ذلك.
وإِنَّمَا ذُكِرَ في قسمِ المَردودِ للجَهْلِ بحالِ المحذوفِ؛ لأنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ
يكونَ صحابيّاً، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ تابعيّاً(١)، وعلى الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ
ضَعِيفاً، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ ثقةً، وعلى الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن
صحابيٍّ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ حَمَلَ عن تابعيٍّ آخَرَ، وعلى الثَّاني فيعودُ الاحتمالُ
السَّابقُ، ويتعدَّدُ إِمَّا بالتَّجويزِ العقليِّ، فإلى ما لا نهايةَ لهُ، وإِمَّا بالاستقراءِ؛ فإِلى
ستَّةٍ أَو سبعةٍ(٢)، وهو أكثرُ ما وُجِدَ مِن روايةِ بعضِ التَّابعينَ عن بعضٍ .
(١) وفي هذا ردّ على البيقوني القائل في ((منظومته)) المشهورة: ((ومُرسلٌ منه
الصحابيُّ سقط))! وقد بيَّنتُ خطأه - قديماً - في تعليقي عليها المسمَّى ((التعليقات الأثريَّة))،
فانظر (ص ٢٣) منه .
وراجع: ((شرح علي القاري)) (ص ١٠٩ - ١١٠).
(٢) روى الذهبي في ((معجم شيوخه)) (٢ / ٢٨٩) من طريق الإِمام أحمد في
((مسنده)) (٥ / ٤١٩)؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة عن منصور عن هلال
ابن يَسَاف عن الربيع بن خُثْم عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة
من الأنصار عن أبي أيوب عن النبي بهية؛ قال: ((أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟
فإنه مَن قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحدٌ﴾ في ليلةٍ؛ فقد قرأ ثلث القرآن)).
ثم قال الذهبي رحمه الله: ((هذا حديث صالح الإِسناد، من الأفراد، ولا نعلم حديثاً
بين أحمد بن حنبل فيه وبين النبي تسعة أنفس سواه، وهو ممَّا اجتمع في سنده ستة تابعيُّون
يروي بعضهم عن بعض، وهذا لا نظير له؛ فإن منصور بن المعتمر معدود في صغار
التابعين، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من طريق زائدة، وحسَّنه الترمذي، مع أنه
معلَّل ... )).
=
١١٠
فإِنْ عُرفَ مِن عادةِ التَّابعيِّ أَنّه لا يُرسِلُ إِلَّ عن ثِقةٍ؛ فذهَبَ جُمهورُ
المُحدِّثينَ إِلى التوقُّفِ؛ لبقاءِ الاحتمالِ ، وهُو أَحدُ قولَيْ أَحمدَ.
وثانيهما - وهُو قولُ المالِكِينَ والكوفِّينَ - يُقْبَلُ مُطْلقاً.
وقالَ الشَّافِعِيُّ(١) رضيَ اللهُ عنهُ: ((يُقْبَلُ إِنِ اعْتَضَدَ بمجيئِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ
يُبَايِنُ الطُّرُقَ الأولى مُسْنَداً كانَ أَو مُرْسَلًا؛ ليترجَّحَ احتمالُ كونِ المحذوفِ ثقةً
في نفسِ الأمر)).
ونقلَ أبو بكرِ الرَّزيُّ(٢) مِن الحنفيَّةِ وأبو الوليدِ الباحِيُّ مِن المالِكِيَّةِ(٣) أنّ
الرَّاويَ إِذا كانَ يُرْسِلُ عن الثَّقاتِ وغيرهم لا يُقْبَل مُرسَلُه اتَّفاقاً.
ورواه: الترمذي (٢٨٩٨)، والنَّسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٦٨١)، وفي
=
((سننه)) (٩٩٦)؛ من طريق عبد الرحمن بن مهدي به .
وقال النسائي: ((ما أعرف إسناداً أطول من هذا)).
وقال الإِمام ابن كثير في ((تفسيره)) (٨ / ٥٤١): ((وهذا حديث تُساعيُّ الإِسناد للإِمام
أحمد)».
وللخطيب البغدادي جزء مفرد في طرق هذا الحديث ورواياته، منه نسخة مخطوطة
في ظاهرية دمشق (مجموع ١١٥)، اسمه: ((حديث الستّة من التابعين وذكر طرقه واختلاف
وجوهه))، وهو نافع جدّاً، وقد طُبع قريباً.
وللحديث شواهد عدَّة.
(١) في ((الرسالة)) (ص ٤٦٤ - ٤٦٧).
(٢) في ((المحصول)) (١ / ٢ / ٦٦٧).
(٣) انظر: ((جامع التحصيل)) (٣٧ - ٣٨) للعلائي.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية في ((منهاج السنة)) (٤ / ١١٧ - ط١) كلمة لطيفة حول قبول
المرسل.
١١١
ء
٢٢ - والثَّالِثُ: إِنْ كانَ باثنَيْنِ فصاعِداً مَعَ التَّوالي؛ فهو
المُعْضَلُ.
٢٣ - وإِلاَّ؛ فالمُنْقَطِعُ.
ثُمَّ قد يكونُ واضِحاً أَوْ خَفِيّاً:
فالأوَّلُ: يُدْرَكُ بعَدمِ التّلاقي، ومِنْ ثَمَّ احْتِيجَ إِلى التّاريخِ .
13
(و) القسمُ (الثَّالِثُ) مِن أَقسامِ السَّقْطِ مِن الإِسنادِ (إِنْ كانَ باثْنَيْن فصاعداً
معَ التَّوالي؛ فهُو المُعْضَلُ، وإِلَّ) فإِنْ كانَ السَّقْطُ باثنين غيرِ متوالِيَيْنِ في
مَوضِعَيْن مثلاً؛ (فـ) هُو (المُنْقَطِعُ)، وكذا إِنْ سَقَطَ واحدٌ فقط، أو أكثرُ مِن
اثنين، لكنَّه بشرطِ عدمِ التَّوالي(١).
(ثمَّ) إِنَّ السَّقطَ مِن الإِسنادِ (قدْ يكونُ واضِحاً) يحصُلُ الاشْتِراكُ في
معرفَتِه ككَوْنِ الرَّاوي مثلًاً لم يُعاصِرْ مَن روى عنهُ (أَو) يكونُ (خَفِيّاً)؛ فلا يُدْرِكُهُ
إِلَّ الأئمّةُ الحُذَّاقُ المُطَلِعونَ على طُرُقِ الحديثِ وعِلَلِ الأسانيدِ .
(فالأوَّلُ) وهُو الواضحُ (يُدْرَكُ بعدَمِ التَّلاقي) بينَ الرَّاوِي وشيخِهِ بكونه لمْ
يُدْرِكْ عصْرَهُ أَو أَدْرَكَهُ لكنَّهما لم يجْتَمِعا، وليستْ لهُ منهُ إِجازةٌ ولا وجَادَةٌ(٢).
١
(ومِنْ ثمَّ احْتِيجَ إِلى التَّاريخِ) لتضمُّنِهِ تحريرَ مواليدِ الرُّواةِ وَفِيَاتِهِم
وأوقاتٍ طلَبِهِم وارْتِحالِهم .
(١) وقد قيل:
فِصَاعِداً لكِنْ مَعَ التَّوالي
ومُعْضَلٌ مِنْ راوِيْنِ خالي
(٢) سيأتي تعريفُها والكلام عليها (ص ١٣٣).
١١٢
٢٤ - والثّانِي: المُدَلَّسُ، ويَرِدُ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ اللُّقَى؛ كـ : (عن)
و (قال).
وقد افْتُضِحَ أقوامٌ ادَّعَوا الرِّوايةَ عن شيوخٍ ظهرَ بالتَّارِيخِ كَذِبُ (١)
دْواهُم .
(و) القسمُ (الثَّاني)، وهو الخَفِيُّ (المُدَلَّسُ)؛ بفتحِ اللَّامِ، سُمِّ بذلك
الكونِ الرَّاوي لم يُسَمِّ مَن حَدَّثَهُ، وأَوهَمَ سماعَهُ للحَديثِ مِمَّن لم يُحَدِّثْهُ بهِ .
واشْتِقَاقُهُ مِن الدَّلَسِ (٢) - بالتَّحريكِ -، وهو اختلاطُ الظَّلامِ بالنُّورِ، سُمِّيَ
بذلك لاشتراكِهِما في الخفاءِ .
(وَيَرَدُ) المُدَلَّسُ (بصيغةٍ) مِن صيغِ الأداءِ (تحْتَمِلُ) وقوعَ (اللُّقَى)(٣) بينَ
المُدَلِّس ومَن أَسْنَدَ عنهُ (كعن و) كذا (قالَ).
ومتى وقَعَ بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ(٤) فيها؛ كانَ كذِباً.
وحُكْمُ مَن ثبتَ عنهُ التَّدليسُ إِذا كانَ عَدْلاً أَنْ لا يُقْبَلَ منهُ إِلَّ ما صرَّحَ فيهِ
بالتَّحديثِ على الأصحِّ .
(١) من أشهر هؤلاء الكذَّابين رَتَنٌ الهندُّ .
قال الذهبي في ((الميزان)) (٢ / ٤٥): ((وما أدراك ما رَتَن؟! شيخٌ دجَّال بلا ريب،
ظهر بعد الستُّ مئة، فادَّعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون، وهذا جريءٌ على الله
ورسوله ... )).
(٢) ((القاموس المحيط)) (٧٠٣)، ((الصحاح)) (٢٠٩ - مختاره)، و((أساس البلاغة))
(ص ١٩٢).
(٣) ويجوز: (اللُّقي).
(٤) أي: لا احتمال وارداً عليها.
١١٣
٢٥ - وَكَذا المُرْسَلُ الخَفِيُّ مِنْ مُعاصِرٍ لَمْ يَلْقَ .
ثُمَّ الطَّعْنُ: إِمَّا أَنْ يكونَ لِكَذِبِ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتِهِ بذلك، أَو
(وكذلك المُرْسَلُ الخفيُّ)(١) إِذا صَدَرَ (مِن مُعاصِرٍ لمْ يَلْقَ) مَن حَدَّثَ
عنهُ، بل بينَه وبينَه واسِطةٌ .
والفَرْقُ بينَ المُدَلَّسِ والمُرْسَلِ الخفيِّ دقيقٌ حَصَلَ تحريرُه بما ذُكِرَ هنا:
وهو أَنَّ التَّدليسَ يختصُّ بمَن روى عمّن ◌ُعُرِفَ لقاؤهُ إِيَّاهُ، فَأَمَّا إِنْ عاصَرَهُ
ولم يُعْرَفْ أَنّه لِقِيَهُ؛ فَهُو المُرْسَلُ الخَفِيُّ .
ومَنْ أَدْخَلَ في تعريفِ التَّدليسِ المُعاصَرَةَ، ولو بغيرِ لُقَى؛ لزِمَهُ دُخُولُ
المُرْسَلِ الخَفِيِّ في تعریفِهِ.
والصَّوابُ التَّفرقةُ بِينَهُما.
ويدلُّ على أَنَّ اعتبارَ اللُّقى في التَّدليسِ دونَ المُعاصرةِ وَحْدَها لا بُدَّ منهُ
إِطْباقُ أهلِ العلمِ بالحديثِ على أَنَّ روايةَ المُخَضْرَمِينَ (٢) كأَبِي عُثمانَ
(١) قال العلائي في ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)) (ص ١٤٥) في ((بيان
المراسيل الخفيِّ إرسالُها)): ((وهو نوعٌ بديعٌ مِن أهم أنواع علوم الحديث، وأكثرها فائدة،
وأعمقها مسلكاً، ولم يتكلّم فيه بالبيان إلا الحذَّاق الأئمة الكبار، ويُدرَك بالاتساع في الرواية،
والجمع لطرق الحديث، مع المعرفة التامة، والإِدراك الدَّقيق)).
ثم ساق طرائق معرفته، وانظر كتابي ((إحكام المباني)) (ص ٢٠-٢٤).
(٢) قال سِبط ابن العجمي في ((تذكرة الطالب المعلّم بمَن يُقال: إنه مخضرم)» (ص
(٧): ((هو التابعي الذي أدرك الجاهليّة وحياة رسول الله وَّ، وليست له صحبةٌ؛ لعدم لُقِّه
رسول الله مَ﴾))، وانظر ما سيأتي (ص ١٥٢).
١١٤
النَّهْدِيِّ(١) وقيس بن أبي حازمٍ(٢) عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ مِن قبيل
الإِرسالِ لا مِن قَبيلِ التَّدليسِ .
ولو كانَ مجرَّدُ المُعاصرةِ يُكْتَفى بهِ في التَّدليس ؛ لكانَ هؤلاءِ مُدلِّسينَ
لأَنَّهُم عاصَروا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ قطعاً، ولكنْ لمْ يُعْرَفْ هل لَقُوهُ
أَمْ لا؟
وممَّن قالَ باشْتِراطِ اللِّقاءِ في التَّدليسِ الإِمامُ الشافعيُّ (٣) وأبو بكرِ البَزَّارُ،
وكلامُ الخطيبِ في ((الكِفايةِ))(٤) يقتضيهِ، وهُو المُعْتَمَدُ.
ويُعْرَفُ عدُ المُلاقاةِ بإخبارِهِ عنْ نفسِهِ بذلك، أو بجَزْمِ إِمامٍ مُطَّلِعٍ .
ولا يَكْفِي أَنْ يَقَعَ في بعض الطُرُقِ زيادةُ راوٍ أَو أَكثَرَ بِينَهُما؛ لاحتمال أَنْ
يكونَ مِن المزيدِ (٥)، ولا يُحْكَمُ في هذه الصُّورِةِ بحُكْمٍ كُلِّيٍّ؛ لتَعارُضِ
احتمالِ الاتّصالِ والانْقِطاعِ .
(١) تحرَّفت في طبعة العِتر إلى: ((المهدي))!
واسمُه عبد الرحمن بن مَلّ، أورده سبط ابن العجمي في ((تذكرة الطالب المعلّم))
(ص ٢٩)؛ قائلاً: ((أسلم في عهد النبي ◌َِّ، وأَدَّى إليه صدقات ... وهو من كبار التابعين،
مشهورٌ)).
(٢) قال سِبْط ابن العَجَمي (ص ٢٤): ((أدرك الجاهلية، ولم ير النبيَّ ◌َل،
مشهور)) .
(٣) في ((الرسالة)) (ص ٣٧٩ - ٣٨٠).
(٤) (ص ٥١٠ - ٥١١).
(٥) قال في ((الباعث الحثيث)) (ص ١٧٦) معرِّفاً المزيد في متَّصل الأسانيد)): ((هو
أن يزيد راوٍ في الإِسناد رجلاً لم يذكره غيره، وهذا يقع كثيراً في أحاديث متعدِّدة)).
١١٥
فُحْشٍ غَلَطِهِ، أَوْ غَقْلَتِهِ، أَوْ فِسْقِهِ، أَوْ وَهَمِهِ، أَوْ مُخالَفَتِهِ، أَوْ جَهالَتِهِ،
وقد صنَّفَ فيهِ الخَطيبُ كتابَ ((التَّفصيلِ لمُبْهَمِ المراسيل))(١)، وكتابَ
((المزيدِ في مُتَّصِلِ الأسانيدِ))(٢).
وقد انْتَهَتْ هُنا أَقسامُ حُكمِ السَّاقِطِ مِن الإِسنادِ.
(ثُمَّ الطَّعْنُ) يكونُ بعشرةٍ أَشياءَ، بعضُها أَشدُّ في القَدْحِ مِن بعضٍ ،
خمسةٌ منها تتعلَّقُ بالعدالَةِ، وخمسةٌ تتعلَّقُ بالضَّبْطِ .
ولمْ يَحْصُلِ الاعتناءُ بتمييزِ أحدِ القِسمينِ مِن الآخَرِ لمصلحةٍ اقْتَضَتْ
ذلك، وهي ترتيبُها على الأشدِّ فالأشدِّ في موجَبِ الرَّدِّ على سَبيلِ التَّدلِّي (٣)؛
لأنَّ الطّعنَ (إِمَّا أَنْ يَكونَ):
وفي كتاب ((أسباب اختلاف المحدِّثين)) (١ / ٣٢١ - ٣٢٣) ذكر أمثلة وتفصيلات؛
=
فلمُنظَر.
وانظر: ((فتح المغيث)) (٣ / ٨١)، و ((إرشاد طُلَّب الحقائق)) (٢ / ٥٧٦).
(١) كما في ((الرسالة المستطرفة)) (١٢٢).
وقد حفظ لنا الإِمام النوويُّ زُبَد هذا الكتاب في مختصر له، توجد منه نسخة خطيّة
في مكتبة الإِسكوريال (رقم ١٥٩٧).
(٢) أشار إليه ابن الصَّلاح في ((علوم الحديث)) (ص ٢٦٠)، ووجَّه إليه بعض
الانتقادات .
وانظر: ((موارد الخطيب البغدادي)) (ص ٧١).
وفي حاشية ((إرشاد طلَّب الحقائق)) (ص ٥٧٩) الإِشارة إلى أنه مطبوع، ولا إخاله
إلا وهَماً.
(٣) ((أي: على سبيل التنزّل مِن الأعلى في الشدّة إلى الأدنى فيها، عكس الترقِّي
مِن الأدنى إلى الأعلى)) ((لقط الدُّرر)) (ص ٦٩).
١١٦
مـ
أو بِدْعتِهِ، أَو سوءِ حِفْظِهِ .
(لكَذِبِ الرَّاوي) في الحديثِ النبويِّ بأَنْ يرويَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ
وسلَّمَ ما لمْ يَقُلْهُ متَعَمِّداً(١) لذلك.
(أَو تُهْمَتِهِ بذلكَ)؛ بأَنْ لا يُرْوى ذلك الحديثُ إِلَّ مِن جِهِتِهِ، ويكونَ
مُخالِفاً للقواعدِ المعلومةِ، وكذا مَنْ عُرِفَ بالكذبِ في كلامِهِ، وإِنْ لم يَظْهَرْ منْهُ
وقوعُ ذلك في الحَديثِ النبويِّ، وهذا دُونَ الأوَّلِ .
(أَوْ فُحْشٍ غَلَطِهِ)؛ أي: كَثْرَتِه.
(أَو غَقْلَتِهِ) عن الإِثْقَانِ.
(أَو فِسْقِهِ)؛ أي: بالفعلِ والقَوْلِ ممَّا لا يبلُغُ الكُفْرَ.
وبينَهُ وبينَ الأوَّلِ عُمومٌ، وإِنَّما أَفْردَ الأوَّلُ لكونِ القَدْحِ بِهِ أَشدَّ في هذا
الفنِّ .
وأمَّا الفِسقُ بالمُعْتَقَدِ؛ فسيأتي بيانُه .
(أَوْ وَهَمِهِ) بأَنْ يَرْوِيَ على سبيلِ التوهُّمِ.
(أَو مُخالَفَتِهِ)؛ أَي : للثّقاتِ .
(أُو جَهالَتِهِ)؛ بأَنْ لا يُعْرَفَ فيهِ تعديلٌ ولا تَجريحٌ مُعيَّنٌ.
(أَو بِدْعَتِهِ)، وهي اعتقادُ ما أُحْدِثَ على خِلافِ المعروفِ(٢) عن النبيِّ صلَّى
اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ، لا بِمعانَدَةٍ، بل بنَوْعِ شُبْهةٍ، (أو سوءِ حِفظِهِ)، وهِيَ عبارةٌ
عن أَنْ لا يكونَ غَلَطُهُ أَقلَّ مِن إِصابتِهِ .
(١) فيخرُج منه الساهي والغالط.
(٢) بصفة أو كيفيَّة أو تحديد، وتفصيلُ ذلك في كتابي ((علم أصول البدع)).
١١٧
٢٦ - فالأوَّلُ: الموضوعُ.
(فـ) القسمُ (الأوَّلُ)، وهُو الطَّعْنُ بِكَذِبِ الرَّاوي في الحَديثِ النبويِّ هو
(الموضوعُ)، والحُكْمُ عليهِ بالوَضْعِ إِنَّما هُو بطريقِ الظَّنِّ الغالِبِ (١) لا بالقَطْعِ ،
إِذْ قَدْ يَصْدُقُ الكَذوبُ، لكنَّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ مَلَكَةً قويّةً يميِّزونَ بها ذلك،
وإنَّما يقومُ بذلك منهُم مَن يكونُ اطّلاعُهُ تاماً، وذهْنُهُ ثاقِباً، وفهمُهُ قويّاً، ومعرفتُهُ
بالقرائن الدَّالَّةِ على ذلك متمَكِّنَّةً .
وقد يُعْرَفُ الوضعُ بِإِقِرارِ واضِعِه، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ(٢): ((لكنْ لا يُقطَّعُ
بذلك؛ لاحتمالِ أَنْ يكونَ كَذَبَ في ذلك الإِقرارِ)) اهـ.
وفهمَ منهُ بعضُهم (٣) أَنَّهُ لا يُعْمَلُ بذلك الإِقرارِ أَصلاً، وليسَ ذلكَ مرادَهُ،
وإِنَّما نفى القَطْعَ بذلك، ولا يلزَمُ مِن نفيِ القَطْعِ نفيُّ الحُكْمِ؛ لأنَّ الحُكْمَ
يقعُ بالظَّنِّ الغالِبِ، وهُو هُنا كذلك، ولولا ذلك لَما ساغَ قَتْلُ المُقرِّ بالقتلِ ، ولا
(١) انظر مقدِّمة العلامة المعلِّمي اليماني لـ ((الفوائد المجموعة)) (ص ١١ - ٢٠)،
وانظر كتابي ((دلائل التحقيق)) (ص ٤٩ - ٥١) الآتية الإِشارة إليه بعد صفحتين.
(٢) في ((الاقتراح في بيان الاصطلاح)) (ص ٢٣٤).
وقال السيوطي في ((تدريب الراوي)) (١ / ٢٧٥): ((قیل : وهذا ليس باستشكال منه،
إنما هو توضيح وبيان، وهو أن الحكم بالوضع بالإِقرار ليس بأمر قطعيٍّ موافق لما في نفس
الأمر؛ لجواز كذبه في الإِقرار، على حدٍّ ما تقدَّم: أنَّ المراد بالصحيح والضَّعيف ما هو
الظاهر، لا ما في نفس الأمر)) .
وانظر: ((التقييد والإِيضاح)) (ص ١٣١)، و((فتح المغيث)) (ص ١٣١).
(٣) لعلَّه يريد الإِمام الذهبي، إذ قال في ((الموقظة)) (ص ٣٧) متعقّباً كلمة ابن دقيق
العيد: ((هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افْتَحْنا باب التجويز والاحتمال البعيد؛ لوقَعْنا في
الوسوسة والسَّفْسَطة .
١١٨
رَجْمُ المُعتَرِفِ بالزِّنى، لاحتمالٍ أَنْ يكونا كاذِبَيْن فيما اعْتَرَفا به!
ومِنِ القَرائنِ الَّتِي يُدْرَكُ بها الوَضْعُ ما يؤخَذْ مِن حالِ الرَّاوي؛ كما وقَعَ
لمأْمونِ بنِ أَحمدَ(١) أَنّه ذُكِرَ بحضرَتِه الخلافُ في كونِ الحسنِ سَمِعَ مِن أَبي
هُريرةَ أو لا؟ فساقَ في الحالِ إِسناداً إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّمَ أَنَّهُ
قالَ: سمِعَ الحسنُ(٢) مِن أَبي هُرِيرةَ(٣).
وكما وقعَ لِغياثِ بنِ إِبراهيمَ (٤) حيثُ دخَلَ على المَهْدي (٥) فوجَدَهُ يلعبُ
بالحَمَامِ ، فساقَ في الحالِ إِسناداً إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَنَّهُ قالَ:
(لا سَبَقَ إِلَّ فِي نَصْلِ أَو خُفِّ أَو حافِرٍ أَو جَناحٍ))، فزادَ في الحديثِ: ((أو
(١) ((ميزان الاعتدال)) (٣ / ٤٢٩)، و((لسان الميزان)) (٥ /، - ٨)،
و ((المجروحين)) (٣ / ٤٥)، و((المدخل إلى الإِكليل)) (ص ٢٢)، و((الموضوعات)) (ص
٢٢)، و((الكشف الحثيث)) (ص ٢١٣).
وهو من مشاهیر الکذَّابین!
(٢) هو البَصْريُّ، وانظر: ((جامع التحصيل)) (ص ١٦٤).
(٣) رواه البيهقيُّ في ((المدخل)) - كما في: ((لَقط الدُّرر)) (ص ٧١) -، ولم أره في
المطبوع منه، وهو ناقصٌ!
(٤) هو ابن إبراهيم بن طَلْق النَّخعي، ترجمه الخطيب في ((تاريخه)) (١٢ / ٣٢٣ -
٣٢٤)، وساق خبره.
وقد وهِمَ البعض وأخطأ حيث ظنَّ أنَّ غِياناً هذا هو ابن الإِمام إبراهيم النَّخَعي،
واسمُه إبراهيم بن يزيد بن الأسود؛ كما حصل للدُّكتور محمد روَّاس قلعَجي في مقدِّمته
لـ ((موسوعة فقه إبراهيم النخعي)) (ص ٢٤) !! بينما هما اثنان لا يلتقيان.
(٥) وهو الخليفة العباسي المشهور.
١١٩
جَناحٍ))(١)، فَعَرَفَ المهديُّ أَنّه كذبَ لأجلِهِ، فَأَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ (٢).
ومِنها ما يُؤخَذُ مِن حالِ المَرويِّ كَأَنْ يكونَ مُناقِضاً لنَصِّ القُرآنِ (٣) أَو السُّنَّةِ
المُتواتِرَةِ أو الإِجماع القطعيِّ أَو صَرِيحِ العَقْلِ (٤)، حيثُ لا يَقْبَلُ شيءٌ مِن ذلك
(١) الحديث بدون الزيادة صحيح :
رواه: أبو داود (٢٥٧٤)، والنسائي في ((السنن الصغرى)) (٦ / ٢٢٦)، وابن ماجه
(٢٨٧٨)، والترمذي (١٧٠٠)، وابن حبان (١٦٣٨)، والبيهقي (١٠ / ١٦)، وأحمد (٢ /
٤٧٤)؛ بسند صحيح عن أبي هريرة.
ومعنى الحديث: ((لا يحلُّ أخذ المال بالمسابقة؛ إلَّ في هذه الثلاثة))؛ كما في
((حاشية السندي على النسائي)) (٦ / ٢٢٧).
(٢) والقصة في: ((تنزيه الشريعة)) (١ / ١٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٣ / ٣٣٨)،
وغيرهما .
أقول: وما ذنبُ الحمام؟! فلو كان الحِمَام - أي: القتل - لذاك الكذوب؛ لكان
هو الحَقَّ!
أمّا ما في ((شرح علي القاري)) (ص ١٢٥) من أنه ذبح الحمام لكونه سبباً لوضع
الحدیث؛ فهو أقلُّ من أن يُجاب عنه!
(٣) كمثل قصَّة الغرانيق المُفتراة التي تُناقض أساس الملَّة، وتنافي قواعد الدِّين.
ولقد نسفها شيخنا الألباني قبل نحو ثلاثين عاماً في رسالة موجزة جامعة اسمُها:
((نصب المجانيق))، وهي مطبوعة.
ثم كتبتُ قبل نحو عامين كتاباً كبيراً في مئتين وخمسين صفحة سمَّيتُه ((دلائل التحقيق
لإبطال قصة الغرانيق رواية ودراية))، وهو تحت الطبع.
(٤) الذي لا يختَلِف فيه اثنان بحيث يُجزَمُ معه بخطإ الراوي الثقة الذي هو - أصلاً -
وأما أن يُجْعَلَ العقلُ أساساً لردِّ النصوص الصحيحة، وتُكَأة تُنْقَضُ بها الأحاديث =
غير معصوم .
١٢٠