النص المفهرس
صفحات 261-280
وقال ابن حزم(١) أصح طريق يروى في الدنيا عن عمر - رضي الله عنه - رواية الزهري عن السائب بن يزيد(٢) - رضي الله عنه. فإذا أضيفت إلى ما ذكره المصنف أفادت ترجيح ما نص على أصحیته إذا عارضه ما لم ينص فيه على الأصحية (٣) وإن (٤) كان صحيحاً. فإن عارضه من نص - أيضاً على أصحيته نظر إلى المرجحين فأيهما كان أرجح حكم بقوله وإلا فيرجع إلى القرائن التي تحف أحد الحديثین فیقدم بها على غيره (٥) - والله أعلم. تشبيه الذي رجح رواية أيوب عن ابن سيرين هو سليمان بن حرب(٦). تذییل قال البرديجي (٧): أجمع أهل النقل على صحة حديث الزهري عن سالم (١) هو عالم الأندلس في عصره علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري كانت له ولأبيه من قبله رياسة الوزارة وتدبير المملكة فزهد فيها وانصرف إلى العلم والتأليف، بلغت مؤلفاته نحو ٤٠٠ مجلد منها: المحلى في الفقه، والفصل في الملل والنحل، مات سنة ٤٥٦. الأعلام ٥: ٥٩. (٢) السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي وقيل غير ذلك في نسبه، صحابي صغير حج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، مات سنة ٩١/ع. تقريب ١: ٢٨٣؛ الكاشف ١: ٣٤٧. (٣) في (ب) على أصحیته. (٤) في (ب) فإن. (٥) نقل هذا النص الصنعاني في توضيح الأفكار ١ : ٣٧. (٦) سليمان بن حرب الأزدي الواشحي - بمعجمة ثم مهملة - البصري، القاضي بمكة ثقة إمام حافظ من التاسعة مات سنة ٢٢٤/ع. تقريب ١: ٣٢٢؛ والكاشف ١: ٣٩١ ونقل الصنعاني هذا النص في توضيح الأفكار ١: ٣٢. (٧) هو الإمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي (نسبته إلى برديج - بفتح الباء وبسكون الراء وكسر الدال وياء ساكنة وجيم مدينة بأقصى أذربيجان). معجم البلدان ١: ٣٧٨. قال الدارقطني ثقة جبل توفي سنة ٣٠١؛ تذكرة الحفاظ ٢: ٧٤٦؛ والأعلام ١ : ٢٥٠. ٢٦١ عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - من رواية مالك وابن عيينة ومعمر والزبيدي(١) وعقيل(٢) ما لم (يختلفوا(٣))، فإذا اختلفوا توقف فيه. والذي رجح رواية ابن عون عن ابن سيرين - هو ابن المديني وعين (٤) الراوي عن أيوب فقال هو حماد بن زيد. تنبيه لم يذكر المصنف أوهى الأسانيد، وقد ذكره الحاكم(٥) وأظنه حذفه لقلة جدواه بالنسبة إلى مقابله وسأشير إليه في الكلام على الحديث الموضوع(٦) إن شاء الله تعالى. ١٩- قوله (ص): ((وبنى (٧) الإِمام أبو منصور التميمي (٨) على ذلك أن أجل الأسانيد رواية الشافعي(٩) عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله (١) هو محمد بن الوليد الزبيدي بالزاي الموحدة مصغراً أبو الهذيل الحمصي، القاضي ثقة، ثبت من كبار أصحاب الزهري من السابعة، مات سنة ١٤٩ / خ م دس ت. تقريب ٢: ٢١٥؛ والكاشف ٣: ١٠٥. (٢) عقيل بالضم بن خالد بن عقيل - بالفتح - الأيلي - بفتح الهمزة - بعدها تحتانية ساكنة أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت من السادسة، مات سنة ١٤٤ على الصحيح /ع. تقريب ٢: ٢٩؛ والكاشف ٢ : ٢٧٥. (٣) كلمة (يختلفوا) سقطت من (ب). (٤) في (هـ) و (ب) وغير وهو خطأ . معرفة علوم الحديث ص ٥٦ - ٥٨. (٥). انظر ص ٤٩٥ في الكلام على الحديث الضعيف. (٦) من (ي) وفي سائر النسخ وثنا. (٧) (٨) تقدمت ترجمته ص ٢٤٢ . هو الإِمام العظيم محمد بن ادريس بن العباس القرشي المطلبي أبو عبد الله المكي نزيل مصر (٩) رأس الطبقة التاسعة وهو المجدد لأمر الدين على رأس المائتين، توفي سنة ٢٠٤. تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب ٩: ٢٥؛ وتاريخ بغداد ٢: ٥٦؛ وطبقات الحنابلة ١: ٢٨٠. ٢٦٢ عنهما - واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي))(١)، انتهى. وقد اعترض الشيخ علاء الدين مغلطاي (٢) على ذلك برواية أبي حنيفة (٣) هـ ١٠/ب عن مالك وبأن ابن وهب (٤) والقعنبي (٥) عند المحدثين أوثق وأتقن من جميع من روی عن مالك، انتھی. فأما اعتراضه بأبي حنيفة، فلا يحسن، لأن / أبا حنيفة لم تثبت روايته عن ي ١٨ مالك وإنما أورده الدارقطني (٦) والخطيب (٧) في الرواة عنه، لروايتين وقعت لهما عنه بإسنادين فيهما مقال. وهما لم يلتزما في كتابيهما الصحة وعلى تقدير الثبوت (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢. (٢) هو العلامة: مغلطاي بن قليج بن عبد الله - تركي الأصل المصري الحنفي أبو عبد الله مؤرخ محدث عارف بالأنساب له مصنفات منها: ((شرح البخاري في عشرين مجدداً وإكمال تهذيب الكمال)»، توفي سنة ٧٦٢هـ. الدرر الكامنة ٥: ١٢٢؛ ولحظ الألحاظ ص ١٣٣؛ والأعلام ٨ : ١٩٦. (٣) هو الإِمام العظيم: النعمان بن ثابت التيمي - بالولاء إمام أهل العراق الفقيه المجتهد يقال: أصله من فارس، مات سنة ١٥٠. تاريخ بغداد ١٣: ٣٢٣؛ والبداية والنهاية ١٠: ١٠٧؛ والأعلام ٩: ٤. 1 / (٤) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة ١٩٧ ٠/ ع. تقريب ١: ٤٦٠؛ والكاشف ٢ : ١٤١. (٥) هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب - بفتح فسكون ففتح - القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن أحد الأعلام كان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحداً ثقة عابد من صغار التاسعة، مات سنة ٢٢١ خم دست، تقريب ١: ٤٥١؛ والكاشف ٢: ١٣١. (٦) هو علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني إمام عصره في الحديث، له مؤلفات منها: السنن والعلل سمع من ابن أبي داود والبغوي وابن صاعد وعنه أبو بكر البرقاني وعبد الغني الأزدي، مات سنة ٣٨٥. تذكرة الحفاظ ٣: ٩٩١؛ والأعلام ٥: ١٣٠. (٧) هو الحافظ الكبير الإِمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب التصانيف منها: تاريخ بغداد والكفاية والجامع في علوم الحديث، مات سنة ٤٦٣. تذكرة الحفاظ ٣: ١١٣٥؛ والأعلام ١ : ١٦٦. ٢٦٣ فلا يحسن أيضاً - الإِيراد. لأن من يروي عن (١) رجل حديثاً أو حديثين على سبيل المذاكرة، لا يفاضل في الرواية عنه بينه / وبين من (٢) روى عنه ألوفاً. ر ١٠/ب . وقد قال الإِمام أحمد: أنه سمع الموطأ من الشافعي عن مالك - رضي الله عنه - بعد أن كان سمعه من عبد الرحمن بن مهدي(٣). ولا يشك أحد أن ابن مهدي أعلم (٤) بالحديث من ابن وهب والقعنبي فما أدري من أين له هذا النقل عن المحدثين أن ابن وهب والقعنبي أثبت أصحاب مالك (٥). نعم قال بعضهم(٦): إن القعنبي أثبت الناس في الموطأ هكذا أطلقه على ابن المديني(٧) والنسائي (٨) وكلاهما محمول على أهل عصره فإنه عاش بعد الشافعي بضع عشرة سنة. ويحتمل أن يكون تقديمه عند من قدمه باعتبار أنه سمع كثيراً من الموطأ من لفظ مالك (٩) بناء على أن السماع من لفظ الشيخ أتقن من القراءة عليه. (١) في (ر) و(هـ) من. (٢) كلمة ((من)) ليست في ((ب)). (٣) هو الإِمام الكبير والحافظ العلم أبو سعيد العنبري مولاهم ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني ما رأيت أعلم منه. من التاسعة، مات سنة ١٩٨/ع. تقريب ١: ٤٩٩؛ وتذكرة الحفاظ ١: ٣٢٩. (٤) لا يلزم من كونه أعلم بالحديث في الجملة أن يكون أتقن منهما لحديث مالك. (٥) قد قال أربعة من أساطين المحدثين - وهم علي بن المديني ويحيى بن معين والنسائي ونصر بن مرزوق: أن القعنبي أثبت الناس في الموطأ وهذا لا شك يعطيه ميزة على كل من روى عن مالك وإن كانت مروياته أشمل من الموطأ فكان الأولى بالحافظ ابن حجر أن لا يناقش مغلطاي فيه لا سيما ولم يقل أحد من المحدثين فيما أعلم، في الشافعي مثل هذه العبارة على جلالة الشافعي . (٦) منهم نصر بن مرزوق. انظر تذكرة الحفاظ ١ : ٣٨٤. (٧) (٨) انظر تهذيب التهذيب ٦: ٣٢. (٩) نقل الحافظ في تهذيب التهذيب ٦: ٣٢ أن مالكاً قرأ على القعني نصف الموطأ وقرأ هو على مالك النصف الباقي . ٢٦٤ وأما ابن وهب فقد قال غير واحد أنه كان غير جيد التحمل(١) فكيف ينقل هذا الرجل أنه أوثق أو أتقن أصحاب مالك على أنه لا يحسن الإِيراد على كلام أبي منصور أصلاً، لأنه عبر بأجل. ولا يشك أحد أن الشافعي أجل من هؤلاء. من أجل ما اجتمع له من الصفات العلية الموجبة لتقديمه وهذا لا ينازع فيه إلا جاهل أو متغافل - والله الموفق. وعلى تسليم ما ذكره أبو منصور التميمي فبنى العلامة صلاح الدين العلائي(٢)/ وغيره(٣) على ذلك أن أجل الأسانيد رواية أحمد بن حنبل عن ب ٢٣ الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما. (١) يشير بهذا إلى قول النسائي في ابن وهب ((كان يتساهل في الأخذ ولا بأس به لكن عقبه الحافظ بقوله : ((وقال (يعني النسائي) في موضع آخر ثقة ما أعلمه روى عن الثقات حديثاً منكراً). تهذيب التهذيب ٦ : ٧٤. وقال الحافظ - في نفس المصدر: (وقال الساجي صدوق ثقة وكان يتساهل في السماع لأن مذهب أهل بلده أن الإِجازة عندهم جائزة ويقول فيها حدثني فلان). ولكن هذا لا يضيره في نظري في روايته عن مالك لأنه لازمه حوالي إحدى وثلاثين سنة يسمع منه. ((قال أبو الطاهر ابن السرح: لم يزل ابن وهب يسمع من مالك من سنة ثمان وأربعين إلى أن مات مالك)). تهذيب التهذيب ٦: ٧٤؛ وقال الخليلي في الإِرشاد ١: ١/٤٧ عبد الله بن وهب القرشي حافظ إمام فقيه اتفقوا على تقديمه في أصحاب الليث ويقدم في أصحاب مالك أيضاً فليس أحد أقدم سماعاً في مالك منه ولا أجل منه. (٢) هو خليل بن كيكلدي بن عبد الله الدمشقي أبو سعيد العلائي محدث فاضل بحاث سمع ابن مشرف وأبا بكر الدشتي والرضى الطبري وطبقتهم، له مؤلفات منها: جامع التحصيل في أحكام المراسيل، مات سنة ٧٦١. الأعلام ٢: ٣٦٩؛ ولحظ الألحاظ ص ٤٣. (٣) قال السبكي في طبقات الشافعية ٢: ٦٣ بعد أن روى حديث لا يبيع بعضكم على بيع بعض ... الحديث، بإسناده إلى أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: هذا حديث مستحسن الإِسناد ... وإذا سمي مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب، فقل إذا شئت في أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر والمزني عن الشافعي هكذا ... ٠ ٢٦٥ وقد جمع الحافظ أبو بكر الحازمي في ذلك جزءاً سماه ((سلسلة الذهب)) لكنه في مطلق رواية / أحمد عن الشافعي وفيه عدة أحاديث رواها أحمد عن ي ١٩ سليمان بن داود الهاشمي عن الشافعي وهو جزء كبير مسموع لنا. وليس في مسند أحمد على كبره(١) من روايته عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - سوى أربعة أحاديث - جمعها في موضع واحد وساقها سياق الحديث الواحد(٢). وقد ساقها شيخنا في شرح منظومته(٣). وجمعتها مع ما يشبهها من رواية أحمد عن الشافعي عن مالك ومع عدم التقييد بنافع في جزء مفرد فما بلغت عشرة - والله الموفق. [تعذر التصحيح في هذه الأعصار بمجرد اعتبار الأسانيد في نظر ابن الصلاح:] ٢٠- قوله (ص): ((فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عرباً عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والاتقان فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة ... إلى آخر كلامه»(٤) . (١) من (ي) وفي باقي النسخ ((كثرة)) وفي هامش (ر) ظ كثرته والصواب ما في (ي). (٢) حم ٢: ١٠٨ قال رحمه الله: ثنا محمد بن إدريس الشافعي - رحمه الله - قال: أنا مالك عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يبيع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن بيع حبل الحبلة ونهى عن المزابنة والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلاً وبيع الكرم بالزبيب كيلاً)). (٣) ص ٢١ طبعة المطبعة الجديدة بفاس ١٣٥٤ . (٤) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣ وتمام الكلام ((المشهورة التي يؤمن لشهرتها من التغيير والتحريف وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجاً عن ذلك إبقاء سلسلة الإِسناد التي خصت بها هذه الأمة، زادها الله شرفاً)). ٢٦٦ [رد الحافظ على ابن الصلاح:] وفيه أمور: الأمر الأول: قوله: ((عما يشترط في الصحيح من الحفظ)) فيه نظر، لأن الحفظ لم يعده أحد من أئمة الحديث شرطاً للصحيح وإن كان حكى عن بعض المتقدمين من الفقهاء. كما روينا عن يونس بن عبد الأعلى (١) قال: سمعت أشهب(٢) يقول: سئل مالك عن الرجل / الغير (٣) فهم يخرج كتابه ويقول: هـ ١٢/ب ب ٢٤ هذا/ سمعته؟. قال: لا يؤخذ إلا عمن يحفظ حديثه أو يعرف (٤). ورواها الحاكم في ((علوم الحديث))(٥) من طريق ابن عبد الحكم (٦) عن أشهب بلفظ آخر، قال: ((سئل مالك أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة صحیح))؟. قال: ((لا)). (١) يونس بن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي من كبار الفقهاء، كان عالماً بالأخبار والحديث صحب الشافعي وأخذ عنه، مات سنة ٢٦٤. الأعلام ٩: ٣٤٥؛ وطبقات السبكي ٢: ١٧٠. (٢) أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي أبو عمر فقيه الديار المصرية في عصره. كان صاحب الإِمام مالك، مات سنة ٢٠٤. الأعلام ١: ٣٣٥؛ تهذيب التهذيب ١ : ٣٥٩. في هامش ر / أ (ظ تغير فهمه). (٣) الكفاية ص ٢٢٧ ونصه في الكفاية ((قلت لمالك: الرجل يخرج كتابه وهو ثقة فيقول هذا (٤) سماعي إلا أنه لا يحفظ)) قال: لا يسمع منه. قال يونس: لأنه إن أدخل عليه لا يعرف. لم أجدها في علوم الحديث بعد بحث متكرر وهي في الكفاية ص ٢٢٧ من طريق مالك بن (٥) عبد الله التجيبي قال: ثنا عبد الله بن عبد الحكم قال: قال أشهب: وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح أيؤخذ عنه الأحاديث؟. فقال: لا يؤخذ منه أخاف أن يزاد في كتبه بالليل. هو : عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع أبو محمد: فقيه مصري كان من أجلة (٦) أصحاب مالك انتهت إليه الرياسة بمصر بعد أشهب، مات سنة ٢١٤. الأعلام ٤: ٢٢٩. ٢٦٧ قيل: فإن أتى بكتب فقال: سمعتها وهو ثقة. قال: لا يؤخذ عنه أخاف أن يزاد في حديثه بالليل. هذا(١) وإن كان صريحاً في أنه لا يؤخذ عمن لا يحفظ، فإن العمل في القديم والحديث(٢) على خلافه، لا سيما منذ دونت الكتب وقد ذكر المؤلف / في ر ١١/ب ((النوع السادس والعشرین))(٣) أن ذلك من مذاهب أهل التشدید. هذا(٤) إن / أراد ي ٢٠ المصنف بالحفظ حفظ ما يحدث به الراوي بعينه، وإن أراد أن الراوي شرطه أن يعد حافظاً، فللحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً. [شروط التسمية بالحافظ :] ١ - وهو الشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ٢ - والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم. ٣ - والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون. فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً. ولم يجعله أحد من أئمة الحديث شرطاً للحديث الصحيح. نعم والمصنف لما ذكر حد الصحيح (٥) لم يتعرض للحفظ أصلاً فما باله يشعر هنا بمشروطيته. (١) كلمة ((هذا)) سقطت من (ب). (٢) في (ي) القديم والحديث وفي باقي النسخ: الحديث والقديم. (٣) وهو ((صفة رواية الحديث وشروط أدائه)) ص ١٨٥ من مقدمة ابن الصلاح. (٤) في (ب) ((هو)). (٥) حيث قال: ((أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً مقدمة ابن الصلاح ص ١٠. ٢٦٨ ومما يدل على أنه إنما أراد حفظ ما يحدث به بعينه أنه قابل به من اعتمد على ما في كتابه، فدل على أنه يعيب من حدث من كتابه ويصوب من حدث عن ظهر قلبه. والمعروف عن أئمة الحديث كالإِمام أحمد وغيره خلاف ذلك(١). الأمر الثاني: أن من اعتمد في روايته على ما في كتابه/ لا یعاب بل ب ٢٥ هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لأن الرواة الذين للصحيح على قسمين: ( أ ) قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم، فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه ويكرر عليه فلا يزال مبيناً له، وسهل ذلك عليهم قرب الإِسناد وقلة ما عند الواحد منهم من المتون حتى كان من يحفظ منهم ألف حديث يشار إليه بالأصابع. ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم لما جبل عليه الإِنسان من السهو والنسيان . (ب) وقسم كانوا يكتبون ما يسمعونه ويحافظون عليه ولا يخرجونه من أیدیہم ويحدثون منه(٢). وكان الوهم والغلط في حديثهم أقل من أهل القسم الأول إلا من تساهل منهم . كمن حدث(٣) من غير كتابه، أو أخرج كتابه من يده إلى غيره فزاد فيه ونقص وخفى عليه. فتكلم الأئمة فيمن وقع له ذلك منهم. وإذا/ تقرر هذا، فمن كان عدلاً، لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب ي ٢١ (١) انظر توضيح الأفكار ١: ١١٨ فإنه نقل هذا النص من قوله فيه أمور: الأول إلى هنا. (٢) ومع ذلك فكان الكثير منهم يحفظون أحاديثهم عن ظهر قلب ويحدثون من كتبهم احتياطاً كالإمام أحمد. (٣) في كل النسخ ((كحدث)) وفي هامش (ر) ما أثبتناه وهو الصواب. ٢٦٩ واعتمد على ما في كتابه فحدث منه، فقد فعل اللازم له وحديثه على هذه الصورة صحيح بلا خلاف(١). فكيف يكون هذا سبباً لعدم الحكم بالصحة على ما يحدث به . هذا مردود - والله سبحانه وتعالى أعلم - . ٠٠ ..- الأمر الثالث: قوله ((فآل الأمر إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشتهرة ... إلى آخره فيه نظر، لأنه يشعر بالاقتصار على ما يوجد منصوصاً على صحته ورد ما جمع شروط الصحة إذا لم يوجد النص على صحته من الأئمة المتقدمين. فيلزم على الأول تصحيح ما ليس بصحيح، لأن كثيراً من الأحاديث التي صححها المتقدمون / اطلع غيرهم من الأئمة فيها على علل تحطها عن رتبة ب ٢٦ الصحة، ولاسيما من كان لا يرى التفرقة بين الصحيح / والحسن. هـ ١٢/ب فكم في كتاب ابن خزيمة (٢) من حديث محكوم منه بصحته وهو لا يرتقي عن رتبة الحسن (٣). وكذا في كتاب ابن حبان (٤) بل وفيما صححه الترمذي من ذلك جملة مع (١) ذكر الحافظ فيما سبق قريباً أن بعض الفقهاء ومنهم مالك يشترط في الراوي أن يكون حافظاً لما يرويه . (٢) هو الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي أبوبكر: إمام نيسابور في عصره والملقب إمام الأئمة كان فقيهاً مجتهداً، عالماً بالحديث تزيد مصنفاته على ١٤٠ منها الصحيح الذي أشار إليه الحافظ وكتاب التوحيد مات سنة ٣٣١. الأعلام ٦: ٢٥٣. (٣) من أمثلة ما أورده في صحيحه وهو لا يرتقي عن درجة الحسن - حديث رقم ٥١٧، وحديث ٥٤٤ و٥٦٦. بل يروي فيه أحاديث ضعيفة انظر حديث رقم ٤٩٨، وحديث ٥٥٦ فإن فيه مصعب بن ثابت الزبيري لين الحديث وحديث ٥٦٠ وفيه مطر الوراق صدوق كثير الخطأ. (٤) هو الإمام محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي أبو حاتم البستي علامة محدث مؤرخ جغرافي أحد المكثرين من التصنيف من مصنفاته المسند الصحيح والثقات وكتاب معرفة المجروحين. توفي سنة ٣٥٤، تذكرة الحفاظ ٣: ٩٢٠؛ ومعجم البلدان ١: ٤١٥. ٢٧٠ أن الترمذي ممن يفرق بين الصحيح والحسن، لكنه قد يخفى على الحافظ بعض العلل في الحديث فيحكم (عليه) بالصحة بمقتضى ما ظهر له ويطلع عليها/ ر ١٢/ب غيره فيرد بها الخبر. وللحاذق الناقد بعدهما الترجيح بين كلاميهما بميزان العدل والعمل بما يقتضيه الانصاف ويعود الحال إلى النظر والتفتيش الذي يحاول المصنف سد بابه، والله تعالى أعلم(١). الأمر الرابع: كلامه يقتضي الحكم بصحة ما نقل عن الأئمة المتقدمين فيما(٢) حكموا بصحته في كتبهم (٣) المعتمدة المشتهرة. والطريق التي وصل إلينا بها كلامهم على الحديث بالصحة وغيرها هي الطريق التي وصلت إلينا بها أحاديثهم. فإِن أفاد الإِسناد صحة المقالة عنهم فليفد الصحة بأنهم حدثوا بذلك الحديث ويبقى النظر إنما هو في الرجال الذين فوقهم وأكثرهم رجال الصحيح كما سنقرره (٤). الأمر الخامس: ما استدل به على تعذر التصحيح في هذه الأعصار المتأخرة بما ذكره من كون الأسانيد ما منها إلا وفيه من لم يبلغ درجة الضبط والحفظ والاتقان ليس بدليل ينهض لصحة ما ادعاه من التعذر، لأن الكتاب [المشهور](٥) الغني بشهرته عن اعتبار الإِسناد منا إلى مصنفه: كسنن النسائي مثلاً لا يحتاج في صحة نسبته إلى النسائي إلى اعتبار حال رجال الإِسناد منا إلى مصنفه . (١) هذا النص نقله الصنعاني في توضيح الأفكار ١: ١٩٩. (٢) هكذا في جميع النسخ وقد نقل هذا الكلام الصنعاني في توضيح الأفكار ١: ١٩٩. وفيه (بما)) ولعله هو الصواب . في جميع النسخ كتبه والتصويب من هامش ((ر)) وتوضيح الأفكار. (٣) (٤) من قوله الأمر الرابع إلى هنا نقله الصنعاني في توضيح الأفكار ١: ١١٩. (٥) الزيادة من ((ي)). ٢٧١ [مذهب الحافظ جواز التصحيح وغيره في الاعصار المتأخرة:] فإِذا روى حديثاً ولم يعلله وجمع إسناده شروط الصحة ولم يطلع المحدث المطلع فيه على علة - ما المانع من الحكم بصحته ولو لم ينص على صحته أحد من المتقدمين، ولاسيما وأكثر ما يوجد من هذا القبيل ما رواته رواة الصحيح. هذا لا ينازع فيه من له ذوق في هذا الفن(١). وكأن المصنف إنما اختار ما اختاره من ذلك بطريق نظري وهو: أن المستدرك للحاكم كتاب كبير جداً يصفو له منه صحيح كثير زائد على ما في الصحيحين على ما ذكر المصنف بعد وهو مع حرصه على جمع(٢) الصحيح الزائد على الصحيحين واسع الحفظ كثير الاطلاع غزير(٣) الرواية، فيبعد كل البعد أن يوجد حديث بشرط الصحة لم يخرجه في مستدركه. وهذا في الظاهر مقبول، إلا أنه لا يحسن التعبير عنه بالتعذر ثم الاستدلال (٤) على صحة دعوى (٥) التعذر بدخول الخلل في رجال الإِسناد. فقد بينا أن الخلل، إذا سُلِّم إنما هو فيما بيننا وبين المصنفين. أما من المصنفين فصاعداً فلا . - والله الموفق. وأما ما استدل (٦) به شيخنا على صحة ما ذهب إليه الشيخ محي الدين (٧) (١) من قوله الأمر الخامس إلى هنا نقله الصنعاني في توضيح الأفكار ١ : ١١٩. (٢) في ((ب)) جميع. (٣) في ((ب)) عزیز. في ((ب)) الاستدراك. (٤) كلمة دعوى سقطت من ((ب)). (٥) في ((ب)) استدرك. (٦) (٧) هو العلامة الزاهد: يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي بحاء مهملة مكسورة بعدها زاي معجمة، الحوراني أبو زكريا النووي علامة بالفقه والحديث له مصنفات منها التقريب والإِرشاد في علوم الحديث وشرح صحيح مسلم. مات سنة ٦٧٦ طبقات الشافعية للأسنوي ٢: ٤٧٦؛ والنجوم الزاهرة ٧: ٢٧٨؛ والأعلام ٩: ١٨٤ . ٢٧٢ % من جواز الحكم بالتصحيح لمن تمكن وقويت معرفته - بأن من عاصر ابن الصلاح قد خالفه فيما ذهب إليه وحكم بالصحة لأحاديث لم يوجد لأحد من المتقدمين الحكم بتصحيحها. (فليس بدليل ينهض)(١) على رد ما اختار ابن الصلاح، لأنه مجتهد وهم مجتهدون فكيف ينقض الاجتهاد بالاجتهاد. وما أوردناه في نقض دعواه أوضح فيما يظهر(٢) - والله أعلم -. ٢ - قوله / (ع): ((صحح المنذري(٣) حديثاً في غفران ما تقدم وتأخر» ي ٢٣ ((والدمياطي (٤) حديثاً في ماء زمزم لما شرب له))(٥). فيه نظر: وذلك أن المنذري أورد في الجزء(٦) المذكور عدة أحاديث (٧) بين ضعفها. (١) ما بين القوسين سط من ((ب)). (٢) نقل الصنعاني هذا النص من قوله ((وأما شيخنا إلى هنا ونقل عن ابن كثير كلاماً بمعنى كلام العراقي وقرر كلام الحافظ وانتقاده ثم قال إلا أن يقال: أن كلام الجميع إشارة إلى كون المسألة خلافية في عصر ابن الصلاح وبعده وإن لم يخرج مخرج الاستدلال ... ))، توضيح الأفكار ١: ١٢٠. (٣) هو العلامة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله أبو محمد زكي الدين المنذري عالم بالحديث والعربية من الحفاظ المؤرخين له مؤلفات منها: الترغيب والترهيب ومختصر صحيح مسلم مات سنة ٦٥٦؛ البداية والنهاية ١٣: ٢١٢، والأعلام ٤: ١٥٥. (٤) هو العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي صاحب التصانيف من تلاميذه الذهبي والمزي له مصنفات منها: ((المتجر الرابح وفضل الخيل)» مات سنة ٧٠٥. تذكره الحفاظ ٤: ١٤٧٩؛ والأعلام ٤: ٣١٨؛ والبداية والنهاية ١٤ : ٤٠. (٥) جه ٢٥ - كتاب المناسك ٧٨ - باب الشرب من زمزم حديث ٣٠٦٢ والمقاصد الحسنة ص ٣٥٧ وقال السخاوي ((بل صححه من المتقدمين ابن عيينة ومن المتأخرين الدمياطي في جزء جمعه وانظر كشف الخفاء ٢: ١٧٦ وتحفة الاشراف ٢: ٣٠٩. (٦) لم أقف على الجزء المذكور وقد ألف الحافظ ابن حجر جزءاً سماه الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة طبع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية . (٧) كلمة أحاديث سقطت من ((ب)). ٢٧٣ وأورد في أثنائه حديثاً من طريق بحر بن نصر(١)/ عن ابن وهب عن هـ ١٣/ب مالك ويونس عن الزهري عن سعيد(٢) وأبي سلمة(٣) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - . وقال بعده: ((بحر بن نصر ثقة وابن وهب ومن فوقه محتج بهم في الصحیحین)). قلت: ولا يلزم من كون رجال الإِسناد من رجال الصحيح أن يكون الحديث الوارد به صحيحاً، لاحتمال أن يكون فيه شذوذ أو علة، وقد وجد هذا الاحتمال هنا فإِنها رواية شاذة وقد بينت ذلك بطرقه والكلام عليه في جزء مفرد ولخصته في كتاب بيان المدرج (٤). وأما الدمياطي / فلفظه: هذا على رسم الصحيح لأن سويدً(٥) احتج به ر ١٣/ب مسلم وعبد الرحمن بن أبي الموالي(٦) احتج به البخاري هذا لفظه. (١) بحر بن نصر بن سابق الخولاني، مولاهم المصري، أبو عبد الله، ثقة من الحادية عشرة، مات سنة ٢٦٧ / كن. تقريب ١: ٩٣؛ والخلاصة ص ٤٦. (٢) يحتمل أن يكون سعيد بن المسيب وقد تقدمت ترجمته ٢٥٠ ويحتمل أن يكون سعيد بن أبي سعيد المقبري وستأتي ترجمته. (٣) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن في مسند أحمد ٢: ٣٨٥ قال الإِمام أحمد - رحمه الله: حدثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) فعاد الحديث مرسلاً. (٤) رجعت إلى المدرج للسيوطي لهذا الحديث المشار إليه فلم أجد فيه ((وما تأخر)) وقد حذف السيوطي الأسانيد. انظر المدرج إلى المدرج ((ل)) ٢. (٥) سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني - بفتح المهملة والمثلثة أبو محمد صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه من قدماء العاشرة مات سنة ٢٤٠ / م ق تقريب ١: ٣٤٠؛ والميزان ٢ : ٢٤٨. (٦) عبد الرحمن بن أبي الموالي واسمه يزيد وقيل أبو الموالي جده أبو محمد مولى آل علي، صدوق، ربما أخطأ من السابعة مات سنة ١٧٣ / خ٤ تقريب ١: ٥٠٠؛ الكاشف ٢: ١٨٨ وقال فيه ((ثقة)) وحديثه في ((جه)) من روايه الوليد بن مسلم عنه قال، قال عبد الله بن المؤمل سمع أبا = ٢٧٤ وليس فيه حكم على الحديث بالصحة لما قدمناه من أنه لا يلزم من كون الإِسناد محتجاً برواته في الصحيح أن يكون الحديث الذي يروى به صحيحاً لما يطرأ عليه من العلل(١). وقد صرح ابن الصلاح بهذا في مقدمة شرح مسلم فقال: ((من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه: بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ بل ذلك يتوقف على النظر في أنه كيف روى عنه وعلى أي وجه روی عنه)»(٢). قلت: وذلك موجود هنا، فإِن سويد بن سعيد إنما احتج به مسلم فيما توبع علیه لا فيما تفرد به. وقد اشتد إنكار أبي زرعة الرازي(٣) على مسلم في تخريجه لحديثه(٤) فاعتذر إليه من ذلك ما ذكرناه من أنه لم يخرج ما تفرد به وکان / سوید بن سعید ب ٢٩ مستقيم الأمر، ثم طرأ عليه العمى فتغير وحدث في حال تغيره بمناكير كثيرة حتى قال يحيى بن معين: ((لو كان لي فرس ورمح لغزوته))(٥). الزبير يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: = ((ماء زمزم لما شرب له)) وتقدمت الإشارة إلى موضعه من ابن ماجه. (١) هذا الكلام الذي قاله الحافظ والذي بعده غير وارد في نظري على كلام شيخه العراقي لأن سياق كلام الدمياطي يدل على أنه يرى صحة الحديث وإلا فما غرضه في قوله ((هذا على رسم الصحيح ... الخ وقد يصحح المحدث الحديث مع احتمال وجود علة يدركها غيره فلا ينبغي نفي صدور هذا الحكم منه سواء كان هذا الحكم صواباً أم خطأ في الواقع . (٢) مقدمة شرح مسلم لابن الصلاح ل ٦/ ب. (٣) هو عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور من الحادية عشرة مات سنة ٢٦٤ / م ت س ق. تقريب ١ : ٥٣٦؛ وتذكرة الحفاظ ٢ : ٥٥٧. (٤) في ((ب)) بحديثه. (٥) كتاب المجروحين لابن حبان ١: ٣٥٢؛ وميزان الاعتدال ٢: ٢٥٠، وفيه ((لو وجدت درقة وسيفاً لغزوت سويداً الأنباري». ٢٧٥ فليس ما ينفرد به على هذا صحيحاً فضلاً عن أن يخالف فيه غيره، بل قد اختلف علیه هو في هذا الاسناد، فروی/ عنه عن ابن المبارك عن عبد الله بن ي ٢٤ المؤمل على ما هو المشهور(١). تنبيه ٣ - قول شيخنا: ((إن المعروف رواية عبد الله بن المؤمل عن محمد بن المنكدر کما رواه ابن ماجه»(٢): وقع منه سبق قلم، وإنما هو عند ابن ماجه وغيره من طريق ابن المؤمل عن أبي الزبير (٣) - والله المستعان. [ ... وأخرجه الطبراني في الأوسط عن علي بن سعيد الرازي عن إبراهيم البرانسي عن عبد الرحمن بن المغيرة عنه(٤)]. [أول من صنف الصحيح: ] ٢١ - قوله (ص) ((أول من صنف في الصحيح البخاري(٥)) انتهى. اعترض عليه الشيخ علاء الدين مغلطاي فيما قرأت بخطه بأن مالكاً أول من صنف في الصحيح وتلاه أحمد بن حنبل وتلاه الدارمي(٦) قال: ((وليس لقائل (١) يعني الحافظ أن سويداً اختلفت عليه الرواة عنه لحديث ماءزمزم فمنهم من رواه على الوجه المعروف عن عبد الله بن المؤمل ومنهم من رواه على الوجه المنكر وهو قوله عن عبد الرحمن بن أبي الموالي. (٢) التقييد والايضاح، ص ٢٤ . (٣) والأمر كما قال الحافظ فهو كذلك في ((جه)) ٢٥ - كتاب المناسك ٧٨ - باب الشرب من زمزم حدیث ٣٠٦٢. الزيادة من ((ي)) وبهامشها وهامش ((ر/ ل ١٣/ب)) هنا بياض. (٤) (٥) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣ . هو الإِمام الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بن الفضل بهرام السمرقندي أبو محمد (٦) صاحب المسند ثقة فاضل متقن من الحادية عشرة مات سنة ٢٥٥/م دت . تقريب ١ : ٤٢٩؛ والكاشف ٢ : ١٠٣. ٢٧٦ أن يقول: لعله أراد الصحيح المجرد، فلا يرد كتاب مالك، لأن فيه البلاغ والموقوف والمنقطع والفقه وغير ذلك، لوجود مثل ذلك في كتاب البخاري)) انتھی . [رد العراقي على مغلطاي:] ٤ - وقد أجاب(١) شيخنا - رضي الله عنه - عما يتعلق بالموطأ بما نصه: (أن مالكاً لم يفرد الصحيح بل أدخل في كتابه المرسل والمنقطع ... )) إلى آخر كلامه(٢). وكأن شيخنا لم يستوف النظر في كلام مغلطاي . وإلا فظاهر قوله مقبول بالنسبة إلى ما ذكره في البخاري من الأحاديث المعلقة وبعضها ليس على شرطه. بل وفي بعضها ما لا يصح كما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر تقسيم التعليق، فقد مزج الصحيح بما ليس / منه كما فعل مالك(٣). ب ٣٠ [ رد الحافظ على مغلطاي: ] وكأن مغلطاي خشي أن يجاب عن اعتراضه بما أجاب به شيخنا من التفرقة فبادر إلى الجواب عنه، لكن الصواب في الجواب عن هذه المسألة أن يقال: ما الذي أراده المؤلف بقوله: أول / من صنف الصحيح. هل أراد هـ ١٤/ب الصحيح من حيث هو؟ أو أراد الصحيح المعهود الذي فرغ من تعريفه؟ الظاهر أنه لم يرد إلا المعهود. وحينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في الموطأ (١) في ((هـ) و(ر)) أجمل. (٢) وتمام كلامه ((والبلاغات ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف كما ذكره ابن عبد البر فلم يرد الصحيح إذن - والله أعلم - التقييد والإيضاح ص ٢٥ بهامش مقدمة ابن الصلاح. (٣) في ((ب)) ذلك وهو خطأ. ٢٧٧ وغيره، لأن الموطأ وإن كان عند من يرى الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وأقوال الصحابة صحيحاً. (فليس / ذلك على شرط الصحة المعتبرة عند أهل الحديث) والفرق بين ي ٢٥ ما فيه من المقطوع والمنقطع وبين ما في البخاري من ذلك واضح لأن الذي في الموطأ من ذلك، هو مسموع لمالك كذلك في الغالب وهو حجة عنده وعند من تبعه . والذي في البخاري من ذلك قد حذف البخاري / أسانيدها عمداً ر ١٤/ب ليخرجها عن موضوع الكتاب، وإنما يسوقها في تراجم الأبواب تنبيهاً واستشهاداً واستئناساً وتفسيراً لبعض الآيات. وكأنه أراد أن يكون كتابه جامعاً لأبواب الفقه وغير ذلك من المعاني التي قصد (جمعه فيها)(١)، وقد بينت في كتاب تغليق التعليق كثيراً من الأحاديث التي يعلقها البخاري في الصحيح فيحذف إسنادها أو بعضها وتوجد موصولة عنده في موضع آخر من تصانيفه التي هي خارج الصحيح(٢). (والحاصل من هذا أن أول من صنف في الصحيح)(٣) يصدق على مالك باعتبار انتقائه وانتقاده(٤) للرجال، فكتابه أصح من الكتب المصنفة في هذا الفن من أهل عصره وما قاربه / كمصنفات سعيد بن أبي عروبة (٥) وحماد بن ب ٣١ (١) ما بين القوسين كذا هو في جميع النسخ ولعل الصواب جمعها فيه. (٢) في ((ب)) الصحيحين وهو خطأ. (٣) ما بين القوسين سقط من ((ب)). (٤) كلمة وانتقاده للرجال من ((ي)) وفي باقي النسخ وانتقاؤه. (٥) سعيد بن أبي عروبة، مهران اليشكري، مولاهم، أبو النضر البصري ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة مات سنة ١٥٦ وقيل ١٥٧/ع. تقريب ١: ٣٠٢؛ والكاشف ١: ٣٦٨ ولم يصفه بالتدليس. ٢٧٨ سلمة (١) والثوري وابن إسحاق(٢) ومعمر وابن جريج(٣) وابن المبارك وعبد الرزاق(٤) وغيرهم، ولهذا قال الشافعي: ((ما بعد كتاب الله عز وجل أصح من کتاب مالك)»(٥). هـ ١٥ / أ فكتابه صحيح عنده وعند من تبعه ممن / يحتج بالمرسل والموقوف. وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث الموصوف بالاتصال وغير ذلك من الأوصاف. فأول من جمعه البخاري ثم مسلم كما جزم به ابن الصلاح. وأما قول القاضي أبي بكر ابن العربي، في مقدمة شرح الترمذي: ((والموطأ هو الأصل الأول والبخاري هو الأصل الثاني. وعليهما بنى جميع من بعدهما كمسلم والترمذي وغيرهما (٦). (١) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه بآخره من كبار الثامنة مات سنة ١٦٧/ع. تقريب ١: ١٩٧؛ والكاشف ١ : ٢٥٢. (٢) محمد بن إسحاق بن يسار، أبوبكر، المطلبي، مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة ١٥٠ وقيل بعدها / خت م ٤. تقريب ٢: ١٤٤؛ والكاشف ٣: ١٩. (٣) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الأموي مولاهم، المكي ثقة فقيه فاضل، وکان یدلس ويرسل من السادسة مات سنة ١٥٠ أو بعدها/ع. تقريب ١: ٢٥٠؛ والكاشف ٢: ٢١٠. (٤) عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع من التاسعة مات سنة ٢١١/ع؛ تقريب ١: ٥٠٥؛ والكاشف ٢ : ١٥٤. (٥) في تذكرة الحفاظ ١: ٢٠٨ ((وقال الشافعي ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صواباً من موطأ مالك». (٦) عارضة الأحوذي ١ : ٥. ٢٧٩ فإِن أراد مجرد السبق إلى التصنيف فهو كذلك ولا يلزم منه مخالفة لما تقدم. وإن أراد الأصل في الصحة فهو كذلك، لكن على التأويل الذي أولناه/ . ر ١٥ /أ وأما قول مغلطاي: إن / أحمد أفرد الصحيح فقد أجاب الشيخ(١) عنه في ي ٢٦ التنبيه السادس من الكلام على الحديث الحسن. وأما ما يتعلق بالدارمي فتعقبه الشيخ بأن فيه الضعيف والمنقطع(٢)، لكن بقي مطالبة مغلطاي بصحة دعواه بأن جماعة أطلقوا على مسند الدارمي كونه صحيحاً فإني لم أر ذلك في كلام حد ممن يعتمد عليه. ثم وجدت بخط مغلطاي أنه رأى بخط الحافظ أبي محمد المنذري ترجمة كتاب الدارمي بالمسند الصحيح الجامع . وليس كما زعم فلقد وقفت على النسخة التي بخط المنذري وهي أصل سماعنا للكتاب المذكور، والورقة الأولى منه مع عدة أوراق ليست بخط المنذري بل هو (٣) بخط أبي الحسن ابن أبي الحصني (٤) وخطه قريب من خط المنذري فاشتبه ذلك على مغلطاي وليس الحصني من أحلاس (٥) هذا الفن حتى (١) يعني شيخه العراقي: قال رحمه الله: ((والجواب أنا لا نسلم أن أحمد اشترط الصحة في كتابه والذي رواه أبو موسى المديني بسنده إليه أنه سئل عن حديث فقال: انظروه، فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة، وهذا ليس صريحاً في أن جميع ما فيه حجة بل فيه أن ما ليس في كتابه ليس بحجة ... وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق بل فيه أحاديث موضوعة وقد جمعتها في جزء وقد ضعف الإِمام أحمد نفسه أحاديث فيه ((التقييد والايضاح ص ٥٧)). (٢) التقييد والايضاح ص ٥٦. (٣) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب: هي. (٤) هو مكين الدين أبو الحسن بن عبد العظيم الحصني ((رسالة الذهبي)) في: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص ٢١٠. (٥) في هامش ((ر)) و((هـ)) الحلس ككتف الكبير من الناس والشجاع، قاموس. ٢٨٠