النص المفهرس
صفحات 141-160
كروى نافع عن ابن عمر عن النبي ◌ِّ كذا ثم يقول أخبرنا به فلان عن فلان حتى يتصل صح وكان متصلاً ، فلو أراد من سمعه هكذا تقديم جميع الإسناد فجوزه بعضهم ، وينبغي فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض بناءً على الرواية بالمعنى ، ولو روى حديثاً بإسناد ثم أتبعه إسناداً قال في آخره مثله فأراد السامع رواية المتن بالإسناد الثاني فالأظهر منعه ، وهو قول شعبة ، وأجازه الثوري وابن معين إذا كان متحفظاً مميزاً بين الألفاظ ، وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد ثم قال مثل حديث قبله منه كذا ، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري ، ومنعه شعبة ، وابن معين ، قال الخطيب : فرق ابن المعين بين مثله ونحوه ويصح على منع الرواية بالمعنى ، فأما على جوازها فلا فرق ، قال الحاكم: يلزم الحديثي من الاتقان أن يفرق بين مثله ونحوه فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ ويحل نحوه إذا كان . بمعناه. الثانىعشر : إذا ذكر الإسناد وبعض المتن ثم قال : وذكر الحديث فأراد - ١٤١ - السامع روايته بكاله فهو أولى بالمنع من مثله ونحوه ، فمنعه الأستاذ أبو إسحاق ، وأجازه الإسماعيلى إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث ، والاحتياط أن يقتصر على المذكور ثم يقول: قال ، وذكر الحديث وهو هكذا ويسوقه بكاله ، وإذا جوز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإجازة القوية فيما لم يذكره الشيخ، ولا يفتقر إلى افراده بالإجازة . الثالث عشر: قال الشيخ رحمه الله: الظاهر أنه لا يجوز تغيير قال النبي ◌َّهُ إلى قال رسول اللّه مَّ اله ولا عكسه وان جازت الرواية بالمعنى ، لاختلافه ، والصواب - والله أعلم - جوازه، لأنه لا يختلف به هنا معنى ، وهذا مذهب أحمد بن حنبل ، وحماد بن سلمة والخطيب . الرابع عشر : إذا كان في سماعه بعض الوهن فعليه بيانه حال الرواية ، ومنه إذا حدثه من حفظه في المذاكرة فليقل حدثنا مذاكرة كما فعله الأئمة ومنع جماعة منهم الحمل عنهم حال المذاكرة ، وإذا كان الحديث عن - ١٤٢ - ثقة ومجروح، أو ثقتين فالأولى أن يذكرهما ، فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم ، وإذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه من آخر فروى جملته عنهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر جاز (١) ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهماً فلا يحتج بشيء منه إن كان فيهما مجروح، ويجب ذكرهما جميعاً مبيناً أن عن أحدهما بعضه وعن الآخر بعضه، والله أعلم (٢). معرفة أداب المحدث علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة. من حُرِمَه حُرِمَ خيراً عظيماً ، ومن رزقه ثال فضلاً جزيلاً ، فعلى صاحبه تصحيح النية ، وتطهير قلبه من أغراض الدنيا ، واختلف في السن الذي يتصدى فيه لاسماعه ، والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أي سن كان ، وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهَرَم أو خرف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس . (١) أي غير مميز لما سمعه من كل شيخ عن الآخر. (٢) مثاله حديث الإفك في الصحيح من رواية الزهري حيث قال : حدثني عروة بن سعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة قال : وكل قد حدثني طائفة من حديثها ودخل حديث بعضهم في بعض وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض فذكر الحديث . - ١٤٣ - فصل الأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أوعلمه أو غيره، وقيل: يكره أن يحدث في بلد فيه أولى منه، وينبغي له إذا طلب منه ما يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه فالدين النصيحة ، ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى صحتها، وليحرص على نشره مبتغياً جزيل أجره. فصل ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويسرح لحيته ويجلس متمكناً بوقار ، فإن رفع أحدصوته زبره(١)، ويقبل على الحاضرين كلهم ، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى والصلاة على النبي ◌َّاللّه ، ودعاء يليق بالحال ، بعد قراءة قارىءحسن الصوت شيئاً من القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سرداً يمنع فهم بعضه، والله أعلم. (١) أي انتهره وزجره ، وقد كان مالك يفعل ذلك ويقول: قال الله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي)) فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته . - ١٤٤ - فصل يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية ، ويتخذ مستملياً محصلاً متيقظاً يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ ، ويستملى مرتفعاً وإلا قائماً وعليه تبليغ لفظه على وجه، وفائدة المستملي تفهيم السامع على بعد ، وأما من لم يسمع إلا المبلغ فلا يجوز له روايته عن المملي إلا أن يبين الحال ، وقد تقدم هذا في (( الرابع والعشرين، ويستنصت المستملي الناس بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً من القرآن ، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي على رسول الله عَليه ويتحرى الأبلغ فيه ثم يقول للمحدث منْ أو ما ذكرت رحمك الله(١) أو رضي عنك وما أشبهه وكلما ذكر الني مَ الّصلى عليه وسلم قال الخطيب: ويرفعبه صوته،وإذا ذكر صحابياً ترضى عليه، فإن كان ابن صحابي قال رضي الله عنهما، ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف ، وليعتن بالدعاء له فهو أهم ، ولا بأس بذكر من يروي عنه بلقب أو بوصف أو حرفة أو أمٍ عرف بها ، ويستحب أن يجمع في إملائه جماعة من شيوخه مقدماً أرجحهم ، ويروي عن كل شيخ (١) أي من ذكرت من الشيوخ وما ذكرت من الأحاديث. التقريب- ١٠ - ١٤٥ - حديثا ويختار ما علا سنده وقصر متنه ، والمستفاد منه ، وينبه على صحته وما فيه من علو ، وفائدة ، وضبط مشكل ، وليجتنب ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه ، ويختم الإملاء بحكايات ونوادر وانشادات باسانيدها ، وأولاها ما في الزهد ، والآداب ، ومكارم الأخلاق ، وإذا قصر المحدث أو اشتغل عن التخريج للاملاء استعان ببعض الحفاظ ، وإذا فرغ الإملاء قابله واتقنه ، والله أعلم . مَعرفة آدابُ طالب الحديث قد تقدم جمل منه مفرقة ، ويجب عليه تصحيح النية ، والاخلاص الله تعالى في طلبه والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا، ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب، ثم ليفرغ جهده في تحصيله بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره ، فإذا فرغ من مهماتهم فليرحل على عادة الحفاظ المبرزين، لا يحملنه الشره على التساهل في التحمل فيخل بشيء من شروطه، وينبغي أن يستعمل (١) ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب. فذلك زكاة الحديث وسبب حفظه . (١) أي يطبق الحديث ويعمل به . - ١٤٦ - فرع وينبغي أن يعظم شيخه ومن يسمع منه فذلك من إجلال العلم وأسباب الانتفاع ، ويعتقد حلالة شيخه ورجحانه ، ويتحرى رضاه ولا يطول عليه بحيث يضجره ، وليستشره في أموره وما يشتغل فيه، وكيفية اشتغاله، وينبغي له إذا ظفر بسماع أن يرشد إليه غيره فإن كتمانه أوم يقع فيه جهلة الطلبة فيخاف على كاتمه عدم الانتفاع ، فإن من بركة الحديث افادته ، وبنشره ينمى، وايحذر كل الحذر من أن يمنعه الحياء والكبر من السعي التام في التحصيل وأخذ العلم من دونه في نسب أو سن أو غيره ، وليصبر على جفاء شيخه، وليعتن بالمهم ، ولا يضيع وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة ، وليكتب وليسمع ما يقع له من كتاب أو جزء بكاله ولا ينتخب فإن احتاج إليه تولاه بنفسه (١)، فإن قصر عنه استعان بحافظ. فرع ولا ينبغي أن يقتصر على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه ، فليتعرف صحته وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله (١) أي: فإن احتاج إلى الانتخاب لكون الشيخ مكثراً تولاه بنفسه. - ١٤٧ - محققاً كل ذلك معتنياً باتقان مشكلها حفظاً وكتابة مقدما الصحيحين ، ثم سنن أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، ثم السنن الكبرى للبيهقي وليحرص عليه فلم يصنف مثله ، ثم ما تمس الحاجة إليه ، ثم من المسانيد مسند أحمد بن حنبل وغيره ، ثم من العلل كتابه ، وکتاب الدار قطني ، ومن الأسماء تاريخ البخاري ، وابن أبي خيثمة ، وكتاب ابن أبي حاتم ومن ضبط الأسماء كتاب ابن ماكولا ، وليعتن بكتب غريب الحديث، وشروحه، وليكن الاتقان من شأنه ، وليذاكر بمحفوظه، ويباحث أهل المعرفة . فرع وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له ، وليعتن بالتصنيف في شرحه وبيان مشكله متقناً واضحاً فقل ما يمهر في علم الحديث من لم يفعل هذا ، وللعلماء في تصنيف الحديث طريقان : أجودهما تصنيفه على الأبواب فيذكر في كل باب ما حضره فيه (١)، والثانية تصنيفه على المسانيد فيجمع في ترجمة كل صحابي ماعنده من حديثه صحيحه وضعيفه (٢) ، وعلى هذا له أن يرتبه على الحروف أو على القبائل فيبدأ (١) وعلى هذا جرى البخاري ومسلم وأصحاب السنن . (٢) وعلى هذا جرى الإمام أحمد وغيره من مؤلفي المسانيد . - ١٤٨ - بيني هاشم ثم بالأقرب فالأقرب نسباً إلى رسول اللّه مَ له، أو على السوابق، فبالعشرة، ثم أهل بدر، ثم الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح ، ثم أصاغر الصحابة ، ثم النساء بادئاً بأمهات المؤمنين ، ومن أحسنه تصنيفه معللاً ، بأن يجمع في كل حديث أو باب طرقه واختلاف رواته ، ويجمعون أيضاً حديث الشيوخ كل شيخ على انفراده: كمالك وسفيان وغيرهما ، والتراجم: كمالك عن نافع عن ابن عمر ، وهشام عن أبيه عن عائشة ، والأبواب: كرؤية الله تعالى ورفع اليدين في الصلاة، وليحذر إخراج تصنيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وتكرير النظر، وليحذر من تصنيف ما لم يتأهل له، وينبغي أن يتحرى العبارات الواضحة ، والاصطلاحات المستعملة ، والله أعلم . - ١٤٩ - معرف آلإسنا د العالى " والنازل" الاسناد خصيصة لهذه الأمة ، وسنة بالغة مؤكدة، وطلب العلو فيه سنة، ولهذا استحبت الرحلة ، وهو أقسام : أجلها القرب من رسول الله بَ له بإسناد صحيح نظيف . الثاني : القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر بعده العدد إلى رسول اللّه صَلّه. الثالث : العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الخمسة أو غيرها من المعتمدة، وهو ما كثر اعتناء المتأخرين به من الموافقة، والإبدال، والمساواة والمصافحة : فالموافقة أن يقع لك حديث عن شيخ مسلم من غير جهته (١) العالي : هو السند الذي قل رجاله مع الاتصال وقرب من تحدث به، مثاله ما جاء في ثلاثيات الإمام أحمد قال: حدثناسفيان قال قلت لعمرو سمعْت" جابراً يقول: ((مرّ رجل في المسجد معه سهام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسك بنصلها؟ )) فقال: نعم . ومثاله أيضاً ما جاء في ثلاثيات البخاري قال: حدثنا مكي بن إبراهيم قال : حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)). ففى هذين الحديثين علو في الاسناد إذ ليس بين الإمام أحمد والنبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة وكذلك حديث البخاري . (٢) النازل ضد العالي: وهو الذي بعدت المسافة في إسناده وكثر الرواة في سنده سواء بالنسبة إلى إسناده للنبي صلى الله عليه وسلم أو بالنسبة إلى إمام من الأئمة ، أو بالنسبة إلى الكتب المشهورة . - ١٥٠ - بعدد أقل من عددك إذا رويته عن مسلم عنه، والبدل أن يقع هذا العلو عن مثل شيخ مسلم ، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى شيخ شيخ مسلم ، والمساواة في أعصارنا قلة عدد أسنادك إلى الصحابي أو من قاربه بحيث يقع بينك وبين صحابي مثلاً من العدد مثل ما وقع بين مسلم وبينه. والمصافحة أن تقع هذه المساواة لشيخك ، فيكون لك مصافحة كأنك صافحت مسلماً فأخذته عنه ، فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك ، وهذا العلو تابع لنزول ، فلولا نزول مسلم وشبهه لم تعل أنت ، والله أعلم. الرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي فما أرويه عن ثلاثة عن البيهقي عن الحاكم أعلى مما أرويه عن ثلاثة عن ابن خلف عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي عن ابن خلف ، وأما علوه بتقدم وفاة شيخك فحدّه الحافظ ابن جوصا بمضي خمسين سنة من وفاة الشيخ ، وابن منده بثلاثين . الخامس: العلو بتقدم السماع ، ويدخل كثير منه فيما قبله ، ويمتاز بأن يسمع شخصان من شيخ وسماع أحدهما من ستين سنة مثلاً والآخر من أربعين ، وتساوى العدد إليهما فالأول أعلى ، وأما النزول فضد العلو ، فهو خمسة أقسام تعرف من ضدها ، وهو مفضول مرغوب عنه - ١٥١ - على الصواب ، وقول الجمهور ، وفضله بعضهم على العلو ، فإن تميز بفائدة فهو مختار . والله أعلم . المشهور من الحديث (١) هو قسمان ، صحيح وغيره ، ومشهور بين أهل الحديث خاصة وبينهم وبين غيرهم، ومنه المتواتر المعروف في الفقه وأصوله ، (١) المشهور : عرفه في النخبة: هو ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين ، ومن أمثلة المشهور: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) رواه عن أبي هريرة سبعة: أبو مسلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم برئق . وحديث (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد)). وحديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده » ملحوظتان : أولاهما : لا يلزم من كون الحديث مشهوراً أن يكون صحيحاً، بل يمكن أن يكون المشهور صحيحاً وحسناً وضعيفاً، كما ذكر المؤلف رحمه الله . الثانية : قد يطلق المشهور على ما اشتهر بين الناس وإن لم يكن له ظل من الحقيقة ، وفي هذا قال أحمد بن حنبل : أربعة أحاديث تدور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسواق ليس لها أصل : من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة. ومن آذي ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة. ويوم نحركم يوم صومكم. والسائل حق وإن جاء على فرس. ومن هذا القبيل ما اشتهر على ألسنة الناس مثل («من حفظ لغة قوم أمن من مكرم)). هذا وقد مثّل السيوطي في التدريب بأمثلة لأنواع المشهور فارجع اليه . - ١٥٢ - ولا یذکره المحدثون (١) ، وهو قليل لا یکادیو جدفي رواياتهم ، وهو ما نقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره، وحديث (( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) متواتر ، لاحديث ((إنما الأعمال بالنيات، (٢) والله أعلم الغريب والعزيز(4) إذا انفرد عن الزهري وشبهه من يجمع حديثه رجل بحديث سمي (١) يريد أن المتواتر نوع من المشهور، والمحدثون لا يذكرون في الأحاديث نوعاً مستقلاً يسمونه المتواتر ، بل الذين يذكرونه هم الفقهاء والأصوليون، وقد مرّ بك حديث مفصل عن ذلك . (٢) وذلك لأن الشهرة قد طرأت له من عند يحيى بن سعيد، وأما أول إستاده ففرد . (٣) عرّف الغريب بأنه ما انفرد راو بروايته أو برواية زيادة فيه سواء أ كان ذلك الانفراد بالمتن أو بالسند . ومن أمثلة الغريب : ١ - حديث عمر بن الخطاب ((إنما الأعمال بالنيات)) فقد انفرد بروايته عمر رضي الله عنه . ٢ - حديث ((نهى رسول الله عن بيع الولاء وهنيه)) فهذا لم يصح إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر . ٣° - حديث ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر وصاعاً من شعير عن العبد والحرّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين)) انفرد مالك عن سائر رواته بزيادة ((من المسلمين)). (٤) عرف ابن حجر العزيز بأنه: ((هو الذي لا يرويه أقلّ من اثنين عن = - ١٥٣ - غريباً ، فإن انفرد إثنان أو ثلاثة سمى عزيزاً ، فإن رواه الجماعة سمي مشهوراً ، ويدخل في الغريب ما انفرد راو بروايته أو بزيادة في متنه أو إسناده، ولا يدخل فيه أفراد البلدان ، وينقسم إلى صحيح وغيره وهو الغالب (١) ، وإلى غريب متناً وإسناداً كما لو انفرد بمتنه واحد، وغريب اسناداً كحديث روى متنه جماعة من الصحابة انفرد واحد بروايته عن صحابي آخر ، وفيه يقول الترمذي : غريب من هذا =إثنين)، وسمي عزيزاً إما لقلة وجوده، وإما لكونه عزّ - أي قوي - بمجيئه من طريق آخر . ولقد مثلوا للعزيز بمارواه الشيخان من حديث أنس ، والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)) ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل ابن علية وعبد الوارث ورواه عن كلٍ جماعة . (١) يغلب على الغريب الضعف كما قال المصنف رحمه الله، ولذلك قال الإمام أحمد بن حنبل: ((لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء)) وقال مالك: ((شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي رواه الناس)) وروي عن الزهري أنه قال: ((حدثت علي بن الحسين بحديث ، فلما فرغت قال أحسنت بارك الله فيك هكذا حدثنا، قلت : ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني ، قال : لا تقل ذلك ، فليس في العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن)) وقال أبو يوسف : (((من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب ، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس)) . - ١٥٤ - الوجه ، ولا يوجد غريب متنالا اسناداً إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريباً مشهوراً، غريباً متناً لا إسناداً بالنسبة إلى أحد طرفيه كحديث « إنما الأعمال بالنيات)) والله أعلم. غريبُ الحديث هو ماوقع في متن الحديث من لفظة غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها، وهو فن مهم، والخوض فيه صعب ، فليتحر خائضه، وكان السلف يتثبتون فيه أشد تثبت ، وقد أكثر العلماء التصنيف فيه ، قيل أول من صنفه النضر بن شميل ، وقيل أبو عبيدة معمر ، وبعدهما أبو عبيد فاستقصى وأجاد ، ثم ابن قتيبة مافات أباعبيد ، ثم الخطابي مافاتهما فهذه أمهاته ، ثم بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة، وأجود تفسيره ما جاء مفسراً في رواية والله أعلى (١). المسليل هو ما تتابع رجال اسناده على صفة أو حالة الرواة تارة، وللرواية (١) من أجود وأحسن كتب غريب الحديث واجمعها وأشهرها الآن كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر للشيخ مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير المولود بجزيرة ابن عمر سنة (٥٤٤) * وتوفي بالموصل سنة (٦٠٦ ) هـ . - ١٥٥ - ثارة، وصفات الرواة أقوال وأفعال وأنواع كثيرة غيرها كمسلسل التشبيك باليد (١) والعد فيها (٢) ، وكاتفاق أسماء الرواة أو صفاتهم أو نسبتهم كأحاديث رويناها كل رجالها دمشقيون، وكمسلسل الفقهاء، وصفات الرواية كالمسلسل بسمعت ، أو بأخبرنا ، أو أخبرنا فلان واللّه ، وأفضله مادل على الاتصال، ومن فوائده زيادة الضبط ، وقلما يسلم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه كمسلسل أول حديث سمعته على ما هو الصحيح فيه (٣)، والله أعلم (٤). (١) وهو حديث أبي هريرة: شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وقال: ((خلق الله الأرض يوم السبت .. الحديث)) فقد تسلسل لنا تشبيك كل واحد من رواته بيد من رواه عنه . (٢) وهو حديث ((اللهم صلّ على محمد .. الحديث)) فهو مسلسل بعد" الكلمات الخمس في ید کل راوٍ . (٣) وهو حديث ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) فانه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن دينار وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوس وسماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو ، وفي سماع عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم . (٤) من الأحاديث المسلسلة : ٦ - ماورد في الصفات القولية وهو الحديث المسلسل بقراءة سورة الصف. ورد عن عبد الله بن سلام قال : قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا : لو نعلم أي الأعمال أقرب إلى الله لعملناه، فأنزل الله عز وجل: ((سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)) قال ابن سلام : فقر أها علينا رسول = - ١٥٦ - ناسخ الحديث ومنسوخه هو فن مهم صعب، وكان الشافعي رحمه الله فيه يد طولى، وسابقة أولى ، وأدخل فيه بعض أهل الحديث ماليس منه لخفاء معناه والمختار أن النسخ رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر ، فمنه ما عرف بتصريح رسول الله تعالي « ككنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))(١) ومنه ماعرف بقول الصحابي , ككان آخر الأمرين من رسول اللّه ◌َالهل ترك الوضوء مما مست النار))(٢). ومنه ماعرف = الله صلى الله عليه وسلم هكذا ، فإن هذا الحديث مسلسل ، يقول كل راو : فقرأها فلان هكذا . وقد ذكر شيخ الإسلام أن هذا المسلسل من أصح مسلسل في الدنيا . ٢° - ما ورد في الحال القولية وهو حديث معاذ أنه صلى الله عليه وسلم قال له: يا معاذ أُحبك فقل في دبر كل صلاة: (( اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) . فإنه تسلسل بقول كل راو من رواته : وأنا أحبك ، فقل اللهم أعني ... ٣°- ما ورد في الحال القولية والفعلية حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه وهره)) وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على لحيته وقال: ((آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومرّه )) فإنه تسلسل بقول كل راو من رواته : آمنت بالقدر .... )) وقبض على لحيته. (١) رواه مسلم. (٢) الحديث رواه أبو داود والنسائي . - ١٥٧ - بالتاريخ(١) ، ومنه ماعرف بدلالة الاجماع كحديث قتل شارب الخمر في الرابعة (٢) والاجماع لا يَنْسَخْ ولا يُنْسَخ لكن يدل على ناسخ والله أعلم . مَعَّ المصّ هو فن جليل إنما يحققه الحذاق ، والدار قطني منهم ، وله فيه تصنيف مفيد، ويكون تصحيف لفظ وبصر في الاسناد والمتن، فمن الاسناد العوام بن مراجم( بالراء والجيم))، صحفه ابن معين فقاله بالزاي والحاء، ومن الثاني حديث زيد بن ثابت ((أن الني باد احتجر في المسجد )) (٣) أي اتخذ حجرة من حصير أو نحوه يصلي فيها ، صحفه ابن لهيعة فقال : احتجم، وحديث( من صام رمضان وأتبعه (١) كحديث شداد بن أوس مرفوعاً: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) رواه أبو داود والنسائي . ذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس رضي الله عنها (( أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم ، أخرجه مسلم ، فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة الوداع سنة عشر . (٢) وهو ما رواه أبو داود والترمذي من حديث معاوية: ((من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)) قال النووي في شرح مسلم دلّ الإجماع على نسخه . (٣) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود . - ١٥٨ - ستاً))(١) صحفه الصولي فقال : شيئاً بالمعجمة ، ويكون تصحيف سمع كحديث عن عاصم الأحول ، رواه بعضهم فقال: واصل الأحدب، ويكون في المعنى كقول محمد بن المثنى: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله عَ ليه، والله أعلم (٢). مَعَرّ مختلف الحديث وحكمه هذا من أهم الأنواع ، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً ، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما ، وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث، والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني ، وصنف فيه الإمام الشافعي ، ولم يقصد رحمه اللّه استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه، ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى بأشياء حسنة وأشياء غير حسنة لكون غيرها أقوى وأولى ، وترك معظم المختلف ، ومن جمع ما ذكر نالا يشكل عليه إلا النادر في الأحيان ، والمختلف قسمان أحدهما يمكن الجمع بينهما، فيتعين ويجب العمل(٣) بهما، والثاني لا يمكن (١) الحديث رواه مسلم وأصحاب السنن (٢) يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم وإنما المراد هنا الحربة التي تنصب بين يديه . (٣) مثال ذلك حديث: ((إذ ابلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)) وحديث := - ١٥٩ - بوجه ، فإن علمنا أحدهما ناسخاً قدمناه(١)، وإلا عملنا بالراجح =« خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه» فإن الأول ظاهره طهارة القلتين تغير أم لا ، والثاني طهارة غير المتغير ، سواء كان قلتين أم أقل ، فجمع بينها بأن خصّ عموم كل منهما بالآخر . وحديث: لايورد ممرض على مصح، وفرّ من المجذوم فرارك من الأسد ، مع حديث لاعدوى ولا طيرة . وقد سلك الناس في الجمع بينها مسالك: أحدها : أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سبباً لاعدائه بمرضه. وقد يتخلف ذلك عن سببه كمافي غيرهمن الأسباب ، وهذا الملك هو الذي سلكه ابن الصلاح . الثاني : أن نفي العدوى باق على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الذرائع ، لئلا يتفق الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله ابتداء لا بالعدوى، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته ، فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج ، فأمر يتجنبه حسماً للمادة وهذا المسلك هو الذي اختاره شيخ الإسلام، إلى غير ذلك من المسالك . (١) مثاله: حديث: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصرع عنه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد ، وصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)). وحديث : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مرضه فأتى أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس ، فاستأخر أبو بكر ، فأشار إليه رسول اللّه : أن كما أنت ، فجلس رسول الله إلى جنب أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر . فلما كانت صلاة النبي مع المه في مرضه الذي مات فيه قاعداً، والناس خلفه قياماً؛= - ١٦٠ -