النص المفهرس
صفحات 21-40
المرحلة الثانية : مرحلة التدوين للسنة وكتابتها مخافة الاندراس والضياع وخشية الاختلاط بغيرها والوضع فيها : فقد رأى عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى أن يحمل أهل الرأي من العلماء على أن يدونوا السنة . فكتب كما في صحيح البخاري إلى أبي بكر بن حزم وكان في المدينة: ((انظر ما كان من حديث رسول الله عَ لي فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، ولا تقبل إلا حديث رسول الله (صَ﴾)). وكتب إلى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عالم الحجاز والشام، وإلى غيره من علماء الآفاق . وقد فعلوا ما كلفهم به الخليفة ، ولكنه عاجلته منيته قبل أن يصل اليه نتاج ماقام به هؤلاء العلماء الأفذاذ . وفكرة التدوين للسنة هذه كانت تراود عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من قبل إلا أنه بعد التروي والتشاور صرف النظر عنها خشية أن يؤدي ذلك إلى الانصراف عن كتاب الله عز وجل إليها . قال السيوطي في تنوير الحوالك شرح موطأ الإمام مالك: أخرج الهَرّوي في ذم الكلام من طريق الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، واستشار فيه أصحاب رسول الله صَ ل ، فأشار عليه عامتهم بذلك ، فلبث شهراً يستخير الله في ذلك شاكاً فيه ، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له فقال: إني كنت ذكرت لكم من كتابة السنن ماقد علمتم، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء . فترك كتابة السنن . هذا ولقد جاءت الدولة العباسية في القرن الثاني فنهجت نهج عمر بن عبد العزيز في تدوين السنة، وزادت من العناية والاهتمام، وبالغت في تشجيع العلماء على تقصي متون الحديث وأسانيده . - ٢١ - ولقد طلب أبو جعفر المنصور من الإمام مالك أن يجمع له كتاباً في الحديث فدوّن كتابه الموطأ في صحيح الحديث . بيد أن الأحاديث على ذلك العهد كانوا يجمعونها ممزوجة بأقوال التابعين وفتاوى العلماء كما فعل ابن جريج في مكة وحماد بالبصرة . المرحلة الثالثة : مرحلة تخليص الحديث مما كان ممتزجاً به من تلك الآثار والفتاوى : ويرجع ذلك إلى غضون القرن الثالث ، حين رأى علماؤنا أن يفردوا السنة النبوية بالتأليف مبالغة في احترامها وحمايتها، ولقد تزعم هذه المرحلة الإمام أحمد بن حنبل ، فشق الطريق ثم سلكه أصحاب الكتب الستة من بعده، ولم يكد ينتهي القرن الرابع حتى كان الحديث النبوي قد أحصيت متونه ، واستوعبت أسانيده ، ولم يبق إلا الترتيب والتهذيب . المرحلة الرابعة : مرحلة الترتيب والتهذيب والتنسيق والتنسيق : وابتدأ ذلك من أواخر القرن الرابع ثم دام إلى يومنا هذا ، غير أن كل جيل يرتب وينسق حسب ذوقه، ويستلهم حاجته فيا يُعَنْون ويُبَوِّب، ويجمع ويفرق. ب- نيتو عليم مصطلح الحديث وتطوّر على ضوء هذا العرض الموجز للمراحل التي مر بها الحديث نستطيع أن ندرس نشوء علم مصطلح الحديث وتطوره ومراحله التي مر بها ، ففي أواخر المرحلة الأولى التي مر بها الحديث نشأ في المجتمع الاسلامي فتن وانقسامات ، ووجدت بعض المذاهب المتطرفة والأفكار الهدامة ، وظهرت فئة ،بل فئات، اندست في صفوف المسلمين وليست منهم ، والإسلام بريء منها ، أرادت أن تكيد للإسلام عن طريق الدس والكذب على رسول الله صلّ يو بعد أن أعيتها الحيل في الكيد للاسلام الذي كانت له الغلبة والقهر بالسيف والحجة جميعاً . - ٢٢ - لهذه الأسباب مجتمعة ولغيرها من الأسباب كثر الخبط في حديث رسول الله صَّ اللّه، وأدرك علماء الصدر الأول من الأمة الإسلامية أن الأحاديث المردودة والموضوعة بدأت تعمل عملها وتنفث سمومها ففكروا في حماية السنة من هذا العبث ، ووضع حد لهذه الفوضى ، فكان من هذا الشعور أن ظهر علم يسمى بعلم الحديث أو علم مصطلح الحديث ، ولقد مر هذا العلم بأدوار متعددة نوجزها فيما يلي : الدور الأول: دور التمهيد والتفكير : كان ذلك حينما طلب عمر بن عبد العزيز إلى علماء الأمصار أن يدونوا الحديث بعد تحريره وضبطه وتمحيصه ووزنه ، وقد استجاب العلماء وحققوا ما أراد ، وكتبوا بعض أبحاث حديثية ، ولكنها كانت منثورة بين ماجمعوا من تلك الأحاديث ، مبثوثة فيما ذكروا من متون ، وبذلك الانتثار لم تأخذ اسم علم مدون، ولم تَستَقلّ بكتاب مؤلف، نلمح أمثال هذه القواعد في كتابَيّ" الأم والرسالة الإمام الشافعي ، وفي مقدمة الإمام مسلم في صحيحه ، وفي جامع الترمذي وغيرها . الدور الثاني: دور التحضير : ففي هذا الدور أخذ العلماء يؤلفون في موضوعات متفرقة من هذا العلم ، ويسمون كل موضوع علماً خاصاً، ويفردونه بالتأليف ، كالجرح والتعديل ، وكرجال الحديث ، وعلل الحديث ، وتلفيق الحديث وغير ذلك . . الدور الثالث: دور الوجود والظهور : وكان ذلك باختصار تلك العلوم المتكاثرة المستقلة والكلام عليها مجموعة تحت موضوع علم واحد لغاية واحدة سمي ((علوم الحديث)) أو ((مصطلح الحديث)). ولقد استهل هذا العلم وليداً على يد القاضي أبي محمد الحسن بن - ٢٣ - عبدالرحمن الرامَهُرْ مُزي المتوفى سنة (٣٦٠) هـفقد ألف كتاباً أسماه: ((المحدث الفاصل بين الراوي والداعي )) لكنه لم يستوعب رؤوس المسائل ، ولم يستوف الكلام عليها، وهذا أمر طبيعي ، لأن هذا العلم مازال بعد في مهد الطفولة . دور النمو والمزيد : الدّور الرابع: ثم جاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى سنة (٤٠٥) «فتوسع في هذا العلم عن الرامهرمزي، وألف كتابه (( معرفة علوم الحديث)) ولقد اشتمل هذا الكتاب على نيف وخمسين نوعاً ، بيد أنه قد فاته إحكام الترتيب وإتمام التهذيب . فجاء أبو نعيم الأصفهاني المتوفى سنة (٤٣٠) « فاستدرك على الحاكم مافاته في كتاب أسماء «المستخرج على كتاب الحاكم)) زاد فيه أشياء وعقب عليه بأشياء، ثم رتبه وهذبه . وبعد ذلك جاء الخطيب أبو بكر البغدادي المتوفى سنة (٤٦٣) « فتكلم على علوم الحديث بطريقة مفصلة، فألف في قوانين الرواية كتاباً أسماه ((الكفاية في قوانين الرواية)» وألف كتاباً آخر في آداب الرواية أسماء ((الجامع لآداب الشيخ والسامع)، وألف أيضاً كتباً أخرى في نواح من هذا الفن ، ولقد أصبحت مؤلفاته هذه مرجعاً لجميع الذين جاؤوا من بعده ، فلم يعولوا فيما صنفوا إلا على كتبه ، إلا أن كتابته للموضوعات بشكل موسع عادت على الطلاب بالكلال والإعياء، فظهرت الحاجة من جديد إلى تقريب وتهذيب ما كتبه بأسلوب منقح محرر . ٠٠ الدور الخامس: دور التهذيب والتقريب : وكان ذلك بالكتابة في هذا العلم على نمط يجمع بين التهذيب والتقريب ، وإن اختلفت الأساليب بالاختصار والقصد وبالنظم والنثر . فمن ذلك كتاب ألفه القاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤) هـ وأسماه « الإلماع في أصول الرواية والسماع). - ٢٤ - ومن ذلك كتاب ألفه أبو جعفر عمر بن عبد المجيد الميانجي أسماء ((ما لا يسع المحدث جهله)) ومن ذلك ما ألفه زعيم هذه المرحلة الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المشهور بابن الصلاح المتوفى سنة ( ٦٤٣) «فلقد ألف كتاباً أسماه ((علوم الحديث)) واشتهر بعد ذلك باسم ((مقدمة ابن الصلاح)) فصار كتابه هذا من بعده عمدة الكاتبين وقبلة الناظرين والباحثين ، وموضوع العناية من الناظمين والناثرين . فممن تحدث عنه شعراً الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي المتوفى سنة (٨٠٦) هـ فقد نظم ألفيته ملخصاً فيها علوم ابن الصلاح، وزاد عليها، وقد أتمها سنة (٧٦٨) هـ وشرحها سنة (٧٧١) هـ. ثم جاء من بعده محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة (٩٠٢) فشرحها وأحسن شرحها . ثم انبرى السيوطي المتوفى سنة (٩١١) ( المعارضة ألفية العراقي بألفية ادَّعى فيها أنها فاقت ألفية العراقي ، فقال في مطلعها : منظومة ضمنتها علم الأثر وهذه ألفية تحكي الدرر في الجمع والإيجاز واتساق فائقـة ألفية العراقي ومن اختصروا هذا العلم أيضاً الشيخ النووي أبو زكريا يحيى بن شرف المتوفى سنة ( ٦٧٦) «في كتاب سماه ((الإرشاد)» ثم اختصر الإرشاد في كتاب أسماه ((التقريب)) هذا الكتاب الذي نحن بصدد التعليق عليه. وممن حرر هذا العلم ونقحه أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢) هـ في كتابه المسمى ((نخبة الفكر)) وشرحه ((نزهة النظر)). ولا ننسى أن نتحدث في هذا المقام أن بعض العلماء سلك في التفنن مسلكاً غريباً ، ألا وهو مسلك التغزل ، فقد نظم الحافظ شهاب الدين أحمد بن فرج الأندلسي المتوفى سنة (٦٩٩) (قصيدة غرامية تسمى منظومة ((غرامي صحيح ) عدّد فيها أنواع الحديث على طريقة التغزل قال في مطلعها : - ٢٥ - وحزني ودمعي مرسل ومسلمل غرامي صحيح والرجا فيك معضل ضعيف ومتروك وذلي أجمل وصبري عنكم يشهد العقل أنه مشافهة "ُلى عليَّ فأنقل ولا حَسَنٌ إلا استماع حديثكم ولقد شرح هذه القصيدة علامة دمشق ومحدثها الأكبر وشيخ شيوخها محمد بدر الدين بن يوسف الحسني المتوفى في دمشق سنة ( ١٣٥٤ ) ه، وقد طبع هذا الشرح . دور الوقوف والركود : الدور السادس: ثم فترت الهمم بعد ذلك وكأن الناس قد اكتفوا بما خلف أسلافهم من هذه الذخائر الثمينة. اللهم إلا كتباً مختصرة ورسائل مقتضبة . دور الانتعاش : الدور السابع: ولكن علوم الحديث بدأت تنتعش في هذا العصر ، ومن مظاهر انتعاشها وجود مؤلفات حديثة لها مكانتها العلمية ككتاب ((قواعد التحديث)) للشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المتوفى سنة (١٣٢١) ، وكتاب ((توجيه النظر)) للعلامة الشيخ طاهر الجزائري المتوفى سنة (١٣٣٨) ه، وكتاب ((مفتاح السنة)) للشيخ محمد عبد العزيز الخولي، وشرح ألفية السيوطي للشيخ محمد محي الدين عبد الحميد . هذا ولا ننسى أن نذكر في هذا المقام المؤلفات القيمة النافعة التي قام بتأليفها إخواننا وزملاؤنا الا كارم ككتاب ((علوم الحديث ومصطلحه)) لمؤلفه الدكتور صبحي الصالح، وكتاب ((أصول الحديث علومه ومصطلحه)) للدكتور محمد عجاج الخطيب، وكتاب ((منهج النقد في علوم الحديث )) للدكتور نور الدين عثر. هذا ونرجو الله سبحانه أن يحمي دينه ويصون شريعته ويهيء لهذه الأمة من يأخذ بيدها إلى طريق الحق ويحميها من الوقوع في مواقع الهلكة إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين . - ٢٦ - ، (٥، مرج. -3 ٧ قال الشيخ الإمام الحافظ المتقن الضابط محيي الدين يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين المعروف بالنووي متع الله الطلبة بطول حياته وأعاد على المسلمين من بركاته - ٢٧ - فاتحة الكتابُ الحمد لله الفتاح المنان(١)، ذي الطول (٢) والفضل والاحسان، الذي مَنَّ علينا بالايمان ، وفضل ديننا على سائر الأديان (٣)، ومحا بحبيبه وخليله عبده ورسوله محمد ◌َِّ عبادة الأوثان (٤)، وخصّه بالمعجزة (٥) والسنن المستمرة على تعاقب الأزمان ، صلى الله عليه وعلى سائر النبيين وآل كل ما اختلف الملوان (٦) وما تكررت حِكَمُهُ وذكره وتعاقب الجديدان . (١) المنان كثير العطاء، وجاء في الأثر أنه الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال. (٢) الطَوْل بفتح الطاء وسكون الواو: السعة والغنى كما ذكره ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ((غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول)). (٣) سائر الأديان : باقي الأديان، وفضله بسبب شموله لجميع ما يحتاجه البشر وعمومه للناس كلهم . (٤) الأوثان : جمع وثن وهو الصنم . (٥) المعجزة: المراد بها القرآن الكريم، إذ هو المعجزة الخالدة، وأما باقي المعجزات فإنها انقضت باستثناء ما أخبر بوقوعه عليه الصلاة والسلام في الأزمنة المستقبلة فلا يزال كلما وقع شيء منه تثبت معجزة جديدة له، عليه الصلاة والسلام . (٦) الملوان : الليل والنهار . وهما أيضاً الجديد ان. - ٢٩ - ( أما بعد) فان علم الحديث من أفضل القرب إلى رب العالمين ، وكيف لا يكون وهو بيان طريق خير الخلق وأكرم الأولين والآخرين ، وهذا كتاب اختصرته من كتاب ( الارشاد ) الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح رضي الله تعالى عنه أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير اخلال بالمقصود ، وأحرص على إيضاح العبارة ، وعلى الله الكريم الاعتماد ، واليه التفويض والاستناد . - ٣٠ - / أقسام الحديث الحديث: صحيح، وحسن، وضعيف. النوع الأول: الصحيح وفيه مسائل : الأولى: في حده، وهو ما اتصل سنده (١) بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة (٢). (١) إتصل إسناده أي لميكن مرسلاً أو منقطعاً أو معضلاً وسيأتي تعريف كل منهافي أقسام الضعيف . (٢) العدول الضابطين : المراد بالعدل عدل الرواية لا عدل الشهادة . وعدل الرواية هو المسلم البالغ العاقل السالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة فخرج بذلك من لم يستوف هذه الأوصاف كالكافر والصبي والمجنون والعاصي على الوجه المذكور . والمراد بالضابط نوعان: ضابط صدر وضابط كتاب ، فضابط الصدر هو الذي يحفظ ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره مق شاء . وضابط الكتاب هو الذي يصون ما كتب عنده منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه ، ولا يدفعه إلى من يمكن أن يغير فيه . والمراد بالشذوذ : هو أن يخالف الثقة من هو أوثق منه ، أو يخالف الثقة عدداً من الرواة الثقات . = - ٣١ - وإذا قيل صحيح فهذا معناه لا أنه مقطوع به (١) ، وإذا قيل غير صحيح فمعناه لم يصح اسناده . والمختار أنه لا يجزم في إسناد أنه أصح الأسانيد (٢) مطلقاً وقيل(٣) = والمراد بالعلة : أن يكون في الحديث أمر قادح لايطلع عليه إلا النقاد والعارفون بهذا الفن . هذا ويكفي في سند الحديث أن تكون كل حلقة مؤلفة من واحد يستجمع الصفات المذكورة ولا يشترط التعدد كما توهمه عبارة المصنف . فلو قال هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة لكان أوضح. (١) يعني أننا إذا حكمنا على حديث بأنه صحيح فمعنى هذا أن رجال إسناده كلهم ثقات، لا أنه مقطوع بنسبته إلى رسول الله عَّ له، ومن هنا قال جمهور العلماء : إن أحاديث الآحاد تفيد الظن ولا تفيد القطع ، بل المتواتر هو الذي يفيد القطع . وإذا حكمنا على حديث بأنه ضعيف فمعنى هذا أن في إسناده شيئاً يمنعه من الصحة لا أنه كذب في ذاته لجواز صدق الكاذب ، وإصابة كثير الخطأ . (٢) بل إن ذلك يختلف باختلاف البلد والصحابي فيقال مثلاً : أصح الأسانيد عن أبي بكر: اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم عن أبي بكر . وأصح الأسانيد عن عمر : الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس عن عمر . وأصح الأسانيد عن عائشة : هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة . وأصح أحاديث السنن : سارواه أهل الحرمين مكة والمدينه . (٣) قال بهذا القول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. - ٣٢ - أصحها الزهري عن سالم عن أبيه، وقيل (١) ابن سيرين عن عَبيدة عن على ، وقيل(٣) الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود ، وقيل (٢) الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن على ، وقيل (٤) مالك عن نافع عن ابن عمر، فعلى هذا قيل الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم (٥). الثانية: أول مصنف في الصحيح المجرد ، صحيح البخاري ، ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن ، والبخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ، وقيل مسلم أصح ، والصواب الأول ، واختص مسلم بجمع طرق الحديث في مكان ، ولم يستوعبا الصحيح ولا التزماه (٦) ، قيل لم يفتهما (١) قال بهذا القول، علي بن المديني وعمرو بن علي بن الفلاحي انظر تهذيب التهذيب ( ٨٥ / ٧) . (٢) قائل هذا القول هو يحيى بن معين . (٣) قال بهذا القول أبو بكر بن أبى شيبة وعبد الرزاق . (٤) قائل هذا القول هو الامام البخاري رضي الله تعالى عنه . (٥) ويعرف هذا السند عند المحدثين بسلسلة الذهب ، وكذلك إذا أضيفت رواية أحمد عن الشافعي . (٦) قال أبو عبد الله البخاري: ما أدخلت في كتاب ((الجامع)) إلا ماصح وتركت من الصحاح مخافة الطول . وقال الإمام مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت ما أجمعوا عليه . التقريب-٣ - ٣٣ - منه إلا قليل وأنكر (١) هذا، والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير ، أعني الصحيحين ، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي. وجملة ما في البخاري سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثاً بالمكررة وبحذف المكرر أربعة آلاف (٢). ومسلم باسقاط المكرر نحو أربعة آلاف ، ثم إن الزيادة في الصحيح تعرف من السنن المعتمدة کسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن خزيمة ، والدار قطني ، والحاكم ، والبيهقي ، وغيرها منصوصاً على صحته ولا يكفي وجوده فيها إلا في كتاب من شرط الاقتصار على الصحيح ، واعتنى الحاكم بضبط الزائد عليها ، وهو متساهل ، فما صححه ولم نجد فيه لغيره من (١) قال البخاري: وما تركت من الصحاح أكثر . (٢) قال العراقي : هذا مسلم في رواية الفريري، وأما رواية حماد بن شاكر فهي دون رواية الفريري بمائتي حديث، ورواية ابراهيم بن معقل دونهما بثلثمائة . قال الحافظ العسقلاني : وهذا قالوه تقليداً للحموي ، فإنه كتب البخاري عنه وعد كل باب منه ثم جمع الجملة وقلده كل من جاء بعده نظراً إلى انه راوي الكتاب وله به العناية التامة ، ولقد عددتها وحررتها فبلغت بالمكررة - سوى المعلقات والمتابعات - ستة آلاف وثلثمائة وسبعة وتسعين حديثاً، وبدون المكررة الفين وخمسمائة وثلاثة عشر حديثاً. وفيه من التعاليق ألف وثلثمائة وأحد وأربعون وأكثرها مخرج في أصول متونه ، والذي لم يخرجه مائة وستون . وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلثمائة وأربعة وثمانون . انظر تدريب الراوي للسيوطي . - ٣٤ - المعتمدين تصحيحاً ولا تضعيفاً حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه ، ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم بن حِبَّان ، والله أعلم(١). (١) تعريف ببعض الكتب التي حوت شيئاً من الصحيح مما لم يوجد في الصحيحين : ١ - الموطأ: للإمام مالك بن أنس عالم المدينة المولود في عام (٩٣) هـ والمتوفى سنة (١٧٩) هـ. وهو كتاب ألفه حينما طلب منه الخليفة أبو جعفر المنصور أن يضع كتاباً ليحمل الناس عليه، ولما أتم تأليفه، أبى مالك أن يجمع الخليفة الناس على كتابه وقال: (( إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم تطلع عليها)). قال الشافعني رحمه الله: ((لا أعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك)). والحق أن الموطأ فيه من الأحاديث الموصولة والمرفوعة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهي صحاح كلها ، وهي في الصحة كالصحيحين ، وفيه مراسيل وبلاغات وغيرها فتعتبر وينظر فيها ، كما يعتبر وينظر في أمثالها مما تحويه الكتب . ٢ - المسند: الإمام أحمد بن حنبل ( وستأتي ترجمته ) وهو كتاب جليل جامع ، رتبه على حسب الرواة من الصحابة ، ويوجد فيه كثير من الصحيح مما يوازي كثيراً من أحاديث مسلم بل والبخاري أيضاً ، وليس عندهما أو عند أحدهما ، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب السنن . قال ابن كثير : وأما قول أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد إنه صحيح ، فقول ضعيف فإن فيه أحاديث ضعيفة بل وموضوعة كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبرث الأحمر عند حمص . يريد بذلك الحديث الذي في مسند أحمد: (( كونوا في بعث خراسان ثم= - ٣٥ - =انزلوا مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين)). والحديث: ((عسقلان أحد العروسين يبعث منها يوم القيامة سبعون ألفاً لا حساب عليهم ) . وحديث: ((يبعث الله منها سبعين ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب ، فيمابين البرث الأحمر وكذا)) البَرْث: الأرض اللينة وجمعها براث، يريد بها أرضاً قريبة من حمص قتل بها جماعة من الشهداء والصالحين . ٣ - سنن أبي داود: قال الحافظ الذهبي: (( إن أعلى ما في كتاب أبي داود من الثابت ما أخرجه الشيخان وذلك نحو شطر الكتاب ، ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر ، ثم يليه مارغبا عنه وكان إسناده جيداً سالماً من علة وشذوذ، ثم يليه ما كان إسناده صالحاً وقبله العلماء لمجيئه من وجهين ليستين فصاعداً ، ثم يليه ماضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يسكت عنه أبو داود غالباً، ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة رواته فهذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالباً ، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته)) . ولقد تحدث أبو داود عن كتابه فقال: (( ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد بيَّنه، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض)). فمن هذا يفهم أن سنن أبي داود ليست خاصة بالصحيح ، بل فيها الصحيح والحسن والضعيف . وستأتي كلمة للمصنف فيه . ٤ - سنن الترمذي: قال ابن كثير: ((وكان الحاكم أبو عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي ( الجامع الصحيح ) وهذا تساهل منهما ، فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة)). وكلام ابن كثير يدل على أن سنن الترمذي فيه الصحيح وغير الصحيح. ٥ - سنن النسائي: ذكر السيوطي فقال: ((قال الإمام أبو عبد الله بن رشيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن وأحسنها ترصيفاً، وكأن°= - ٣٦ - = كتابه جامع بين البخاري ومسلم مع حظ كثير من بيان العلل ، وبالجملة فهو أقل الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً ورجلاً مجروحاً، ويقاربه كتاب أبي داود و كتاب الترمذي . وقال ابن كثير: (( وقول الحافظ أبي علي بن السكن ، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن النسائي إنه صحيح ؛ فيه نظر ، وإن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلم، غير مسئَّم به، فإن فيه رجالاً مجهولين إما عيناً وإما حالاً ، وفيهم الجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة ، كما نبهنا عليه في ( الأحكام الكبير))) . ومن هذا يتبين أن سنن النسائي إلى جانب الأحاديث الصحيحة يوجد فيه أحاديث لا ترتقي إلى رتبة الصحيح ، بل هي ضعيفة لضعف رواتها وتجريجهم. ٦ - سنن ابن ماجه : بتسكين الهاء وقفاً ودرجاً، هو أبو عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه من حفاظ الحديث ، ولد عام ( ٢٠٧) هـ وتوفي عام ( ٢٧٥) هـ . ذكر السيوطي نقلاً عن الإمام أبي عبد الله بن رشيد في حق ابن ماجه : ((( إنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم)). وهذا يدل أيضاً على أن سنن ابن ماجه لم يخل من الأحاديث الضعيفة . ٧ - المستدرك : لأبي عبد الله الحاكم، سماه مستدركاً لأنه استدرك على الصحيحين أحاديث كثيرة ادعى أنها صحيحة ولم يذكرها البخاري ومسلم . قال ابن الصلاح في مقدمته: ((واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين ، وقد أخرجا عن رواته في كتابيهما ، أو على شرط البخاري وحده ، أو على شرط مسلم وحده ، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه ، وإن لم يكن على شرط واحد = - ٣٧ - الثالثة: الكتب المخرجة (١) على الصحيحين لم يلتزم فيها موافقتهما في الألفاظ فحصل فيها تفاوت في اللفظ والمعنى ، وكذا ما رواه البيهقي والبغوي، وشبهما قائلين: رواه البخاري أو مسلم، وقع في بعضه تفاوت في المعنى، فمرادهم أنهما إنما رويا أصله، فلا يجوز أن تنقل منهما =منها، وهو واسع الخطو في شرح الصحيح متساهل في القضاء به ، فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول: ماحكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة إن لم يكن من قبل الصحيح فهو من قبيل الحسن ، يحتج به ويعمل ، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه )) . وعقب ابن كثير على كلام ابن الصلاح فقال : «في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة ، فيه الصحيح المستدرك وهو قليل ، وفيه صحيح قد خرجه البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم، وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضاً ، وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي، وبين هذا كله، وجمع فيه جزءاً كبيراً مما وقع فيه من الموضوعات ، وذلك يقارب مائة حديث )). وقال ابن حجر معتذراً عن الحاكم: ((إنما وقع للحاكم التساهل لأنه سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية ، وقد وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك إلى هنا انتهى إملاء الحاكم . قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ منه إلا بطريق الإجازة . والمتساهل في القدر المعلى قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده )). (١) المخرجة: المخرج والمستخرج هو أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب. فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه . - ٣٨ - حديثاً وتقول هو هكذا فيهما ، إلا أن تقابله بهما ، أو يقول المصنف أخرجاه بلفظه، بخلاف المختصرات (١) ، من الصحيحين فإنهم نقلوا فيها ألفاظهما ، وللكتب المخرجة عليهما فائدتان: على الاسناد، وزيادة الصحيح ، فإن تلك الزيادات صحيحة لكونها باسنادهما . الرابعة: ما روياه بالاسناد المتصل فهو من المحكوم بصحته، وأما ما حذف من مبتدأ اسناده واحد فاكثر (٢) فما كان منه بصيغة الجزم كقال، وفعل، وأمر ، وروى ، وذكر فلان كذا ، فهو حكم بصحته عن المضاف اليه ، وما ليس فيه جزم کيُروى ، ويُذكر، ويُحكى، ويُقال ورُوي، وذُ کر ، و حكي عن فلان كذا ، فليس فيه حكم بصحته عن المضاف اليه، وليس هو بواهٍ لادخاله في الكتاب الموسوم بالصحيح والله أعلم . (١) المختصرات : هي الكتب التي حذف منها المكرر مع حذف الأسانيد. (٢) وهذا ما يسمى بالحديث المعلق. وفي البخاري منه الشيء الكثير، وفي مسلم موضع واحد في التيمم حيث قال: (( وروى الليث ابن سعد)»، وموضعان في الحدود والبيوع ، وفيه أربعة عشر موضعاً رواه متصلاً ثم قال ورواه فلان وسيأتي بحث المعلق في مكان آخر من هذا الكتاب . - ٣٩ - الخامسة: الصحيح أقسام : أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم مسلم (١)، ثم ما على شرط البخاري ، ثم مسلم، ثم صحيح عند غيرهما ، وإذا قالوا صحيح متفق عليه أو على صحته فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ تقي الدين (٣) أن ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته والعلم القطعي حاصل فيه ، وخالفه المحققون والأكثرون ، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر (٣) والله أعلم. (١) وذلك لأن البخاري في صحيحه قد اشترط في الراوي المعاصرة والسماع، بينما اكتفى مسلم بالمعاصرة فقط وسيأتي ذلك . (٢) هو الإمام ابن الصلاح وهو مراد النووي لدى الاطلاق فاحفظه . (٣) يقسم علماء الحديث ، الحديث من حيث سنده إلى قسمين: متواتر وآحاد، فالمتواتر ما رواه جمع عن جمع عن جمع إلى رسول الله عَّ لام على وجه يستحيل معه تواطؤهم على الكذب ، وهذا النوع هو قطعي الثبوت عند العلماء كافة . والآحاد ما كان سنده متصلاً بالرسول على وجه الكمال إلا أنه لم يصل إلى درجة المتواتر المذكور وهذا هو الذي وقع فيه الاختلاف . ويضيف علماء الحنفية في أصولهم نوعاً ثالثاً وهو المشهور وهو ما رواه عن الرسول عليه الصلاة والسلام عدد من الصحابة لم يبلغ حدّ التواتر ، ثم يرويه عن الصحابة جمع من التابعين يتوافر فيه شرط التواتر ثم يرويه عنهم جمع مثلهم وهكذا ، ويجعلون هذا النوع مفيداً لظنٍ قريب من اليقين ، ويجعلونه في الاحتجاج كالمتواتر . - ٤٠ -