النص المفهرس

صفحات 1-20

المُنْهَل الطرق
تقْرب النواوي
تأليف
المل الفقيد الحزن محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدشيفي
ولدَسَنة ٦٣١ هـ وَتوفي سَنة ٦٧٦ هـ
رحمَهُ اللّه تعَالى
حقق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلق عليه
الدكتور مصطفى الحل
منشورات دار المَلاح للطباعة والنشر

المنهل الطرق
ـن
تقريب النواوي

.

بني
3
3*
مقدس معلق
الحمد لله الذي منَّ على الأمة الإسلامية بأن حفظ لها مصادر تشريعها من
العبث والدجل والتلاعب والزيادة والنقصان ، وهيأ لها من علمائها الأعلام من
أنفق زهرة عمره في سبيل الحفاظ على نقائها وإيضاحها وصيانتها .
والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: ((يحمل هذا العلم من كل خلق عدوله
ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)).
والقائل: ((نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلتَّغها عنى ، فرب حامل
فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) وعلى آله الطاهرين ،
وصحبه الهادين المهديين .
وبعد ففي مستهل افتتاح كلية الشريعة في جامعة دمشق عهد إليّ أن
أكون محاضراً في مادة أُصول الحديث، وكان لزاماً عليّ أن أضع منهاجاً
لتدريس هذه المادة وأن أضع مذكرة أقرب بها هذا العلم العظيم إلى طلاب هذه
الكلية العظيمة .
ولقد وفقني الله سبحانه لوضع ذلك المنهاج، وعندما هممت أن أصوغ
هذا المنهاج في بحوث مفصلة تتناسب مع روح العصر من التقريب والسهولة
واليسر وكثرة التمثيل والإيضاح، قام في وجهي عقباتٌ حالت بيني وبين كل
ما عزمت على تحقيقه ، فلم يتح لي أن أكتب إلا جملة صالحة من المباحث التي
- ٥ -

يُتعرض لها عادة في علوم الحديث على النحو الذي أردت والمنهج الذي قصدت.
إلا أن إ كمال تلك البحوث أصبح عالقاً في ذهني، يراودني بين حين وآخر،
ومكثت حقبة من الزمن أترقب فرصة سانحة علي أكمل فيها ما كنت قد
بدأت به .
لقد زارني الأخ الأستاذ محمد عصام الملاح صاحب مكتبة الملاح وأطلعني على
أنه عازم على طباعة كتاب ((التقريب)) للإمام النووي وهو يرغب أن أضع
عليه تعليقاً أوضح فيه بعض ما يستعجم فهمه وأبين كثيراً من أبوابه بذكر
بعض أمثلة تطبيقية، فترددت في بادىء الأمر لكثرة ما يعترضني من الشواغل،
إلا أنني في نهاية المطاف قد استجبت لرغبته، وقلت في نفسي لعل في هذا
الأمر ما يدفعني إلى إ كمال ما به بدأت، فاستعنت بالله سبحانه على هذا الأمر،
وشرعت ألتقط من بين زحمة الأعمال نُتَفاً من الزمن يسيرة، أحمل فيها نفسي
على الوفاء بما التزمت به للأخ الآنف الذكر ، ولقد أعانني الله على ذلك
بفضله وكرمه .
أما عملي في هذا التعليق فهو كما يلي :
١ - إصلاح بعض الأخطاء الواردة في النسخة المطبوعة، وذلك بالرجوع
إلى كتاب التدريب شرح التقريب للإمام السيوطي رحمه الله .
٢ - ذكر أمثلة لما أغفل المصنف التمثيل له، وإغفال المصنف للتمثيل
ليس عيباً فيه ، لأنه رحمه الله أراده مختصراً يتلقفه طلاب العلم للاستحفاظ على
الطريقة التي كانت شائعة في تأليف المختصرات والمتون .
٣ - وضع ترجمة للأعلام التي ذكرها المصنف، ولو كانت قصيرة، متضمنة
السنة التي توفي فيها ، ولقد أضربت عن الإفاضة في التراجم خشية الاطالة ،
بيد أنني أهملت التعريف بقسم ضئيل من الأعلام ، إما لأنه صحابي لم يشتهر
بأكثر من أنه صحابي، وإما لأنني لم أَحْظَ بما لدي من الكتب بترجمة له ، على
- ٦ -

أن الصنف قد يذكر اسماً أو كنية يشترك فيها المذكور مع غيره ممن يساويه
بالعلم والدرجة والشهرة، فيحتار الناظر أي الرجلين قضد، وقد يغفل صاحب
التدريب ما أراده المصنف ، فلا يجد الكاتبُ إلا أن يسلك سبيل الترديد .
وقد اخترت أن أجمع التراجم كلها في نهاية الكتاب مرتبة حسب الأحرف
الأبجدية ليسهل على القارىء الرجوع اليها نظراً لكثرتها وتعذر وضعها أسفل
الصفحة .
٤ - شرح بعض تعبيرات ومصطلحات وردت في كلام المصنف .
٥ - ضبط بعض الألفاظ بالشكل إن كان هناك إيهام أن تُلفظ
بشكل آخر .
٦ - ذكر بعض جوانب في الموضوع أهملها المصنف ولم يتحدث عنها .
هذا ولقد وضعت مقدمة لهذا التعليق بينت فيها أهمية هذا العلم والمراحل
التي مرّ بها وأبرز المصنفات في كل مرحلة .
وأرجو أن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله الكريم ، وأن ينفع به
طلاب هذا العلم الجليل إنه سميع قريب مجيب ، وهو حسبي ونعم الوكيل .
الدكتور مصطفى الخن
- ٧ -

تعريف بالكتاب
الكتاب هذا هو ((التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» للإمام
النووي رحمه الله تعالى ، ذكر مؤلفه في مقدمته أنه اختصره من كتاب له
أسماه ((الارشاد)). وذكر أن كتاب الارشاد مختصر أيضاً من كتاب ((علوم
الحديث )) للشيخ الإمام الحافظ المحقق المدقق تقى الدين أبي عمرو عثمان ابن
عبد الرحمن الشهر زوري ثم الدمشقي المعروف بابن الصلاح . رضي الله تعالى عنه .
ولقد ذكر في مقدمته أنه يبالغ فيه بالاختصار من غير إخلال بالمقصود
ويحرص على إيضاح العبارة .
ولقد جاء هذا الكتاب كما أراده المصنف مختصراً غاية الاختصار ، وكأنه
رحمه الله تعالى أراد أن يكون هذا المختصر كتاباًللحفظ يجمع أمهات هذا الفن،
حتى تكون من المتناول على طرف التام .
ومن هنا احتاج هذا الكتاب في عصرنا هذا إلى شيء من التعليق والتوضيح
والتمثيل مما لا غنى للطالب عنه .
طبع هذا الكتاب عدة مرات خَلواً من التعليق ، ولقد نفدت طبعاته ،
فكان هذا دليلاً على تقبل طلاب العلم له ، وإقبالهم عليه واستفادتهم منه .
شرح هذا الكتاب الإمام الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي جلال
الدين ، المتوفى سنة (٩١١) هـصاحب التصانيف المشهورة في كل فن. ولقد
أسمى شرحه ((تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)) ولقد أراد مؤلفه
-٩-

أن يكون كتابه شرحاً للتقريب من ناحية، وشرحاً لمختصر ابن الصلاح ولسائر
كتب هذا الفن من ناحية أخرى .
ولقد طبع هذا الشرح أيضاً، وهو متداول بين أيدي طلاب العلم نرجو الله
سبحانه أن ينفعنا بهؤلاء العلماء جميعاً وأن يحشرنا في زمرتهم . تحت لواء سيد
المرسلين محمد سعد الغِ.
- ١٠ -

التعريف بالمؤلف
مؤلف هذا الكتاب ((كتاب التقريب)) هو الإمام الحافظ شيخ الاسلام
محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين بن حيزام الحازمي،
النووي ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه .
مولده ونشأته
ولد النووي في توى - قرية من قرى حوران - وكانت ولادته في المحرم من
سنة ( ٦٣١) هـ من أبوين صالحين، ولما بلغ العاشرة من عمره بدأ في حفظ
القرآن الكريم وقراءة الفقه على بعض أهل العلم هناك، رآه الشيخ ياسين بن يوسف
المراكشي وهو ابن عشر سنين بنوى والصبيان يكرهونه على اللعب معهم ، وهو
يهرب منهم ويبكي لإكراههم ويقرأُ القرآن في تلك الحال، فذهب إلى والده
ونصحه أن يفرغه لطلب العلم فاستجاب له .
وقال الشيخ ياسين : هذا الصبي يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهد هم
وينتفع الناس به .
قدم الإمام النووي إلى دمشق سنة ( ٦٤٩) مـ لاستكمال تحصيله
العلمي ، وسكن المدرسة الرواحية - قرب الجامع الأموي شمالي جيرون-
وجّدَّ فى طلب العلم، وفي عام (٦٥١) هـ حج مع أبيه ثم رجع إلى دمشق .
- ١١ -

حياته العلمية
العلم
تميزت حياة الإمام النووي العلمية بعد وصوله إلى دمشق بثلاث أمور :
الأول: الجدّفي طلب العلم والتحصيل
وقد أخذ العلم منه كل مأخذ ، فكان يقرأ في كل يوم اثني عشر درساً على
المشايخ، وقد قرأ التنبيه للشيخ أبي إسحق إبراهيم بن علي المتوفى سنة ( ٤٧٦)هـ
وحفظ هذا الكتاب في أربعة أشهر ونصف ، ثم قرأ ربع العبادات من المهذَّب
للمؤلف المذكور في باقي السنة ، واستطاع في فترة وجيزة أن ينال إعجاب وحب
أستاذه أبي إبراهيم إسحق ابن أحمد المغربي فجعله معيد الدرس في حلقته .
الثاني: سعة علمه وثقافته
فقد جمع إلى جانب الجَدّ في الطلب غزارة العلم والثقافة المتنوعة، وقد
حدّث تلميذه علاء الدين بن العطار عن فترة تحصيله، فذكر أنه كان يقرأ كل يوم
اثني عشر درساً على المشايخ شرحاً وتصحيحاً: درسين في الوسيط [ للإمام
حجة الإسلام الغزالي المتوفى عام (٥٠٥) هـ] وثالثاً في المُهذّب ، ودرساً
في الجمع بين الصحيحين للحميدي، وخامساً في صحيح مسلم ، ودرساً في اللمع
لإبن جيني في النحو، ودرساً في اللغة في كتاب إصلاح المنطق لابن السيكيت،
ودرساً في الصرف ، ودرساً في أصول الفقه ، ثارة في اللمع لأبي إسحق
الشيرازي، وتارة في المُنتخب للفخر الرازي، ودرساً في أسماء الرجال،
ودرساً في أصول الدين .
وكان يكتب جميع ما يتعلق بهذه الدروس من شرحٍ مُشكلٍ وإيضاحِ
عبارة وضبط لغة. وكان لا يُضيع وقتاً من أوقاته إلا في الاشتغال بطلب العلم.
- ١٢ -

الثالث: غزارة إنتاجه
اعتنى بالتأليف والتصنيف ، وبدأه عام ( ٦٦٠) «وكان قد بلغ الثلاثين
من عمره ، وقد بارك الله له في وقته وأعانه ، فصب عصارة أفكاره في كتب
ومؤلفات عظيمة ومدهشة ، تلمس فيها سهولة العبارة، وسطوع الدليل، ووضوح
الأفكار ، والإنصاف في عرض آراء الفقهاء، وما زالت مؤلفاته حتى الآن
تحظى باهتمام العلماء شرقاً وغرباً، ولقد أنتج في هذه الحقبة القصيرة من المؤلفات
ما لم يستطع غيره أن ينتجه .
من مؤلفاته
تهذيب الأسماء واللغات
منهاج الطالبين
تصحيح التنبيه
شرح صحيح مسلم
حلية الأبرار ((الأذ كار))
خلاصة الأحكام من مهمات السنن وقواعد الإسلام
رياض الصالحين
بستان العارفين
الإيضاح ((في المناسك))
روضة الطالبين
التبيان في آداب حملة القرآن
المقاصد
رسالة في التوحيد
مختصر طبقات الشافعية لابن الصلاح
- ١٣ -

مناقب الشافعي
منار الهدى في الوقف والابتدا
الأربعون حديثا («الأربعون النووية))
الارشاد في مصطلح الحديث
التقريب في مصطلح الحديث أيضاً
ومن أهم كتبه رحمه الله تعالى كتاب ((شرح المهذَّب في الفقه المسمى بالمجموع)).
ولقد ذكر هذا الكتاب ابن كثير فقال :
ومما لم يُتْممه ولو كمثل لم يكن له نظير في بابه : شرح المهذب الذي سماه
المجموع، وصل فيه إلى كتاب الربا، فأبدع فيه وأجاد وأفاد وأحسن الانتقاد،
وحرر الفقه فيه على المذهب وغيره ، وحرر الحديث على ما ينبغي ، والغريب
واللغة وأشياء مهمة، لا توجد إلا فيه، وقد جعله نخبة على ما عنَّ له، ولا
أعرف في كتب الفقه أحسن منه .
أخلاقه وصفاته
أجمع أصحاب كتب التراجم أن الإمام النووي كان رأساً في الزهد وقدوة
في الورع، وعديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن
المفكر ، ويطيب لنا في هذه العجالة من الترجمة أن نتوقف قليلاً عند
هذه الصفات :
١- الزهد
تفرغ الإمام النووي من شهوة الطعام واللباس والزواج وغيرها، ووجد في
لذة العلم عوضاً عن كل لذة ، والذي يلفت النظر أنه انتقل من بيئة قروية إلى
دمشق حيث الخيرات والنعيم ، وكان في سن الشباب ، فلم يلتفت إلى ما فيها
من مباهج الحياة ، وأعرض عن جميع المتع والشهوات ، وبالغ في التقشف
وشظف العيش .
- ١٤ -

ب- الورع
في حياته رضي اللتعالىعنه أمثلة كثيرة تشير إلى ورع شدید عنده ، منها
أنه كان لا يأكل من فاكهة الشام ، ولما سئل عن سبب ذلك قال : [إنها كثيرة
الأوقاف والأملاك لمن تحت الحجر شرعاً، ولا يجوز التصرف في ذلك إلا على
وجه الغبطة والمصلحة ، والمعاملة فيها على وجه المساقاة ، وفيها اختلاف بين
العلماء ؛ ومن جوزها قال: ((بشرط الغبطة والمصلحة لليتيم والمحجور عليه))،
والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك ، فكيف
تطيب نفسي؟] واختار النزول في المدرسة الرواحية على غيرها من المدارس لأنها
كانت من بناء بعض التجار، وهو أبو القاسم هبة الله بن محمد الأنصاري
المعروف بابن رواحة ، لأنه ينسب إلى عبد الله بن رواحة من جهة أمه .
وكان لدار الحديث راتب كبير فما أخذ منه شيئاً منذ أن تولى مشيختها عام
(٦٦٥) هـ، بل كان يجمعها عند ناظر المدرسة، وكلما صار له حق سنة اشترى به
ملكاً ووقفه على دار الحديث ، أو اشترى كتباً فوقفها على خزانة المدرسة ،
ولم يأخذ من غيرها شيئاً ، وكان لا يقبل من أحد هدية ولا عطية ، إلا إذا كانت
به حاجة إلى شىء وجاءه ممن تحقق دينه، وكان لا يقبل إلا من والديه. وأقاربه،
فكانت أمه ترسل له القميص ونحوه ليلبسه ، وكان أبوه يرسل إليه مایأ كله ،
وكان ينام في غرفته التي سكن فيها يوم نزل دمشق في المدرسة الرواحية ، ولم
يكن يبتغي وراء ذلك شيئاً .
جـ- مناصحته للحكام
لقد توافرت في الإمام النووي صفات العالم الناصح الذييجاهد في سبيل الله
بلسانه ، ويقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو مخلص في
مناصحته ، وليس له أي غرض خاص أو مصلحة شخصية، لقد كان شجاعاً
لا يخشى في الله لومة لائم، وكان يملك الحجة القوية والبيان الواضح لتأييد دعواه.
- ١٥ -

،
وكان الناس يرجعون إليه في الملمات والخطوب ويستفتونه، فكان يتقبل
عليهم ويسعى في حلّ مشكلاتهم كما في قضية الحوطة على بساتين الشام :
لما ورد دمشق من مصر السلطان الملك الظاهر بيبرس بعد قتال التتار
وإجلائهم عن البلاد ، زعم وكيل بيت المال أن كثيراً من بساتين الشام من أملاك
الدولة، فأمر السلطان بالختوطة عليها : أي بحجزها، وتكليف واضعي اليد على
شيء منها إثبات ملكيتهم، وإبراز وثائقهم، فلجأ الناس إلى الشيخ في دار الحديث
فكتب إلى الملك كتاباً جاء فيه :
(( ... وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر،
لا يمكن التعبير عنها، وطُلب منهم إثبات لا يلزمهم، فهذه الحوطة لاتحلّ عند
أحد من علماء المسلمين ، بل من في يده شيء فهو ملكه لا يحلّ الاعتراض عليه،
ولا يكلف إثباته )).
فغضب السلطان من هذه الجرأة عليه ، وأمر بقطع رواتبه وعزله عن
مناصبه ، فقالوا له : إنه ليس للشيخ راتب وليس له منصب ، ولما رأى الشيخ
أن الكتاب لم يفده مشى بنفسه إليه وقابله وكلمه كلاماً شديداً ، وأراد السلطان
أن يبطش به ، فصرف الله تعالى قلبه عن ذلك وحمتى الشيخ، وأبطل السلطان
أمر الحوطة ، وخلَّص الله تعالى الناس من شرها .
وفاته
وفي سنة (٦٧٦) «رجع الشيخ إلى نوى بعد أن ردّ الكتب
المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه
الأحياء وودعهم، وبعد أن زار والده، زار بيت المقدس والخليل ، وعاد إلى
نوى فمرض بها وتوفي في ٢٤ رجب ، ولما بلغ نعيه دمشق ارتجت هي وماحولها
- ١٦ -

بالبكاء ، وتأسف عليه المسلمون أسفاً شديداً ، وتوجه القاضي عز الدين محمد ابن
الصائغ وجماعة من أصحابه إلى نوى للصلاة عليه في قبره ، ورثاه جماعة . وهكذا
انطوت صفحة من صفحات علم من أعلام المسلمين بعد جهاد في طلب العلم ، ولكن
آثاره ومؤلفاته لم تنطو ، فقد ترك للمسامين كنوزاً من العلم ، لا زال العالم
الإسلامي ينتفع بها ويذكر مؤلفها بخير ، ويدعو له ، ويرجو له من الله تعالى
أن تناله رحماتُه ورضوانه .
رحم الله تعالى الإمام النووي رحمة واسعة، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وحشرنا في
زمرتهم إنه جواد كريم رؤوف رحيم .
التقريب - ٢
- ١٧ -

لمّ عن على مصطلح الحديث وتطوّره
فائدة هذا العلم
لهذا العلم ((علم أصول الحديث)) المسمى ((مصطلح الحديث)) فوائد كثيرة
نجمل أهمها فيما يلي :
أولاً:
معرفة ما يُقبَل من الحديث وما يرد ، فالمقبول يؤخذ به ويعوّل
عليه في الاستدلال والاستنباط ، وتجتمع به كلمة الأمة، والمردود يطرح
وينبذ ويحارب ، ولا سيما في ميدان الاجتهاد ، أو في ميدان المقارنة بين
الاتجاهات الفقهية على الأقل .
ثانيا:
إيجاد الثقة في نفوس المسلمين واطمئنانهم إلى الأحاديث التي يثبت إسنادها
إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .
ثالثا:
إيجاد ملكة عند الدارس لهذا الفن يتمكن بها من تمحيص الأخبار الواردة
من حديث وتاريخ وغيرهما ، هذا ولقد قامت في هذه العصور دعوة إلى إيجاد
منهج يستعمل في تمحيص الأخبار والحوادث التاريخية ، ولقد استقيت مبادىء
هذا المنهج من هذا العلم علم مصطلح الحديث .
رابعًا :
الإكبار لهذا الجمع الغفير من علماء المسلمين الذين سعوا لايجاد هذه القواعد
الضابطة، مما لا يوجد نظيره في أية أمة سالفة، فحفظوا بذلك سنة النبي ◌َّله
وحافظوا على مصدر هام من مصادر التشريع .
- ١٨ -

نشوء علم مصطلح الحديث وتطوٌّ
آ- المراحل التي مَّبَهَا الحَديث
الحديث: هوكل ما أضيف إلى الرسول ◌َله من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
فمثال القول مارواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)).
ومثال الفعل ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها :
((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالضحى أربعاً ويزيد ماشاء الله)).
ومثال التقرير ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها :
((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته
فيختم بقل هو الله أحد ، فلما رجعوا ذكروا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :
سلوه لأي شيء يصنع ذلك ؟ فسألوه فقال : لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن
أقرأ بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبروه أن الله يحبه)).
ومثال الصفة قول علي رضي الله تعالى عنه في وصف رسول الله مز الى:
((كان أوسع الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم
عشْرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه)).
ولقد مرّ الحديث في طريقه الينا بمراحل عدة نستطيع حصر ها في أربع
مراحل :
المرحلة الأولى :
مرحلة الحفظ في الصدور: وذلك في عهد النبي عَّالله، وعهد الخلفاء
الراشدين ، وصدر خلافة بني أمية ، وهذا يرجع إلى عدة أسباب :
- ١٩ -

السبب الأول : أن الأمة العربية التي وجد فيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم وكان واحداً منها كانت أُمة أُميّة لا تحسن القراءة ولا الكتابة، إلا النزر
اليسير منهم، ولقد قال الله سبحانه في هذا الشأن: ((هو الذي بعث في الأميين
رسولاً منهم)) وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (إنّا أُمّة أُميّة لا نحسب»
ولكنها إلى جانب ذلك كانت مضرب الأمثال في الذكاء وصفاء الطبع
وقوة الذاكرة وسرعة الحفظ ، وإنك لتجد أمثلة لذلك في حفظهم لأنسابهم
ودواوين شعرهم، وتواريخ وقائعهم وأيامهم، مع الإحاطة والدقة .
السبب الثاني : عدم توفر وسائل للكتابة عند من يستطيع الكتابة، لأن
الحضارة آنذاك لم تكن قد مدت رواقها مداً صحيحاً في قلب الجزيرة العربية
فقد كانوا يكتبون على الحجارة والعظام وسُمُف النخل وجلود الماشية ،
وقليلاً ما تتوافر لديهم .
السبب الثالث : انشغالهم بكتابة القرآن الكريم وانصرافهم اليه دون
ما عداه .
السبب الرابع : نهيُ الرسول صلى الله عليه وسلم عن كتابة شيء غير
القرآن مخافة أن يلتبس بالقرآن الكريم ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيما رواه مسلم في صحيحه: ((لا تكتبوا عني ، ومن كتب عني غير القرآن
فليمحُه)) اللهم إلا ما أذن به رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله ابن
عمرو بن العاص، فقد قال عبد الله: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله
مَ اتله، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى
الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ !فأمسكت عن الكتابة فذكرت
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال : اكتب ،
فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا حق)) رواه أبو داود ، والا ما أذن به
أيضاً لأبي رافع وأبي شاه ونزر يسير من الصحابة .
- ٢٠ -