النص المفهرس
صفحات 21-40
وكذلك قراءة سورة بتدبر ومعرفة وتفهم، وجمع القلب عليها، أحب إلى الله تعالى من قراءة ختمة سرداً وهذًّا، وإن كثر ثواب هذه القراءة. وكذلك صلاة ركعتين يقبل العبد فيهما على الله تعالى بقلبه وجوارحه، ويفرغ قلبه كله لله فيهما، أحب إلى الله تعالى من مئتي ركعة خالية من ذلك، وإن كثر ثوابها عدداً. ومن هذا: ((سبق درهم مئة ألف درهم)) (١). ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم: إن اقتصاداً في سبيلٍ وسَّةٍ خير من اجتهاد في خلاف سبيلٍ وسنّة (٢) . فالعمل اليسير الموافق لمرضاة الرب وسنة رسوله وَله، أحب إلى الله تعالى من العمل الكثير إذا خلا عن ذلك أو عن بعضه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَ حْسَنُ عَمَلًا﴾ . وقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال: وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فهو سبحانه وتعالى إنما خلق السموات والأرض، والموت والحياة، وزيَّن الأرض بما عليها ليبلو عباده أيهم أحسن عملاً، لا أكثر عملاً. والأحسن: هو الأخلص والأصوب، وهو الموافق لمرضاته (١) رواه النسائي. (٢) قال ذلك: عبدالله بن مسعود، وأبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء رضي الله عنهم كما في السنة لابن نصر المروزي (ح٨٨، ٨٩، ١٠٠) وفي الاستقامة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥٥/١، ٢٥٩). ٢١ ومحبته، دون الأكثر الخالي من ذلك. فهو سبحانه وتعالى يحب أن يتعبد له بالأرضى له، وإن كان قليلاً، دون الأكثر الذي لا يرضيه والأكثر الذي غيره أرضى له منه. ولهذا يكون العملان في الصورة واحداً، وبينهما في الفضل - بل بين قليل أحدهما وكثير الآخر في الفضل - أعظم مما بين السماء والأرض. وهذا الفضل يكون بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، وقبوله له، ومحبته له، وفرحه به سبحانه وتعالى، كما يفرح بتوبة التائب أعظم فرح. ولا ريب أن تلك التوبة الصادقة أفضل وأحب إلى الله تعالى من أعمال كثيرة من التطوعات، وإن زادت في الكثرة على التوبة. ولهذا كان القبول يختلف ويتفاوت بحسب رضا الرب سبحانه بالعمل، فقبولٌ: يوجب رضا الله سبحانه وتعالى بالعمل، ومباهاة الملائكة به، وتقريب عبده منه. وقبولٌ: يترتب عليه كثرة الثواب والعطاء فقط . كمن تصدق بألف دينار من جملة ماله - مثلاً - بحيث لم يكترث بها، والألف لم تنقصه نقصاً يتأثر به، بل هي في بيته بمنزلة حصى لقيه في داره أخرج منه هذا المقدار. إما ليتخلص من همه وحفظه، وإما ليجازى عليه بمثله أو غير ذلك. وآخر عنده رغيف واحد هو قوته، لا يملك غيره، فآثر به على نفسه من هو أحوج إليه منه، محبة لله وتقرباً إليه وتودداً، ورغبة في مرضاته، وإيثاراً على نفسه. فيا لله كم بعد ما بين الصدقتين في الفضل، ومحبة الله وقبوله ورضاہ؟ وقد قبل سبحانه هذه وهذه. لكن قبول الرضا والمحبة والاعتداد ٢٢ والمباهاة شيء، وقبول الثواب والجزاء شيء. وأنت تجد هذا في الشاهد في مَلكِ تهدى إليه هدية صغيرة المقدار، لكنه يحبها ويرضاها، فيظهرها لخواصه وحواشيه، ويثني على مهديها (١) كهدية كثيرة العدد والقدر جدًّا، لا تقع عنده موقعاً، ولكن لكرمه وجوده لا يضيع ثواب مهديها، بل يعطيه عليها أضعافها وأضعاف أضعافها. فليس قبوله لهذه الهدية مثل قبوله للأولى. ولهذا قال ابن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: لو أعلم أن الله يتقبل مني سجدة واحدة لم يكن غائب أحب إليَّ من الموت. إنما يريد به القبول الخاص، وإلا فقبول العطاء والجزاء حاصل لأكثر الأعمال. والقبول ثلاثة أنواع: قبول رضاً ومحبة، واعتداد ومباهاة، وثناء على العامل به بين الملإ الأعلى. وقبول جزاء وثواب، وإن لم يقع موقع الأول. وقبول إسقاط للعقاب فقط، وإن لم يترتب عليه ثواب وجزاء، كقبول صلاة من لم يحضر قلبه في شيء منها، فإنه ليس له من صلاته إلا ما عقل منها. فإنها تسقط الفرض، ولا يثاب عليها. وكذلك صلاة الآبق. وصلاة من أتى عرافاً فصدقه. فإن النص قد دلَّ أن صلاة هؤلاء لا تقبل، ومع هذا فلا يؤمرون بالإعادة؛ لأن عدم قبول صلاتهم إنما هو في حصول الثواب، لا في سقوطها من ذمتهم. والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، (١) في الأصل بياض، وفي الحاشية (هل هو) وفوقها ((ظ)) أي: الظاهر. (معلمي). ٢٣ والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا الله تعالى. وتتفاضل أيضاً بتجريد المتابعة. فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان به في المتابعة. فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلاً لا يحصيه إلا الله تعالى. وينضاف هذا إلى كون أحد العملين أحب إلى الله في نفسه. مثاله : الجهاد وبذل النفس لله تعالى، هو من أحب الأعمال إلى الله تعالى، ويقترن به تجريد الإخلاص والمتابعة. وكذلك الصلاة والعلم، وقراءة القرآن، فإذا فَضُل العمل في نفسه، وفَضُل قصد صاحبه وإخلاصه، وتجردت متابعته: لم يمتنع أن يكون العمل الواحد أفضل من سبعين، بل وسبعمائة من نوعه. فتأمل هذا، فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة، ويطلعك على سر العمل والفضل، وأن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، يضع فضله مواضعه، وهو أعلم بالشاکرین. ولا تلتفت إلى ما يقول من غَلُظَ حجاب قلبه من المتكلمين والمتكلفين: إنه يجوز أن يكون العملان متساويين من جميع الوجوه، لا تفاضل بينهما، ويثيب الله على أحدهما أضعاف أضعاف ما يثيب على الآخر، بل يجوز أن يثيب على أحدهما دون الآخر، بل يجوز أن يثيب على هذا ويعاقب على هذا، مع فرض الاستواء بينهما من كل و جه . ٢٤ وهذا قول من ليس له فقه في أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا فقه في شرعه وأمره، ولا فقه في أعمال القلوب وحقائق الإيمان بالله، وبالله التوفيق. إذا عرفت ذلك: فلا يمتنع أن تكون الصلاة التي أوقعها فاعلها على وجه الكمال - حتى أتى بسواكها، الذي هو مطهرة لمجاري آي القرآن وذكر الله، ومرضاة للرب، واتباع للسنة - والحرص على حفظ هذه الحرمة الواحدة، التي أكثر النفوس تهملها ولا تلتفت إليها، حتى كأنها غير مشروعة ولا محبوبة الله(١)، فحافظ عليها هذا المصلي وأتى بها تودداً وتحبباً إلى الله تعالى، واتباعاً لسنة رسول الله وَليه، فلا يبعد أن تكون صلاة هذا أحب إلى الله من سبعين صلاة تجردت عن ذلك، والله أعلم. ومن هذا(٢) يعرف جواب المسألة الثانية وهي: تفضيل ((سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))(٣) على مجرد الذكر بسبحان الله أضعافاً مضاعفة، فإن ما يقوم بقلب الذاكر حين يقول: ((سبحان الله وبحمده عدد خلقه)) من معرفته وتنزيهه وتعظيمه لله بهذا القدر المذكور من العدد: أعظم مما يقوم بقلب القائل: ((سبحان الله)) فقط. وهذا يسمَّى: الذكر المضاعف، وهو أعظم ثناء من الذكر المفرد. (١) في الأصل ((لكن)) كذا! (معلمي). (٢) كلمة ((هذا)) ملتبسة في الأصل قد تقرأ ((هنا)) أو ((هاهنا)). (معلمي). (٣) رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ٢٥ فلهذا كان أفضل منه، وهذا إنما يظهر في معرفة هذا الذكر وفهمه. فإن قول المسبح: ((سبحان الله وبحمده عدد خلقه)) تضمن إنشاء وإخباراً، تضمن إخباراً عما يستحقه الرب من التسبيح عدد كل مخلوق کان أو هو كائن، إلى ما لا نهاية له. فتضمن الإخبار عن تنزيهه الرب وتعظيمه والثناء عليه هذا العدد العظيم، الذي لا يبلغه العادون، ولا يحصيه المحصون. وتضمن إنشاء العبد لتسبيح هذا شأنه، لا أن ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده، بل أخبر أن ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى من التسبيح: هو تسبيح يبلغ هذا العدد الذي لو كان في العدد ما يزيد عليه لذكره، فإن تجدد المخلوقات لا ينتهي عدداً، ولا يحصى الحاضر. وكذلك قوله: ((ورضا نفسه)) وهو يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما أن يكون المراد تسبيحاً هو في العظمة والجلال مساو لرضا نفسه، كما أنه في الأول مخبر عن تسبيح مساو لعدد خلقه. ولا ريب أن رضا نفس الرب أمر لا نهاية له في العظمة والوصف. والتسبيح ثناء عليه سبحانه يتضمن التعظيم والتنزيه. فإذا كانت أوصاف كماله ونعوت جلاله لا نهاية لها ولا غاية، بل هي أعظم من ذلك وأجل، كان الثناء عليه بها كذلك، إذ هو تابع لها إخباراً وإنشاء. وهذا المعنى ينتظم المعنى الأول من غير عكس. وإذا كان إحسانه سبحانه وثوابه وبركته وخيره لا منتهى له، وهو من موجبات رضاه وثمرته فكيف بصفة الرضا؟ وفي الأثر: ((إذا باركت لم يكن لبركتي منتهى)). فكيف بالصفة ٢٦ التي صدرت عنها البركة؟ والرضا يستلزم المحبة، والإحسان، والجود، والبر، والعفو، والصفح، والمغفرة، والرحمة. والخلق: يستلزم العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والحكمة. وكل ذلك داخل في رضا نفسه، وصفة خلقه. وقوله: ((وزنة عرشه)) فيه إثبات العرش، وإضافته إلى الرب سبحانه وتعالى، وأنه أثقل المخلوقات على الإطلاق، إذ لو كان شيء أثقل منه لوزن به التسبيح. وهذا يرد على من يقول: إن العرش ليس بثقيل ولا خفيف. وهذا لم يعرف العرش، ولا قدره حق قدره. فالتضعيف الأول: للعدد والكمية، والثاني: للصفة والكيفية، والثالث: للعظم والثقل، وكبر المقدار. وقوله: ((ومداد كلماته)) هذا يعم الأقسام الثلاثة ويشملها. فإن مداد كلماته سبحانه وتعالى لا نهاية لقدره، ولا لصفته، ولا لعدده. قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَنْفَدَ كَلِمَتُ رَقِّ وَلَوْ حِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًّا﴾ . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . ومعنى هذا: أنه لو فرض البحر مداداً، وبعده سبعة أبحر تمده كلها مداداً، وجميع أشجار الأرض أقلاماً - وهو ما قام منها على ساق من النبات، والأشجار المثمرة وغير المثمرة - والأقلام تستمد بذلك ٢٧ المداد فتفنى البحار والأقلام، وكلمات الرب لا تفنى ولا تنفد. فسبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته . فأين هذا من وصف من يصفه بأنه ما تكلم ولا يتكلم، ولا يقوم به كلام أصلاً؟ وقول من وصف كلامه بأنه معنى واحد، لا يتقضى ولا يتجزأ، ولا له بعض ولا كل، ولا هو سور وآيات، ولا حروف و كلمات؟ والمقصود أن في هذا التسبيح من صفات الكمال ونعوت الجلال ما يوجب أن يكون أفضل من غيره، وأنه لو وزن غيره(١) لوزن به وزاد عليه . وهذا بعض ما في هذه الكلمات من المعرفة بالله، والثناء عليه بالتنزيه والتعظيم، مع اقترانه بالحمد المتضمن لثلاثة أصول: أحدها: إثبات صفات الكمال له سبحانه. الثاني: الثناء عليه . الثالث: محبته والرضا به (٢) . فإذا انضاف هذا الحمد إلى التسبيح والتنزيه على أكمل الوجوه، وأعظمها قدراً، وأكثرها عدداً، وأجزلها وصفاً، واستحضر العبد ذلك عند التسبيح، وقام بقلبه معناه: كان له من المزية والفضل ما ليس لغيره، وبالله التوفيق. (١) لعله ((بغيره)). (معلمي). (٢) في الأصل ((والثناء عليه والثاني محبته والرضا به)) فلعل الصواب ما أثبته. (معلمي). ٢٨ فصل وأما المسألة الثالثة: وهي ((كون صيام ثلاثة أيام من كل شهر تعدل صيام الشهر)) فقد ذكر في هذا الحديث سببه، وهو أن الحسنة بعشر أمثالها (١). فهو يعدل صيام الشهر غير مضاعف، لثواب الحسنة بعشر أمثالها. فإذا صام ثلاثة أيام من كل شهر، وحافظ على ذلك، فكأنه صام الدهر کله. ونظير هذا: قوله ويقال في الحديث الصحيح: ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر)) (٢) فإن الحسنة بعشر أمثالها. وفي كونها ((من شوال)) سر لطيف، وهو: أنها تجري مجرى الجبران لرمضان، وتقضي ما وقع فيه من التقصير في الصوم، فتجري مجرى سنة الصلاة بعدها، ومجرى سجدتي السهو، ولهذا قال: ((وأتبعه)) أي ألحقه بها . وقد استدل بهذا من يستحب - أو يجوز - صيام الدهر كله، ماعدا العيدين، وأيام التشريق. ولا حجة له، بل هو حجة عليه، فإنه لا يلزم من تشبيه العمل بالعمل(٣) كونه مشروعاً. ولهذا جعل صيام ثلاثة أيام من الشهر، وصيام رمضان، وإتباعه بست من شوال: يعدل صيام ثلاثمائة وستين يوماً. وذلك حرام غير جائز بالاتفاق. فإنه وقع التشبيه في الثواب، لا على تقدير كونه (١) متفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. (٢) رواه مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه. (٣) وقع في الأصل عقب قوله ((بالعمل)) (إمكان وقوع المشبه به، فضلاً عن) وينبغي حذفه ليستقيم قوله بعد ثلاثة أسطر: ((بل ولا ممكناً)). (معلمي). ٢٩ مشروعاً، بل ولا ممكناً، كما في الحديث الصحيح وقد سئل عن الجهاد، فقال للسائل: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر، وتقوم فلا تفتر؟ قال: لا. قال: ذلك مثل المجاهد))(١). والمقصود: أنه لا يلزم من تشبيه الشيء مساواته له. ومثل هذا قوله وَلجر: ((من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله))(٢) . وهذا يدل على ما تقدم من تفضيل العمل الواحد على أمثاله وأضعافه من جنسه، فإن من صلى العشاء والفجر في جماعة ولم يصل بالليل، تعدل صلاته تلك صلاة من قام الليل كله. فإن كان هذا الذي قام الليل قد صلى تلك الصلاتين في جماعة: أحرز الفضل المحقق والمقدر. وإن صلى الصلاتين وحده، وقام الليل: كان كمن صلاهما في جماعة ونام بمنزله، إن صحت صلاة المنفرد. وهذا كما تقدم من أن تفاضل الأعمال ليس بكثرتها وعددها، وإنما هو بإكمالها وإتمامها وموافقتها لرضا الرب وشرعه. فصل وأما المسألة الرابعة: وهي قوله في الحديث: ((من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، (١) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) رواه مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه. ٣٠ كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)). فهذا الحديث معلول، أعله أئمة الحديث. قال الترمذي في ((جامعه)): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا أزهر بن سنان، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فلقيني أخي سالم بن عبدالله بن عمر، فحدثني عن أبيه، عن جده، أن رسول الله وَير قال: ((من دخل السوق فقال ... )) الحديث(١). قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد رواه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، عن سالم بن عبدالله، فذكر الحديث. حدثنا بذلك أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، والمعتمر بن سليمان. قالا: حدثنا عمرو بن دينار - وهو قهرمان آل الزبير - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عن رسول الله مَ لآل قال: ((من قال في السوق ... )) وذكر الحديث، وفيه: ((وبنى له بيتاً في الجنة)). وقد رُوي من طريق عبدالله بن دينار، عن ابن عمر. لكنه معلول أيضاً. قال عبدالرحمن بن أبي حاتم، في كتاب ((العلل)): سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ◌ُّ قال: ((من قال في السوق ... )) الحديث، [فقال أبي](٢): هذا حديث منكر. قال ابن أبي حاتم: وهذا الحديث خطأ، إنما أراد عمران بن (١) ورواه الدارمي في سننه. (٢) هكذا في العلل (٢/ ١٨١) ووقع في الأصل ((فقالا لي)). (معلمي). ٣١ مسلم، عن عمرو بن دينار - قهرمان آل الزبير - عن سالم، عن أبيه. فغلط وجعل بدل عمرو: عبدالله بن دينار، وأسقط سالماً من الإسناد. حدثنا بذلك محمد بن عمار، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن بكير بن شهاب الدامغاني، عن عمران بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ◌َّر. فذكر الحديث(١). ورواه ابن ماجه في ((سننه)) عن بشر بن معاذ الضرير، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار - قهرمان آل الزبير - فذكر الحديث، وعمرو بن دينار كنيته أبو يحيى الأعور البصري. قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال النسائي والدارمي(٢): ضعيف. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال علي بن الجنيد: هو شبه المتروك. وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب كان ينفرد بالموضوعات عن الثقات. وقال الدارقطني: ضعيف(٣). فصل (٤) وسألت: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط، من غير أن ينظر في سنده؟ (١) العلل (١٨١/٢) س: ٢٠٣٨، وفي العلل أيضاً (٢/ ١٧١) س: ٢٠٠٦ قال أبو حاتم: هذا حديث منكر جدًّا. وفي العلل الكبير للترمذي ح (٦٧٤، ٦٧٥) قال البخاري: هذا حديث منكر، وكذا أعله الدار قطني في علله (٤٨/٢ - ٥٠) س١٠١، وقال في عمر هذا: ضعيف قليل الضبط. (٢) لم يُذكر الدارمي في التهذيب ولا الميزان، فلعل الكلمة محرَّفة. (معلمي). (٣) وكذلك ضعَّفه أئمة آخرون كما في التهذيب (٣٠/٨). (٤) من هنا يبتدىء ما نقله: علي قارىء في آخر موضوعاته عن المؤلف، وسأحيل عليه فيما يأتي باسم ((النقل)). (معلمي). ٣٢ فهذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك من تضلَّع في معرفة السنن الصحيحة، وخلطت بدمه ولحمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله وَاله وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويُخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه [كان] مخالطاً للرسول وَلي كواحد من أصحابه. ومثل هذا: يعرف من أحوال الرسول مَلي وهديه وكلامه، وما يجوز أن يخبر به، وما لا يجوز ما لا يعرفه غيره. وهذا شأن كل متبع مع متبوعه، فللأخص به، الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها، والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح: ما ليس لمن لا يكون كذلك وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم، يعرفون أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم، والله أعلم. ومن ذلك: ما روى جعفر بن جسر، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس - يرفعه -: ((من قال: سبحان الله وبحمده، غرس الله له ألف ألف نخلة في الجنة، أصلها ذهب ... )). وجعفر هذا: هو جعفر بن جسر بن فرقد، أبو سليمان القصاب البصري. قال ابن عدي: أحاديثه مناكير. وقال الأزدي: يتكلمون فيه. وأما أبوه فقال يحيى بن معين: لا شيء، ولا يُكتب حديثه. وقال النسائي والدارقطني: ضعيف. وقال ابن حبان: خرج من حد العدالة. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. ومن ذلك: ما رواه ابن منده وغيره من حديث أحمد بن عبدالله ٣٣ الجويباري الكذاب، عن شقيق، عن إبراهيم بن أدهم، عن موسى بن يزيد(١)، عن أويس القرني، عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ◌َّ قال: ((من دعا بهذه الأسماء: اللهم أنت حي لا تموت، وغالب لا تغلب، وبصير لا ترتاب، وسميع لا تشك، وصادق لا تكذب، وصمد لا تطعم، وعالم لا تُعلَّم - إلى أن قال -: فوالذي بعثني بالحق، لو دُعِيَ بهذه الدعوات على صفائح الحديد لذابت، وعلى ماء جار لسكن، ومن دعا عند منامه بها بعث بكل حرف منها سبعمائة ألف ملك یسبحون له ویستغفرون له)). وتابعه كذاب آخر، وهو الحسين بن داود البلخي، عن شقيق. وروى جملة منه كذاب آخر: سليمان بن عيسى، عن الثوري عن إبراهيم بن أدهم. وهذا وأمثاله: مما لا يرتاب من له أدنى معرفة بالرسول وَله وكلامه: أنه موضوع مختلق وإفك مفترى عليه(٢). ومن ذلك: ما رواه عباس بن الضحاك البلخي - كذاب أشر - عن عمر بن الضحاك(٣) - مجهول لا يُعرف - عن أبي معاوية، عن الأعمش، (١) في الأصل ((يزيد)) وأضفت ((موسى بن)) من اللآلىء المصنوعة (١٨٧/٢، ١٨٨، ١٨٩)، وراجع ترجمة موسى بن زيد في لسان الميزان (١١٧/٦). (معلمي). (٢) الموضوعات - لابن الجوزي (١٧٥/٣)، واللآلى المصنوعة - للسيوطي (٣٥٠/٢ - ٣٥٣). (٣) كذا في الأصل وفيما نقل القارىء، والظاهر أنه كذا وقع للمؤلف بدليل قوله عقب هذا: ((مجهول لا يعرف)» وأنا أيضاً لم أجده، والذي في الميزان ولسانه في ترجمة عباس بن الضحاك البلخي الراوي عن هذا، أنه روى هذا الخبر عن عبدالله بن عمر بن الرماح، وعبدالله بن عمر بن الرماح معروف موثق روى عنه ابن حبان، وذكره في الثقات وقال : = ٣٤ ...... عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي وَّ: ((من كتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يعوِّر الهاءَ التي في الله تعالى كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)). ومن ذلك: ما رواه أبو العلاء، عن نافع، عن ابن عمر - يرفعه -: ((من كفن ميتاً فإن له بكل شعرة تصيب كفنه عشر حسنات)). وأبو العلاء هذا: يروي عن نافع ما ليس من حديثه، ولا يجوز الاحتجاج به. وهذا الحديث قد رواه الحسن بن سفيان، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا الصلت بن الحجاج، حدثنا أبو العلاء. قال الدراقطني: يقال: إن أبا العلاء هو: الخفاف الكوفي، واسمه خالد بن طهمان. انتهى. وقال يحيى بن معين: هو ضعيف، خلط قبل موته بعشر سنين، وكان قبل ذلك ثقة، وكان في تخليطه كل ما جاءوا به يقرؤه. انتهى. ومن ذلك: حديث يرويه محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر، عن النبي بَّ: ((من صام صبيحة يوم الفطر، فكأنما صام الدهر)). وهذا حديث باطل موضوع على رسول الله وَله . وابن البيلماني يروي المناكير. قال البخاري وأبو حاتم الرازي والنسائي: هو منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني والحميدي: ضعيف. وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيهاً بمئتي حديث كلها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به، ((مستقيم الحديث))، وبرَّأه من رواية هذا الخبر كما في ترجمة عباس بن الضحاك من اللسان. (معلمي). = ٣٥ ولا ذكره إلا على وجب التعجب. ومن ذلك حديث: ((من صام يوم عاشوراء، كتب الله له عبادة ستين سنة)). وهذا باطل، يرويه حبيب بن أبي حبيب، عن إبراهيم الصائغ، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس. وحبيب هذا غير حبيب، كان يضع الأحاديث. ومن ذلك: حديث يرويه زكريا بن دويد الكندي الكذاب الأشر، عن حميد الطويل، عن أنس، عن النبي ◌َّ: ((من داوم على صلاة الضحى، ولم يقطعها من علة، كنت أنا وهو في الجنة في زورق من نور، في بحر من نور، حتى نزور رب العالمين)). ومن ذلك: حديث يرويه عمر بن راشد(١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقوله: (من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة)) . وعُمر - هذا - قال فيه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والدار قطني: ضعيف. وقال أحمد أيضاً: لا يساوي حديثه شيئاً. وقال البخاري: منكر الحديث وضعَّفه جدًّا. (١) الذي في السند كما في جامع الترمذي - باب فضل التطوع وست ركعات -: ((عمر بن أبي خثعم))، وفي التهذيب وغيره أن اسم أبيه عبدالله (عمر بن عبدالله بن أبي خثعم) لكن يظهر أن المؤلف جرى على قول ابن حبان أن ابن أبي خثعم هو: ابن راشد، وخطَّأه الدار قطني وغيره، وكلمات الجرح الآتية موزعة على الرجلين - فكلام أحمد ويحيى والدارقطني كله في: ابن راشد، وهو عمر بن راشد بن شجرة - يأتي ذكره في حديث ((حسان الوجوه))، وكلام البخاري هو في: ابن أبي خثعم، نقله الترمذي عقب هذا الحديث، فأما كلام ابن حبان فإنه رآهما واحداً كما مرَّ. (معلمي). ٣٦ وقال ابن حبان: لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه، فإنه يضع الحديث على مالك وابن أبي ذئب وغيرهما من الثقات. ومن ذلك حديث: ((من صلى يوم الأحد أربع ركعات بتسليمة واحدة، يقرأ في كل ركعة (الحمد) و(آمن الرسول) إلى آخرها، كتب الله له ألف حجة، وألف عمرة، وألف غزوة، وبكل ركعة ألف صلاة، وجعل بينه وبين النار ألف خندق .. )). فقبَّح الله واضعه، ما أجرأه على الله ورسوله. ومن ذلك حديث: ((من صلى ليلة الأحد أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و(قل هو الله أحد) خمس عشرة مرة، أعطاه الله يوم القيامة ثواب من قرأ القرآن عشر مرات وعمل بما في القرآن، ويخرج يوم القيامة من قبره ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ويعطيه الله بكل ركعة ألف مدينة من لؤلؤ، في كل مدينة ألف قصر من زبرجد، في كل قصر ألف دار من الياقوت، في كل دار ألف بيت من المسك، في كل بيت ألف سرير ... )) واستمر هذا الكذَّاب الأشر على الألف! ومن ذلك حديث: ((من صلى ليلة الاثنين ست ركعات، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وعشرين مرة (قل هو الله أحد)، ويستغفر الله بعد ذلك عشر مرات: أعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف صديق، وألف عابد، وألف زاهد ... )) فقبح الله واضعه ومختلقه على رسول الله وَلجر، وهو من عمل الجويباري الخبيث. ومن ذلك حديث: ((من صلى يوم الاثنين أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وآية الكرسي مرة، وقل هو الله أحد مرة، وقل أعوذ برب الفلق مرة، كفرت ذنوبه كلها، وأعطاه الله قصراً في ٣٧ الجنة من درة بيضاء، في جوف القصر سبعة أبيات، طول كل بيت ثلاثة آلاف ذراع، وعرضه مثل ذلك ... )). واستمر هذا الكذاب الخبيث على حديث طويل، فيه من هذه المجازفات! وهو من عمل الحسين بن إبراهيم، كذاب دجال يروي عن محمد بن طاهر، ووضع من هذا الضرب أحاديث صلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، وصلاة يوم الاثنين، وليلة الاثنين، ويوم الثلاثاء، وليلة الثلاثاء. وهكذا في سائر أيام الأسبوع ولياليه. وهذا باب واسع جدًّا، وإنما ذكرنا منه جزءاً يسيراً لتعرف به أن هذه الأحاديث وأمثالها، مما فيه هذه المجازفات القبيحة الباردة، كلها كذب على رسول الله وَ له، فقد اعتنى بها كثير من الجهال بالحديث من المنتسبين إلى الزهد والفقر، وكثير من المنتسبين إلى الفقه! والأحاديث الموضوعة عليها ظلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلاقها على رسول الله ◌َّلة، مثل حديث: ((من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أُعطي ثواب سبعين نبيًّا)). وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي بَّ، لو صلى عمر نوح عليه السلام لم يعط ثواب نبي واحد. وكقوله: ((من اغتسل يوم الجمعة بنية وحسبة، كتب الله له بكل شعرة نوراً يوم القيامة، ورفع له بكل قطرة درجة في الجنة من الدر والياقوت والزبرجد، بين كل درجتين مسيرة مائة عام ... )). ومرَّ في حديث طويل، قبَّح الله واضعه، فهو من عمل عمر بن صُبح الكذاب الخبيث. ٣٨ فصل ونحن ننبه على أمور كلية، يُعرف بها كون الحديث موضوعاً: فمنها : ١ - اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله وَ الر، وهي كثيرة جدًّا. كقوله في الحديث المكذوب: ((من قال لا إله إلا الله: خلق الله من تلك الكلمة طائراً له سبعون ألف لسان، كل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون له. ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء)). وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقاً قصد التنقيص بالرسول وَله. فصل ومنها : ٢ - تكذيب الحس له، كحديث: ((الباذنجان لما أكل له)) و(الباذنجان شفاء من كل داء)). قبح الله واضعهما. فإن هذا لو قاله [بعض](١) جهلة الأطباء لسخر الناس منه، ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شدة، ولو أكله فقير ليستغني، لم يفده الغنى، وجاهل ليتعلم لم يفده العلم. وكذلك حديث: (إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صدق)) وهذا - وإن صحّح بعض الناس سنده - فالحس يشهد بوضعه، لأنا نشاهد (١) كذا في النقل، ووقع في الأصل ((يوحش)). (معلمي). ٣٩ العطاس والكذب يعمل عمله! ولو عطس مئة ألف رجل عند حديث يُروى عن النبي ◌َّهور، لم يُحكم بصحته بالعطاس، ولو عطسوا عند شهادة زور لم تصدق. وكذلك حديث: ((عليكم بالعدس، فإنه مبارك يُرِقُّ القلب، قدس فیه سبعون نبيًّا)). وقد سئل عبدالله بن المبارك عن هذا الحديث؟ وقيل له: إنه يروى عنك! فقال: وعني أيضاً(١)؟! أرفع شيء في العدس أنه شهوة اليهود، ولو قدس فيه نبي واحد لكان شفاء من الأدواء، فكيف بسبعين نبيًّا؟ وقد سماه الله تعالى: ﴿أدنى﴾ ونعى على من اختاره على المن والسلوى، وجعله قرين الثوم والبصل. أفترى أنبياء بني إسرائيل قدسوا فيه لهذه العلة والمضار التي فيه: من تهييج السوداء، والنفخ، والرياح الغليظة، وضيق النفس، والدم الفاسد، وغير ذلك من المضار المحسوسة؟! ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع الذين اختاروه على المنِّ والسلوى أو أشباههم. ومن ذلك حديث: ((إن الله خلق السموات والأرض يوم عاشوراء)) . وحديث: ((اشربوا على الطعام تشبعوا)). فإن الشرب على الطعام يفسده، ويمنع من استقراره في المعدة، ومن كمال نضجه. ومن ذلك حديث: ((أكذب الناس الصباغون والصواغون)). (١) الشجرة في أحوال الرجال - الجوزجاني، في ترجمة سلم بن سالم البلخي. ٤٠