النص المفهرس
صفحات 381-400
لا يدفع. قلت: فتعرف لسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي نسبًا بدمشق؟ قال: لا. قلت: فتدفعه؟ وقد روى عنه شعبة وعمرو بن الحارث والمصريون؟ قال: لا يدفع)) (١). وهذا ابن عدي في (الكامل) يذكر حنش بن المعتمر، وينقل فيه بعض ما قيل في تضعيفه، وبعضًا من حديثه أيضًا، ثم يقول: ((ولحنش عن علي - رضي الله عنه - أحاديث عداد، وهو معروف في أصحاب علي، مشهور به، وما أظنه يروي عن غير علي، وأنه لا بأس به، لأن من يروي عنه إنما هو سماك بن حرب والحكم بن عتيبة، وليس بهما بأس))(٢). قلت: فهذه مواقف عدَّة تدل على أن رواية الثقة تنفع الراوي الذي لا نعرف فيه جرحًا أو تعديلاً، فإذا كان الراوي عنه إمامًا كبيرًا - كالحسن البصري، وهو من هو - كان ذلك أنفع له وأقوى. فإذا كانت مجرد رواية الحسن البصري عمن لا نعرف فيه جرحًا أو تعديلاً مقوية له، فكيف يؤخذ على الحسن أنه يروي عن هؤلاء؟! فهذا هو التناقض: أن نقوي الرجل الذي روى عنه الحسن، ثم نلوم الحسن لروايته عنه !! على أنه مما يفصل في المسألة، ويقطع القول فيها، ولا يدع اعتراضًا لمعترض ... بل ويكاد يُنْهِي قَالَةَ روايةِ الحسنِ عن المجهولين، الفقرةُ الآتية !! الخامس: ذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، أنه [الردّ الخامس قال: «إذا روی الحسن ومحمد ۔ یعني: ابن سیرین - عن رجل فسمياه فهو ثقة [يحتج بحديثه])) (٣). حُكْمُ ابن معيـ بان جميـ شيوخ الحسـ ثقات] (١) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (رقم ٩٠٨). (٢) الكامل لابن عدي (٤٣٨/٢). (٣) جامع التحصيل للعلائي (٩٠)، وتهذيب التهذيب (٣٤٧/١)، والزيادة بين معقوفتين من التهذيب. ٣٨١ فهذه الكلمة من إمام الجرح والتعديل، نصّ قاطع على أنَّ كل من روى عنه الحسن البصري: أنَّه ثقةٌ، وإن لم نجد فيه توثيقًا لأحد، إذا سلم من الجرح! وقد اعتمد الحافظ ابن حجر على هذه القاعدة، فقد ذكر في أحد شيوخ الحسن البصري، وهو أَسِيد بن المُتَشَّمِّس، في ترجمته في (تهذيب التهذيب)، أنَّ ابن المديني عده في المجهولين الذين روى عنهم الحسن البصري، ثم لم يذكر مع تجهيل ابن المديني له، إلا كلمة يحيى بن معين السابقة، وأن ابن حيان ذكره في (الثقات)(١). مع ذلك قال الحافظ عن أسيد في (التقريب): ((ثقة))(٢)! مما يدل على اعتماده التام لهذه الكلمة الصادرة عن يحيى بن معين. وحُق للحافظ أن يعتمد عليها، لإمامة قائلها، ولتنصيصها على ما يُختَجّ بها عليه. غير أنه قد وُجِّه إلى كلام ابن معين نقد وتأويل، أذكرهما، مع مناقشتهما . ذكر أبو الحسن ابن القطان الفاسي في (بيان الوهم والإيهام) حديثًا للحسن البصري، اختلف فيه عن الحسن بخمسة أوجه، كل وجه منها يذكر للحسن البصري شيخًا غير الذي يذكره الوجه الآخر، والمذكورون ممن تفرد الحسن بالرواية عنهم، فيما يقال، فقال ابن القطان معلقًا على هذه الأوجه: (وما منها شيء يصح، وليس بِمُجْدٍ في هذا ما ذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين من قوله: إذا روى الحسن عن رجل فسمّاه فهو ثقة، فاعلم ذلك))(٣). (١) التهذيب (٣٤٧/١). (٢) التقريب (رقم ٥١٦). (٣) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٤٠/٢/أ - ب). ٣٨٢ فلا أعلمُ لِمَ لا يُجدي قول ابن معين؟! وهل يعني ابن القطان أن كلام ابن معين ليس له جدوى مطلقًا؟ أم في هذا الموطن خاصة؟ أمَّا أنه مردود مطلقًا، وأنه لا طائل تحته دائمًا، فمما لا يقبل من ابن القطان، إلا إن كان الكلام المجرَّد من الأدلة وحده حجَّة! وحينها فليس كلام ابن القطان بأولى من كلام ابن معين !! بل كلام ابن معين أحق وأولى من ألف مثل ابن القطان! وأمَّا في هذا الموطن خاصة، ولعله للاضطراب الذي وقع في الحديث، فقد يُسَلُّم لابن القطان، وإن كان قد نوزع في ذلك أيضًا، كما سيأتي في موضعه (١) - إن شاء الله تعالى -. وأمَّا تأويل كلام ابن معين فقد وقع من الحافظ العلائي رحمه الله، في كتابه (جامع التحصيل). فقد ذكر العلائي بعضًا من الأقوال المختلفة في حكم مراسيل الحسن البصري، ثم أتبعها بكلام ابن معين السابق، ثم قال: ((فيحتمل هذا أنهما كانا لا يرويان إلا عن ثقة عندهما، سواء کان مسندًا أو مرسلاً. ويحتمل أن ذلك فيمن ذكراه باسمه، فأمَّا من أرسلا عنه: فجاز أن يكون كذلك، وأن يكون ضعيفًا، وهذا هو الأظهر، وفيه جمع بين الأقوال كلها))(٢). قلت: والاحتمال الأول هو المتعين، ولا يصح غيره! وأنَّى يكون الاحتمال الثاني هو الأظهر؟! وهو خلاف الورع (١) انظر ما سيأتي (٧٢٢ - ٧٢٣). (٢) جامع التحصيل للعلائي (٩٠). ٣٨٣ والنصيحة للدين! فالمرسَل أولى أن يُتَحرَّى في ناقله، ولذلك قوِّى من قوَّى المرسل، وقدَّمه على المسند؛ لأن من أرسل فقد ضمن لك، ومن أسند فقد أحالك إلى ما أظهر لك من إسناده. فما الداعي إلى ذلك التفريق العجيب؟! بين من يُروى عنه المُسْنَد، ومن يروى عنه المرسَل، إلا أن يكون الغش في الدين! وحاشا الحسن البصري من ذلك، وحاشا العلائي أن يقرّ ذلك .. لو تنبّه له !! ثم كيف يصح ذلك الاحتمال؟ مع ثناء يحيى بن معين نفسه على مراسيل الحسن البصري(١)! أَيَكُونُ جمعًا للأقوال: أن نضرب الكلام الصادر من إمام واحد بعضه ببعض !! أم أن الصواب أن نلتمس محملاً حسنًا يوافق بين أقوال هذه الإمام؟! ولم يذكر العلائي ثناء ابن معين على مراسيل الحسن، ولعله من هذا أتِي! ثم يزيد العجب في محمد بن سيرين، فإن مقتضى الاحتمال الثاني من كلام العلائي أن في مراسيله ضعفًا، كالضعف الذي يزعمه العلائي في مراسيل الحسن البصري. وقد قال ابن عبد البر في (التمهيد): ((أجمع أهل العلم بالحديث: أن ابن سيرين أصح التابعين مراسيل، وأنه كان لا يروي إلا عن ثقة، وأن مراسيله كلها صحاح))(٢). فهذه الأمور كفيلة بجعل الاحتمال الثاني الذي ظَهَّره العلائي احتمالاً بعيدًا، ويتعين الاحتمال الأول أنه معنى كلام ابن معين على الحقيقة، وليس على التأول والمجاز. (١) انظر ما سبق (٣٢٨). (٢) التمهيد لابن عبد البر (٣٠١/٨). ٣٨٤ السادس (من الردود): وهو الدليل القاطع، والحجة [الردّ السادس: الدامغة، إذ إنه مبني على التتبع العملي، والاستقصاء التام دراسة شيوخ الحسن المتكلم فيهم بضعفٍ الواقعي: لشيوخ الحسن البصري. فقد بني هذا البحث على تقصي شيوخ الحسن البصري، أو جهالة] ومن روى عنهم عمومًا، بغرض معرفة من سمع منهم، وتمييزهم عمن لم يسمع منهم. وخلال هذا البحث لم أجد الحسن إلا راويًا عن صحابي، أو تابعي ثقة، في ما عدا آحاد من الرواة، سوف نذكرهم بعد قليل. وكونهم آحادًا، لن يجعل لرواية الحسن عنهم أثرًا في الحكم على مراسیله. وليس من المنطقي أن أسرد أسماء شيوخ الحسن هنا، وأترجم لهم، إذ هذا هو المبثوث في بقية هذا البحث، وهو بمواطنه الآتية أليق. ولكن اخترت أن أستل من هذا البحث الطويل، من هو ضعيف أو ضُعِّف ممن روى عنهم الحسن .. وهذا قسم، ثم القسم الثاني: وهم من روى عنهم الحسن وبسبب روايته عنهم قيل: إنه يروي عن المجاهيل. فالقسم الأول: من هو ضعيف أو ضُعِّف، ممن روى عنهم الحسن : وقد سبق عن الترمذي قوله: ((قد تكلم الحسن البصري في معبد الجهني، ثم روى عنه!))(١). وكلام الحسن في معبد، هو ما أخرجه الترمذي عقب كلامه (١) انظر ما سبق (٣٠٣). ٣٨٥ السابق، في (العلل الصغير)، بإسناده إلى الحسن البصري، أنه قال: ((إياكم ومعبد الجهني، فإنه ضال مضل))(١). ومعبد بن خالد الجهني القدري، ويقال: إنه ابن عبد الله بن عُكيم، ويقال: اسم جده عويمر (ت ٨٠ هـ). قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): ((صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة)»(٢). قلت: فهو وإن كان مبتدعًا داعية إلى بدعته، كما قال الحسن البصري: ((ضال مضل))، فإنه (صدوق)! بل لقد وثقه ابن معين(٣) !! ثم إني لم أجد من ذكر حديث الحسن البصري عن معبد الجهني، الذي رواه عنه، كما قال الترمذي. بيد أنَّ أبا حنيفة النعمان روى عن منصور بن زاذان (٤) عن الحسن عن معبد عن النبي ◌ّله: ((أنه كان في الصلاة، فأقبل أعمى، فوقع في زُبْيَةٍ فضحك بعض القوم حتى قهقه، فلما انصرف رسول الله وَله، قال: ((من كان قهقه فليعد الوضوء والصلاة)) . أخرجه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي (ت ١٨٢ هـ) (١) العلل الصغير، للترمذي، بذيل جامعه (٧٥٥/٥)، والضعفاء للعقيلي (٤/ ٢١٨)، والكامل لابن عدي (٥٣/١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (١٦/ ٨٠١ - ٨٠٢). (٢) التقريب (رقم ٦٧٧٧). (٣) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢٨٠/٨)، وانظر التهذيب (٢٣٥/١٠ - ٢٣٦). (٤) منصور بن زاذان الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، (ت ١٢٩هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٨٩٨): ((ثقة ثبت عابد)). ٣٨٦ في كتابه (الآثار)، فذكر في إسناده معبدًا مهملاً: بلا نسبٍ أو نسبةٍ، كما في مطبوع (الآثار)(١). بينما أخرجه محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني (ت ١٨٩ هـ)، في كتابه (الآثار) قال: ((أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا منصور بن زاذان، عن الحسن البصري، عن النبي بَلٍ﴾))(٢)، فلم يذكر فيه معبدًا، وجعله من مرسل الحسن البصري. ورواه غير واحد عن أبي حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن عن معبد الجهني (٣)، وسمي في رواية أيضًا: معبد بن أبي معبد(٤)، وسُمِّي في أخرى: معبد بن صبيح (٥) . والذي رجحه ابن عدي في (الكامل)(٦) والدارقطني في (السنن)(٧) والحافظ ابن حجر في (الإصابة)(٨) وفي (الإيثار بمعرفة رواة الآثار)(٩): أنه معبد الجهني القدري. بينما رجح ابن حبان في (الثقات): أنه معبد بن صَبِيح (١٠)، (١) الآثار، لأبي يوسف القاضي (رقم ١٣٥). (٢) الآثار لمحمد بن الحسن (رقم ١٦٣). (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (١٦٧/٣)، والدارقطني (١٦٧/١)، ووازنه بما في نصب الراية للزيلعي (٥١/١)، وبما في الإيثار بمعرفة رواة الآثار لابن حجر (رقم ٢٤٠). (٤) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٩٠/ب)، وغيره، انظر أسد الغابة لابن الأثير (٢١٩/٥ - ٢٢٠). (٥) انظر معرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ١٩٠/ ب)، والاستيعاب لابن عبد البر (١٤٢٦ - ١٤٢٧ رقم ٢٤٤٥)، وجامع المسانيد لأبي المؤيد الخوارزمي (٢٤٧/١ -٢٤٨). (٦) الكامل لابن عدي (١٦٧/٣ - ١٦٨). (٧) سنن الدارقطني (١٦٧/١ - ١٦٨). (٨) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (٢٠٦/٦). (٩) الإيثار بمعرفة رواة الآثار لابن حجر (رقم ٢٤٠). (١٠) الثقات لابن حبان (٤٣٢/٥ - ٤٣٣). ٣٨٧ وهو تابعي، لم أجد إلا أنَّ ابن حبان ذكره في ثقات التابعين(١)، على حين أن البخاري وابن أبي حاتم لم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً، في ترجمتهما له(٢). وعلى كل حال: فالحديث من رواية أبي حنيفة، عن منصور عن الحسن عن معبد: وَهْمٌ من أبي حنيفة، كما أثبته الدارقطني(٣)، وأشار إليه ابن عدي (٤)، وأقرهما العلامة أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ)، في كتابه الجليل (نصب الراية، الأحاديث الهداية)، حيث أورد كلامهما ولم يتعقبه بشيء(٥) . والصواب كما بينه الدارقطني: أنه من رواية (من هُم أحفظ من أبي حنيفة للإسناد)(٦)، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن معبد الجهني(٧). فالحديث ليس للحسن البصري في إسناده مدخل، وليست روايته عن معبد الجهني هذه إلا محض وهم، من الإمام أبي حنيفة (الفقيه المشهور) (٨) !! فلا يلحق الحسن عيبٌ لروايته عن معبد الجهني، لأنه لم یرو عنه أصلا !! وإن كان ابن سيرين رحمه الله، هو العائب للحسن لعدم (١) المصدر السابق، وانظر الإيثار، لابن حجر (رقم ٢٤٠). (٢) التاريخ الكبير للبخاري (٣٩٩/٧)، والجرح والتعديل (٢٧٩/٨). (٣) سنن الدارقطني (١٦٨/١ - ١٦٨). (٤) الكامل لابن عدي (١٦٧/٣ - ١٦٧). (٥) نصب الراية للزيلعي (٥١/١). (٦) هذه عبارة الدارقطني في سننه (١٦٧/١). (٧) المصدر السابق. (٨) حاد الحافظ ابن حجر عن تلخيص حُكْم في بيان درجة الإمام أبي حنيفة في الحديث، في كتابه (التقريب)، فقال عنه العبارة التي أعلق عليها. انظر التقريب (رقم ٧١٥٣). ٣٨٨ ۔ انتقائه الرجال، فهو المعيب هنا إذ روى عن معبد الجهني .. معبد الذي عيب على الحسن أنه روى عنه بعد أن تكلم فيه !! وهو في الواقع لم يرو عنه، بل أَقحِمَ في الإسناد إقحامًا، إذ ليس له في صواب الإسناد ذكر !! ولو كان للحسن عن معبد حديث سوى ذلك الحديث، ولا أحسبه يكون - وليس إلا ظنًا لا يغني من الحق شيئًا - فلن يضيره شيئًا بعد أن بينا أنَّ معبدًا صدوق الحديث مع بدعته وضلالته. لكن قد يضير ذلك غير الحسن، إذا حوكم إلى قضائه الذي حاكم به الحسن ورُمي بقوسه التي رمى بها الحسن !! هذا هو الراوي الأول المضغَّف، الذي تُكلِّم في مراسيل الحسن، بسبب زعم روايته عنه. ولم أجد لهذا الراوي الفرد أخًا ممن ضُعِّف، يحق لمن أراد أن يتكلم في مراسيل الحسن، أن يتكلم فيها من أجله، إلا راويًا واحدًا، ذلك الراوي هو: صخر بن قدامة. ولهذا الراوي مبحث خاص موسّع، يأتي بإذن الله تعالى(١). أثبتُ فيه أنه وَهْمٌ لا وجود له، فلا هو ثقة ولا ضعيف ولا مجهول !! بل صوابه أنه عبد الله بن قدامة بن صخر العقيلي، وهو راوٍ ثقة !!! بل معدود في الصحابة !!! ثم إن الرواية عن ضعيف أو ضعيفين، أو أفراد من الضعفاء، مما لا تجد أحدًا ينجو منه .. ولا أشد الناس انتقاءً للرواة، وأشهرهم بذلك! قال الإمام الشافعي في (الرسالة): ((ولا أعلمني لقيتُ أحدًا قطُ بَريًا من أن يُحدّث عن ثقةٍ حافظٍ وآخر يُخالفه))(٢). (١) انظر ما سيأتي (١٤٩٧ - ١٥٠٢، ١٦٨١ - ١٦٩٨). (٢) الرسالة للشافعي (رقم ١٠٢٥). ٣٨٩ ولذلك أمثلة : فهذا شعبة بن الحجاج يروي عن يزيد بن سفيان أبي المُهَزَّم التميمي البصري قال عنه الحافظ ابن حجر في (التقريب): (متروك))(١). وعلّق الذهبي على رواية شعبة عنه بقوله في (سير أعلام النبلاء): ((أبو المُهَزم يزيد بن سفيان متفق على ضعفه، والعجب أنَّ شعبة يروي عنه، ما أظنه تبين حاله))(٢). وهذا الشافعي الإمام يروي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، أبي إسحاق المدني (ت ١٨٤ هـ، وقيل: ١٩١ هـ)، قال عنه الحافظ ابن حجر: ((متروك))(٣). ورواية الشافعي عنه من المسائل المشهورة التي كثُر حولها الجدل بين الشافعية وغيرهم. والأغرب من ذلك أن الشافعي كان كثيرًا ما يُخفي اسم إبراهيم بن أبي يحيى، ويكني عنه بقوله: ((حدثني من لا أتهم» (٤). وهذا الإمام أحمد، وهو أحد أركان الحديث، يروي عن عامر بن صالح بن عبد الله الزبيري، محسنًا الظن فيه، حتى قال عنه في (العلل): ((ثقة، لم يكن صاحب كذب))(٥). أما يحيى بن معين، فقال: كما في (معرفة الرجال) لابن (١) التقريب (رقم ٨٣٩٧). (٢) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٧٢/١٤ - ١٧٣). (٣) التقريب (رقم ٢٤١). (٤) انظر المجروحين لابن حبان (١٠٧/١)، وموضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب (٣٧١/١)، وسير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٠ - ٤٥١). (٥) العلل للإمام أحمد (رقم ٨٥٥). ٣٩٠ محرز: ((كذاب، خبيث، عدوّ الله. فقلت ليحيى - القائل ابن محرز -: إن أحمد بن حنبل يحدث عنه؟ فقال: لِمَه؟! وهو يعلم أنا تركنا هذا الشيخ في حياته))(١) . قال أبو داود: ((سمعت يحيى بن معين يقول: جُنَّ أحمد بن حنبل، يحدث عن عامر بن صالح؟ !!! ))(٢). وقال الدارقطني، كما في (سؤالات البرقاني): ((أساء القول فيه ابن معين، ولم يتبيّن أمره عند أحمد، وهو مدني، يترك عندي))(٣). وهذه ثلاثة أمثلة لغيرها كثير، من رواية أشهر الأئمة بانتقاء الرجال، عن بعض الضعفاء، بل والمتروكين! فلذلك ليس لوجود الضعيف أو الأفراد منهم في شيوخ الراوي أثر على مراسيله، إلا إذا كثر الضعفاء فيهم. أمّا إذا كان غالب شيوخه ثقات مقبولين، فإن ذلك دليل على انتقائه في الرواية، وعلى أنه - بالأحرى - لا يرسل إلا عن الثقات، ويغتفر مع ذلك روايته عن الضعيف أو الآحاد منهم. والحسن البصري لم أجد - كما سبق - في معجم شيوخه مَنْ هو ضعيفٌ فعلًا! ويحق للحسن بذلك أن يكون ممن يُضرب بهم المثل في نُذْرة الرواية عن الضعفاء ونظافة الإسناد! بدلاً من أن يُقال عنه - خلافاً للحقيقة - إنه يروي عن كل أحد !! وبهذا أكون قد انتهيت من القسم الأول من الرواة، الذين بسبب رواية الحسن عنهم، شُكّك في مراسيل الحسن، وضُعِّفت. (١) معرفة الرجال لابن محرز (١/ رقم ١٩)، وتهذيب الكمال (٤٧/١٤)، واعتمدت لفظ تهذيب الكمال، والفرق يسير! (٢) الكامل لابن عدي (٨٣/٥). (٣) سؤالات البرقاني (رقم ٣٤٢). ٣٩١ أما القسم الثاني: فهم من وُصفوا بأنهم مجهولون، فقيل عن الحسن: إنه يروي عن المجهولين، بسبب أنَّه روى عنهم، واتُّخِذَ ذلك ذريعة لتضعيف مراسيل الحسن! وسوف أسوق هنا تراجم لمن سردهم علي بن المديني من شيوخ الحسن البصري المجهولين، كما وصفهم. وتراجم من عدَّهم خلف بن سالم البغدادي من شيوخه المجهولين أيضًا. ثم أذكر تراجم من ذكر الإمام مسلم أن الحسن تفرد بالرواية عنهم، في كتابه (المنفردات والوحدان)، وكذا أبو داود في (سؤالات الآجري)، له: إذا عِلْمُ (من ليس له إلا راوٍ واحد) مظنة المجاهيل، لتفرد راوٍ واحدٍ بالرواية عنهم. وقبل ذكر تراجمهم، أذكر نص كلام كل من علي بن المديني، وخلف بن سالم، ومسلم بن الحجاج، وأبي داود، في عدّ أسماء شيوخ الحسن البصري، ممن قيل إنهم من المجهولین، أو أن الحسن تفرد عنهم، رحمهم الله تعالی. قال علي بن المديني - كما نقله المزي في (تهذيب الكمال)، في ترجمة أَسِيد بن الْمَشَمِّس: ((والذين روى عنهم الحسن البصري من المجهولين: أحمر السدوسي، وأسيد بن المتشمس، وأنس بن حكم الضبي، وجون بن قتادة البصري، وحبيب السلمي عن عمر، وحكيم بن دينار، وحنتف بن السِّجف، ودَغْفَل بن حنظلة، وسعد مولى أبي بكر، وعُتيّ بن ضَمْرة السعدي، وعمرو بن تغلب، وقَبيصة بن حُريث))(١). وذكر الحاكم في (معرفة علوم الحديث) عن خلف بن سالم الحافظ البغدادي، أنه قال: «سمعت عدَّة من مشايخ أصحابنا، تذاكروا كثرة المدلسين والتدليس، فأخذنا في تمييز أخبارهم، (١) تهذيب الكمال للمزي (٢٤٥/٣). ٣٩٢ فاشتبه علينا تدليس الحسن البصري! لأن الحسن كثيرًا ما يدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا مجهولين، وربما دلس عن مثل: عتي بن ضمرة، وحنتف بن السِّجْف(١) ودغفل بن حنظلة، وأمثالهم)) (٢). وذكر الإمام مسلم في (المنفردات والوحدان) الذين تفرد عنهم الحسن، فقال: ((أسيد بن المتشمس، وصعصعة بن معاوية، وحنتف بن السِّجْف، وحكيم بن دينار، وعبد الله بن عثمان الثقفي، وهياج بن عمران البرجمي، ووثاب))(٣). وقال الآجري في (سؤالاته): «سمعت أبا داود يعد مشايخ الحسن، الذين لقيهم في الغزو، الذين لم يحدِّث عنهم غيره: أسيد بن المتشمس، وعتي بن ضمرة، وهياج بن عمران البرجمي، وقبيصة بن حريث، وجون بن قتادة، وحُضَين بن منذر))(٤). فهؤلاء الرواة الذين ذكرهم هؤلاء الأئمة، هم الذين وصف الحسن لروايته عنهم: بأنه يروي عن المجاهيل. فهم الذين يجب أن ندرسهم، لمعرفة ما إذا كان الحسن يستحق أن يوصف لروايته عنهم بالرواية عن المجهولين؟ وهل يكون ذلك طعنًا صائبًا في مراسيل الحسن؟ وهم على ترتيب حروف الهجاء: ١ - أحمر بن جَزْء السدوسي، صحابي باتفاق - فيما علمت - أثبت له الصحبة: البخاري، وابن أبي حاتم، وجميع من صنف في الصحابة فيما أعلم(٥). (١) تحرف في مطبوع (معرفة علوم الحديث) للحاكم إلى: (حنيف بن المنتخب) مع أن المحقق ذكر أنَّ الاسم ورد على الصواب - وذكره - في بعض النسخ الخطية، مع ذلك لم يثبته في أصل الكتاب! (٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (١٠٨). (٣) المنفردات والوحدان لمسلم بن الحجاج (٠١٠٥- ٩١٠٧). (٤) سؤالات الآجري - رسالة الماجستير (رقم ٤٢٧). (٥) التاريخ الكبير للبخاري (٦٢/٢- ٦٣)، والجرح والتعديل (٣٤٣/٢)، وأسد= ٣٩٣ وحديث الحسن عنه، حديث واحد مقبول، يأتي في موضعه(١) - إن شاء الله تعالى -. فمثله لا يقال عنه مجهول، لكونه صحابيًا، والصحابة كلهم عدول مأمونون - رضي الله تعالى عنهم جميعًا .. ولعل فيلسوف العلل: الإمام علي بن المديني، له في إطلاق الجهالة على هذا الصحابي معنىّ سوى المعنى المستقر في كتب المصطلح عندنا! ولذلك استجاز وصف هذا الصحابي بأنه مجهول! كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. ٢ - أَسِيْدُ بنُّ المُتَشَمِّس بن معاوية التميمي السعدي، ابن عم الأحنف بن قيس. قال عنه الحافظ: ((ثقة))(٢). بينما قال الذهبي في (الميزان): ((محله الصدق))(٣). وسبق أن توثيق الحافظ لأسيد، إنما بناه - أكثر ما بناه - على عموم كلام يحيى بن معين، بتوثيق من سماه الحسن من شيوخه (٤). هذا .. مع ذكر ابن حبان له في (الثقات)(٥). وأسيد بن المتشمس معروف النسب في تميم(٦)، وممن الغابة لابن الأثير (٦٦/١)، والإصابة لابن حجر (١٩/١)، وغيرها، ويأتي = في مبحث (أحمر بن جزء)، عند تخريج حديثه، ذكر بعض المصادر القديمة الأصلية، التي أوردته في الصحابة، فانظر (٦٤٢ - ٦٤٦). (١) انظر ما سيأتي (٦٤٣ - ٦٤٦). (٢) التقريب رقم (٥١٦). (٣) ميزان الاعتدال للذهبي (٢٥٨/١ رقم ٩٨٩). (٤) انظر ما سبق (٣٨١ - ٣٨٢). (٥) الثقات لابن حبان (٤٢/٤). (٦) طبقات خليفة (١٩٥)، وقد تحرف فيه إلى (ابن الملتمس)، وانظر الاشتقاق لابن دريد (٢٤٩). ٣٩٤ خرج مجاهدًا في الفتوح الإسلامية، فحضر فتح أصبهان مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنه(١). ولمَّا فتح الأحنف بن قيس سنة اثنتين وثلاثين بعض مدن خراسان استعمل ابن عمه أسيد بن المتشمس عليها(٢). وليس يروي عن أسيد بن المتشمس غيرُ الحسن البصري، كما سبق عن الإمام مسلم وأبي داود. لكن قال المزي في (تهذيب الكمال): ((روى عنه الحسن البصري، والمهلب بن أبي صفرة، من طريق غريب عنه))(٣). ثم إن الحسن لم يرو عن أسيد - فيما صح عن الحسن - إلا حديثًا واحدًا عن أبي موسى الأشعري، بل قال المزي: ((لم یسند غيره))(٤) . وليس في متن حديثه ذلك الوحيد ما يستنكر عليه(٥)، بل هو محفوظ مُتَابَعٌ عليه، فقد تابعه عليه حطان بن عبد الله الرقاشي - أحد الثقات - عن أبي موسى الأشعري، كما سيأتي فيما نستقبل من عمل علمي مُكمّل لهذا بإذن الله العظيم(٦) . فمثله معروف العين، بالرواية والنسب، ليس له إلا رواية واحدة، تابعه عليها أحد الثقات، لا شك أنه لن يكون إلا ثقة! إذ (١) طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ (٨٥/١ - ٨٦ رقم ١٨)، وذكر أخبار أصبهان لأبي نعيم (٢٦/١، ٢٢٦)، وتاريخ الطبري (١٤١/٤، ١٨٦). (٢) انظر تاريخ الطبري (٣١٣/٤)، وتصحيفات المحدثين، للعسكري (٢/ ٩٣٨). (٣) تهذيب الكمال للمزي (٢٤٥/٢). (٤) المصدر السابق. (٥) انظر مسند الإمام أحمد (٤٠٦/٤)، وسنن ابن ماجه (رقم ٣٩٥٩)، وعلل الدار قطني (٢٣٦/٧ - ٢٣٧ رقم ١٣١٧). (٦) وانظر هنا مسند الإمام أحمد (٣٩٢/٤)، وصحيح ابن حبان - الإحسان (رقم ٦٧١٠). ٣٩٥ هذا هو منهج المحدثين، في الحكم على الراوي، عن طريق سبر حديثه. فمن لم يكن له إلا حديث واحد، وهو حديث تابعه عليه ثقة غيره، فهو ثقة. كيف إذا تذكرنا أنه من طبقة كبار التابعين؟! ثم هُو ممن سماهم الحسن، فهو ثقة بحكم يحيى بن معين !! فلا ضير على الحسن أن يروي عنه، خاصة وأن الحسن هو راوي الحديث عن راوييه عن أبي موسى: أسيد بن المتشمس، وحطان الرقاشي، يُصَدِّقُ أحدُهما الآخر عند الحسن. ٣ - أنس بن حكيم الضبي: قال الحافظ: ((مستور)) (١). وكان قد ذكر الحافظ في (التهذيب): أن ابن المديني ذكره في المجهولين الذين روى عنهم الحسن البصري، وأن أبا الحسن ابن القطان الفاسي جَهِلَه، وأن ابن حبان ذكره في (الثقات)(٢). قلت: وقد روى عن أنس بن حكيم: علي بن زيد ابن جدعان(٣). وقد ذكره البخاري في (التاريخ الكبير) وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ولم يذكرا فيه جرحًا أو تعديلاً(٤). لكن مما فات الحافظ ابن حجر أن الحاكم أخرج من طريقه (١) التقريب (رقم ٥٦٢). (٢) التهذيب (٣٧٤/١)، وانظر الثقات لابن حبان (٤/ ٥٠)، وبيان الوهم والإيهام لابن القطان (٤٠/٢/أ). (٣) انظر مسند الإمام أحمد (رقم ٧٨٨٩)، وسنن ابن ماجه (رقم ١٤٢٥)، والتمهيد لابن عبد البر (٧٩/٢٤). (٤) التاريخ الكبير للبخاري (٣٣/٢)، والجرح والتعديل (٢٨٨/٢). ٣٩٦ حديثًا في (المستدرك) ثم قال: ((هذا حديث صحيح الإسناد))(١). وقد قرر الذهبي أن من صحح له الحاكم (فأقل أحواله: حسن حديثه)(٢). وسبق الكلام عن هذه المسألة، وبيان دلالة التصحيح، أو التحسين للإسناد على الاحتجاج برواته(٣). ثم أين الحافظ من اعتماد كلمة يحيى بن معين هنا؟! فأنس بن حكيم الضبي لن ينزل عن (الصدوق) بحال، وعليه فلن يكون في رواية الحسن البصري عنه تُهْمَة بالرواية عن المجاهيل. ولو تجاهلنا هذا كله، فلا يضرّ الحسن أن روى عمن لم نعرفه وعرفه هو. حيث إن أنس بن حكيم كان جارًا للحسن البصري، كما جاء في سياق خبر ذكره الخطابي في (غريب الحديث)(٤). ٤ - جون بن قتادة بن الأعور بن ساعدة التميمي، ثم السعدي البصري(٥) . قال الحافظ: ((لم تصح صحبته، ولأبيه صحبة، هو مقبول»(٦). وقد قال الإمام أحمد، في مسائل أبي داود: ((شيخ لا (١) المستدرك الحاكم (٢٦٢/١). (٢) الموقظة للذهبي (٧٨). (٣) انظر ما سبق (٣١٣ - ٣١٦). (٤) غريب الحديث للخطابي (٢/ ٥٤٢). (٥) انظر تهذيب الكمال (١٦٢/٥ -١٦٦)، وتهذيب التهذيب (١٢٢/٢ -١٢٣). (٦) التقريب (رقم ٩٨٦). ٣٩٧ يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن))(١)، وقال الإمام أحمد أيضًا، وسئل عن جون بن قتادة؟ فقال: ((لا يعرف. قيل: روى غير هذا الحديث؟ - يعني حديث جلود الميتة - فقال: لا))(٢). وقال علي بن المديني: ((جون معروف، وجون لم يرو عنه غيرالحسن، إلا أنه معروف))(٣). يقول علي بن المديني معروف، مع أنه ذكره - كما سبق - في عداد شیوخ الحسن المجهولین !! وقال البخاري، كما في العلل الكبير للترمذي: ((لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو))(٤). وسبق أن أبا داود وذكره فيمن تفرد الحسن بالرواية عنهم وذكره ابن حبان في (الثقات) ولم يذكر عنه راويًا غير الحسن البصري(٥) .. بل وأخرج له في صحيحه(٦). وقال ابن المنذر في (الأوسط): ((جون بن قتادة لا نعلم روی عنه غیر الحسن»(٧) . وأخرج الحاكم في (المستدرك) من طريقه حديثًا، وصحح إسناده(٨). وقد ذكر في التهذيب أنه روى عنه أيضًا: قرة بن خالد(٩) (١) مسائل أبي داود (٣٠٢)، والجرح والتعديل (٥٤٢/٢)، بنحوه. (٢) الكامل لابن عدي (١٧٨/٢). (٣) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٥٢/٤)، وتهذيب الكمال (١٦٥/٥). (٤) العلل الكبير للترمذي (٧٢٥). (٥) الثقات لابن حبان (١١٩/٤). (٦) انظر الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان (رقم ٤٥٢٢). (٧) الأوسط، لابن المنذر (٣١٠/٢). (٨) المستدرك، للحاكم (٤٤١/٤). (٩) التهذيب (١٢٢/٢). ٣٩٨ وهو تحريف، والصواب: قرة بن حارث، كما في (تهذيب الكمال)(١). بل وحديث قرة بن حارث عن جون بن قتادة في (تاريخ الطبري)، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر(٢). لكن قرة بن الحارث نفسه في حاجة إلى دعامة، حتى يدعم غيره، حيث لم أجد فيه جرحًا أو تعديلاً(٣). وذكر في (تهذيب الكمال) و(تهذيبه) أن قتادة روى عنه أيضًا، لكن شكّكا في ذلك، حيث أورداه بصيغة التمريض(٤). وهما يُشِيران بذلك إلى ما جاء في (الجرح والتعديل)، حيث ذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه أبي حاتم الرازي، أن قتادة روى عن جون بن قتادة، ولم يذكر أبو حاتم - فيما نقل عنه ابنه - أن الحسن روى عن جون(٥)! ولمَّا ذكر أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي الدمشقي حافظ الشام وعالمها، الشهير بابن عساكر (ت٧٥١ هـ)، في كتابه العظيم (تاريخ دمشق) كلامَ أبي حاتم في رواية قتادة عن جون، تعقبه، أو نقل تعقبًا عليه، قائلاً: ((وهذا وَهْمٌ، إنما يروي قتادة عن الحسن عنه))(٦). فلم يَصْفُ من يُعتَمدُ عليه في رفع الجهالة، من الرواة عن جون، إلا الحسن البصري. فصح ما جزم به الإمام أحمد. وعلي بن المديني، وأبو داود، وابن المنذر: من أنه لم يرو عن جون إلا الحسن البصري، كما سبق عنهم! (١) (١٦٣/٥). (٢) انظر تاريخ الطبري (٥١٠/٤ - ٥١١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٤/ ٥١ - ٥٢). (٣) انظر الجرح والتعديل (١٣٠/٧). (٤) تهذيب الكمال (١٦٣/٥)، وتهذيبه (١٢٢/٢). (٥) الجرح والتعديل (٥٤٢/٢). (٦) تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٥٢). ٣٩٩ وقد يُسْتَغْرب ما سبق أن نقلناه عن علي بن المديني، من قوله: ((وجون لم يرو عنه غير الحسن، إلا أنه معروف)) !! هذا مع عدّه لجون، في موطن آخر، من المجهولين الذين روى عنهم الحسن(١) !! فهو لو لم يقل إلا العبارة الأولى: (معروف) ثم (لم يرو عنه غير الحسن) لاستُغْرِبَ ذلك! ثم مع قوله: ((معروف)) يقول عنه أيضًا: ((مجهول)) !! لكن شرح ذلك - فيما يظهر لي -: أن علي بن المديني قصد بقوله: (معروف) أي: معروف النسب والتاريخ، لكنه مجهول الحال في الرواية والثقة. وأقف هنا مع نقل ورد في تاريخ دمشق، لابن عساكر، حيث أسند ابن عساكر إلى أبي بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي (ت ٣٠١ هـ)، إلى كتابه (طبقات الأسماء المفردة: من الصحابة، والتابعين، وأصحاب الحديث)، أن البرديجي قال فيه: (جون بن قتادة، يروي عنه الحسن بن أبي الحسن: بصري ثقة))(٢). كذا وجدت العبارة في (تاريخ دمشق) المخطوط، وهي فيه واضحة إلى حد كبير، بإثبات لفظ التوثيق (ثقة). ويؤكد صحة قراءتي: أن الشيخ العلامة عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران الدمشقي الحنبلي (ت ١٣٤٦هـ)، في تهذيبه لتاريخ دمشق المطبوع، نقل أيضًا عبارة البرديجي بإثبات عبارة التوثيق(٣). مما يدل على أن قراءتي لها من المخطوط كان على الوجه الصحيح! (١) انظر ما سبق (٣٩٢). (٢) تاريخ دمشق - خط - (٤ / ٥٣). (٣) تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر، تهذيب عبد القادر بدران (٤١٩/٣). ٤٠٠