النص المفهرس

صفحات 361-380

وقال عثمان بن سعيد الدارمي: ((المبارك عندي فوق
الربيع بن صبيح، فيما سمع من الحسن، إلا أنه ربما دلس))(١).
قلت: وقد تقدم الكلام عن حكم عنعنة المبارك عن شيوخه
عامة، وعن الحسن خاصة(٢). وذكرنا أنه يضعف حديثه إذا عنعنه
في شيوخه عامة، ويحسن وإن عنعن في حديثه عن الحسن
خاصة. وذكرنا أيضًا أن ذلك لاختصاصه بالحسن البصري،
وملازمته السنين الطويلة. وهذا أوان إثبات ذلك الاختصاص،
وتلك الملازمة :
قال البخاري في (تاريخه الأوسط) المطبوع خطأ باسم
(التاريخ الصغير)(٣): ((حدثنا أبو الوليد(٤) قال: حدثنا المبارك بن
فضالة، قال: جالست الحسن ثلاث عشرة سنة، يقرأ القرآن من
أوله إلى آخره، يفسره على الأثبات)»(٥).
وهذا إسناد صحيح.
وقال أبو القاسم البغوي في (الجعديات)، المطبوعة باسم
(مسند ابن الجعد): ((حدثنا عمر بن شبّة(٦) حدثنا عفان: حدثنا
(١) تاريخ الدارمي (رقم ٣٣٤).
(٢) انظر ما سبق (٣٤٩ - ٣٥٠).
(٣) أوَّل من استفدت منه هذه المعلومة المهمة، وهي أن (التاريخ الصغير)
المطبوع، إنما هو (التاريخ الأوسط) للبخاري، هو أبو عبد الله محمود بن
محمد الحداد، حيث بيّن ذلك، وأثبته بأدلة قاطعة، في (فهرس مصنفات
الإمام البخاري) فانظره: (٢٨ -٢٩).
(٤) هشام بن عبد الملك الباهلي، مولاهم، أبو الوليد الطيالسي البصري (ت
٢٢٧ هـ)، وله أربع وتسعون.
قال الحافظ في (التقريب)) (رقم ٧٣٠١): ((ثقة)).
(٥) التاريخ الأوسط للبخاري (١٤٤/٢)، والكامل لابن عدي (٣١٩/٦).
(٦) هو ابن عبيدة النميري، أبو زيد ابن أبي معاذ البصري، نزيل بغداد (ت
٢٦٢ هـ)، وقد جاوز التسعين.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٩١٨): ((صدوق له تصانيف)).
قلت: بل هو ثقة، كما قال الذهبي في ((الكاشف)) (رقم ٤١٢٥)، وانظر
التهذيب (٧ /٤٦٠ - ٤٦١).
٣٦١

بَهْز(١) قال: مبارك بن فضالة أخبرنا أنه جالس الحسن ثلاث .. أو
أربع عشرة سنة))(٢).
وإسناده صحيح أيضًا.
ثم إن المبارك بن فضالة وُصِف بالوهم في (صيغ الأداء).
فقد سبق عن الإمام أحمد قوله: ((كان مبارك يرفع حديثًا
كثيرًا، ويقول في غير حديث عن الحسن، قال: حدثنا عمران ...
قال: حدثنا ابن مغفل ... وأصحاب الحسن لا يقولون ذلك))(٣).
وسبق أيضًا أن الإمام أحمد أنكر على المبارك روايته عن
الحسن أنه قال: ((أخبرنا أبو بكرة)» كذلك (٤).
فالإمام أحمد يشك في صحة (الصيغ) التي يرويها المبارك
بين شيوخه وشيوخهم، ويقول: إنه يخالف أصحاب الحسن في
إثبات سماع الحسن من أولئك الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا من الإمام أحمد - رحمه الله - شك في غير محله!
فمَنْ لازم الحسن ثلاث عشرة سنة لا ينكر عليه أن يتفرد
بما لا يتابعه عليه غيره.
بل لو لم يحضر المبارك بن فضالة إلا ذلك المجلس، الذي
كان هو السبب في هذه الترجمة الطويلة للمبارك، لكفى بذلك
المجلس دليلاً قويًا، وسببًا مقنعًا، لقبول ما ينفرد به المبارك بن
فضالة عن الحسن من صيغ للأداء، التي تَذْكُرُ سماعَ الحسن من
بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فإن ذلك الخبر يذكر أن المبارك بن فضالة شهد مجلسًا
للحسن البصري، قام إلى الحسن فيه رجل طلب منه أن يسند له
(١) هو ابن أسد العَمِّ، أبو الأسود البصري، (ت بعد ٢٠٠هـ، وقيل: قبلها).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٧١): ((ثقة ثبت)).
(٢) الجعديات للبغوي (رقم ٣٣٨٩).
(٣) انظر ما سبق (٣٤٨ - ٣٤٩).
(٤) الموطن السابق.
٣٦٢

مروياته، فقال له الحسن: ((سل عما بدا لك))، فسأله ذلك الرجل
عن حديث، فأخبره الحسن أنه سمعه من أنس وجابر رضي الله
عنهما، ومن عبد الله بن قدامة عن الأسود بن سريع رضي الله
عنه، ثم إن الحسن لم يُسأل يومها عن شيء إلا أسند، فقام
الناس من عنده، وقد عرفوا قدر الحسن البصري، عندما عرفوا
شيوخه في الرواية(١) !!
فلا يُنكر على المبارك بن فضالة - وقد حضر هذا المجلس
الذي أسند فيه الحسن، وصرح بالسماع من شيوخه - أن يتفرد
بصيغٍ للأداء بين الحسن وشيوخه، دون باقي تلامذة الحسن.
ثم إن الرد القاطع على وصم المبارك بن فضالة بالوهم في
صيغ الأداء: أن الصحابة الذين كان تصريحُ الحسن بالسماع منهم
من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن سببًا لوصم المبارك بن
فضالة بالوهم في صيغ الأداء، قد صح سماع الحسن منهم، من
غير طريق المبارك بن فضالة، وأثبتَ جماعةٌ من الأئمة سماع
الحسن منهم. فلا تفرَّد المبارك بن فضالة بذكر صيغ السماع تلك،
ولا أتى شيئًا منكرًا يوجب التردد في الصيغ التي يحكيها بين
شيوخه وشیوخهم.
كما سيأتي ذلك - بإذن الله تعالى - في مبحث: ((عبد الله بن
مغفل(٢)، وكما أنه هو الراجح في: عمران بن الحصين(٣) وأبي
بكرة(٤) رضي الله عنهم.
(١) انظر ما سبق (٣٣٥).
(٢) انظر ما سيأتي (١٧١٥ - ١٧٥٢).
(٣) انظر المجروحين لابن حبان (١٦٣/٢ - ١٦٤)، والمستدرك للحاكم (١/
٢٩)، (٢٣٤/٢، ٣٨٥)، ونصب الراية (٩٠/١)، وغيرها.
وهو مبحث طويل أرجو أن ييسر الله تعالى توضيحه في بحث مُكَمْلٍ لهذا
البحث، إن شاء الله تعالى.
(٤) انظر صحيح البخاري، عقب الحديث رقم (٢٧٠٤)، والكنى للإمام مسلم
- خط - (٣٤)، وغيرهما.
٣٦٣

ولعل الإمام أحمد نفسه، قد تغير رأيه هذا في المبارك بن
فضالة، بعد أن ثبت له سماع الحسن من عبد الله بن مغفل، كما
سيأتي عنه في موضعه - إن شاء الله تعالى -(١) !!
وإلى هنا ... نكون قد أشرفنا على الانتهاء من ترجمة
المبارك بن فضالة، وبقي ذكر الحكم المستخلص عليه عند
المتأخرين، كالحافظ ابن حجر، والإمام الذهبي.
وأما الحافظ ابن حجر، فقال في (التقريب): ((صدوق،
یدلس، ویسوي»(٢).
وأصاب الحافظ، إلا في قوله: ((يسوِّي))، إذ ليس في أصل
(التقريب)، وهو (التهذيب)، ما يدل على أن المبارك بن فضالة
كان يسقط الرجل بين شيخه وشيخ شيخه، ويرويه بإسقاط تلك
الواسطة، كما عرَّفوا تدليس التسوية(٣). فلا ورد هذا في
(التهذيب)، ولا وجدته في المصادر التي ترجمت للمبارك، ولا
ذکر الحافظ عليه دليلاً !!
وأحسب الحافظ فهم ذلك من وصم الإمام أحمد للمبارك
بالوهم في صيغ الأداء، التي يذكرها المبارك بين شيوخه
وشیوخهم.
فإن كان ... فهو فهم خاطىء، والذي بُنِي عليه - أصلاً -
غیر صحیح !! كما سبق.
وأمَّا الإمام الذهبي فقال في (سير أعلام النبلاء): ((الحافظ
(١) انظر ما سيأتي (١٧١٢).
(٢) التقريب (رقم ٦٤٦٤).
(٣) قال الخطيب فى (الكفاة) (٤٠٢): ((وربما لا يسقط المدلس اسم شيخه
الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلاً، يكون ضعيفاً في
الرواية، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك)). وانظر فتح المغيث
للسخاوي (٢٢٦/١ - ٢٢٨).
٣٦٤

المحدث الصادق الإمام ... صحب الحسن وحدث عنه،
فأكثر)(١).
ثم قال في أواخر ترجتمه: ((هو حسن الحديث))(٢).
ثم إن الحافظ ابن حجر ذكر المبارك بن فضالة في المرتبة
الثالثة من مراتب المدلسين، في كتابه (تعريف أهل التقديس)(٣).
والمرتبة الثالثة، هي - كما قال الحافظ -: من أكثر التدليس،
فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم، إلا بما صرحوا فيه بالسماع،
ومنهم من ردّ حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم)) (٤).
وهنا ألخص درجة المبارك بن فضالة: فدرجته من جميع ما
سبق، تتفرع إلى أربع أقسام:
الأول: إذا عنعن المبارك بن فضالة في حديثه عمن سوى
الحسن، يكون حديثه ضعيفًا، خاصّة من نكارة حديثه.
الثاني: إذا صرح بالسماع عمن سوى الحسن، يكون حديثه
حسنًا جيدًا.
الثالث: إذا عنعن المبارك في حديثه عن الحسن، يكون
حديثه حسنًا لبقاء احتمال التدليس، وإن ضَعُف.
الرابع: إذا صرح بالسماع عن الحسن، يكون حديثه
صحيحًا، لاختصاصه بالحسن، وكثرة ملازمته له.
وبعد هذه الترجمة الطويلة، نعود إلى ما كنا فيه، ودعانا إلى [عَوْدٌ إلى
هذه الترجمة: وقد كنّا في سياق أدلة من قووا مراسيل الحسن
البصري، فذكرنا ما يدل على أن مراسيل الحسن أو أكثرها عن
الصحابة رضي الله عنهم.
حُجَجَ مَنْ
قَـوَّى
مراسيل
الحسن]
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٨١/٧).
(٢) سير أعلام النبلاء ٢٨٤/٧).
(٣). تعريف أهل التقديس لابن حجر (١٠٤ رقم ٩٣).
(٤) تعريف أهل التقديس لابن حجر (٢٣).
٣٦٥

ثم ذكرنا خبرًا صحيح الإسناد إلى المبارك بن فضالة، أعيد
متنه هنا، لطول الفاصل:
قال المبارك بن فضالة: ((شهدت الحسن، وقام إليه
إبراهيم بن إسماعيل الكوفي، فقال: يا أبا سعيد إنَّا نسمع منك
أحاديث تحدث بها عن رسول الله وَ له، فأسندها لنا؟ قال: سل
عمَّا بدا لك. قال: حديث النبي ◌ّ﴾ في قيام الساعة؟ فقال:
حدثني أنس بن مالك عن النبي ◌ِّر، وحدثني جابر بن عبد الله
عن النبي وَّر، وحدثني عبد الله بن قدامة - وكان أمرأ صدق - عن
الأسود بن سريع، عن النبي وَل ﴾، [فما سألوه يومئذ عن شيء إلا
أسند]، فقاموا، وقالوا: كِدْنا نُغْلَب على هذا الشيخ))(١).
فهذا خبر يدل على أنَّ غالب مراسيل الحسن عن الصحابة،
أو عن الثقات.
وأنَّ الكلام في مراسيله والشك فيها قديم، من زمن الحسن
البصري، وفي حياته، حتى كاد ذلك أن يصرف بعض الرواة عن
الحسن، لزيادة شكهم في مراسيله. ثم إنهم عندما استثبتوه،
وجدوه لا يحيل إلا على مليء، فقاموا وقد فرحوا بشيخهم،
وتوثقوا من تحرِّيه في الرواية، وحمدوا الله على أنّهم لم ينصرفوا
عن شیخهم، فیفوتهم منه مالا یدرکونه عند غيره !!
وعلَّق ابن عبد البر في (التمهيد) الخبر الآتي:
((قال عباد بن منصور(٢): سمعت الحسن يقول: ما حدثني
به رجلان ... قلت قال رسول الله وَ لا))(٣).
(١) انظر ما سبق (٣٣٥).
(٢) عباد بن منصور الناجي، أبو سلمة البصري، القاضي بها (ت ١٥٢هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣١٤٢): ((صدوق، رمي بالقدر، وكان
یدلس، تغیر بآخرة».
(٣) التمهيد لابن عبد البر (٥٧/١).
٣٦٦

ونقله عن (التمهيد) ابن رجب في (شرح العلل)(١)، فكأنه
لم يجده إلا فيه، ولم يقع على إسناد له.
وقال الخصيب بن ناصح(٢): ((كان الحسن إذا حدَّثه رجل
واحد عن النبي بَير ذكره، وإذا حدَّثه أربعة بحديث عن النبي وَل
ألقاهم، وقال: قال رسول الله (وَلَ))(٣).
قال ابن رجب عقبه في (شرح العلل): ((الخصيب بن
ناصح، مصري متأخر، لم يدرك الحسن)) (٤).
والأمر كما قال ابن رجب.
ويروى عن يونس بن عبيد، أنه قال: ((سألت الحسن،
قلت: يا أبا سعيد، إنك تقول: قال رسول الله وَليو، وإنك لم
تدر که؟!
قال: يا ابن أخي، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد
قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -
وكان في عمل الحجاج - كل شيء سمعتني أقول: قال
رسول الله وَّر، فهو عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - غير
أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًا))(٥).
قلت: وفي إسنادها: ثمامة بن عبيدة أبو خليفة العبدي
البصري، وهو شديد الضعف، بل رماه علي بن المديني
بالكذب(٦).
(١) شرح العلل لابن رجب (٥٣٧).
(٢) هو الحارثي البصري، نزيل مصر (ت ٨، وقيل: ٢٠٧ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٧١٧): ((صدوق يخطىء).
(٣) شرح العلل لابن رجب (٥٣٦/١).
(٤) المصدر السابق.
(٥) تهذيب الكمال للمزي (١٢٤/٦ - ١٢٥).
(٦) انظر الضعفاء الصغير للبخاري (رقم ٤٥)، ولسان الميزان لابن حجر
(٨٤/٢).
٣٦٧

ولذلك تعقب ابن رجب في (شرح العلل) هذا الخبر بقوله:
((إسناد ضعيف، والحسن لم يثبت سماعه من علي))(١).
هذه بعض الأخبار الدالة على أنَّ مراسيل الحسن البصري
إنما كان يرسلها عن الصحابة رضي الله عنهم، أو عن جماعة من
كبار التابعين الثقات. مما يعني أنَّ مراسيل الحسن البصري من
المراسيل القوية، إذ إن الوسائط فيها وسائط مأمونة، ليست من
الضعفاء أو المجهولين.
وقد احتج أحد المعاصرين(٢) بخبر آخر، على قوة مراسيل
الحسن، فأورد كلمة عثمان بن مسلم البَتّي (ت ١٤٣ هـ): ((ما
فسر الحسنُ آيَةً إلا عن الأثبات))(٣).
ففهم هذا المعاصر، بناء على هذا التصحيف الذي وقع في
إحدى طبعات متن سنن أبي داود، أن الحسن لم يكن يروي
التفسير إلا عن شيوخ أثبات ثقات!
والصواب في العبارة: ((ما فسر الحسن آية إلا على
الإثبات».
أي: على إثبات القدر، والباب الذي أخرج فيه أبو داود
كلام عثمان البتي السابق، يدور كله حول إثبات الحسن للقدر. ثم
إن العبارة على الصواب الذي ذكرناه في غير ما مصدر (٤)، بل في
سنن أبي داود نفسها مع شرحه (عون المعبود)(٥).
(١) شرح العلل لابن رجب (٥٣٧).
(٢) هو عبد الفتاح أبو غدة، في حاشية تحقيقه لـ (قواعد في علوم الحديث)،
للتهانوي (١٥٣).
(٣) سنن أبي داود (رقم ٤٦٢٦).
(٤) انظر: الإبانة لابن بطة (١٨٧/٢/٢ رقم ٦٨٧)، وتحفة الأشراف، للمزي
(١٦٧/١٣ - ١٦٨ رقم ١٨٥٢٥).
(٥) عون المعبود، لشمس الحق آبادي (٣٧٩/١٢ - ٣٨٠ رقم ٤٦٠٢).
٣٦٨

وثالث الحجج لمن قووا مراسيل الحسن: أخبار ونقول تفسر
النقول والأخبار التي احتج بها من ضعف مراسيل الحسن،
وتجعلها غير دالة على ضعفها!
فقد صح عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ابن
جُدعان، قال: ((ربما حدَّث الحسن بالحديث أسمعه منه، فأقول:
يا أبا سعيد، أتدري من حدثك؟ فيقول: لا أدري، إلا أني سمعته
من ثقة! فأقول: أنا حدثتك))(١).
فهذا الخبر يدل على أنَّ الحسن البصري كان متحريًا في
الرواية، وأن أصل مذهبه أنه لا يروي إلا عن ثقة، ولذلك فإنه لا
يتحرج أن يرسل الحديث، إذا نسي من حدَّثه به.
وهذا المذهب في عدم الرواية إلا عن الثقات، هو سبب
إرسال الأئمة الذين كانوا لا يرسلون إلا عن ثقة.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (النكت على كتاب ابن
الصلاح) إجابة لمن سأل: ما الحامل لمن كان لا يرسل إلا عن
ثقة على الإرسال؟ فذكر الحافظ ثلاثة أسباب لذلك، قال في
أوسطها: ((ومنها: أن يكون نسي من حدَّثه به، وعرف المتن،
فذكره مرسلاً، لأن أصل طريقته أنه لا يحمل إلا عن ثقة))(٢).
وهذا الكلام بنصه ذكره الأمير الصنعاني في (توضيح
الأفكار)(٣).
أمَّا الرواية التي يقول فيها علي بن زيد ابن جُدعان: إنه مرةً
حدث الحسن بحديث، فسمع الحسن بعد ذلك يرسله، فسأله
(١) تاريخ ابن أبي خيثمة (٥٠/أ) والكامل لابن عدي (١٩٧/٥)، والكفاية
للخطيب (٤١٠ - ٤١١).
(٢) النكت لابن حجر (٥٥٥).
(٣) توضيح الأفكار للصنعاني (٢٩٩/١).
٣٦٩
[ثالثاً:
أخبارٌ
ونُقول تفسَّرُ
الأخبار التي
احتجّ بها
مَنْ ضَعْف
مراسيل
الحسن]

عمن حدثه به. فقال له: ((دعني منك!)) فقال علي بن زيد: ((أنا
حدثتك به))!(١). فهذا إن حدث أكثر من مرَّة، فلا دلالة فيه على
ضعف مراسيل الحسن، لأن علي بن زيد ثقة عند الحسن، كما
ذكرته الرواية الآنفة عن الحسن نفسه، وعلي بن زيد حسَن
الحديث عن الحسن كما حققناه، فليس بعيدًا عن أن يكون ثقة
عند الحسن، بل هو موضع ثقة شيخه الثقة العظيمة، بتواريه في
منزله عن الحجّاج، كما مر فيما سبق(٢).
على أن الخطيب البغدادي يشكك في احتياج الحسن
البصري لأن يروي حديثًا عن علي بن زيد أصلاً، ويؤول الخبر
الوارد في ذلك، حيث يقول: ((قول علي بن زيد: (كنت أحدث
الحسن) يعني: أنه كان يذاكره بالحديث، فيرويه الحسن بعد،
ولعل الحسن قد كان تقدم سماعه إياه من بعض الرواة، إلا أنه لا
يصح الاحتجاج بما هذه حاله، لأن الراوي للحسن مجهول)) (٣).
وأنبه إلى أن الطرف الأخير من كلام الخطيب، مبنيٌ على
قاعدة تضعيف المراسيل عمومًا، ولا يخص درجة مراسيل الحسن
البصري. وأعني بطرف كلام الخطيب: قوله: ((إلا أنه لا يصح
الاحتجاج بما هذه حاله، لأن الراوي للحسن مجهول)).
ومعنى قوله: ((لأن الراوي للحسن)): أي: الذي روَّاه، فهو
يعني: شيخ الحسن البصري، الذي عندما أرسل الحسنُ عنه
الحديث، جهلناه، لأنه أسقطه فلم يذكره.
وأمَّا قول ابن عون السابق في أدلة موهِّني مراسيل الحسن:
(«كنت جالسًا عند الحسن، إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا سعيد،
عمن تحدث؟ قال: عنك، وعن هذا، وعن هذا))(٤).
(١) انظر ما سبق (٣٠٦).
(٢) انظر ما سبق (٣١٩ - ٣٢٠).
(٣) الكفاية للخطيب (٤١٠ - ٤١١).
(٤) انظر ما سبق (٣٢٣).
٣٧٠

فلست بمُتَمَحِّل إن قلت: إنه لا دلالة فيه على ضعف
مراسيل الحسن، إلا إذا ثبت لدينا أنَّ الذين أشار إليهم الحسن
ضعفاء أو غير مؤتمنين!
كيف وبعض الذين أشار إليهم الحسن، ورد أنه أحد الثقات
الجلة !!
فعن ابن عون قال: ((قال بكر المزني للحسن، وأنا عنده،
عمن هذه الأحاديث التي تقول فيها: قال رسول الله وَله؟ قال:
عنك، وعن هذا))(١).
فهذه الرواية تنص على أنَّ أحد الذين أشار إليهم الحسن
البصري، أنه كان يرسل الأحاديث عنهم: بكر بن عبد الله
المزني، أبو عبد الله البصري، أحد أقران الحسن البصري (ت
١٠٦ هـ)، وهو ثقة ثبت جليل، كما قال الحافظ في (التقريب)(٢).
وأمَّا رواية مساور الوراق عن أخيه سيار العنزي(٣) والتي
توحي بهجوم الحسن على الرواية عن كتب مجهولة المصدر
والثقة: فإنه قول غير مقبول أصلاً. فإن عدم التوثُّقِ في قول:
(قال رسول الله وَل38)، بتلك الصورة التي قد توحي بها تلك
الرواية، مما يتورع عنه كثير من عوام الناس في عصرنا، ويستقبحه
ويستهجنه طلبة العلم في زماننا، فكيف بإمام العلماء، ورمز الزهد
والورع، في عصر التابعين والسلف الصالحين؟ !!
ومع ذلك فإن الحسن البصري في عصر لم يكن فيه من
ضير على الراوي من الصحف، إلا أنَّها صحف غير معجمة بالنقط
ولا مشكولةٍ بالضبط، فيُخشى على المعتمد عليها من غير أهل
(١) التمهيد لابن عبد البر (٥٨/١).
(٢) التقريب (رقم ٧٤٣).
(٣) انظر ما سبق (٣٢٣).
٣٧١

العلم والمعرفة بالعربية، والراوي منها دون سماع أو عرض، من
التصحيف فيها. ذلك لأن عصر الحسن لم تكثر فيه الصحف
كثرتها في العصور المتأخرة، التي كان يُخشى معها أن تكون نسخًا
الكذابين. وإنما كانت صحفًا - في عهد الحسن - لبعض كبار
التابعين، بل ولبعض الصحابة.
والواقع يثبت ذلك!
فقد روى الحسن صحيفة موثوقة لأحد التابعين الثقات،
كتبها عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه(١).
وروى الحسن أيضًا صحيفة كتبها سمرة بن جندب رضي الله
عنه لأبنائه(٢) ... كما سيأتي ذلك كله في موضعه - إن شاء الله
تعالى -.
ولم أجد - بالتتبع - في هذا البحث، أنَّ الحسن روى
صحيفة غير موثوقة، أو حدَّث عن نسخة غير صحيحة.
على أنَّ لمساور الوراق خبرًا آخر مع الحسن، يقضي على
دلالة الخبر السابق الذي يتمسك به من ضعف مراسيل الحسن.
قال مساور الوراق: ((قلت للحسن: عمن تحدث هذه
الأحاديث؟ قال: عن كتاب عندنا، سمعته من رجل))(٣).
فهذا قاطع على أن رواية الحسن عن بعض كتبه لم تكن
وجادة، بل هي كتب مسموعة للحسن.
فرواية الحسن من الكتب ليست دليلاً على ضعف مراسيله،
بل على العكس .. هي دليل على توَثّقِه وضبطه في روايته !! إذ إنَّ
روايته عن الكتب المسموعة، دليل على أنه كان حريصًا على
(١) انظر ما يأتي (٨٥٦ - ٨٥٧، ٨٨٥ - ٨٨٦).
(٢) انظر ما يأتي (١٣٠١ - ١٣٠٥).
(٣) المنتخب من (ذيل المذيل، للطبري) بذيل تاريخ الطبري (١١/ ٦٣٧).
٣٧٢

معارضة محفوظة على مكتوبه، وعدم الاتكال على الحفظ دون
الکتاب.
وللحسن البصري كلمة مشهورة في ذلك، ألا وهي قوله:
(إنَّ لنا كتبًا نتعاهدها))(١).
فتعامُدُ الكُتُبِ، لتعهُّدِ الحفظ، هو شأن أئمة الرواية في
الضبط وصحة الأداء.
والإمام الطبري بينما أراد أن يذكر ما يدل على سبب
تضعيف مراسيل الحسن، إذ به يذكر ما يدل على قوتها! عندما
قال: ((غير أنه كثير المراسيل، كثير الرواية عن قوم مجاهيل، وعن
صحفٍ وقعت إليه لقوم، أخذها منهم وعنهم))(٢).
فقول الطبري: ((أخذها منهم وعنهم)) يشير إلى طريقتين من
طرق التحمل المقبولة، فـ (منهم) إشارة إلى (المناولة)(٣)،
و(عنهم) إشارة إلى (الوجادة).
هذا ومع كون الحسن يروي عن صحف، فلا يمنع ذلك أن
تكون هذه الصحف صحفًا مسموعة للحسن، ممن أخذها منهم
وعنهم! ولولا أنَّ سياقَ كلام الطبري السابق سياقُ استضعاف،
لحملت كلامه على أنها صحف مسموعة، أخذًا من قوله: ((عنهم))
وأنَّ (منهم) إشارة إلى (المناولة المقترنة بالإجازة).
(١) معرفة الرجال، لابن معين. برواية ابن محرز (٢٧/٢)، والمعرفة والتاريخ
للفسوي (٢٧٧/٢)، والمحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٣٣٧)، وتقييد
العلم للخطيب (١٠٠ - ١٠١)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع له
أيضاً (١٤/٢ رقم ١٠٤٠)، وجامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر
(١٢٤).
(٢) المنتخب من (ذيل المذيل للطبري) بذيل تاريخ الطبري (١١/ ٦٣٧).
(٣) المناولة، هي: إعطاء الطالب شيئاً من مروياته، مع إجازته له به، صريحاً
أو كناية، وهي أعلى من الإجازة، بل هي أعلى أنواعها، وهي المسماة
في أنواع الإجازة بـ (المناولة المقترنة بالإجازة).
انظر: الكفاية للخطيب (٣٦٣)، وتوضيح الأفكار للصنعاني (٣٣٣/٢).
٣٧٣

[الردّ على
اتّهام
الحسن
بالرواية عن
المجهولين]
[الردّ الأول:
أن واقع
الروايات
يخالف ذلك]
[الردّ الثاني:
أن طبقة
شيوخ
الحسن من
الصحابة
وكبار
التابعين
وهؤلاء لهم
حكمهم
الخاص]
على أنَّ سياق كلام الطبري الذي فيه ذلك التضعيف
المراسيل الحسن، قد يكون مَبْنِيًّا على رأي للطبري في بعض طرق
التحمل، وفي حجية مثل المناولة والوجادة والعمل بها.
الرد على اتهام الحسن بالرواية عن كُلّ ضَرْبٍ دون تَحرِّي:
وأمَّا اتهام الإمام الطبري للحسن بروايته عن المجاهيل، وهي
التهمة التي كان يدندن حولها - من قبل - محمد بن سيرين، فعليها
ردود :
الأول: أن واقع روايات الحسن البصري المرسلة تؤيد أنه لم
يكن يروي إلا عن الثقات، وذلك هو ما أثبته القطان، والإمام
أحمد، وعلي بن المديني، عندما صححوا مراسيل الحسن بناء
على سبرها، كما وضحنا ذلك في موضعه من هذا البحث
سابقا (١). إذ إن صحة مراسيل الحسن، لا تكون إلا لثقة من روى
عنهم تلك المراسيل، كما لا يخفى.
الثاني: أن طبقة الحسن البصري هي الطبقة العليا من أواسط
التابعين في السن والإدراك، بل ما أقربه أن يكون من كبار التابعين
طبقة .
وطبقة مثل هذه الطبقة فإن جل روايات أهلها عن الصحابة
رضي الله عنهم، وكما أثبتته الأخبار السابقة في خصوص الحسن
البصري .
خاصة إن كان هذا التابعي الكبير إمامًا من الأئمة الأعلام،
كالحسن البصري، الذين أثبت ما انتشر من علمهم، وما شع من
شموس معارفهم، أنَّ لهم ماضيًا أغر في طلب العلم، في شِرَةٍ
الشباب (والشرة: النشاط)؛ ونَهَمًا على التزود والاستكثار من العلم
في زمن الطلب، مما يدعوهم إلى عدم تفويت كبار العلماء، بل
(١) انظر ما سبق (٣٣٣ - ٣٣٤).
٣٧٤

دعاهم إلى ذلك، وإلى استدراك حياة الصحابة رضوان الله عليهم،
قبل غروب عهدهم، وذهاب قرنهم.
ومع ذلك .. فإن تلك الطبقة قد تنزل أحيانًا، فتروي عن
بعض من أدرك من لم يدركوه هم، كشيوخ التابعين الكبار ممن
أدرك العشرة المبشرين، أو نحوهم، وكبعض المخضرمين ممن
أدرك الجاهلية، وليس له رؤية.
ومع أن رواية طبقة كبار التابعين عن تابعين أكبر منهم سنّا
أو عن بعض المخضرمين، قد يقع، لكنه قليل بالنسبة لرواياتهم
عن شيوخهم من الصحابة.
وإذا لم نجد في شيوخ التابعين أو المخضرمين توثيقًا، ولا
تجريحًا، منصوصًا عليه، فإن لهذه الطبقة العليا، والصدر الأول
من التابعين، ميزة على غيرهم، لعدم فشو الكذب فيهم، ولجلالة
طبقتهم.
ولذلك ذكر أبو عمرو ابن الصلاح رأي من احتج بعدل
الظاهر، وهو المستور، ثم قال: ((ويشبه أن يكون العمل على هذا
الرأي، في كثير من كتب الحديث المشهورة، في غير واحد من
الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم))(١).
ولا يشك من لاحظ سياق ابن الصلاح، أن (العمل) الذي
جاء في كلامه، أو كما قال: (العمل على هذا الرأي)، هو رأي
من احتج برواية المستور. حيث ذكر ابن الصلاح قبل كلامه
السابق كلامًا لسليم بن أيوب الرازي (ت ٤٤٧ هـ) في الاستدلال
لمن احتج بحديث المستور.
لذلك أقول: إن من فهم كلام ابن الصلاح على غير الذي
ذكرناه، وفسر (العمل) الوارد بغير الاحتجاج، فإنه واهم(٢)!
(١) علوم الحديث لابن الصلاح (١١٢).
(٢) انظر: رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق
والتجهيل، لعداب محمود الحمش (٢٢٢).
٣٧٥

وهذا الفهم لكلام ابن الصلاح، سبق إليه الحافظ المحقق
عماد الدين ابن كثير في (اختصار علوم الحديث)(١)، وكفى به.
وسيأتي كلام ابن كثير بعد أسطر.
ونعود إلى مسألة الاحتجاج بكبار التابعين، فهذا الإمام
الذهبي يقول في آخر كتابه (ديوان الضعفاء): ((وأمَّا المجهولون من
الرواة :
فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتمل
حديثه، وتلقي حديثه بحسن الظن، إذا سلم من مخالفة الأصول
وركاكة الألفاظ.
وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين، فيتأنى في رواية
خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه، وتحريه، وعدم
ذلك.
وإن كان المجهول من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فهو
أضعف لخبره، سيما إذا انفرد به))(٢).
فهذا كلام في معاملة المجاهيل، وطبقاتهم في الاحتجاج،
يكتب بماء الذهب، ويفرح به الحديثي فرحًا جمًّا !.
وقال الحافظ ابن كثير أيضًا في (اختصار علوم الحديث):
((فأمَّا المبهم الذي لم يسم، أو من سُمِّي ولا تعرف عينه، فهذا
ممن لا يقبل روايته أحدٌ علمناه، ولكنه إذا كان في عصر التابعين،
والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها
(٣)
في مواطن))(٣).
(١) اختصار علوم الحديث لابن كثير (٩٢).
(٢) ديوان الضعفاء والمتروكين (٤٧٨).
(٣) اختصار علوم الحديث (٩٢).
٣٧٦

قلت: وتنبه - أخي - أنه يتكلم عن (مجهول العين)، ومع
ذلك جعله ممن يستأنس بروايته، فإذا كان من (مجهولي الحال)،
ومن التابعين، لا شك أنه سيرتفع عند ابن كثير عن مجرد
الاستئناس.
والمسألة لم تزل في حاجة إلى دراسة تستجلي بقية جوانبها،
وتضع لنا قاعدة واضحة في حكم الجهالة في طبقة كبار التابعين.
وكل ما أستطيع الجزم به هنا، هو أنَّ لهذه الطبقة - من كبار
التابعين - ميزة، لا يصح معها أن يلحق الراوي عنهم لوم أو
عيب، في أقل تقدير !!
الثالث: وهو مأخوذ من ذيل السابق: وهو أن الحكم على
راو بأنه مجهول أو مستور، إنما هو بالنسبة لعلم الحاكم عليه
بذلك، ولا يتجاوز إلى حُكْمٍ عليه مُطَابِقٍ لواقع الحال.
ومن وجه آخر، أقول: إن حكمنا بالجهالة على من لم يرو
عنه إلا راو واحد، ولم يوثق، إنما هو مبني على إعلاننا عدم
العلم بعدالة ذلك الراوي، لا أنه مبني على أنَّ ذلك الراوي غير
معلوم العدالة مطلقًا، حتى عند الواحد الذي روى عنه.
فالراوي الذي لم يرو عنه إلا الحسن البصري، ولم يوثق،
هو على حسب قواعد المصطلح: مجهول، لكن ذلك لا يلزم منه
أن يكون هذا المجهول عندنا مجهولاً أيضًا عند الحسن نفسه، لا
يعرف منه الحسنُ غيرَ تلك الرواية التي سمعها منه، مع عدم
الخبرة بدینه وضبطه.
لذلك فإن مؤاخذة الراوي لکونه يروي عمن جهلناهم نحن،
لا تكتمل عُقَدُه حتی یثبت أن ذلك الراوي نفسه يجهل من روى
عن طريقهم، أو حتى يظهر لنا ضعف رواية أولئك المجاهيل،
عن طريق سبر أحاديثهم، فوجدنا فيها المخالفات أو البواطيل.
٣٧٧
[الردّ الثالث:
جهلنا
ببعض
شيوخ
الحسن لا
يعني أن
الحسن
جهلهم
أيضًا]

أما مؤاخذته لعدم علمنا بعدالة شيوخه، مع علمه هو
بعدالتهم، فإنه ظلم يتجاوز العلم إلى الجهل.
ولا يعني ذلك ألا نطبق القواعد في معرفة العدالة، ولست
أقصد من هذا أن لا نحكم بالجهالة على الرواة إذا تحققت لهم
بالنسبة لنا، فإن هذا شيء، ولَوْمُ الراوي لروايته عمن جهلناهم
نحن، شيء آخر!
ولا يتحقق اللوم إلا بأحد طرق ثلاثة، سبقت الإشارة إليها
قبل أسطر، وأطبقها على الحسن البصري:
الطريق الأول: أن يصرح الراوي بأنه يروي عمن
يجهلهم، وقد تقدم أن من احتج لضعف مراسيل الحسن، احتج
بأخبار يزعم أنها تدل على عدم تحري الحسن في الرواية، وأنه
يروي عن كل أحد.
ولكن تقدم أيضًا ذكر أخبار تدل على تحري الحسن في
الرواية، بل وعلى أن غالب رواياته عن الصحابة رضي الله عنهم.
الطريق الثاني: أن نلحظ في روايات الراوي الثقة عن
شيوخه المجهولين، مخالفات في رواياتهم، أو أحاديث منكرات،
فنستدل بذلك على ضعف أولئك المجهولين. وإن كانت تسميتهم
بالمجهولين بعد ظهور الضعف في حديثهم، إنما هو باعتبار ما
كان قبل سبر حديثهم.
ونستنتج من هذا ... إذا لاحظناه في مرويات أولئك
المجهولين، أنَّ الراوي عنهم ممن لا يتحرون في الرواية، وأنه -
لثقتنا به - يروي عمن يجهلهم هو ... إحسانًا للظن بهم!
وحينها نلومه لروايته عمن جهلناهم، وجهلهم هو نفسه!
وهذا مما لم يكن مع الحسن البصري، بل قد ذكرنا فيما
سبق تصحيح غير واحد من الأئمة لمراسيل الحسن، التي يحذف
٣٧٨

الحسن إسنادها بالكلية، فضلاً عن التي يسمي فيها من حدثه
ويسندها (١)!
الطريق الثالث: الرواية عن المعروفين بالضعف، والإكثار
من ذلك، فمثل هذا أولى به أن يروي عمن يجهلهم هو نفسه،
بعد أن رضي الرواية عمن عرفهم هو بالضعف!
والحسن البصري أبعد ما يكون عن الرواية عن الضعفاء،
أقولها حقًّا، بناء على استقصاء، واستقراء، هو بقية هذا البحث
فانظره تجد ما قلته حقًا حقًا!
وسوف يأتي قريبًا حصر من قيل إن الحسن يروي عنهم من
الضعفاء والمجهولين، والكلام على كل واحد منهم على حدة(٢).
وسوف ترى - بإذن الله تعالى - أنَّ الحسن عظيم التحري في
الرواية، لا ينزل في ذلك عن المنزلة الحقيقة به، وبورعه،
وعقله، وحميَّته للشرع، وحبه للنبي ◌ِّ، وغيرته على سُنَّته.
الرابع من الردود: أن الراوي المجهول تنفعه رواية الثقة
عنه، بل قد تقویه إذا کان الراوي عنه إمامًا کبیرًا، لا مجرد راو
ثقة!
[الردّ الرابع:
أن المجهول
تنفعه رواية
الثقات عنه]
وهو ما قرره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، حيث
عنون في مقدمة الكتاب: بقوله: ((باب في رواية الثقة عن غير
المطعون عليه أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه)).
ثم قال تحت هذا العنوان: ((سألت أبي عن رواية الثقات عن
رجل غير ثقة: مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوّه
روايته عنه، وإذا كان مجهولاً نفعه رواية الثقة عنه.
(١) انظر ما سيأتي (٣٨١ - ٣٨٢).
(٢) انظر ما سيأتي (٣٨٥ - ٤٥٢).
٣٧٩

[قال ابن أبي حاتم:] سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن
رجل: مما يقوي حديثه؟ قال: أي لعمري، قلت: الكلبي روی
عنه الثوري؟! قال: إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان
الكلبي يتكلم فيه»(١).
وقريب من ذلك، لكن بتفصيل الثقات إلى أئمة كبار،
وثقات ليسوا من كبار الأئمة - ما نقله ابن رجب في (شرح علل
الترمذي).
قال ابن رجب: ((قال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن
معين: متى يكون الرجل معروفًا، إذا روى عنه كم؟ قال: إذا
روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي، وهؤلاء أهل العلم،
فهو غير مجهول. قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن
حرب وأبي إسحاق؟ قال: هؤلاء يروون عن مجهولين. انتهى،
[قال ابن رجب:] وهذا تفصيل حسن، وهو يخالف إطلاق
محمد بن يحيى الذهلي، الذي تبعه عليه المتأخرون، أنه لا يخرج
الرجل من الجهالة إلا برواية رجلين فصاعدًا عنه))(٢).
وهذا الكلام وإن كان القول الراجح فيما ترتفع به الجهالة،
لكننا أيضًا استفدنا منه أن هناك تفريقًا عند الأئمة بين: من روى
عنه الأئمة الكبار، ومن روى عنه الثقة الذي لم يبلغ درجة الإمامة
الکېرى.
وقال الحافظ أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الله
الدمشقي (ت ٢٨١هـ) في (تاريخه): ((قلت لعبد الرحمن بن
إبراهيم - دُحيم -: كثير بن الحارث؟ قال: ما أعرفه. قلت له:
فتدفعه؟ وقد روى عنه خالد بن معدان ومعاوية بن صالح؟ قال:
(١) الجرح والتعديل (٣٦/٢).
(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (٣٧٧ - ٣٧٨).
٣٨٠