النص المفهرس
صفحات 301-320
فقال الخطيب البغدادي في (الكفاية) معلقًا على كلام ابن سيرين: ((أراد ابنُ سيرين: أنهم كانوا يأخذون الحديث عن كل أحد، ولا يبحثون عن حاله، لحسن ظنهم به، وهذا الكلام قاله ابن سيرين على سبيل التعجب منهم في فعلهم، وكراهته لهم ذلك))(١) . وأعجب - بعد ذلك - من الحافظ ابن رجب الحنبلي كيف فهم مُقدِّمة كلام الخطيب هذا؟! قال ابن رجب: ((قال الخطيب: أراد أنسَ بنَ سيرين، وفيه نظر))(٢). فقد فهم ابن رجب على أن قول الخطيب: ((أراد ابن سيرين)) أن الخطيب أراد تعيين (أنس) المهمل النسب في كلام محمد بن سيرين !! فقرأ ابن رجب (ابنَ سيرين) بالنصب على المفعولية، وظاهر أنها ليست كذلك !! وأنها مرفوعة، فاعلاً لـ(أراد)! وقال محمد بن سيرين أيضًا: ((لا تأخذوا بمراسيل [وفي رواية: لا تحدثن عن] الحسن وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا الحديث)) (٣). وقال عبد الله بن عون: ((كان الحسن يحدثنا بأحاديث، لو کان یسندها كان أحب إلينا» (٤). وذكر الإمام الشافعي في (الأم) حديثًا من مراسيل الحسن البصري إلى النبي ◌َّ﴾، يرويه عطاء بن أبي رباح عن الحسن البصري به مرسلاً، ثم قال الشافعي مشيرًا إلى ضعف مرسل (١) الكفاية للخطيب (٤١١). (٢) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٣٨). (٣) المعرفة والتاريخ للفسوي (٣٦/٢)، وسنن الدارقطني (١٧١/١)، والكفاية للخطيب (٤٣١)، واللفظ للدارقطني، والزيادة عن غيره. (٤) التمهيد لابن عبد البر (٥٧/١). ٣٠١ الحسن: ((وأخبرني بعض من أثق به: أن رجلاً من أهل العلم رواه عن مصعب، عن عطاء، عن النبي ◌َّلقول، وسكت عن الحسن! فقيل له: أصحاب مصعب يروونه عن عطاء عن الحسن؟! فقال: نعم، وكذلك حُدِّثنا، ولكن عطاء مرسل أنفق من الحسن مرسل!))(١). وذكر البيهقي في (معرفة السنن والآثار)، أن الشافعي عيّن الإمام الذي من أهل العلم، والذي قال ما سبق، في تفضيل مرسل عطاء على مرسل الحسن البصري. قال البيهقي: ((سمَّاه في القديم، فقال: إن ابن المبارك رواه عن مصعب، عن عطاء عن النبي وَلقوله وسكت عن الحسن ... - وذكر القصة ))(٢). فظهر بهذا أن الإمام الذي ضعّفَ مراسيل الحسن، وقوَّى مراسيل عطاء عليها، هو عبد الله بن المبارك رحمه الله. وقال الشافعي أيضًا في (الأم): ((وسليمان بن يسار، وعروة، أحسن مرسلاً عن عمر، ممن رويت عنه))(٣). فبيَّن البيهقي أن الذي أبهمه الشافعي هو الحسن البصري، فقال في (معرفة السنن والآثار): ((يريد رواية المبارك بن فضالة عن الحسن، فإن مراسيل الحسن غير قوية))(٤). غير أن للإمام الشافعي موقفًا آخر من مراسيل الحسن البصري، حكاه عنه بعض أصحاب مذهبه، ودللوا عليه، كما سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. (١) الأم للشافعي (١٨٨/٣). (٢) معرفة السنن والآثار للبيهقي (رقم ١١٧٦٠). (٣) الأم للشافعي (٢٤٧/٦). (٤) معرفة السنن والآثار للبيهقي (رقم ٢٠٣٣٦). ٣٠٢ وقال الإمام أحمد: ((مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته، وأمَّا الحسن وعطاء، فليس هي بذلك، هي أضعف المرسلات، لأنهما يأخذان عن كل أحد))(١). وقال ابن سعد في (الطبقات): ((ما أرسل من الحديث فليس بحجة)»(٢). وقال أبو داود في (سؤالات الآجري له)، وسأله الآجري: ((مراسيل عطاء أو مراسيل مجاهد؟ قال: مراسيل مجاهد، عطاء يحمل عن كل ضرب، قلت: (القائل الآجري): مراسيل الحسن أو مراسيل عطاء؟ قال: مراسيل عطاء))(٣). وقال الترمذي في (العلل الصغير): ((من ضعف المرسل، فإنه ضعف من قِبَل أن هؤلاء الأئمة حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثًا وأرسله، لعله أخذه عن غير ثقة: قد تكلم الحسن في معبد الجهني (٤)، ثم روى عنه))(٥). قال ابن رجب في (شرح العلل): ((أمَّا مراسيل الحسن: ففي كلام الترمذي ما يقتضي تضعيفها، فإنه ذكر أن الحسن ضعف معبدًا ثم روى عنه، فتضعف مراسيله حينئذ))(٦). (١) المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٣٩/٣ - ٢٤٠)، وسنن البيهقي (٤٢/٦)، ومعرفة السنن والآثار له (رقم ١١٧٧٤، ١١٧٧٥)، والكفاية للخطيب (٤٢٥ - ٤٢٦). (٢) الطبقات لابن سعد (١٥٧/٧ - ١٥٨). (٣) سؤالات الآجري لأبي داود [الماجستير] (رقم ١٠٥٥، ١٠٥٦). (٤) هو معبد بن خالد الجهني، القدري، ويقال إنه: ابن عبد الله بن عُگیحم، ويقال: اسم جده: عويمر، قتل سنة ثمانين. قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٧٧٧): ((صدوق مبتدع، وهو أول من أظهر القدر بالبصرة)). (٥) العلل الصغير للترمذي، بذيل جامع الترمذي (٧٥٥/٥). (٦) شرح العلل لابن رجب (٥٣٦). ٣٠٣ وقال ابن جرير الطبري في (تهذيب الآثار) (مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه): ((مراسيل الحسن أكثرها صحف غير سماع، وأنه إذا وُصلتْ الأخبار، فأكثر روايته عن مجاهيل لا يعرفون، ومن كان كذلك، فيما يروي من الأخبار، فإن الواجب عندنا أن نتثبت في مراسيله))(١). وقال ابن جرير الطبري أيضًا، في (ذيل المذيل) كما في منتخبه: ((كان الحسن عالمًا فقيهًا، فاضلاً، قارئًا، لا يشك في صدقه فیما روی ونقل. غير أنه كان كثير المراسيل، كثير الرواية عن قوم مجاهيل، وعن صحف وقعت إليه لقوم، أخذها منهم وعنهم))(٢). وقال الدارقطني كما في (تهذيب التهذيب): ((مراسيله فيها ضعف))(٣). وقال الخطابي في (معالم السنن - شرح سنن أبي داود): ((وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع))(٤). وقال البيهقي في (معرفة السنن والآثار): ((مراسيل الحسن غير قوية))(٥). وقال أيضًا: ((لا يشك حديثيٍّ في أن مراسيل سليمان بن يسار وعروة أولى من مرسل أبي المهلب، والحسن))(٦). وقال الحافظ الأندلسي عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي (١) تهذيب الآثار لابن جرير الطبري (مسند علي) (١١٣). (٢) المنتخب من ذيل المذيل (بذيل تاريخ الطبري) (١١/ ٦٣٧). (٣) تهذيب التهذيب لابن حجر (٢/ ٢٧٠). (٤) معالم السنن للخطابي (٢٧١/٦ رقم ٤٢٩). (٥) معرفة السنن والآثار للبيهقي (٢٠٣٦). (٦) معرفة السنن والآثار للبهقي (رقم ٢٠٣٣٨). ٣٠٤ (ت٥٨١ هـ)، كما نقله عنه ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام): ((مراسيل الحسن ضعاف عندهم جدًا))(١). ثم طُبعت (الأحكام الوسطى) لعبد الحق، فوقفت على هذا القول فيها(٢). وقال أيضًا: ((مراسيل الحسن من أضعف المراسيل)) (٣). وقال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام): ((ضعيف المراسيل عندهم))(٤) وقال الإمام الذهبي في (الموقظة): ((من أوهى المراسيل عندهم: مراسيل الحسن))(٥) . وقال الحافظ العراقي في (التبصرة والتذكرة): ((مراسيل الحسن عندهم شبه الريح»(٦). وذكر السخاوي في (فتح المغيث) درجات المراسيل، فقال في آخر درجة منها: ((ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد، کالحسن)»(٧). على أن السخاوي مال إلى تقوية مراسيل الحسن البصري، في (المقاصد الحسنة)(٨) !! ثم تتابع عامة المتأخرين والمُحدَثين على توهية مراسيل الحسن البصري! (١) بيان الوهم والإيهام لابن القطان - خط - (١٥٧/١/أ). (٢) الأحكام الوسطى (٣٤١/٣). (٣) المصدر قبل السابق، ثم وجدته في الأحكام الوسطى لعبد الحق (١١١/٣). (٤) بيان الوهم والإيهام لابن القطان - خط - (٢٦١/١/أ). (٥) الموقظة للذهبي (٤٠). (٦) التبصرة والتذكر للعراقي (٢٧٦/١). (٧) فتح المغيث للسخاوي (١٨١/١). (٨) انظر المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم ٣٨٤). ٣٠٥ [خُجَجُ مَنْ وَهِّى مراسيل الحسن] واحتج من ذهب إلى توهين مراسيل الحسن البصري بعدة نقول : منها: ما سبق عن ابن سيرين، من أنه كان يروي عن كل أحد، من غير تحرِّ للثقة، وتركٍ للرواية عن الضعيف(١). ومنها: ما أخرجه ابن سعد في (الطبقات)، قال: ((أخبرنا عفان بن مسلم(٢) قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، قال: حدثت الحسن بحديث، فإذا هو يحدث به، فقلت: يا أبا سعيد، من حدّثكم؟ قال: لا أدري. فقلت: أنا حدثتكم به))(٣). وقال الفسوي في (المعرفة والتاريخ): ((حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمة: أخبرنا علي بن زيد، قال: حدثت الحسن بحديث، وهو عندي متوار في منزلي، فاستعاده ست مرات، فلما أن ظهر، جعل يحدث بذاك الحديث، فقلت: يا أبا سعيد، من حدثكم بهذا؟ قال: دعنا منك، فلما أكثرت عليه قال: أنت حدثتنيه))(٤). وإسنادهما صحيح، إلى علي بن زيد بن جدعان، وفي علي بن زيد كلام، هذا أوان تلخيصه: [ترجمة فهو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن علي بن جُدعان التيمي، البصري، أصله حجازي، ينسب إلى جد جده، زيد بن فيقال: علي بن زيد ابن جدعان، (ت ١٣١ هـ، وقيل: بعدها). جدعان] (١) انظر ما سبق (٣٠٠ - ٣٠١). (٢) هو ابن عبد الله الباهلي، أبو عثان الصفار، البصري (ت ٢١٩هـ). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٦٢٥): ((ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذ شك في حرف من الحديث تركه، وربما وهم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، وما بعدها بيسير)). (٣) طبقات ابن سعد (١٦٥/٧). (٤) المعرفة والتاريخ للفسوي (٣٦/٢). ٣٠٦ قال الحافظ في (التقريب): ((ضعيف)) (١). بينما قال الذهبي في (المغني في الضعفاء): ((صالح الحديث))(٢) . وقال الذهبي في (الكاشف): ((أحد الحفاظ، وليس بالثبت)»(٣) . وقال الذهبي أيضًا في (سير أعلام النبلاء): ((الإمام العالم الكبير، كان من أوعية العلم، على تشيع قليل فيه، وسوء حفظ، يغضه من درجة الإتقان)»(٤) . وذكر الذهبي أيضًا في (معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد) وقال: ((صويلح الحديث، قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقواه غیرهما)»(٥). قلت: وأحسبُ الذهبيَّ أَوْفَقَ من الحافظ ابن حجر في تلخيص حكم علي بن زيد من أقوال النقاد. ومن نظر في أقوال النقاد في علي بن زيد، وجد أنها - في الغالب - دائرة بين التضعيف الخفيف، أو وصفه بأنه: ((صدوق)) أو ((لا بأس به)) ونحوها(٦). بل ربما وصفه الناقد الواحد مرَّة بمثل قولهم: ((ليس بالقوي))، التي هي من أخف التضعيف، ووصفه مرة بمثل قولهم: «لا بأس به))! وهذا هو ما وقع من الإمام أحمد، حيث أطلق القولين في (١) التقريب (رقم ٤٧٣٤). (٢) المغني في الضعفاء للذهبي (٤٤٧/٢ رقم ٤٢٦٥). (٣) الكاشف للذهبي (٢٤٨/٢ رقم ٣٩٧٥). (٤) سير أعلام النبلاء (٢٠٦/٥ - ٢٠٧). (٥) معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد. للذهبي (رقم ٢٤٩). (٦) انظر التهذيب (٣٢٢/٨ - ٣٢٤). ٣٠٧ علي بن زيد، كما في رواية ابنه صالح عنه، حيث روى عن أبيه القولين(١) . وقد فات الحافظ ابن حجر في (التهذيب) قول الإمام أحمد: ((لا بأس به))! وهذا ابن عدي في (الكامل في ضعفاء الرجال)، وهو من نقاد القرن الرابع، تأخر قليلاً، فاستوعب كلام من سبقه في الرجال(٢)، على إنصاف فيه وتوسط في الجرح والتعديل(٣)، قال في آخر ترجمة علي بن زيد المطولة في كتابه: ((ولعلي بن زيد غيرما ذكرت من الحديث أحاديثه صالحة، لم أر أحدًا من البصريين وغيرهم امتنعوا من الرواية عنه، وكان يغالي في التشيع، في جملة أهل البصرة، ومع ضعفه يكتب حديثه)) (٤). والغريب أنه سقط في (التهذيب)، أول كلام ابن عدي، وهو قوله: ((ولعلي بن زيد غيرما ذكرت من الحديث أحاديث صالحة)»! وهذا أحفظ أهل الدنيا - كما قال الذهبي في السير(٥) - أبو (١) انظر مسائل صالح بن الإمام أحمد (رقم ١٢٩٢)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (١٢ / ٩٨). (٢) قال حمزة بن يوسف السهمي (ت ٤٢٧ هـ) في (تاريخ جرجان) (٢٦٧): سألت أبا الحسن الدارقطني أن يصنف كتاباً في ضعفاء المحدثين، فقال لي: أليس عندك كتاب ابن عدي؟ قلت: نعم، قال: فيه كفاية، لا يزاد علیه)). (٣) وصف ابن عدي بالاعتدال والإنصاف كل من: الذهبي والسخاوي. انظر ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل للذهبي ضمن أربع رسائل في علوم الحديث (١٧٢)، والإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، للسخاوي (٣٥٥). (٤) الكامل في ضعفاء الرجال (٢٠١/٥). (٥) انظر سير أعلام النبلاء (٤٥٥/١٦). ٣٠٨ الحسن الدارقطني، يقول عن علي بن زيد: «أنا أقف فيه، لا يترك، عندي فیه لین))(١). وقد تحرفت هذه العبارة في (التهذيب) إلى: ((لا يزال عندي فیه لین))! فهذا هو الدارقطني يتوقف في شأن علي بن زيد، لشدة ما تتجاذبه آخر مراتب التعديل وأول مراتب الجرح! وأعود فأقول: إن تضعيف النقاد لعلي بن زيد - في الغالب - من أخف ألفاظ التضعيف، وهذا التضعيف مع وجود من وصفه بمثل قولهم: ((صدوق)) أو ((لا بأس به)) بل ووجود من وصفه بكلا المرتبتين، قد يدل على أنه ممن یحسن حديثه. إذ إنه يُحَسَّنُ حديثُ من قيل فيه: (ضعيف) لأكثر من سبب : قال ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام) وهو يتكلم عن وصفهم الراوي بقولهم عنه: ((ضعيف))، قال: ((وهذا اللفظ قد يقال لمن هو صدوق، ومن لا يكون به بأس .. يستضعف بالقياس إلى من هو فوقه، في باب الثقة والأمانة))(٢). وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في (إقامة الدليل على إبطال التحليل) من (الفتاوى الكبرى) تضعيفًا من الإمام أحمد لأحد الرواة، بقوله فيه: ((ضعيف ليس بالقوي)) فقال شيخ الإسلام معلقًا على هذه العبارة: ((لكن هذه العبارة يُقْصد بها أنه ممن ليس يصحح حديثه، بل هو ممن يحسن حديثه، وقد كانوا يسمون حديث مثل هذا ضعيفًا، ويحتجون به لأنه حسن، إذ لم يكن (١) سؤالات البرقاني للدارقطني بتحقيق القشقري (رقم ٣٦١)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (١٢ / ٩٩). (٢) بيان الوهم والإيهام لابن القطان - خط - (٢/ ٢٢١/أ). ٣٠٩ الحديث إذ ذاك مقسومًا إلا إلى صحيح وضعيف، وفي مثله يقول الإمام أحمد: الحديث الضعيف خير من القياس، يعني: الذي لم يقو قوة الصحيح، مع أن مخرجه حسن))(١). قلت: ويتقوَّى ما ذكره شيخ الإسلام عن الإمام أحمد وغيره، في إطلاقهم لفظة ((الضعيف)) على الراوي الذي يحسن حديثه، في خصوص (علي بن زيد بن جدعان)، بدليل أن الإمام أحمد قال فيه أيضًا - كما سبق -: ((لا بأس به)). ويتقوَّى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا، على العموم، بما أشار إليه من أنَّ تقسيم الحديث إلى (صحيح) و(حسن) و(ضعيف) ليس من مصطلح المحدثين قبل الإمام الترمذي! وهذه مسألة عميقة، تعرض لها شيخ الإسلام بوضوح أكثر من غير هذا الموضع(٢)، وأثبتها الشيخ ربيع بن هادي عمير المدخلي في كتابه: (تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بين واقع المحدثين ومغالطات المتعصبين). ولهذه المسألة نتائج كثيرة بالغة الخطورة، منها: ما ذكره شيخ الإسلام من أنهم قد يقولون عن الراوي إنه (ضعيف)، ويقصدون به ضعفًا لا يخرجه عن حيز الاحتجاج، وهذه نتيجة .. بل صاعقة !!! تعني أننا في حاجة إلى دراسة عميقة لمن ضُعِّفوا، لمعرفة أي المراتب عُنِيَ بتضعيفهم: مرتبة (الحسن)، أم دون ذلك !! وقد يعين على فهم حقيقة التضعيف، وما هي مرتبته، تصرفاتُ النقاد العملية، بالتصحيح والتضعيف، وبالاحتجاج والرد. (١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (٢٤٣/٣). (٢) علم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (٨١ - ٨٥)، وانظر إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية (٣١/١، ٧٧). ٣١٠ فهذا يعين على معرفة حقيقة مرتبة الراوي من الضعف، ويساعد على معرفة ما إذا كان يحتج بحديثه أم یُرَد. هذا إضافة إلى أنه - في كثير من الأحيان - تكون ألفاظ النقاد في تضعيف الرواة واضحة في الإزراء بدرجة أحد الرواة، متضافرة على أنه لا يحتج به، وربما تكاثر من صرَّح بذلك في شأنه، فتكون المسألة حينها واضحة، لا تحتاج إلى دراسةٍ موازنةٍ بين الإطلاقات في جرحه، وتصرفات النقاد في معاملة حديثه. والأمر ـ ولا شك ـ في غاية الخطورة، حقيق بأبحاث كثيرة جادة . فإذا رجعنا إلى علي بن زيد ابن جدعان، وأردنا أن نعرف مرتبته من الضعف .. الضعف الذي يشمل الحُسْن، على اصطلاح قدماء المحدثين، فإننا نبحث عن أحكام النقاد العملية، وتطبيقاتهم، التي تضع الراوي في المرتبة الواضحة من الحُسْن أو الضعف . فنقف مع الإمام الترمذي، ومع إطلاق خاص من إطلاقاته : فالوقفة الأولى مع منهج الترمذي في التصحيح والتحسين، واتهامه بالتساهل، ثم بعدم الاعتماد عليه في ذلك! قلت: فهذه المقالة نسيت مكانة الترمذي بين جهابذة المحدثين ونقاده، وغفلت عن تباين اجتهادات المحدثين في التصحيح والتضعيف ... أحيانًا، وأن الاختلاف في ذلك لا يدل على تساهل المُصَحِّح أو تَشَدُّدَ المُضَعِّفِ، ما دام أن الأمرَ اجتهادٌ مِمَّنْ له حَقُّ الاجتهاد، على أُسُسٍ وأُصولٍ مُتَّفَقٍ عليها، تختلف النتائج عليها، بسبب تفاوت العلم بكل جزئية، لا بسبب التساهل والتشدد. لذلك فإن تصحيح الترمذي أو تحسينه لأحاديث رواةٍ خالفه فيهم جمعٌ من الحفاظ بتضعيف أحاديثهم، لا يصح أن يكون دليلاً على تساهله. وإلا لما نجا من هذا الاستدلال على التساهل أحدٌ ٣١١ يُذكر من نقاد الحديث، إذ لا يخلو أن يوثق العالم منهم راويًا ويُصحَح أحاديثه، بينما يخالفه في ذلك بالتضعيف غيره، ويكون الصواب مع من ضعفه. وإذا جرينا على مثل هذا المنوال، وعكسنا قاعدتهم السابقة، فيحق للترمذي أن يكون متشددًا في التصحيح، لأنه - وفي عدد كثير - يحسن أحاديث في الصحيحين(١)، أو أحدهما (٢) !! بل وجدته قال عن حديث في الصحيحين كليهما، قال: ((غريب)) (٣) وعن غير حديث في أحدهما قال أيضًا: ((غريب))(٤) !!! والمعروف أن الترمذي إذا قال: ((غريب))، ولم يقرنه بصحةٍ أو حسن، فإنه يعني به تضعيف ذلك الحديث. وذلك هو ما ذكره مغلطاي بن قليج الحافظ علاء الدين المصري (ت٧٦٢ هـ) في كتابه (الإعلام بسنته عليه السلام شرح سنن ابن ماجه)(٥). وحققه أيضًا الدكتور نور الدين عتر، في كتابه: (الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين)(٦). وعلى هذا: فهل يكون الترمذي متشددًا في التصحيح أيضًا؟! فيكون بذلك متشددًا ومتساهلاً؟ !! وقد دافع الدكتور نور الدين عتر في كتابه السابق ذكره، عن اتهام الترمذي بالتساهل، فأحسن الدفاع عن الترمذي، وطوّل في ذلك(٧). لكنه لم يذكر ما سبق، مما يصلح أن يكون دليلاً على تشدد الترمذي عند من ندفع قَوْلَهم بتساهله! (١) انظر تحفة الأشراف للمزي (رقم ١٢٩٥، ١٥٨٥، ١١٧٢٠). (٢) انظر تحفة الأشراف للمزي (رقم ٢٥٧، ٤٠٤، ٥٠١، ٨٥٧، ١١١٥، ١٧٢٣). (٣) انظر تحفة الأشراف (٩٦٣). (٤) انظر تحفة الأشراف (رقم ٥١٤، ١٤٤٤). (٥) الإعلام بسنته، لمغلطاي - خط - (٥١/٣/ ب -٥٢/أ). (٦) الإمام الترمذي، للدكتور نور الدين العتر (١٦٦). (٧) الإمام الترمذي، للدكتور نور الدين عتر (٢٣٧ - ٢٦٥). ٣١٢ هذه الوقفة الأولى مع الإمام الترمذي! أما الوقفة الثانية: فهي مع إطلق من إطلاقاته، وأخص إطلاقًا معينًا، هو قوله: ((حسن غريب))، لأنه الإطلاق الذي جرَّنا إلى هذا الاستطراد، عن مسألتنا الأساسية: (علي بن زيد بن جدعان). ولسنا هنا في مجال شرح تعريف الترمذي: لـ (الحسن)، أو بيان أنواع (الغريب) عنده، ولكننا في مجال بيان ما إذا كان تحسين الترمذي لحديث يعني تقوية رجال إسناده. ولا يشك حديثي أن الناقد إذا قال: ((حديث صحيح))، أو ((حديث حسن))، أن الأصل في ذلك غالبًا الحكم على الإسناد. ولذلك انتقد من انتقد على من صنف الصحيح، روايته عن بعض من فيهم ضعف، بناء على أن التصحيح يقتضي صحة الإسناد، وصحة الإسناد تستلزم ثقة رواته. ولذلك أيضًا قالوا الكلمة المشهورة، عن الرجل من رواة الصحيحين: ((هذا جاز القنطرة)) (١). وعلى أنَّ الصحة تعني صحة الإسناد بنى الحاكم مستدركه عندما قال في مقدمته: ((وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاح بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما لم يدعيا ذلك لأنفسهما)). ثم قال: ((وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما، أو أحدهما، وهذا (١) انظر الاقتراح لابن دقيق العيد (٣٢٧). ٣١٣ شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة))(١). ولذلك أيضًا ذكر ابن دقيق العيد في (الاقتراح) أنَّ من طرق معرفة كون الراوي ثقة، تخريج البخاري ومسلم، أو أحدهما له، في الصحيح محتجين به، ثم عَمَّمَ عندما قال: ((فيستفاد من ذلك جملة كثيرة من الثقات، إذا كان المُخرِّج قد سمى كتابه الصحيح، أو ذَكَرَ لفظًا يدل على اشتراطه لذلك، فليتنبه لذلك))(٢). وقد تبع ابن دقيق العيد على ذلك كل من السخاوي في (فتح المغيث)(٣) والسيوطي في (تدريب الراوي)(٤). وزاد الذهبي عليه فوائد، حيث قال في (الموقظة): ((الثقة من وثقه كثير ولم يضعف، ودونه: من لم يوثق ولا ضُعُف، فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين) فهو مُوَثَّق بذلك، وإن صحَّحَ له مثل الترمذي وابن خزيمة، فجيد أيضًا، وإن صحح له كالدار قطني والحاكم، فأقل أحواله: حسن حديثه))(٥). ثم تكلم الذهبي - رحمه الله - كلامًا نفيسًا على ما نستفيده من تخريج صاحبي الصحيح في الحكم على الراوي، على تفصيل تخريجهما له، إن كان في الأصول، أو الشواهد والمتابعات، وإن كان ممن تكلّم فيه من متعنت، أو منصف، أو لم يتكلم فيه، ففصل رحمه الله وأبدع! لكن ما سبق يكفيني هنا. ومن أهم ما جاء في كلام الإمام الذهبي تنصيصه على الترمذي، وأنَّ من صحح له فإنه (ثقة)، أو كما عبّر هو (جيد). (١) المستدرك على الصحيحين للحاكم (٢/١ -٣). (٢) الاقتراح في بيان الاصطلاح لابن دقيق العيد (٣٢٨). (٣) فتح المغيث للسخاوي (٣٥٣/٤ - ٣٥٤). (٤) تدريب الراوي للسيوطي (٣٧١/٢). (٥) الموقظة للذهبي (٧٨). ٣١٤ ثم إنَّ هذا ينسف ما سبق أن ذكرناه، من اتهام الترمذي بالتساهل، حيث إن الإمام الذهبي هو أعظم من وصف الترمذي بذلك(١)، فتمسك به المتمسكون من غير موازنة كلام الذهبي ببعضه، بل أخذوا بعض كلام الذهبي، فردوا به تصحيح الترمذي جملة وتفصيلاً !! وقد وجدت لأبي الحسن ابن القطان تطبيقًا عمليًا لهذه الطريقة في معرفة الثقات، حيث قال في (بيان الوهم والإيهام): ((وحبيب بن سليم العبسي، قد روى عنه وكيع، وعيسى بن يونس، وأبو نعيم، قاله أبو حاتم، ولم يزد، وأرى أن الترمذي قد وثقه بتصحیح حديثه))(٢) . وفي موطن آخر، ذكر ابن القطان حديثًا صححه الترمذي، وفي إسناده من جُهِل، فقال متعقبًا: ((وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه - يعني الحديث - توثيقها، وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد))(٣). قلت هذا كله في ما إذا صحح الناقد الحديث، من دون تقييد التصحيح بالإسناد، بمثل قوله: (حديث صحيح). أمَّا إذا قيَّد التصحيح أو التحسين بالإسناد، بمثل قوله: (إسناد صحيح)، أو (حسن الإسناد)، فهذا كالنص على قبول رواته، والاحتجاج بهم راویًا راویًا. ومثل هذا في التنصيص على الاحتجاح بالراوي في الإسناد المُصحَّح أو المُحسِّن، مالو قال الناقد: (حديث صحيح غريب)، أو (حسن غريب)، أو (حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، أو (حسن لا نعرفه إلا من حديث فلان عن فلان)، فهذه (١) انظر الإمام الترمذي لنور الدين عتر (٢٣٩ - ٢٤٠). (٢) بيان الوهم والإيهام لابن القطان - خط - (٧٩/٢/ ب). (٣) بيان الوهم والإيهام - خط - (١٩٣/٢/أ). ٣١٥ كلها، وما ماثلها، أقوال كالنص على الاحتجاج بأولئك الرواة الذين تفردوا بذلك الحديث: إسناده أو متنه، أو بكليهما. بل إنَّ دلالة تصحيح الأفراد والغرائب على الحجية برواتها أقوى من مجرد تصحيح الإسناد، لما لا يخفى: من أنَّ الغرائب والأفراد لا تُقْبل إلا مِمَّن يَقْوَى على الانفراد بها. وربما صُحْح إسنادٌ لو تفرَّدَ به أحدُ رواته ولم يُتابع، لما صُحِّح(١) . فقول الترمذي - مثلاً - عن حديث: ((حسن غريب))، فهذا يعني أنه حسن لذاته، كما قرره أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن سيد الناس اليَعْمُرِي (ت ٧٣٤ هـ)، في (النفح الشذي شرح جامع الترمذي)(٢)، وكما وافقه عليه الدكتور نور الدين عتر في كتابه (الإمام الترمذي)(٣)، وعلى ذلك غيرهما، وهو الصحيح الظاهر . والحسن لذاته، يعني أنه حسن الإسناد، لكن يزيدُ التعبيرُ بغرابة الحديث دلالةَ التحسينِ على الاحتجاج برواته، كما سبق وأن شرحناه آنفًا . وقد وجدت تطبيقًا عمليًا للحافظ ابن حجر يقطع بذلك، حيث قال في (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة) في ترجمة (عبد الله بن عبيد الدِّيَلي) قال: ((أخرج حديثه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: ((حسن غريب))، وهذا يقتضي أنه عنده صدوق معروف»(٤). هذا الاستطراد كله ذكرته لك أخي القارئ الكريم، لأقول: (١) انظر لتقرير ذلك: علوم الحديث لابن الصلاح (٧٩)، ومبحث (الشاذ) و(المنكر) في كتب علوم الحديث. (٢) النفح الشذي لابن سيد الناس (٣٠٤/١ - ٣٠٦، ٤٢٥). (٣) الإمام الترمذي لنور الدين عتر (١٥٧ - ١٥٩). (٤) تعجيل المنفعة لابن حجر (١٥٣ رقم ٥٦١). ٣١٦ إن الترمذي أخرج في (جامعه) لعلي بن زيد بن جدعان، وقال في کثیر من حديثه: ((حسن غريب))(١). فهذا من الترمذي قاطع بأنه يعتبر علي بن زيد محتجًا به، ممن يحسن حديثهم وإن تفرد به! وليس الترمذي فقط على تحسين حديث علي بن زيد، بل وافقه ناقد کبیر بصري، عالم بحديث بلده ورواته كعلي بن زيد البصري، ألا وهو الحافظ أبو بكر البزار. فقد أخرج البزار في (مسنده) حديثًا لعلي بن زيد، من طريق حماد بن سلمة عنه، ثم قال: ((وإسناده إسناد حسن، ولا نعلم روى هذا الحديث إلا حماد بن سلمة بهذا الإسناد))(٢). قلت: فهذا من أقوى ما يكون في أن علي بن زيد حسن الحديث عند البزار، وقوة كلام البزار تؤخذ مما يلي: ٠٠٠ أولاً: تصريحه بتحسين الإسناد: ((وإسناده إسناد حسن)). ..... - ثانيًا: حكمه بالغرابة على الإسناد، وتصريحه بتناول الغرابة لعلي بن زيد، عندما صرح بانفراد الراوي عنه بالحديث. ثالثًا: أن البزار بصري، وهو ناقد كبير، بصير بأهل بلده. وقد وجدت أنَّ الأئمة يقدمون كلام أهل بلد الراوي على كلام غيرهم فيه، مهما بلغ المُتكلّم فيه من غير أهل بلده علمًا وجلالة! فقد علق زكريا بن يحيى الساجي (ت ٣٠٧هـ) على تضعيف إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين، لسالم بن نوح بن أبي عطاء (١) انظر جامع الترمذي (رقم ٥٨٩، ٧٦٤، ٢٢٤٨، ٢٢٥٤، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨، ٢٩٩١، ٣١٨٧). (٢) مسند البزار (رقم ٥٨). ٠٠:٠ ٣١٧ البصري، فقال: ((صدوق ثقة، وأهل البصرة أعلم به من ابن معين))(١). ثم إن البزار لم يكن بالغافل عن الكلام في علي بن زيد، حيث ذكر الاختلاف فيه في موطن آخر، ثم قال: ((وعلي بن زيد، فقد تكلم فيه شعبة، وقد روى عنه جلة: يونس بن عبيد، وابن عون، وخالد الحذاء))(٢). فهذان تطبيقان واضحان لإمامين من أئمة الحديث، وضعا عليَّ بنَ زيد في مرتبةٍ من (الضعف) على اصطلاح المتقدمين، فإذا هو الضعف (الذي يغضه من درجة الإتقان) فقط، كما قال الإمام الذهبي(٣). إذًا فعلي بن زيد ممن يحسن حديثهم !! ولا أحتاج إلى التنبيه إلى أنه يُستثنى من تحسين أحاديث علي بن زيد، أحاديث معينة أنكرها العلماء عليه، أو ما خالف فيه من هو أحق بالحفظ منه. وما سبق كله كلام على أحاديث علي بن زيد، وحكم روايته، على وجه العموم، فإذا تكلمنا في خصوص روايته عن الحسن البصري، ظهر أنه حقيق بتحسين حديثه عنه. فهو كما قال الأصمعي: ((كانوا يرون أنه أعلم الناس بالحسن البصري)) (٤) . وقال الذهبي في (تاريخ الإسلام): ((لزم الحسن مدة))(٥). (١) تهذيب التهذيب لابن حجر (٤٤٣/٣). (٢) مسند البزار (رقم ٢١). (٣) انظر ما سبق (٣٠٧). (٤) معرفة الرجال ليحيى بن معين برواية ابن محرز (١ / رقم ٩٠٢)، والكامل لابن عدي (١٩٦/٥)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٩٤/١٢). (٥) تاريخ الإسلام (حوادث ووفيات ١٢١ - ١٤٠ هـ)، (٤٩٨). ٣١٨ قلت بل يصح أن يقال: إن الحسن لزم عليَّ بن زيد مدة !! حيث إن علي بن زيد أحد اثنين توارى الحسن عندهما عن الحجاج بن يوسف. أمّا الأول: فهو أبو خليفة حجاج بن خليفة بن عتاب العبدي، ورد تواري الحسن عنده في صحيح البخاري، وفي غيره من المصادر، وقد سبق ذلك، أثناء التعريف بالحسن البصري(١). وأمّا الثاني: فهو علي بن زيد ابن جدعان هذا، وقد صرح علي بن زيد نفسه بتواريه عنده، كما في الخبر السابق عنه، أنه قال: ((حدثت الحسن بحديث، وهو عندي متوارٍ في منزلي ... )(٢). ٠٠٠ وقال الإمام أحمد في (العلل): ((حدثنا سفيان، قال: قال عمرو بن عبيد لابن جدعان، كأنه أراد أن يترضاه، فقال: إنّي(٣) أنا فلان، رُبَّ مُخَبَّأَةٍ للحسن عندك. قال سفيان: وكان الحسن مختبئاً عنده)) (٤). قلت: ولا وزن لعمرو بن عبيد، فإنه متهم بالكذب، مبتدع ضال(٥). لكن أوردت الخبر لكلمة سفيان بن عيينة: ((وكان الحسن مختبئًا عنده) . (١) انظر ما سبق (٢٤٨). (٢) انظر ما سبق (٣٠٦). (٣) تحرفت في (العلل) إلى (أبي)، وهي خطأ واضح، تصويبه من المصدر الآخر. (٤) العلل للإمام أحمد (رقم ١٠٣٣)، وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط . (١٢ / ٩٤). (٥) عمرو بن عبيد بن رباب التميمي، مولاهم، أبو عثمان البصري (ت ١٤٣ هـ - أو قبلها). قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٠٧١): ((المعتزلي المشهور، كان داعية إلى بدعته، اتهمه جماعة، مع أنه كان عابداً)). ٣١٩ ويبدو أن تواري الحسن كان عند علي بن زيد، بعد تواريه عند أبي خليفة، حيث قال علي بن زيد: ((أنا أخبرت الحسن بموت الحجاج، فسجد ... ))(١). فآخر ما توارى الحسنُ - إذًا - عند علي بن زيد. فمن كان اختصاصه بالحسن البصري إلى هذه الدرجة، فما أحراه أن يكون محتجًا به فيما رواه عن الحسن! كيف وهو حَسَنُ الحدیثِ في غیره؟! لذلك فإني أرجح تقوية أحاديث علي بن زيد عن الحسن البصري، لتبلغ أعلى درجات (الحُسْن). ولا أبالغ فيه ليبلغ درجة (الصحيح)، فما أَمْقَتَ الغلو! فالرجل قد ضُعِّف، بل والأكثرون على تضعيفه، لكنه تضعف خفيف يحتمل (التحسين)، كما سبق أن شرحنا مسوغات ذلك (التحسين) آنفًا! أمَّا تقوية علي بن زيد في الحسن البصري، فهو ما يقتضيه العدل معه. وأمَّا ما يوحي بمعارضة ذلك، وهو قول ابن معين في علي بن زيد: ((ضعيف في كل شيء))(٢)، فعليه ردود: فابن معين ناقد من النقاد، وإن كان إمام الجرح والتعديل! لكن سبق قول الساجي - في راوٍ بصري غير علي بن زيد -: ((وأهل البصرة أعلم به من ابن معين)). وهذا البزار هو الآخر من حفاظ البصرة ونقادها، حسِّنَ حديث علي بن زيد البصري. ثم لم يزل (تضعيف) يحيى بن معين لعلي بن زيد (في كل شيء) مُحتَمِلاً أنه غَضٌّ من درجة الإتقان .. فحسب، عند ابن معين، فيكون علي بن زيد - بهذا المعنى - عند يحيى: (حسنٌ في كل شيء)! (١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١٥٨/٢ - ١٥٩)، تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٤/ ٢٥٥)، وبغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (٢٠٩٦/٥). (٢) التهذيب (٣٢٣/٧). ٣٢٠