النص المفهرس

صفحات 261-280

الفصل الأول
بعض شؤون الحسن البصري
التاريخية المؤثرة على إثبات
سماعه أو نفيه ممن روى عنهم

أولًا: سنة مولد الحسن البصري:
لأهمية هذه المسألة، أفردتها بالذكر!
قال البخاري في (التاريخ الكبير): ((قال لنا الحُمَيْدي(١) عن
ابن عيينة(٢) عن إسرائيل أبي موسى(٣) قال: سمعت الحسن
يقول: ولدت لسنتين بقيتا لخلافة عمر))(٤).
وهذا إسناد صحيح.
وقال الإمام أحمد في (العلل)، وأبو عبيد في (غريب
الحديث) كلاهما قال: ((حدثنا إسماعيل(٥) عن يونس(٦) عن
الحسن، قال: قال الحجاج: ما أملُك يا حسن؟ قال: قلت:
سنتان من خلافة عمر، قال: فقال: والله لعينك أكبر من
أمدك))(٧) .
وأخرجه أيضًا ابن سعد في (الطبقات) عن إسماعيل ابن
(١) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحميدي، المكي، أبو بكر،
مات بمكة (٢١٩ هـ أو بعدها).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣٣٢٠): ((ثقة حافظ، فقيه، أجل أصحاب
ابن عيينة، قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا
یعدوه إلى غيره)).
(٢) هو سفيان الإمام.
(٣) هو أبو موسى البصري، نزيل الهند.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٠٠): ((ثقة)).
(٤) التاريخ الكبير للبخاري (٢٨٩/٢).
(٥) هو ابن إبراهيم بن مِقْسَم الأسدي، مولاهم، أبو بشر البصري، المعروف
بابن عُلية، (ت ١٩٣هـ)، وله ثلاث وثمانون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤١٦): ((ثقة حافظ)).
(٦) هو ابن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري (ت ١٣٩ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٨٩٠٩): ((ثقة ثبت فاضل ورع)).
(٧) العلل لأحمد بن حنبل (رقم ٤٧٨٣/أ)، وغريب الحديث لأبي عبيد (٤/
٤٨٢).
٢٦٣

عُلية، بإسناده ومتنه(١).
وإسناده صحيح.
ومعنى قوله: ((ما أمدك يا حسن)) أي: ما أول عهدك
بالدنيا، وما أقصی بدایتك بها.
قال الزبيدي في (تاج العروس): ((للإنسان أمدان: أحدهما:
ابتداء خلقه الذي يظهر عند مولده، والأمد الثاني: الموت.
ومن الأول: حديث الحجاج حين سأل الحسن، فقال: ما
أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر، أراد أنه ولد لسنتين بقيتا من
خلافة عمر)) (٢).
وبمثل ذلك قد فسر أبو عبيد سؤال الحجاج، في (غريب
الحديث).
ثم قال أبو عبيد: ((وقوله: والله لعينك، يقول: شاهدك
ومنظرك أكبر من أمدك. وعين كل شيء شاهده وحاضره))(٣).
وهذان الخبران عن الحسن البصري، في صحتهما
ووضوحهما، وكونهما من صاحب الشأن نفسه، هما المعتمد
لتاريخ مولد الحسن البصري، ولن تجد لتاريخ الولادة أوثق من
مثل هذا!
ومن هذين الخبرين نعلم أن الحسن البصري كان مولده سنة
إحدى وعشرين من الهجرة.
(١) طبقات ابن سعد (١٥٧/٧).
(٢) تاج العروس للزبيدي (أم د) (٣٩٢/٧).
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد (٤٨٢/٤ - ٤٨٣).
٢٦٤

مع ذلك جاء في (أخبار القضاة) لوكيع، أنه قال: ((أخبرني
الحارث(١) عن المدائني(٢) عن سلمة بن عثمان(٣) عن أبي عون(٤)
قال: قال الحسن: ((قتل عثمان وأنا ابن عشرة سنة))(٥).
كذا في المطبوع من كتاب (أخبار القضاة) لوكيع!
فأظهرت لي عُجمة العبارة، أنَّ فيها تحريفًا أو سقطًا،
هذا سوى معارضتها للخبرين الصحيحين السابقين، فتكلّفتُ -
للجزم بشيء - الوقوفَ على صورة من النسخة الخطية لـ
(أخبار القضاة)، في مركز البحوث بجامعة أم القرى، وفتشت
فيه، فوجدت صواب العبارة! فإذا بها: ((قتل عثمان وأنا ابن
أربع عشرة سنة))(٦).
وبهذا وافق صوابُ لفظ هذه العبارة مقتضى ما ورد في
النصين السابقين! لأن وفاة عثمان كانت سنة خمس وثلاثين، ومن
كان سنتها ابن أربع عشرة سنة. فسوف يكون مولده سنة إحدى
وعشرين.
(١) هو ابن محمد بن أبي أسامة، أبو محمد التميمي، البغدادي (ت ٢٨٢
هـ)، صاحب المسند المشهور، حافظ صدوق، تكلم فيه بلا حجة.
انظر سير أعلام النبلاء (٣٨٨/١٣ - ٣٩٠)، ولسان الميزان (١٥٧/٢ -
١٥٨).
(٢) علي بن محمد بن عبد الله بن أبي يوسف المدائني، أبو الحسن
الأخباري، نزيل بغداد، (ت ٢٢٤، أو ٢٢٥ هـ).
قال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء» (٤٠٠/١٠ - ٤٠٢): ((العلامة
الحافظ الصدوق)). وانظر لسان الميزان (٢٥٣/٤ - ٢٥٤).
(٣) لم أجده، وهو كذلك في النسخة الخطية أيضاً، واحتمال التصحيف ما
زال قائماً .. مع ذلك!
(٤) لم أتبينه، ولعله ابن عون، مع أنه ورد في الأصل الخطي كما في
المطبوع.
(٥) أخبار القضاة، لوكيع (٦/٢).
(٦) أخبار القضاة لوكيع النسخة الخطية (١٨٨/أ).
٢٦٥

وقد أثْبَتَ سنة إحدى وعشرين سنةً لمولد الحسن البصري
غيرُ واحد من تلامذة الحسن الآخذين عنه.
قال يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧هـ) في (المعرفة
والتاريخ): ((قال عقبة بن مُكْرِم(١): حدثنا عبد الله بن عيسى قال:
قلت ليونس: ابن كم كان الحسن يوم مقتل عثمان؟ قال: ابن
أربع عشرة سنة، ولد في سنة بقيت من خلافة عمر))(٢).
وإسنادها فيه ضَغْف، لأن عبد الله بن عيسى بن خالد
الخزاز، أبو خلف، ضَعّفه(٣) غير واحد من أهل العلم، بل قال
ابن القطان: ((لا أعلم له موثقًا)»(٤).
كذا قال، لكن الترمذي أخرج له في (جامعه)، وقال:
(حسن غريب من هذا الوجه))(٥) وصحح له ابن حبان (٦)،
(٧)
والضياء(٧).
وإن لم يكن لضعف عبد الله بن عيسى أثر على هذا الخبر،
فإن الأوهام النُسَّاخ أو الطابعين أثرًا! حيث إنَّ أوله يناقض آخره!
فإن من كان مولده لسنة بقيت من خلافة عمر، لا يكون عمره
عند مقتل عثمان أربع عشرة سنة، وإنما يكون: خمس عشرة سنة!
(١) العَمّي، أبو عبد الملك البصري (ت حدود ٢٥٠ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٤٦٥١): ((ثقة)).
وهو من شيوخ الفسوي انظر مقدمة المعرفة والتاريخ (٩٦/١).
(٢) المعرفة والتاريخ (٢٦٩/٢).
(٣) قال الحافظ في ((التقريب)) (٣٥٢٤): ((ضعيف)).
(٤) تهذيب التهذيب لابن حجر (٣٥٣/٥).
(٥) الجامع للترمذي (رقم ٦٦٤).
(٦) انظر الإحسان (رقم ٣٣٠٩)، وسقط اسمه من فهرس الرواة!
(٧) المختارة (رقم ١٨٤٧، ١٨٤٨).
٢٦٦

وقال وكيع في (أخبار القضاة): ((حدثني محمد بن إسحاق
الصغاني، قال: حسان بن عبد الملك المصري، قال: حدثنا
البشري بن يحيى، قال: مات الحسن سنة مائة وعشرة، وهو ابن
تسع وثمانين سنة))(١).
كذا جاء إسناد هذا الخبر في مطبوع (أخبار القضاة) لكن
الصواب أنه - كما في النسخة الخطية -: ((حدثني محمد بن
إسحاق الصغاني(٢) قال: حدثنا حسان بن عبد الله المصري(٣)
قال: حدثنا السَّريّ بن يحيى(٤) ... بالخبر _(٥).
وإسنادها حسن، والسري بن يحيى من تلامذة الحسن
(٦)
البصري(٦).
ومضمون الخبر موافق للثابت عن الحسن البصري نفسه، من
أن مولده کان سنة إحدى وعشرين.
ولثبوت سنة إحدى وعشرين سنةً لمولد الحسن البصري، لم
أجد مخالفًا في ذلك من الأئمة المتقدمين والمتأخرين .. بل نقل
السيوطي كما في (الحاوي للفتاوي): الاتفاق على تلك السنة
مولدًا للحسن البصري(٧) .
(١) أخبار القضاة، لوكيع (٦/٢).
(٢) هو أبو بكر، نزيل بغداد (ت ٢٧٠ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٧٢١): ((ثقة ثبت)).
(٣) هو ابن سهل الكندي، أبو علي الواسطي، نزيل مصر، (ت ٢٢٢ هـ.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٢٠٢): ((صدوق يخطىء)).
(٤) هو ابن إياس بن حرملة الشيباني، البصري، (ت ١٦٧ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٢٢٣): ((ثقة أخطأ الأزدي في تضعيفه).
(٥) أخبار القضاة، لوكيع النسخة الخطية (١١٨/أ).
(٦) انظر المعرفة والتاريخ للفسوي (٥٣/٢)، وتهذيب التهذيب (٣٦١/٣).
(٧) انظر الحاوي للفتاوي، للسيوطي (٢/ ١٠٢ - الرسالة رقم ٥٦).
٢٦٧

ولا بأس أن أذكر بعضًا من الأئمة المتقدمين، الذين قيّدوا
سنة ولادة الحسن البصري بسنة إحدى وعشرين، فمنهم: ابن
سعد في (الطبقات)، وخليفة بن خياط في (تاريخه)، وأبو زرعة
الرازي كما في (المراسيل) لابن أبي حاتم، والترمذي في (جامعه)
وابن قتيبة في (المعارف)، وابن جرير الطبري في (التاريخ)(١).
أقول هذا وأكرره، مع أن الأمر منتهٍ بعد كلام صاحب الشأن
نفسه: الحسن البصري، لأن الأخطاء المحضة لم تُرِخنا من التأكيد
والتكرار، وأخشى من متسرع يحتج بالأوهام(٢).
بل لقد روى أحدُ الكَذَبَةِ (بقلّة حياء) عن الحسن البصري أنه
وُلد في زمن النبي ◌َّيه !! وأنه حُمل إليه فمسح النبيُّ بَّه على
رأسه ودعا له !!!
أخرجه الخطيب في (المتفق والمفترق)، وتعقّبه ببيان كذب
راويه، إلى أن قال: ((فكلام هذا الرجل باطل من كل الوجوه)) (٣).
ولا أدري لعل الزمان لا يبخل علينا بدجّال آخر يزعم
فضيحةً أخرى !!!
ولكن ما سبق - بحمد الله - كفيل بالتعالي والترفع عن
الأوهام !! فلن نعرِّج ولن نلتفت إليها بأكثر من هذه اللمحة.
(١) المصادر على الترتيب: طبقات ابن سعد (١٥٦/٧)، وتاريخ خليفة
(١٤٩)، والمراسيل لابن أبي حاتم (رقم ٩٢)، وجامع الترمذي (رقم
٢٥٧٥)، والمعارف لابن قتيبة (٤٤١)، وتاريخ الطبري (١٤٥/٤).
(٢) انظر تاريخ المدينة لعمر بن شبه (٨/٣ - ١١)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي
(رقم ٢٠٩٧)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٢٦٨/٢ - ٢٦٩).
(٣) المتفق والمفترق للخطيب (رقم ٣٤٤).
٢٦٨

ثانيًا: خروج الحسن من المدينة:
قال الإمام أحمد في (العلل)، وابن سعد في (الطبقات)،
كلاهما: ((حدثنا إسماعيل(١) قال: حدثنا أبو رجاء (٢)، قال: قلت
للحسن: متى عهدك بالمدينة؟ قال: ليالي صفين، قال قلت:
فمتى احتلمت؟ قال: بعد صفين بعام [وعند ابن سعد: بعد صفين
عامًا]))(٣).
وقال ابن أبي شيبة في (المصنف): ((حدثنا أبو أسامة(٤) عن
شعبة(٥) عن أبي رجاء قال: قلت للحسن: متى عهدك بالمدينة؟
قال: [ما] لي بها عهد بعد صفين، قال: قلت: فمتى احتلمت؟
قال: بعد صفين بعام؟))(٦).
وهذان إسنادان صحیحان.
غير أن لفظ رواية ابن أبي شيبة جاءت في المطبوعتين
المعتمدتين في هذا البحث، أن الحسن قال: ((لي بها عهد بعد
صفین)) .
كذا من غير أن تُسبق بـ (ما) التي تفيد النفي، فجاءت إجابة
الحسن من غير النفي غريبة، أثارت في نفسي الشك، أن يكون
في العبارة سقط، نال أداة النفي، أو حدث بها تحريف ما.
(١) هو ابن عُليّة، تقدم أنه ثقة حافظ.
(٢) محمد بن سيف الأزدي الحُدَّاني، أبو رجاء البصري.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٩٤٨): ((ثقة)).
(٣) العلل للإمام أحمد، برواية ابنه عبد الله (رقم ٤٧٨٤)، وبرواية الميموني -
ضمن رواية المروذي (رقم ٤٢٢)، وطبقات ابن سعد (١٧٥/٧).
(٤) حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي، أبو أسامة، (ت٢٠١ هـ)، وله
ثمانون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٤٨٧): ((ثقة ثبت، ربما دلَّس، وكان
بأخرة يحدث من كتب غيره)).
(٥) هو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (٦٠/١٣)، (رقم ٣٣٩١٦).
٢٦٩

فرجعت إلى صورة لنسخة مخطوطة من (مصنف ابن أبي شيبة)
مأخوذة عن متحف (طوب قابو) بتركيا، والصورة في مركز
البحوث بجامعة أم القرى. وبالتفتيش في المخطوطة، وقفت على
موطن الخبر فيها، فوجدت العبارة فيه، على الصواب: ((مالي بها
عهد بعد صفين)) (١).
فالحمد لله أن يسر لي الوقوف على صواب هذه العبارة،
بعد أن كنت أنوي تأويلها على ما يوافق رواية الإمام أحمد وابن
سعد، وأن أتكلف لذلك! فإذا بها على صوابها في المخطوط -
موافقةٌ لروايتيهما، لا تحتاج في المطبوع إلا إلى إثبات الصواب !!
وما زلنا مع الأخطاء، وما نَعْنَى له من أجلها !!
قال الإمام الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة
الأزدي الطحاوي (ت ٣٢١هـ) في (شرح معاني الآثار): ((حدثنا
ابن أبي داود (٢) قال: حدثنا يوسف بن عدي(٣)، قال: حدثنا ابن
إدريس(٤) عن شعبة عن أبي رجاء، قال: قلت للحسن: متى
قدمت البصرة؟ قال: قبل صفين بعام))(٥).
وهذا إسناد صحيح، يرجع مخرجه إلى مخرج ابن أبي
شيبة .
(١) مصنف ابن أبي شيبة، النسخة الخطية (٢٣٢/ ب).
(٢) إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي، أبو إسحاق الشامي، نزيل
مصر، (ت٢٧٢ هـ)، وصفه بالثقة، والإمامة والحفظ غير واحد، وقدَّمه
الذهبي بقوله في سير أعلام النبلاء (٣٩٣/١٣ - ٣٩٤): ((الشيخ الإمام
الحافظ المجود)).
(٣) هو ابن رزق التيمي، مولهم، الكوفي، نزيل مصر، (ت ٢٣٢ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٨٧٢): ((ثقة)).
(٤) عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، أبو محمد الكوفي
(ت ١٩٢ هـ)، وله بضع وسبعون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٣٢٠٧): ((ثقة فقيه عابد)).
(٥) شرح معاني الآثار للطحاوي (٤٥١/١).
٢٧٠

لكن التعارض ظاهر بين هذا الخبر وما سبق، فبينما تذكر
الروايات الثلاث السابقة: أن خروج الحسن من المدينة إلى البصرة
كان (ليالي) صفين، تذكر رواية الطحاوي هذه أن خروجه إلى
البصرة قبل ذلك بسنة: ((قبل صفين بعام)) !!
ويزيد الإشكال تعقيدًا، أن الطحاوي قدم روايته هذه، نافيًا
لقاء الحسن بأحد الصحابة البصريين، فقال: ((الحسن لم يكن
بالبصرة حينئذ، لأن قدومه لها قبل صفين بعام))(١) .
فلم يدع الطحاوي بكلمته هذه، التي قدم بها الرواية، مجالاً
لإيراد احتمال وجود سقط، أو تحريف، من النساخ أو الطابعين!
وليس هذا فقط! فما مثل زيادة التحري، وشدة التوثق،
أدعى إلى برد اليقين !!
فقد اطلعت على مصورة لمخطوطة (شرح معاني الآثار)
للطحاوي، في مركز البحوث بجامعة أم القرى، مأخوذة عن أصل
محفوظ بـ (دار الكتب المصرية) فوجدت ما في المخطوط مطابقًا
لما في المطبوع(٢) !!
فليس في الأمر شك: أنه خطأ أصيل، وقع للإمام الطحاوي
نفسه، أو تلقاه عن شيخه، أو أخذه شيخه عن شيخه ... ولا
يوجد احتمال ظاهر غير هذا !!
فقد نقل الإمام أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين
البخاري الكلاباذي (ت٣٩٨ هـ)، في كتابه (رجال صحيح
البخاري) عن الإمام الحافظ العظيم القدر أبي عبد الرحمن
(١) شرح معاني الآثار للطحاوي (١/ ٤٥١).
(٢) شرح معاني الآثار - دار الكتب المصرية برقم (٨٥١/ حديث) وبمركز
البحوث بالجامعة رقمها (٨٦٦/ حديث) - (١١٣/أ).
٢٧١

محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني (ت٢٣٤ هـ)(١)، أنه قال:
حدثنا ابن إدريس عن شعبة، عن أبي رجاء، قال: قلت للحسن:
متى خرجت من المدينة؟ قال: عام صفين. قلت: متى احتلمت؟
قال: قبل صفين بعام))(٢).
وهذا إسناد صحيح، مخرجه مخرج رواية الطحاوي، حيث
يتابع محمد بن عبد الله بن نمير شيخ شيخ الطحاوي: يوسف بن
عدي، في رواية الخبر عن ابن إدريس، عن شعبة، عن أبي
رجاء .. به.
والظاهر أن الوهم الواقع في رواية الطحاوي نجم عن سقط
في الخبر، ذهب في هذا السقط: إجابة الحسن الأولى عن سنة
خروجه من المدينة، وأيضًا سقط السؤال أبي رجاء الثاني عن
وقت احتلام الحسن.
فتركّب من هذا السقط، أن أصبح جواب الحسن عن السؤال
الثاني جوابًا للسؤال الأول، كما في رواية الطحاوي.
ومع أن رواية محمد بن عبد الله بن نمير توافق الروايتين
اللتين قدمنا بهما هذا المبحث: في: أن خروج الحسن من المدينة
إلى البصرة كان عام صفين، إلا أن رواية ابن نمير تخالف روايتي
المبحث في سنة احتلام الحسن، إذ تجعلها رواية ابن نمير: قبل
صفين بعام، بينما تجعلها روايتي المبحث: بعد صفين بعام !!
وهذه حقًّا معضلة، بعد صحة إسناد جميع الروايات!
غير أن المسألة المهمة، ذات التأثير على إثبات سماعات
(١) يبدو أن لمحمد بن عبد الله بن نمير كتاباً في التاريخ - على اصطلاح
المحدثين - وأذكر أني قرأت ذلك قديماً، لكن نسيت موطنه.
ووقفت على ما يشهد لذلك، انظر (تاريخ مولد العلماء ووفياتهم) للربعي
(٥٨/١).
(٢) رجال صحيح البخاري للكلاباذي (١/ ١٦٧).
٢٧٢

الحسن أو إرساله، هي سنة خروج الحسن البصري من المدينة، وقد
اتفقت عليها الروايات، بحمد الله تعالى، وأنها كانت عام صفين.
فإذا كانت موقعة الصفين في غرة صفر من سنة سبع
وثلاثين، كما ذكر المؤرخون(١)، فإن خروج الحسن من المدينة
كان في هذه السنة، وله من العمر ست عشرة سنة.
وهذا هو التاريخ المهم، الذي اتفقت عليه الروايات، إلا
رواية الطحاوي، التي بيَّنَّا شذوذها، وأوضحنا التفسير المحتمل
لسبب شذوذها، وذكرنا أنه سقط وقع فيها.
وبعد أن قرَّرنا هذا الأمر المهم، فلا بأس أن نعود إلى
معضلتنا، لمعرفة سنة احتلام الحسن البصري؟
فإذا أخذنا بروايتي المبحث، من أن احتلام الحسن كان بعد
صفين بعام، فإن هذا يعني أنه احتلم وله سبع عشرة سنة! أمَّا إذا
أخذنا برواية ابن نمير من أن احتلام الحسن كان قبل صفين بعام،
فإن هذا يعني أنه احتلم وله خمس عشرة سنة، وهذا العمر هو
الأكثر قبولاً، والأغلب وقوعًا. وإن كان العمر الأول: (سبع عشرة
سنة) ليس مستحيلاً عقلاً، ولا معدومًا واقعًا.
فإذا ما تحاكمنا في هذه المسألة إلى الإسناد، ملنا إلى
ترجيح روايتي الباب، وأن احتلام الحسن كان وله سبع عشرة
سنة!
ذلك لأن روايتا المبحث، رُوِيَتا بمخرجين مختلفين عن أبي
رجاء، روى الأولى إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، وروى
الثانية شعبة عن أبي رجاء، برواية أبي أسامة عن شعبة. أمَّا رواية
ابن نمير فتفرد بها ابن إدريس عن شعبة، وكذا هي رواية
(١) انظر تاريخ خليفة بن خياط (١٩١)، وتاريخ الطبري (١٠/٥)، والبداية
والنهاية لابن كثير (٢٦٢/٧).
٢٧٣

الطحاوي، إن صدق ظننا في وجود السقط على ما شرحناه. إذ
رواية الطحاوي من طريق ابن إدريس عن شعبة أيضًا.
وهناك رواية أخرى، لم نتعرض لها حتى الآن، فلو نجت
من الخطأ، لكان لها - ربما - دَوْرٌ في حلٍ، أو ترجيح لهذه
المعضلة .
فقد جاء في (أخبار القضاة) لوكيع، أنه قال: ((أخبرني
الحارث بن شعبة، عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن: كم أتى
لك أيام صفين؟ قال: احتلمت قبلها عامًا))(١).
وراجعت النسخة الأصلية لـ (أخبار القضاة) فلم تسعفني
بشيء، إذ هي مطابقة للمطبوع في هذا الموطن(٢)!
والمشكل هو إسناد هذا الخبر، فلا يعقل أن يروي مصنف
كتاب أخبار القضاة، المتوفى سنة ست وثلاثمائة، عن رجل، عن
رجل من طبقة تحتمل لقاء الصحابة! والحاصل أن (الحارث بن
شعبة) لم أجده في الرواة أصلاً، فضلاً من أن أجده في مشاهير
المُعَمَّرین!
والذي يغلب على ظنّي، أن إسناد الخبر عند وكيع، هو أن
يرويه عن شيخه الحارث بن أبي أسامة، ويرويه الحارث عن رجل
ما، عن شعبة، عن أبي رجاء. فسقط الواسطة بين الحارث
وشعبة، وتحول لفظ (عن) إلى (بن)، فصار الإسناد على ما سبق
في الكتاب.
وأمَّا عن سبب افتراضي وجود واسطة بين الحارث وشعبة،
فلأن الحارث لم يدرك شعبة، وقد أخرج وكيع في موطن آخر من
كتابه (أخبار القضاة) عن شيخه الحارث بن أبي أسامة، عن
(١) أخبار القضاة لوكيع (٦/٢).
(٢) أخبار القضاة لوكيع، النسخة الخطية (١١٨/أ).
٢٧٤

بشر بن عمر الزهراني عن شعبة، خبرًا لا علاقة له بالحسن
البصري(١) .
(١)
وما أعظم هدية من يبين لي - بالدلائل الواضحات - حقيقة
هذا الإسناد، في (أخبار القضاة) لوكيع!
وعلى كل حال، فرواية (أخبار القضاة) على ما هي عليه،
يكاد يكون لها أثر على تقوية رواية ابن نمير، فترجيح أن احتلام
الحسن كان وله خمس عشرة سنة.
ولست أنوي أن أتعمق في هذه المسألة بأكثر من هذا، إذ
التعميق فيها بعدما سبق، وعلى ضوء ما لديَّ من دلائل متعارضة
متناقضة، لن يكون إلا بضرب في الظنون، وغوص في احتالات
مجهولة.
ويكفي أنه تقرر: أن الحسن خرج من المدينة وله ست
عشرة سنة، هذا هو المهم المؤثر على نتائج البحث!
ونترك هذه المسألة، إلى مسألة أخرى، مما يتعلق ببعض
شؤون الحسن البصري التاريخية، المؤثرة على معرفة سماعه من
إرساله.
(١) أخبار القضاة لوكيع (١٩٤/٢).
٢٧٥

ثالثًا: حجّتا الحسن:
قال ابن سعد في (الطبقات): ((أخبرنا مسلم بن إبراهيم(١)
قال: حدثنا حماد بن سلمة(٢) قال: حدثنا حميد (٣) قال: لم يحج
الحسن إلا حجتين: حجة في أول عمره، وأخرى في آخر عمره)) (٤).
وإسناده صحيح، وحميد الطويل من كبار الآخذين عن
الحسن البصري(٥)، وإخباره هذا لا يكون بالاجتهاد، فله حكم
الموقوف على الحسن، بل لقد كان حميد مرافقًا للحسن في آخر
حجتیه، کما سيأتي(٦).
وفي سؤالات أبي عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجري
(ت أوائل القرن الرابع)، عن أبي داود، قال: ((لم يحج الحسن
إلا حجتین))(٧).
وليت أن حميدًا الطويل، أو أبا داود السجستاني، حدد
السنة التي حج فيه الحسن كُلّ من حجتيه.
غير أني - بحمد الله تعالى - قد علمت بالسنة التي حج فيها
الحسن حجته الأخيرة، بعد أن كنت فاقدًا الأمل في العلم بذلك!
إذ وجدت بعد لأي من البحث والتنقيب، أن الإمام أحمد
(١) هو الأزدي، الفراهيدي، أبو عمرو البصري، (ت٢٢٢هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٦١٦): ((ثقة مأمون مكثر، عمي
بآخره».
(٢) هو ابن دينار، إمام مشهور، تقدمت ترجمته.
(٣) هو ابن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، (ت٢ - ١٤٣هـ)، وهو
قائم يصلي، وله خمس وسبعون.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٥٤٤): ((ثقة مدلس، وعابه زائدة لدخوله
في شيء من أمر الأمراء)».
(٤) طبقات ابن سعد (١٧٥/٧).
(٥) انظر تاريخ الدارمي عن يحيى بن معين (رقم ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٦) انظر ما سيأتي (٢٨٠)، وطبقات ابن سعد (١٧٠/٧ - ١٧١).
(٧) سؤالات أبي عبيد الآجري، لأبي داود (رقم ٥٥٧).
٢٧٦

قال في (العلل): ((حدثنا هشيم بن أبي ساسان أبو علي(١)، قال:
حدثنا أُمَيُّ بن ربيعة(٢) قال: حججنا في سنة مائة، فلقينا الحسن
وعطاء وطاوس))(٣).
إسناده جید.
وصحّ عن الإمام أحمد، من غير وجه، أنه قال: ((حدثنا
عبد الرزاق، قال: سمعت أبي(٤) يقول: حج عام مائة عامّة
(١) هو الكوفي، روی عن عبيد الله بن عمر، وابن جريج، وغيرها، روى عنه
الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما جماعة.
قال الإمام أحمد: ((شيخ كان يجالس حفص بن غياث، ما كان أحسن
هيئته! وکان کوفیاً».
وقال ابن أبي حاتم: ((سألت أبي عنه، فقال: صالح الحديث، قلت: لا
بأس به؟ قال: لا أقول هذا، ولكن هو صالح الحديث».
وقال العجلي: ((ثقة)).
وذكره ابن حبان في الثقات.
انظر العلل للإمام أحمد (رقم ٢٨٦٦)، ومسائل ابن هانىء للإمام أحمد
(رقم ٢٢٣٧)، والتاريخ ليحيى بن معين (رقم ١٣٦٤)، والجرح والتعديل
(١١٦/٩)، ومعرفة الثقات للعجلي (رقم ١٩١٣)، والثقات لابن حبان
(٥٨٧/٧ - ٥٨٨).
(٢) هو المرادي، الصيرفي، كوفي، يكنى أبا عبد الرحمن.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٥٥١): ((ثقة)).
(٣) العلل للإمام أحمد (رقم ٢٨٦٦).
(٤) همام بن نافع الحميري الصنعاني، والد عبد الرزاق.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٣١٨): ((مقبول)).
قلت: لعله خير مما قال الحافظ!
فقد جاء في (تهذيب التهذيب): أن ابنه عبد الرزاق قال: ((حج أبي أكثر من
ستين حجة)) وفي (التهذيب) أيضاً: أن إسحاق بن منصور قال عنه: ((ثقة)).
وهذا خطأ! صوابه: أن إسحاق بن منصور روى عن يحيى بن معين أنه
قال عنه: ((ثقة))!
كذا هو في (الجرح والتعديل)، وفي (تهذيب الكمال)، و(الميزان).
وذكره ابن حبان في (الثقات).
وقال العقيلي: ((حديثه غير محفوظ)).
وفات الحافظ في (التهذيب) ما يلي!
٢٧٧
=

الفقهاء، وحجّ وهب بن منبه. فلمّا صلى العشاء، أتاه نفر فيهم:
عطاء والحسن، وهم يريدون أن يذاكروه القدر. فافْتَنَّ في باب من
الحمد، فلم يزل فيه، حتى طلع الفجر! فافترقوا ولم يسألوه عن
شيء))(١).
وقال الرامهرمزي في (المحدث الفاصل): ((حدثنا همام(٢)
حدثنا إبراهيم بن الحسن العلاف(٣) حدثنا حماد بن زيد، عن
قال عبد الله بن أحمد في زوائده على (العلل): ((سمعت عباس بن محمد
=
الدوري يقول ليحيى وأنا أسمع: همام بن نافع أبو عبد الرزاق سمع من
عكرمة؟ قال: نعم سمع أبوه من عكرمة، وأرجو أن يكون أبوه ليس به
بأس. قلت أنا ليحيى: أليس قد حدَّث عنه ابن المبارك، قال: ((نعم)).
وأسند العقيلي إلى عبد الرزاق، قال: ((قدم علينا معمر، وقد مات أبي،
فقال: لو أدركت أباك ما أردت أن يسند لي حديثاً».
بينما ذكره الحاكم في (معرفة علوم الحديث) في (نوع معرفة الأئمة الثقات
المشهورين)! بل قال عنه أيضاً في (المستدرك): ((ثقة)).
فالأعدل فيه عندي أنه: لا بأس به، كما قال يحيى بن معين، في إحدى
الروايتين عنه. فمثله قد يَهِم، ومثله قليل الرواية قد لا يحتاجُ أحدُ الحفاظ
- كمعمر - أن يروي عنه ويسألَهُ حديثاً!
انظر: العلل للإمام أحمد (رقم ٣٩٤٦)، والتاريخ الكبير للبخاري (٨/
٢٣٧)، والجرح والتعديل (١٠٧/٩)، والضعفاء للعقيلي (٣٧١/٤)،
والثقات لابن حبان (٥٨٦/٧)، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٢٤٣)،
والمستدرك له (١٦٠/٣)، تهذيب الكمال - خط - (١٤٤٩/٣)، والميزان
(٣٠٨/٤ -٣٠٩)، والتهذيب (٦٧/١١).
(١) المعرفة والتاريخ للفسوي (٢٩/٢)، وتاريخ مدينة صنعاء للرازي (٤١٦)،
وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر - خط (١٧ / ٩٥٧).
وانظر السنة للخلال (رقم ٩١٥).
(٢) هو ابن محمد العبدي، روى عنه الرامهرمزي في مواطن عدة من كتابه
(المحدث الفاصل).
انظر فهارس المحدث الفاصل (٦٦٠)، ولم أجد له ترجمة.
(٣) هو ابن نجيح الباهلي، العلاف، المقرىء، البصري، (ت٢٣٥هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٦٥): ((ثقة)).
وانظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٩٢/٢)، وغاية النهاية في طبقات
القراء لابن الجزري (١١/١).
٢٧٨

جرير بن حازم، عن حميد الأعرج(١) قال: ((قدم الحسن مكة سنة
مائة، فحشد عليه الناس، فقام رجل فقال: يا أبا سعيد، ما تقول
في القدر؟ قال: اجلس، ليس تحسن أن تسأل))(٢).
وهذا إسناد حسن، لولا أني لم أجد لشيح الرامهرمزي:
همام بن محمد العبدي ترجمة.
وقد ورد من تعظيم أهل مكة للحسن البصري عند وروده
عليهم في حجته الأخيرة هذه أخبار كثيرة، منها:
ما أخرجه ابن حبان في (الثقات) قال: ((حدثنا عمر بن
محمد بن بجير (٣) الهمداني(٤) قال: حدثنا أحمد بن المقدام
العجلي(٥) قال: حدثنا حزم بن أبي حزم(٦) قال: رأيت الحسن
(١) يغلب على ظني، أنه حميد بن قيس، المكي، الأعرج، أبو صفوان
القارىء، (ت ١٣٠ هـ، وقيل: بعدها).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٥٥٦): ((ليس به بأس)).
وانظر تهذيب الكمال (٣٨٤/٧ - ٣٨٩).
(٢) المحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٣١٢).
(٣) وقع في المصدر: ((عن بجير))، وهو خطأ واضح، إذ بجير جد شيخ ابن
حبان.
(٤) هو أبو حفص، السمرقندي، مصنف المسند (ت٣١١ هـ).
قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٤٠٢/١٤ - ٤٠٤): ((الإمام الحافظ
الثبت الجوال».
(٥) هو أبو الأشعث العجلي، البصري (ت ٢٥٣ هـ)، وله بضع وتسعون.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١١٠): ((صدوق، طعن أبو داود في
مروءته).
(٦) هو القُطّعي، أبو عبد الله البصري، (ت١٧٥ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١١٩٠): ((صدوق يهم)).
وفي حكم الحافظ هذا تشدد !!
فالذي جاء في ترجمة القطعي في (التهذيب) (٢٤٣/٢): ((قال أحمد،
وابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وهو من ثقات من
بقي من أصحاب الحسن. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان
في الثقات، وقال يخطىء)).
٢٧٩
=

قدم مكة، فقام خلف المقام فصلى، فجاء عطاء وطاوس ومجاهد
وعمرو بن شعيب، فجلسوا بين يديه))(١).
وإسناده حسن.
وصح عن حمّاد بن سلمة من غير وجه، أنه قال: ((حدثنا
حميد، قال: قدم علينا الحسن مكة، فكلمني فقهاء أهل مكة أن
أكلمه في أن يجلس لهم يومًا يعظهم فيه، فقال: نعم، فاجتمعوا،
فخطبهم، فما رأيت أخطب منه، فقال رجل: يا أبا سعيد، من
خلق الشيطان؟ فقال: سبحان الله !! هل من خالق غير الله؟
وانظر تاريخ الدارمي عن ابن معين (رقم ٢٢٧)، والجرح والتعديل (٣/
=
٢٩٤)، والثقات لابن حبان (٢٤٤/٦ - ٢٤٥).
فأنت ترى أن إمامين جعلا حزماً في مرتبة من يصحح حديثه، وهذان
الإمامان هما أجل من ذُكر: أحمد وابن معين!
ونصّ أبو حاتم الرازي أنه من ثقات أصحاب الحسن، فخصّه عن الحسن
بمزيد قوّة.
ثم ابن حبان قال عنه: ((يخطىء))، مع ذكره في (الثقات)، فمن الذي لا
يخطىء؟! ولذلك فلم يتورع ابن حبان عن أن يخرج له في صحيحه،
فانظر (الإحسان) (رقم ٤٣٢).
كان الأولى أن يقول الحافظ، على منهجه: ((ثقة ربما أخطأ))، ونحوها،
بدلاً من قوله عنه: ((صدوق یھم).
فكيف إذا علمت أن صواب لفظ توثيق الإمام أحمد، أنه بتكرار لفظة ثقة،
حيث قال عنه: «ثقة ثقة)) !!
كذا في (العلل) للإمام أحمد (رقم ٥٩٥٠)، وفي (تاريخ أسماء الثقات)
لابن شاهين (رقم ٣٠٦).
وكيف إذا علمت أن في فوات (التهذيب)، ما هو جليل القدر جدّاً !!
فمن فوات (التهذيب):
ما جاء في سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة (رقم ٢٥٨)، أن
علي بن المديني قال عن حزم: ((ثقة)).
وما جاء في سؤالات البرقاني (رقم ١١٦)، أن الدارقطني قال عن حزم
أيضاً: ((ثقة)).
فمثله لا أنزله عن أن أقول فيه كما قال: أحمد، وابن معين، وابن
المديني، والدارقطني، الذين قالوا عنه: ((ثقة)).
(١) الثقات لابن حبان (٢٤٥/٦).
٢٨٠