النص المفهرس

صفحات 241-260

وثناء الأئمة عليه - من أقرانه، وتلامذته، بل وشيوخه - أكثر [ثناء الأئمة
من أن يُخْصَى! وهو مبثوث مستفيض في كتب التراجم، وغيرها. عليه]
بل صُنّفَتْ في مناقبه وثناء الناس عليه مصنَّفاتٌ مفردة! كما
سيأتي في آخر هذا التمهيد، (إن شاء الله تعالى).
وأندر ما وجدته في ذلك، ثناء أحد جِلّة الصحابة عليه، ألا
وهو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
فقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على كتاب
(العلل) لأبيه، بإسناد قال فيه: ((حدثنا شيبان بن أبي شيبة(١)،
قال: حدثنا سلام بن مسكين(٢)، عن عمران بن عبد الله
الخزاعي(٣) قال: سألت ابن عمر مسألة؟ فقال: من أين أنت؟
قلت: من أهل العراق. قال: من أيها؟ قلت: من أهل البصرة.
قال: فأين مولى الأنصار منكم؟ يعني الحسن بن أبي الحسن))(٤).
وإسناده صحيح.
يقول عبد الله بن عمر ذلك! وهو المتوفّى سنة ثلاث
وسبعين، عاش بعدها الحسنُ سبعًا وثلاثين سنة !! ويقول
عبد الله بن عمر ذلك! وفي البصرة أيضًا أنس بن مالك رضي الله
عنه، المتوفى سنة إحدى وتسعين !! ويقول عبد الله بن عمر ذلك!
وهو من هو ضخامةً في هذا الدين؟ فلن يَعْظُمَ في عينه إلا
عظيم !! ويقول عبد الله بن عمر ذلك! وهو وارث فراسة المؤمن
(١) هو شيبان بن فروخ، تقدم أنه ثقة يهم، جيد الحديث.
(٢) وسلام بن مسكين تقدم أنه ثقة.
(٣) عمران بن عبد الله بن طلحة الخزاعي، البصري.
قال الحافظ في التقرب (رقم ٥١٥٩): ((صدوق)).
والصدوق إذا روى قصة وقعت له، وسؤالاً هو الذي سأله، يستبعد له فيه
الوهم!
(٤) العلل للإمام أحمد (رقم ٦٠٨٧).
٢٤١

من أبيه! وآخِذٌ من شدّة التحري في الثناءِ وضدِّه بأوفر نصيب!
كباقي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
فما أعظمَ ثناء عبد الله بن عمر رضي الله عنه هذا على
الحسن البصري!
وكان الحسن البصري يُشَبَّهُ في سَمْته ودينه بأصحاب
النبي و # شهد له بذلك جماعة من كبار التابعين، منهم: أبو
بردة بن أبي موسى الأشعري(١)، وعامر بن شراحيل الشعبي(٢)،
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الهَمْدَاني(٣) .
بل قال التابعيُّ الكبير (الذي قيل إنه صحابي) أبو قتادة
العدوي: ((عليكم بهذا الشيخ - يعني الحسن بن أبي الحسن - فإني
والله ما رأيتُ رجلاً أَشْبَهَ رَأيًا بعمر بن الخطاب منه))(٤).
وقال أحد تلامذته: علي بن زيد بن جدعان: ((أدركت
عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، ويحيى بنَ جعدة،
والقاسمَ بنَ محمد، وسالمًا .. في آخرين؛ فلم أَرَ مِثْل الحسن!
ولو أنَّ الحسن أدرك أصحابَ النبي وَّر وهو رجل، لاحتاجوا إلى
رأيه))(٥).
واشتهر الحسن بغير ما سبق، بالزهد والورع، بل يكاد
يشتهر الزهد بالحسن البصري! فلا يُذكر الزهد والزهاد إلا لمع في
الأذهان اسمُ الحسن البصري.
[زُهْدُهُ]
(١) انظر طبقات ابن سعد (١٦٢/٧)، والتاريخ الكبير للبخاري (٢٩٠/٢).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (١٦٢/٧).
(٣) تاريخ يحيى بن معين (رقم ٤٧٢٢)، والطبقات لابن سعد (١٦٢/٧)،
وأخبار القضاة لوكيع (٧/٢، ١٣).
(٤) طبقات ابن سعد (١٦١/٧)، والتاريخ الكبير للبخاري (٢٨٩/٢ - ٢٩٠)،
والمعرفة والتاريخ للفسوي (٤٧/٢ - ٤٨)، وأخبار القضاة لوكيع (١٣/٢).
(٥) طبقات ابن سعد (١٦١/٧)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣٢/٢ - ٣٣)،
وتاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (١٢ / ٩٤).
٢٤٢

[فصاحته]
وكان - رحمه الله - من أفصح الناس!
صح أنه قال له رجل: ((يا أبا سعيد، والله ما نراك تلحن؟!
فقال: يا ابن أخي، إني قد سبقت اللحن))(١).
وقال شيخ الرواة وإمام العربية أبو عمرو بن العلاء (ت
١٥٤ هـ): ((ما رأيت أفصح من الحسن والحجاج، قيل له: فأيهما
أفصح؟ قال: الحسن)) (٢).
وقال عبد الله بن عون: ((كان يُشَبَّه كلام الحسن بكلام
رؤية بن العجاج (٣) - يعني في الفصاحة -))(٤).
وقال أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي (ت
٤١٤ هـ)، في كتابه (البصائر والذخائر)، عن الحسن: ((لو كان
كلام الناس حجرًا، لكان كلام هذا الرجل ذهبا وفضة))(٥).
وكان الحسن - رحمه الله - من أشجع الناس، وقد سبقت
الإشارة إلى كثرة مغازيه(٦).
قال أبو داود صاحب السنن: ((كان - يعني الحسن - يكون [شجاعته]
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٤٥٨/١٠) (رقم ٢٩٩٢٠)، والمعرفة والتاريخ
للفسوي (٤٩/٢)، والكنى للدولابي (١٩٠/١)، ومعجم ابن الأعرابي -
خط - (١٢٣ / أ).
(٢) تاريخ دمشق لابن عساكر - خط - (٢١٠/٤)، وانظر سؤالات أبي عبيد
الآجري لأبي داود (رقم ٥٥٧).
(٣) التميمي، من رُجَّاز الإسلام، وفصحاء العرب المذكورين المعدودين، (ت
١٤٥ هـ).
انظر الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (٣٤٥/٢٠ - ٣٥٥)، وسير أعلام
النبلاء للذهبي (١٦٢/٦).
(٤) طبقات ابن سعد (١٦٦/٧)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٥١/٢)، وأخبار
القضاة لوكيع (٩/٢)، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (٣٥١/٢٠).
(٥) البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي (١٨٩/١ رقم ٥٨١).
(٦) انظر ما سبق (٢٤٠).
٢٤٣

بخراسان، وكان يرافق قطري بن الفجاءة(١) والمهلب بن أبي
صفرة(٢).، وكان من شجعان الناس، وكان يقال: عَرْضُ زندي
الحسن شبر.
قال هشام بن حسان: كان الحسن أشجع أهل زمانه))(٣).
وقال جعفر بن سليمان الضبعي (ت١٨٧ هـ): ((كان الحسن
من أشد الناس إذا حضر الناس، وكان أجمل الناس، وأروى
الناس، وأسخى الناس، وأفصح الناس، وكان المهلب إذا قاتل
المشركين كان الحسن من الفرسان الذي يُقدَّمون»(٤).
ومن شجاعته - رحمه الله - صَدْعُه بالحق، وأمره بالمعروف
ونهيه عن المنكر، من غير أن يخاف في ذلك لومة لائم. وله في
ذلك مواقف مشهودة: بالفتوى التي تخالف رأي السلطان(٥)،
وبالدخول على الأمراء للوعظ والنصح، والتوبيخ(٦).
فهو صاحب النصيحة المشهورة لأمير العراقين عمر بن هبيرة
(ت ١٠٧هـ)، التي فُضْل بها الحسن على الشعبي (٧) .
(١) الأمير أبو نعامة التميمي، البطل المشهور، خرج زمن ابن الزبير، فكان
رأس الخوارج، فاستفحل بلاؤه، وهزم الجيوش، إلى أن حُمل رأسه سنة
(٧٩ هـ)، للحجاج بن يوسف.
انظر سير أعلام النبلاء (١٥١/٤).
(٢) الأزدي، الأمير البطل، قائد الكتائب، من قواد الفتح الإسلامي في
المشرق، ومن المعدودين المشهورين منهم، (ت ٨٢ هـ).
انظر سير أعلام النبلاء (٣٨٣/٤ - ٣٨٥).
(٣) سؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود (رقم ٥٥٧).
(٤) المعرفة والتاريخ للفسوي (٤٩/٢).
(٥) انظر طبقات ابن سعد (١٦٤/٧).
(٦) انظر جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢٦٣).
(٧) انظر: زهد الثمانية من التابعين، لعلقمة بن مرثد (٦٤ - ٦٧)، وحلية
الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني (١٤٩/٢ - ١٥١)؛ وغيرها: انظر (ص
٥٦٧ - ٥٦٩) وهي وإن كان إسنادها لا يثبت، لكن لأصل القصّة متابعات
تُثبت أن لها أصلاً!
٢٤٤

وله مع سفاك العراق: الحجاج بن يوسف موقف مشهود،
نجا منه الحسن البصري بما يُعَدُّ من الكرامات. لكن طلبه الحجاج
بعده، فتوارى الحسن عن عينه تسع سنين، فلما بلغه موته سجد
شكرًا لله تعالى(١) .
أمَّا صفاته الجسدية رحمه الله: فكان تام الشكل، طويلاً، [صفاته
وسيمًا، من أجمل أهل البصرة(٢).
الجسدية]
صح عن الأصمعي عن أبيه قال: ((ما رأيت زندًا أعرض من
زند الحسن البصري، كان عرضه شبرًا))!(٣).
وكان - رحمه الله - يخضب لحيته بالصفرة(٤).
وكثيرًا ما كان يعتم بعمامة سوداء، ولا يدع الاعتمام أبدًا إذا
(٥)
خرج للناس(٥) .
[قولُه بالقدر
والدفاع عنه]
نسبة الحسن إلى القول بالقدر:
ولم يؤخذ على هذا الإمام شيء في علم أو عمل أو
اعتقاد، غير أنه نُسب إلى القول بالقدر، بنفي تقدير الله تعالى
للشر، مع تعظيمه للمعاصي وتنفيره منها(٦).
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق (رقم ٦٩٢٨)، وصحيح البخاري (رقم ٧٥١٠)،
والمنتخب من ذيل المذيل للطبري (٦٣٨)، والمِحَن لأبي العرب التميمي
(١٧٣)، والمتوارين لعبد الغني بن سعيد الأزدي (٤٤ - ٤٦)، وشرح
أصول اعتقاد أهل السنة لللاكائي (رقم ٢٦٤٩، ٢٦٥٠)، وتاريخ دمشق
لابن عساكر - خط - (٢٤٤/٤ - ٢٤٥، ٢٥٥، ٢٥٦)، وبغية الطلب لابن
العديم (٢٠٩٦/٥) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٢١/٦ - ٢٢٢،
٢٣١ - ٢٣٢).
(٢) انظر: الطبقات لابن سعد (١٥٧/٧)، والمعارف لابن قتيبة (٤٤١)، وسير
أعلام النبلاء للذهبي (٥٧٥/٤).
(٣) المعارف لابن قتيبة (٤٤١)، وأخبار القضاة لوكيع (١٢/٢)، وسير أعلام
النبلاء للذهبي (٤/ ٥٧٢).
(٤) انظر طبقات ابن سعد (١٦٠/٧).
(٥) انظر طبقات ابن سعد (١٦٠/٧ - ١٦١، ١٧٣).
(٦) انظر السنة لأبي بكر الخلال (رقم ٩١٢).
٢٤٥

قال ابن سعد في (الطبقات)، والفسوي في (المعرفة والتاريخ)
كلاهما: ((حدثنا أبو النعمان(١): حدثنا حماد بن زيد(٢): عن
أيوب بن أبي تميمة السَّخْتِياني(٣) أنه قال: أنا نازلت الحسن في
القدر غير مرَّة، حتى خوفته بالسلطان! فقال: لا أعود فيه بعد
اليوم، قال أيوب: ولا أعلم أحدًا يستطيع أن يعيب الحسن إلا به.
قال أيوب: وأدركت الحسن - والله - ما يقوله))(٤).
وهذا إسناد صحيح، صريح في المسألة!
وقال أبو هلال الراسبي محمد بن سليم(٥): ((سمعت حُميدًا
وأيوب يتكلمان، فسمعت حُميدًا يقول لأيوب: لَوَدِذْتُ أنه قُسِم
علينا غُزْمٌ، وأن الحسن لم يتكلم بالذي تكلم به. قال أيوب:
يعني القدر))(٦) .
ومع ثبوت هذا عن الحسن البصري رحمه الله، إلا أنه
(١) محمد بن الفضل السدوسي، عارم، البصري، (ت ٣ - أو - ٢٢٤ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٤٩٨): ((ثقة ثبت، تغير في آخر عمره).
(٢) ابن درهم الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، (ت ١٧٩ هـ)، وله إحدى
وثمانون سنة.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٤٩٨): ((ثقة ثبت فقيه)).
(٣) أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني، أبو بكر، البصري، (ت ١٣١هـ)،
وله خمس وستون.
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٦٠٥): ((ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء
العباد».
(٤) الطبقات لابن سعد (١٦٧/٧)، والمعرفة والتاريخ (٣٤/٢ - ٣٥)، وبنحوه
مختصراً في سنن أبي داود (رقم ٤٦٢٥)، والإبانة لابن بطة (١٨٨/٢/٢
رقم ١٦٩٠)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (رقم ١٢٥٢).
(٥) محمد بن سليم، أبو هلال الراسبي، البصري (ت ١٦٧ هـ، وقيل قبل
ذلك).
قال الحافظ في التقريب (رقم ٥٩٢٣): ((صدوق فيه لين)).
(٦) الطبقات لابن سعد (١٦٧/٧)، والإبانة لابن بطة (١٨٨/٢/٢ رقم
١٦٩١).
٢٤٦

سرعان ما رجع عنه، واستفاض ذلك عند تلامذة الحسن، فما هي
إلا (هفوة)(١) منه رحمه الله، ثم تبرأ مما قال أشد التبرؤ.
قال عبد الله بن عون: ((لو علمنا أن كلمة الحسن تبلغ ما
بلغت، لكتبنا برجوعه كتابًا، وأَشْهَدْنا عليه شُهودًا! لكنا قلنا: كلمة
خرجت لا تُحْمل))(٢).
وقال يونس بن عبيد: ((رحم الله الحسن! ما استخفّه شيءٌ ما
استخفّه القدر))(٣).
وهذا أيوب الذي ذكر أنه نازل الحسن في القدر حتى رجع
عنه، يذكر أنه من ادَّعى الحسن من القدرية، واحتج به على
مذهبه، فإنه يكذب على الحسن، لرجوعه الشدید عنه.
قال أبو داود في (سننه)، ومن طريقه ابن بطّة في (الإبانة)،
واللالكائي هبة الله بن الحسن الطبري (ت ٤١٨ هـ)، في (شرح
أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، قال: ((حدثنا سليمان بن
حرب(٤) قال: حدثنا حماد(٥)، قال: سمعت أيوب يقول: كذب
على الحسن ضربان من الناس، قوم رأيهم القدر، وهم يريدون أن
ينفقوا بذلك رأيهم. وقوم في قلوبهم شنآن وبغض، يقولون:
أليس من قوله كذا؟ أليس من قوله كذا))(٦).
وإسناده صحيح.
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٥٨٣/٤).
(٢) سنن أبي داود (رقم ٤٦٢٤)، وابن بطة في الإبانة (١٨٨/٢/٢ رقم
١٦٨٩).
(٣) أخبار القضاة لوكيع (١٣/٢).
(٤) هو الأزدي الواشحي، البصري، قاضي مكة، (ت ٢٢٤ هـ)، وله ثمانون
سنة .
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٢٥٤٥): ((ثقة إمام حافظ)).
(٥) سبق أنه ثقة ثبت (٢٤٦).
(٦) سنن أبي داود (رقم ٤٦٢٢)، والإبانة لابن بطة (١٨٥/٢/٢ - ١٨٦ رقم
١٦٨٢)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (رقم ١٢٥٣).
٢٤٧

وهذا حميد الطويل الذي تمنى لو تغرَّم غرامة وما تكلم
الحسن في القدر، يروي عن الحسن رجوعه إلى السنة في إثبات
القدر رجوعًا لا يقبل الشك.
قال أبو داود في (سننه): ((حدثنا هلال بن بشر (١) قال:
حدثنا حماد(٢)، قال: أخبرني حميد: كان الحسن يقول: لأن
يُسقط من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يقول: الأمر
بيدي))(٣) .
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن بطة في (الإبانة) من طريق أبي داود، لكن
بإسناد آخر (٤).
وصح عن حماد بن سلمة(٥) من وجوه، عن حميد الطويل
أنه قال: ((قرأت القرآن كله على الحسن في بيت أبي خليفة(٦)،
ففسره على الإثبات، فسألته عن قوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَلَهُ فِي قُلُوبٍ
الْمُجْرِمِينَ﴾ (٧) فقال: الشرك سلكه الله في قلوبهم))(٨) .
(١) هو ابن محبوب المزني، أبو الحسن البصري، إمام مسجد يونس
الأحدب، (ت ٢٤٦ هـ)،
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ٧٣٢٩): ((ثقة)).
(٢) هو ابن زيد، الإمام سبقت ترجمته.
(٣) سنن أبي داود (رقم ٤٦١٧).
(٤) الإبانة لابن بطة (١٨٢/٢/٢ - ١٨٣ رقم ١٦٧٢).
(٥) هو ابن دينار البصري، أبو سلمة (ت ١٦٧ هـ).
قال الحافظ في ((التقريب)) (رقم ١٤٩٩): ((ثقة عابد، أثبت الناس في
ثابت، وتغير حفظه بأخره)).
(٦) هو حجاج بن خليفة بن عتاب، البصري، وهو الذي توارى عنده الحسن
البصري من الحجاج بن يوسف.
انظر الجرح والتعديل لابن أبى حاتم (١٥٩/٣) وانظر (ص ٣١٩ _ ٣٢٠).
(٧) سورة الشعراء: الآية ٢٠٠.
(٨) السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل (رقم ٩٤٤)، والمعرفة والتاريخ للفسوي
(٤٠/٢ - ٤١)، وتفسير الطبري (٧/١٤)، وأخبار القضاة لوكيع=
٢٤٨

والأخبار في رجوع الحسن عن القدر مستفيضة جدًا، فقد
اهتم أئمة السنة بإثباتها، للدفاع عن هذا الإمام الجبل.
فقد ذَيَّلَ أبو داود في (سننه) بابَ (لزوم السنة) بثلاثة عشر
أثرًا عن الحسن البصري، يُثْبِتُ بها أنه على السنة في إثبات
القدر(١).
وعقد الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن الحسين الآجري (ت
٣٦٠هـ) في كتاب (الشريعة) بابًا في ذلك، قال في تقديمه:
((اعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن من القدرية صنفًا إذا قيل
لبعضهم: من إمامكم في مذهبكم هذا؟ فيقولون: الحسن، وكذبوا
على الحسن! فقد أجَلَّ الله الكريمُ الحَسَن عن مذهب القدرية))(٢).
ثم ذكر آثارًا كثيرة تثبت أن الحسن على السنة في إثبات
القدر(٣) .
وخص اللالكائي أيضًا أقوال الحسن البصري في إثبات القدر
بعنوان في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة)(٤).
وبوَّب الإمام الذهبي في (تاريخ الإسلام) بابًا في ترجمة
الحسن البصري، قال فيه: ((ذكر غلط من نسبه إلى القدر»، ثم
ذكر الأقوال والأخبار الدالة على ذلك(٥).
(١٤/٢)، والإبانة لابن بطة (٢٧٩/١/٢ - ٢٨٠ رقم ١٣٠٠) (١٩١/٢/٢
=
- ١٩٢ رقم ١٧٠٠)، والمتوارين لعبد الغني بن سعيد (٤٥ - ٤٦)، وذكر
أخبار أصبهان لأبي نعيم (١/ ٢٧٠).
(١) السنن لأبي داود (رقم ٤٦١٤ - ٤٦٢٦)، وانظر عون المعبود لشمس الحق
آبادي (٣٨٠/١٢).
(٢) الشريعة للآجري (٢١٦).
(٣) انظر الشريعة للآجري (٢١٦ - ٢١٨).
(٤) انظر شرح أصول أهل السنة للالكائي (رقم ١٢٤٩ - ١٢٥٥).
(٥) تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث ووفيات ١٠١ - ١٢٠ هـ) (٦١ - ٦٢).
٢٤٩

فالحمد لله الذي نزه هذا الإمام عن هذه البدعة، فتاب
عنها، بعد أن لم يكن طال في اعتقادها، فإنما هي فلتة لسان!
ومن تاب تاب الله عليه.
ولن يزال الحسن البصري قدوةً لأهل السنة، وإمامًا لا
يُخْتَلَفُ عليه، وحاملَ لواءِ الزهد والورع، والعلم واليقين. تخضع
لحبه القلوب، وتذهل لعلمه العقول، وتهفو لسموه الأرواح ..
فرحم الله الحسن البصري، ورَفَعَ درجته في الفردوس مع النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين، آمين!
[المصنفات
في ترجمة
الحسن]
المصنفات في ترجمة الحسن البصري وفي علومه:
وقد اعتنى أئمة الإسلام وعلماؤه والناصحون له: بالحسن
البصري، فخصُّوه بالتصنيف، وأفردوه بالتأليف:
١ - فصنف الحافظ الرحال محمد بن أحمد بن محمد بن
يحيى بن مفرِّج القرطبي (ت ٣٨٠ هـ) كتابًا سمّاه: (فقه
الحسن البصري)، في سبع مجلدات.
ذكره أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، إمام
الظاهر (ت ٤٥٦ هـ)، في رسالته في (فضل الأندلس وذكر
رجالها)(١) .
وذكره أيضًا الحافظ المصنف أبو عبد الله محمد بن أبي نصر
الحُمَيْدي الأندلسي (ت ٤٨٨ هـ) في كتابه (جذوة المقتبس في
تاريخ الأندلس)(٢).
٢ - ثم صنّف أبو حيّان التوحيدي (ت ٤١٤هـ) كتابًا باسم:
(١) انظر رسائل ابن حزم (٢/ ١٨٠).
(٢) جذوة المقتبس للحميدي (٧٦/١ رقم ١٠).
٢٥٠

(مناقب الحسن البصري) ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه
(لطائف المعارف)(١) .
٣ - ثم صنف الإمام العلم أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن
محمد ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) كتابًا سمّاه (مناقب الحسن
البصري).
ذكر هذا التصنيف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن
عبد السلام بن تيمية، (ت ٧٢٨ هـ)، في كتابه (منهاج السنة
النبوية)(٢)، والذهبي في (سير أعلام النبلاء)(٣)، وابن رجب في
(ذيل طبقات الحنابلة)(٤)، وغيرهم باسم: (مناقب) أو (فضائل
الحسن البصري).
وقد طبع كتاب باسم: ((الحسن البصري: آدابه، حكمه،
نشأته) ذكر على غلافه أنه: تصنيف ابن الجوزي، وصُدِّر بمقدمة
لحسن السندوبي، وكان طبعه بمصر، سنة (١٣٥٠هـ) بمكتبة
الخانجي.
وباطلاعي على هذا الكتاب المطبوع، وجدته ينفي بذاته أن
يكون من تصنيف ابن الجوزي! أو يثير الشك القوي في صحة
نسبته إليه، على أقل تقدير !!
فالكتاب تخالف طريقته في التصنيف طريقة ابن الجوزي! بل
تخالف طريقة التصنيف في تلك الحقبة بأجمعها! وتفوح منه رائحة
القرون الأخيرة!
ومن وازن بين هذا الكتاب المطبوع المنسوب لابن
(١) لطائف المعارف لابن رجب (٤٥٤).
(٢) منهاج السنة النبوية (٤٦/٨).
(٣) سير أعلام النبلاء للذهبي (٣٦٩/٢١).
(٤) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٤١٨/١).
٢٥١

الجوزي، وكتب ابن الجوزي الأخرى التي على شاكلته في
الموضوع: ككتاب (مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)(١)،
وكتاب (سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز) (٢)، وكتاب (مناقب
معروف الكرخي)(٣) .. من وازن بين كتب ابن الجوزي هذه
بكتاب (الحسن البصري) المنسوب إليه: ظهر له الفرق الكبير بين
المنهجين، وتبين سبب شكنا في صحة نسبة هذا الكتاب المطبوع
لابن الجوزي.
/
ومن هذه الفروق: خلو الكتاب المطبوع عن الحسن البصري
من الإسناد، ومن أي أثر للإسناد. ومن نظر في كتب ابن الجوزي
الآنفة الذكر، بل وكُتُب المصنفين في عصره، علم بُغْد ذلك عن
منهجهم في التصنيف.
ومع أن كلا من كتابي ابن الجوزي عن العمرين: عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله، كلاهما
محذوف الإسناد، إلا أنَّ ذلك ليس من صنيع ابن الجوزي، ولا
يرضاه، بل هو من صنيع نساخ الكتاب، كما صرح بذلك ناسخ
كتاب (مناقب عمر بن الخطاب)(٤).
مع هذا التدخل الجائر من النساخ على كتابي ابن الجوزي،
بحذف الأسانيد، إلا أنَّ أطراف الأسانيد وآثارها لم تزل باقية،
وهذا هو ما يفتقده كتاب (الحسن البصري) المطبوع المنسوب لابن
الجوزي .. إذ لا أسانيد ولا آثار للأسانید فیه !!
(١) طبع كتاب (مناقب عمر بن الخطاب) لابن الجوزي بتحقيق زينب
القاروط، بيروت، دار الكتب العلمية، سنة (١٤٠٠هـ).
(٢) طبع بتحقيق محب الدين الخطيب، سنة (١٣٣١ هـ)، ثم صورت هذه
الطبعة باعتناء نعيم زرزور - سنة (١٤٠٤ هـ) بيروت.
طبع بتحقيق عبد الله الجبوري، سنة ١٤٠٦ هـ، بدار الكتاب العربي، في
(٣)
بيروت.
(٤) انظر مقدمة تحقيق هذا الكتاب، لزينب القاروط (٦).
٢٥٢

وليس هذا هو الفارق الوحيد، إذ إن كتاب (الحسن
البصري) فيه من الجهالات ما يُجَلّ عن مثلها إمام كابن الجوزي!
وسوف أذكر أحد هذه الجهالات في مبحث (عائشة رضي الله
عنها) إن أذن ربي سبحانه.
هذا سوى أسلوب التعبير وطريقة العرض، والترتيب
والتبويب، البعيدة كل البعد عن طريقة ابن الجوزي ... وأهل
عصره .
وبعد كتابة هذا الكلام اطلعت على وصف لابن الجوزي
لكتابه عن الحسن البصري، يكاد يجزم بنفي صحة نسبة الكتاب
المطبوع عن الحسن البصري إلى ابن الجوزي!
قال ابن الجوزي في آخر ترجمة الحسن البصري من كتابه
(صفة الصفوة): ((عاصر الحسن خلقًا كثيرًا من الصحابة، فأرسل
الحديث عن بعضهم، وسمع من بعضهم، وقد ذكرنا ذلك في
كتاب أفردناه لمناقب الحسن وأخباره، وهو في نحو عشرين
جزءًا ... ))(١).
قلت: والكتاب المطبوع خال من الاهتمام بمسائل السماع
والإرسال، التي ذكرها ابن الجوزي نفسه صفةً بارزةً لكتابه، عند
وَصْفِه له.
C
هذا إضافة إلى صغر حجم الكتاب المطبوع عن الحجم
الذي ذكرهُ ابن الجوزي لكتابه، فالجزء الحديثي يبلغ في المتوسط
عشرين ورقة(٢): أي أن كتاب ابن الجوزي من المفترض أن يكون
في نحو ثمانمائة صفحة، والمطبوع لم يبلغ نصف هذا العدد في
حجمه!
(١) صفة الصفوة لابن الجوزي (٢٣٦/٣).
(٢) كذا قال الذهبي في سير أعلام النبلاء - ترجمة ابن عساكر - (٥٥٨/٢٠ -
٥٥٩).
٢٥٣

لذلك حُقَّ لنا أن نشك في صحة نسبة كتاب (الحسن
البصري) المطبوع بمقدمة السندوبي لابن الجوزي، مع ثبوت
تصنيف ابن الجوزي لكتاب باسم (مناقب الحسن البصري).
٤ - ثم صنف الحافظ القدوة عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي
(ت ٦٠٠ هـ)، جزءًا فيه (أخبار الحسن البصري)(١) وتوجد
من هذا الجزء نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق، بخط
مصنفه عبد الغني بن عبد الواحد(٢).
وقد حصلت على صورة منها، وأظنها - بعد قراءتها - مسؤَّدة
لم يتم تصنيفها، حيث إن الجزء يضم أخبارًا مسندة من غير
ترتيب أو تبويب، بل مع تكرار بعضها، والجزء كله مع ذلك في
بضع ورقات.
٥ - وصنف الحافظ الإمام ضياء الدين محمد بن عبد الواحد
المقدسي (ت ٦٤٣ هـ)، صاحب المختارة، جزءًا في الحسن
البصري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية):
((صنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا فيمن
لقيه - أي الحسن - من الصحابة))(٣).
قلت: فياليت هذا الجزء عندنا! إذًا لأعاننا ... أو أراحنا !!
٦ - وصنف الإمام الذهبي كتابًا في ترجمة الحسن البصري، ذكره
في (تذكرة الحفاظ)، حيث قال: ((وقد كنت أفردت ترجمته
في جزء، سميته ((الزخرف القصري)) (٤).
(١) انظر تاريخ التراث العربي لسزكين (١٠/٤/١).
(٢) المكتبة الظاهرية مجموع (٥٥)، من (١٦٥/ب) إلى (١٧١/ب).
(٣) منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٤٧/٨).
(٤) تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٧٢).
٢٥٤

وهذا الكتاب مما فات الأستاذ المحقق بشار عواد معروف،
في كتابه (الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)!
واستدركه عليه الأستاذ قاسم سعد، في رسالته التي ذيَّل،
واستدرك، وناقش بها كتاب بشار عواد معروف، في رسالة باسم
(صفحات في ترجمة الحافظ الذهبي).
٧ - ثم صنف سراج الدين البُلقيني (ت ٨٠٥هـ)، كتابًا سمّاه:
(القول الحسن في ترجمة الحسن).
ذكره البُلقيني لنفسه في كتابه: (محاسن الاصطلاح)(١).
٨ - ثم في العصر الحديث: ألف الأستاذ: إحسان عباس:
(الحسن البصري: سيرته، شخصيته، تعاليمه، آراؤه).
وطبع الكتاب بمصر، دار الفكر العربي، سنة (١٩٥٢م).
٩ - وألف الأستاذ مصلح البيومي أطروحة علمية بعنوان: (الحسن
البصري: من عمالقة الفكر، والزهد والدعوة إلى الإسلام)،
مقدمة إلى كلية الدَّعوة وأصول الدين، بالأزهر، سنة
(١٣٩٢ هـ).
ومنها صورة بالجامعة الإسلامية، بالمدينة، في المكتبة
المركزية رقم (٩١، ٢١٣/ ب م ح / ٥٦١).
١٠ - وألف الأستاذ أحمد غسان: (الحسن البصري: حياته،
وآراؤه، ومعتقداته، وأدبه، وزهده)، طبع بدمشق، دار
قتيبة، سنة (١٩٨٢م).
ومنه نسخة في مكتبة الحرم الشريف، رقم ٩٢٢/ح ب س.
(١) محاسن الاصطلاح للبلقيني (٣١٧).
٢٥٥

١١ - وجمع الأستاذ محمد عبد الرحيم: (تفسير الحسن البصري)
وطبع بالقاهرة، دار الحديث، سنة (١٤١٢ هـ).
١٢ - وجمع الأستاذ محمد عبد الرحيم أيضًا (الزهد للحسن
البصري)، وطبع بالقاهرة، دار الحديث سنة (١٤١١هـ).
١٣ - وألف الأستاذ عمر يوسف كمال: (الحسن البصري،
وتفسيره) جمع فيه تفسير الحسن، من أول القرآن إلى آخر
سورة النحل، وهي رسالة دكتوراه، قدمت إلى الجامعة
الإسلامية، بمدينة الرسول وَله، سنة (١٤٠٤ هـ).
ومنه نسخة بالجامعة الإسلامية، المكتبة المركزية، رقم
(٣٦٩) .
٠
١٤ - وأكمل الرسالة السابقة: الأستاذ شير علي شاه، في (مرويات
الحسن البصري في التفسير، من أول الإسراء إلى آخر
القرآن الكريم).
وهي رسالة دكتوراة مقدمة للجامعة الإسلامية، بالمدينة
المنورة، سنة (١٤٠٧ هـ).
ومنها نسخة بالجامعة الإسلامية، المكتبة المركزية، رقم
(٧٠٤) .
١٥ - وكتب الأستاذ أحمد عمر البسيط دراسة بعنوان: (الحسن
البصري مفسرًا)، طبع الأردن، دار الفرقان، سنة
(١٤٠٥ هـ).
١٦ - وجمع صاحبُ الجُهْد المشكور: الأستاذُ محمد رؤاس قلعه جي،
فِقْه الحسن بعنوان (موسوعة فقه الحسن البصري)، في مجلدين:
طبع بيروت، دار النفائس، سنة (١٤٠٩ هـ).
١٧ - وكتب الدكتور أدهم لفنت: (الحسن البصري ومكانته في
علم التفسير). وهي رسالة دكتوراة، مقدّمة إلى جامعة أنقرة
٢٥٦

بتركيا، سنة (١٩٧٨ م). انظر مجلة (الحكمة)، في عددها
الخامس (ص ٢٨٨).
١٨ - وكتب الأستاذ محمد خير يوسف رمضان كتابًا بعنوان
(الحسن البصري الواعظ البكّاء). طبع دار ابن حزم:
بيروت، كما في قائمة منشوراتها لعامي (١٤١٦ - ١٤١٧ هـ)
(ص ١٥).
١٩ - وكتب الأستاذ عاطف التهامي فؤاد التهامي رسالةً علميّة في
الجامعة الأردنية سنة (١٩٩٢م)، بعنوان: (الحسن البصري،
ومراسيله: دراسة استقرائية، في الكتب التسعة). انظر مجلة
الحكمة، في عددها التاسع (ص ٣٠٨).
وقبل أن أختم هذا المبحث في التعريف بالحسن البصري، [بعض آراء
أذكر بعضًا من آرائه في الرواية، التي احتفت بإثباتها كتب
المصطلح. وإنما أدخلتها في هذا المبحث، ولم أفصلها في
مبحث منفرد، لأنها لا علاقة لها بالإرسال أو التدليس، وليس لها
تأثير مباشر على مضمون البحث. وهي باستكمال التعريف بالحسن
البصري أشبه، إذ هي آراءٌ له تُظهر بعضَ جوانِب تفكيره.
الحسن في
فنون
الرواية
وأحكامها]
وهذه الآراء هي:
أولاً: أن الحسن البصري ممن اشتهر عنهم الرواية بالمعنى
وإجازة ذلك(١)، بل وكان يستدل عليه، إذ كان يقول: ((يحكي الله
عن القرون السالفة بغير لغاتها، أفكذب هو؟!))(٢).
(١) انظر: العلم لأبي خيثمة (رقم ١٣٤)، والعلل للإمام أحمد (رقم ٢٢٠٦،
٢٧٤٦)، وسنن الدارمي (رقم ٣٢٢، ٣٢٣، ٣٢٥)، ومصنف ابن أبي شيبة
(رقم ٢٦٤٥٥، ٢٦٤٥٦)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (٣٦٨/٢)، والمحدث
الفاصل للرامهرمزي (رقم ٦٨٦ - ٦٩٢، ٦٩٧، ٧٠٨، ٧١٣)، والكفاية
للخطيب (٢٤٢ - ٢٤٤)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع له أيضاً
(١٧/٢ رقم ١٠٤٩)، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١٣٣).
(٢) المحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٦٨٢).
٢٥٧

هذا مع تفضيله واستحبابه رواية الحديث باللفظ، دون تغيير
شيء فیه(١).
ثانيًا: أنه كان يرى صحة القراءة على الشيخ: (العرض)،
ويعتبرها بمنزلة السماع من لفظ الشيخ، حتى إنه ليجيز أن يقال
في التحديث بالعرض: (حدثنا)، و(أخبرنا)، ونحوها.
أخرج البخاري في صحيحه، بإسناده المتصل إلى الحسن
البصري، أنه قال: ((لا بأس بالقراءة على العالم»(٢).
بل أخرج البخاري في تاريخه الكبير هذا الأثر عن الحسن
البصري، بذات الإسناد من أوله إلى آخره، ولكن بلفظ أتم: ((أن
الحسن البصري قال: إذا قرأ عليَّ الرجل، فلا بأس أن يقول:
حدثنا))(٣).
ولهذا الأثرِ عن الحسن البصري لفظً أطول وأوضح، في
مصادر أخرى متعددة(٤)، لكن ما سبق هو خلاصةُ ما فيها!
ثالثًا: وكان الحسن البصري يرى صحة الرواية بالإجازة(٥).
أمَّا ما روي عن الحسن أنه كان يجيز في المناولة المقترنة
بالإجازة أن يقول في التحديث بها: (حدثني) ونحوها، فمما لم
يثبت إسناده إلى الحسن البصري، حيث أخرج هذا الرامهرمزي في
(١) انظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب (١٦/٢ - ١٧ رقم
١٠٤٨)، والكفاية له (٢٠٠).
(٢) صحيح البخاري: كتاب العلم، باب (٦): ما جاء في العلم وقوله تعالى:
﴿وقل ربي زدني علماً﴾ (١٧٩/١).
(٣) التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٦٧).
(٤) التاريخ لابن معين (رقم ٣٧٠٤)، وطبقات ابن سعد (١٧٣/٧)، والمعرفة
والتاريخ للفسوي (٨٢٨/٢)، والمحدث الفاصل للرامهرمزي (رقم ٤٧٣ -
٤٧٥)، والكفاية للخطيب (٣٢٩، ٣٤١ - ٣٤٢)، وجامع بيان العلم
وفضله لابن عبد البر (٥٤١).
(٥) انظر الكفاية للخطيب (٣٥٥).
٢٥٨

(المحدث الفاصل)(١)، والخطيب في (الكفاية)(٢)، وفي إسناده
بشر بن عبيد أبو علي الدارسي، وهو شديد الضعف(٣).
رابعًا: وكان الحسن البصري يرى صحة الرواية بالوجادة عن
الصحف، واستخدم ذلك في رواياته(٤) .
وسوف نعود لهذه المسألة بالتوضيح، فيما نستقبل من هذا
الباب - إن شاء الله تعالى -.
وأختم هذا المبحث برؤيا صالحة - إن شاء الله - تمثل حُسْن [رُؤيا عن
حديث الحسن البصري! بتأويل سيد من سادات التأويل، بل حُسْنٍ
حديث
المشهور به، ألا وهو محمد بن سیرین.
الحَسَنِ]
قال الإمام أحمد في (العلل): ((حدثنا عبد الرزاق عن معمر
قال: قال رجل لابن سيرين: رأيت في المنام حمامة التقمت
لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى
التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة
أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت مثلما دخلت سواء؟.
فقال ابن سيرين: أمَّا الحمامة التي التقمت اللؤلؤة فخرجت
أعظم مما دخلت: فهو الحسن، يسمع الحديث، فيجوده بمنطقه،
وأمَّا التي خرجت أصغر مما دخلت: فذاك محمد بن سيرين،
يسمع الحديث فيشك فيه، وينقص منه. وأمّا التي خرجت كما
دخلت، فذاك قتادة أحفظ الناس)) (٥) .
والله أعلم.
(١) المحدث الفاصل (رقم ٤٩٨).
(٢) الكفاية (٣٦٩).
(٣) انظر لسان الميزان لابن حجر (٢٦/٢).
(٤) انظر ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - (٣٧٢ - ٣٧٣).
(٥) العلل للإمام أحمد (رقم ٢٣٩٥)، والطيوريات بانتقاء أبي طاهر السلفي
(٢٤٦/ب).
٢٥٩