النص المفهرس
صفحات 181-200
- تعريفهما، بما يُبَيّنُ أنه لا يصحُ اعتباره نَصَّا مُخَالِفًا لرأي الجمهور، بل حَمْلُه على موافقة الجمهور أولى، وهو المتوجّه. لكن العراقي يذكر تعريف البزار وابن القطان في (التقييد والإيضاح) ثم يقول: ((وما ذكره المصنّفُ - يعني ابنَ الصلاح - في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرتُ قولَ البزارِ وابنِ القطان كيلا يَغْتَرَّ بهما من وَقَفَ عليهما، فَيَظُنَّ موافقةً أهلِ هذا الشأن لذلك، والله أعلم))(١). بهذه القوة يُقَرِّرُ العراقيُّ القولَ الصحيحَ (المشهورَ بين أهل الحديث)، بينما يُحذّر من القول الخطأ ومن الاغترار به! أمّا (المرسل الخفي) فموقف العراقي منه أيضًا فيه تَجَرُّدٌ كبيرٌ من التقليد، حيث ذكره في ألفيته، ثم شرحه في (التبصرة والتذكرة)، فقال في نوع (خفي المراسيل): ((ليس المراد هنا بالإرسال ما سقط منه الصحابي، كما هو المشهور في حد (المرسل)، وإنما المراد هنا مطلق الانقطاع. ثم الإرسال على نوعين: ظاهر، وخفي، فالظاهر: هو أن يروي عمن لم يعاصره بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث .. - ثم مثَّل له، وقال : - والخفي: هو أن يروي عمن سمع منه مالم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، فهذا قد يخفى على كثير من أهل الحديث، لكونهما قد جمعهما عصر واحد، وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين، وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل، فتبعته على ذلك»(٢). كذا يُحَرِّرُ العراقيُّ نَوْعَ (الإرسال الخفي)، فيخرج بنحو ما اسْتَنْبَطْناه من الأمثلة ودراسة (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح(٣)! (١) التقييد والإيضاح للعراقي (٩٨). (٢) التبصرة والتذكرة للعراقي (٣٠٦/٢ - ٣٠٧). (٣) انظر ما تقدم (١٤٢ - ١٤٣). ١٨١ فلله الحمد والمنّة. ثم يختم العراقي كلامه هذا، بما يُشْعِرُ أنه غير مُقْتَنِع بإفرادٍ (الإرسال الخفي) في نوع مستقلّ، ويُشير إلى قوَّة علاقته بـ (التدليس) أو (الإرسال) ثم يكاد يُصرّح (بل يكاد يصيح) بأنه مجرَّدُ مقلِّدٍ لابن الصلاح في إفراده (الإرسال الخفي) بنوع خاص !! فانظر قول العراقي: ((وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين، وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل، فتبعته على ذلك)). وبعد العراقي: هذا العلامة الشريف علي بن محمد بن علي [عند الشريف الحسيني الجرجاني (ت٨١٦هـ) ورسالته (رسالة في أصول الحديث) الجرجاني] يعرف فيها التدليس بما يوافق قول الجمهور، من إدخال (رواية المعاصر عمن لم يلقه) فيه. قال الشريف الجرجاني: ((والمدلس: ما أخفى عيبه في الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه، أو عاصره، مالم يسمعه منه، على سبيل يوهم أنه سمعه منه))(١). ثم نقف مع معاصر للحافظ ابن حجر، ألا وهو علامة اليمن [عند ابن الوزير الكبير محمد بن إبراهيم الوزير الصنعاني (ت٨٤٠هـ) وكتابه (تنقيح الأنظار) . الصنعاني] فعَرَّفَ ابنُ الوزير (التدليسَ) تعريفًا أطلق فيه العبارة، فلم يشترط فيه اللقاء، خلافًا للحافظ ابن حجر! قال ابن الوزير: ((هو أن يروي عن شيخ شيخه، موهمًا أنه سمعه منه))(٢). وعرّف ابن الوزير التدليس بنحو هذا التعريف أيضًا في كتابه (العواصم والقواصم)(٣). (١) رسالة في أصول الحديث للشريف الجرجاني (٩٠). (٢) انظر توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار للأمير الصنعاني (٣٤٧/١). (٣) العواصم والقواصم لابن الوزير (٢٣٨/٨). ١٨٢ ثم أكد ابن الوزير رأيه من هذه المسألة، وأنه لا يشترط اللقاء في التدليس، ولا يشترط له حصول المعاصرة، حيث أتمَّ كلامه عن التدليس، فقال: ((وله - يعني التدليس - شرطان: أحدهما: أن يأتي بلفظ محتمل، غيرٍ كذب، مثل (عن) ونحوه. وثانيهما: أن يكون عاصَره، لأن شَرْطَ التدليس إيهامُ أنه سمع منه، وإذا لم يعاصره زال التدليس، وهذا هو الصحيح المشهور. وروى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يشترط ذلك، قال ابن عبد البر: فعلى هذا ما سَلِمَ من التدليس أحد، لا مالك ولا غيره))(١). فهذا صريحٌ من القول، أنَّ ابنَ الوزير لا يشترطُ في (التدليس) غيرَ حصول (المعاصرة) بين الروايتين ... لا غير. لكن شارح (تنفيح الأنظار) لابن الوزير، وهو علامة اليمن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت ١١٨٢ هـ)، وهو المُتَشَبِّعُ بآراء الحافظ ابن حجر لتأخّرِه عنه، حاول جَهْدَه لَيَّ كلام ابن الوزير ليتّفقَ مع رأي الحافظ ابن حجر !! [عند الأمير الصنعاني] فوقف - أوَّلاً - عند تعريف ابن الوزير للتدليس، وتنبَّه للإطلاق الذي فيه، وما فيه من مخالفَةِ الرَّأي الذي اعتقده الأميرُ لنفسِه، مما أخذه عن الحافظ ابن حجر، فتدخّلَ في إطلاق تعريف ابن الوزير لـ (التدليس) بتقييد مطلقه !! قال الأمير الصنعاني معلقًا على تعريف ابن الوزير لـ (التدليس): «شرط هذا الذي سمَّاه (شيخ شيخهِ) أن يكون شيخَ نفسه، حتى يَحْصُلَ الإيهامُ. فالأحسنُ في العبارة أن يُقال: تدليس الإسناد أن يُسنِدَ عَمَّن لقيه مالم يسمع منه، بلفظ مُوهِم، أفاده البقاعي. قلت: وهو رَسْمٌ قد اشتمل على الشرطين اللذين ذكرهما (١) انظر توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار للأمير الصنعاني (١/ ٣٥٠). ١٨٣ المصنّفُ، لولا أنه أتى باللقاءِ عِوَضًا عن المعاصرة، وذلك يجري على رأي من يشترطه، ولا يَكْتَفِي بها. وقد أفادَ كَوْنَهُ شيخًا للمدلْس قولُ المصنّف: (إيهامُ أنه سمع) فإنه إذا كان شيخًا له وقع الإيهام، وإلا فلا))(١). بهذا التشبّع العميق برأي الحافظ ابن حجر، يتأولُ ... بل يتدخّلُ الأميرُ في تعريف ابن الوزير لـ (التدليس)! وأمَّا قوله: ((وقد أفاد كونه شيخًا للمدلس قول المصنف - يعني ابن الوزير -: إيهام أنه سمع .. إلى آخر كلامه))، فليس بصحيح، ومن ذا الذي يزعم أن (الإرسال الخفي) ليس فيه إيهام بالسماع! وإلا فلماذا وصفها الحافظ ابن حجر ومن قلَّده بالخفاء؟! عندما قالوا: إن رواية المعاصر عمن لم يلقه: إرسال خفي. ثم يقف الأميرُ الصنعاني - ثانيًا - عند شرط المعاصرة الذي ذكره ابن الوزير لـ (التدليس)، فلا يرضاه بالطبع، ويتعقبه بقوله: ((ولا يتم إلا بالمعاصرة واللقاء، عند من شرطه))(٢). بهذا التدخُلِ الواضح، والتَّحَكُّمِ الصريح، يُغيِّرُ الأمير الصنعاني معانيَ كلام ابن الوزير، على ما يعتقده الأميرُ، لا على ما يقصده ابنُ الوزیر !! وإنما تجاوزتُ في الترتيب الزمني لأقوال الأئمة بنقل كلام الأمير الصنعاني لتعلَّقهِ بكلام ابن الوزير، الذي عاصر الحافظ ابن حجر، وسبقه في الوفاة .. رحمة الله عليهم. [عند ابن الدين] ومن المعاصرين للحافظ ابن حجر أيضًا: شمسُ الدين ناصر محمد بن عبد الله محمد القيسي الدمشقي، أبو عبد الله، الشهير بابن ناصر الدين، (ت٨٤٢هـ). (١) توضيح الأفكار للأمير الصنعاني (٣٥٠/١). (٢) توضيح الأفكار للأمير الصنعاني (٣٥٠/١). ١٨٤ يقولُ ابن ناصر الدين في كتابه (حلَّ عقود الدُّرَر في علوم الأثر) في تعريفه لتدليس الإسناد: ((يروي المدلْسُ عمن عاصره، أو لقيه، مالم يسمعه منه))(١). كذا قال، وهو اختصارٌ لكلام ابن الصلاح، كما سبق عن غيرما إمام قال نحوَ قَوْلِهِ، ممّن جاء بعد ابن الصلاح. ونُشْرِفُ الآن على قِمّةِ التحوُّلِ في منهج تدوين علوم الحديث بعامة، وفي مسألتنا هذه خاصة، وعلى رأس هذه القمة: الحافظ ابن حجر رحمه الله، فهو السابق إليها، المتابَعُ عليها. فالحافظ ابن حجر هو القائلُ باشتراط اللقاء في (التدليس) والمُسَمِّي لـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بـ (الإرسال الخفي)، الحاصرُ له فيها، وهو المُفَارِقُ بين ما قَيِّدَ فيه (التدليس) وما حَصَرَ فيه (الإرسال الخفي)، المُبَايِنُ بينهما. (فهذا حِيْنَ حَمِيَ الوَطِيْسُ)(٢) و(دُعِيَتْ نَزَالٍ)(٣) !! فسأنقل لك كلامَ الحافظ في هذه المسألةِ من مواطنه (١) حَلّ عقود الدرر لابن ناصر الدين (ص ٩٧). (٢) من كلمة قاله النبي ولفر حين اشتداد القتال يوم حنين، على ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (رقم ١٧٧٥). وقال أبو موسى المديني في (المجموع المغيث) (٤٣٠/٣ - ٤٣١): ((الوطيس شبه التنور، وقيل: هو الضراب في الحرب ... وقال الأصمعي: هو حجارة مدَّورة إذا حميت لم يقدر أحد الوطء عليها، وهذا من فصيح الكلام، يعبر به عن اشتباك الحرب، وقيامها على ساق)) بتصرف حذف وتقديم وتأخير. (٣) من بيت ينسب لزهير بن أبي سلمى، ورجح ابن رشيق القيرواني أنه لشيخه في الشعر: أوس بن حجر، انظر العمدة لابن رشيق (٩٩/١)، والبيت هو: ولَأَنْتَ أشجعُ من أسامةَ إِذْ دُعِيَت نَزَالٍ وَلُجَّ في الذُّغْرِ قال الأعلم في شرحه لديوان زهير (١١٧): ((كانوا إذا ازدحموا، فلم يمكنهم التطاعن تداعَوْا: (نَزَالٍ)، فنزلوا عن الخيل، وتقارعوا بالسيوف)). ١٨٥ [عند الحافظ ابن حجر، ومعه، ومناقشة أدلّته] المتفرقة، ولن أدَع له حجةً إلا أبرزتُها، ولا رَمْيةً إلا وضعتُ اليَدَ على مَرْمَاهَا، ثُم أَكُرُ بما قوَّاني الله عز وجل على جميع ذلك (بإذن الله تعالى)، مبتغيًا الحقَّ (وفقني الله وإيّاك إليه). ففي (نزهة النظر) قَسَّمَ الحافظُ (الانقطاعَ) إلى ظاهرٍ وخفي، فتكلم عن الظاهر، ثم قال عن الخفي: (((و) القسم الثاني وهو الخفي: (المُدَلَّسُ) بفتح اللام، سُمِّي بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَنْ حدثه، وأَوْهَمَ سماعه للحديث مِمّن لم يحدثه به. واشتقاقُه من الدَّلَسِ - بالتحريك - وهو اختلاطُ الظلام بالنور، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء. (ويَرِدُ) المدلَّس (بصيغةٍ) من صيغ الأداء (تَحْتَمِلُ) وقوعَ (اللَّقِيِّ) بين المدلْسِ ومن أَسْنَدَ عنه (کعن) و(كذا) وكذا (قال). ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تَجَوُّزَ فيها کان گَذِبًا . وحُكْمُ من ثَبَتَ عنه التدليسُ، إذا كان عدلاً، أن لا يُقبل منه إلا ما صرّح فيه بالتحديث، على الأصح. (وكذلك المرسل الخفي) إذا صَدَرَ (مِنْ معاصرٍ لم يلق) من حدّثَ عنه، بل بينه وبيه واسطة . والفرقُ بين (المدلَّس) و(المرسَلِ الخفي) دقيقٌ حصل تحريرُه بما ذُكِرَ هُنَا، وهو أن ١٨٦ (التدليس) يختصُّ بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأمَّا إن عاصره ولم يُعْرَف أنه لَقِيَهُ فهو (المرسَل الخفي). ومن أدخل في تعريف (التدليس) المعاصرة، ولو بغير لُقِي، لزمه دخولُ (المرسل الخفي) في تعريفه والصواب التفرقة بینھما . ويدل على أن اعتبارَ اللقي في (التدليس) دون المعاصرةِ وحدَها لا بُدَّ منه: إطباقُ أهلٍ العلم بالحديث، على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النَّهْدي وقيس بن أبي حازم عن النبي ◌َ ﴿ من قَبيل (الإرسال)، لا من قَبيل (التدليس). ولو كان مجرّدُ المعاصرة يُكْتَفَى به في (التدليس) لكان هؤلاء مدلْسين، لأنهم عاصروا النبيَّ وََّ قِطْعًا، ولكن لم يُعرف هل لَقُوْهُ أم لا. وممّن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمامُ الشافعيُّ، وأبو بكر البزار، وكلامُ الخطيب في ((الكفاية)) يقتضيه وهو المعتمد))(١). ونقل الحافظُ في (النكت على كتاب ابن الصلاح) تعريفَ ابن الصلاح لـ (التدليس)، فتعقبه، وتعقب شيخه العراقي، حيث قال : ((وقوله: (عمن عاصره) ليس من التدليس في شيء، وإنما هو: المرسَل الخفي، كما (١) نزهة النظر للحافظ ابن حجر (٤٢ - ٤٣). ١٨٧ سيأتي تحقيقه عند الكلام عليه، وقد ذكر ابنُ القطان في أواخر (البيان)) له تعريفَ التدليس، بعبارة غير مُعْتَرَضَة قال: ((ونعني به أن يروي المحدثُ عمن قد سمع منه مالم یسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه. والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه. ولما كان في هذا قد سمع منه جاءت روايته عنه بمالم يسمعه منه كأنها إيهامُ سماعِه ذلك الشيءَ، فلذلك سُمِّي تدليسًا)) انتهى. (قال الحافظ): وهو صريحٌ في التفرقة بين التدليس والإرسال. وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع، بخلاف الإرسال (والله أعلم). وابن القطان في ذلك متابع لأبي بكر البزار. وقد حكى شيخُنا كلامهما ثم قال: ((إن الذي ذكره المصنفُ في حَدِّ التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلامَ البزار وابن القطان لئلا يُغْتَرَّ به)). قلت: ولا غرور هنا، بل كلامهما هو الصواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحُكْم. هذا ما يقتضيه النظر. وأمَّا كون المشهورِ عن أهل الحديث خلافَ ما قالاه، ففيه نظر، فكلام الخطيب في باب التدليس من ((الكفاية)) يؤيد ما قاله ابن القطان. ١٨٨ قال الخطيب: ((التدليس متضمِّنٌ للإرسال لا محالة، الإمساك المدلْس عن ذكر الواسطة، وإنما يُفارق حالَ المُرسِل بإيهامه السماعَ ممن لم يسمعه فقط، وهو المُوَهِّنُ لأمره، فوجب كونُ التدليسِ متضمنًا للإرسال، والإرسالُ لا يتضمّنُ التدليس، لأنه لا يقتضي إيهامَ السماعِ ممن لم يسمعه منه. ولهذا لم يذم العلماءَ من أرسل وذموا من دلس - والله أعلم))(١) . ثم أَفْرَدَ الحافظُ تعقُّبَ شيخه العراقي للبزار وابن القطان بتعقُّبٍ خاص به، فقال بعد ذكر تعقب شيخه: ((قلت: والذي يظهر من تصرّفاتِ الحُذَّاقِ منهم: أن التدليس مُخْتَصِّ باللقي، فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين، مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمان النَّهْدِي، وغيرهما عن النبي ◌َ﴾ من قَبيل المرسَل لا من قبيل المدلَّس. وقد قال الخطيب في باب المرسل من (الكفاية): ((ولا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس وهو: رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه، ثم مثّل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي ◌َل ـ والثاني: بسفيان الثوري وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد)) انتهى. (١) النكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (٦١٤ - ٦١٥). ١٨٩ (قال الحافظ): فقد بَيَّنَ الخطيبُ في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك مرسَلٌ لا مدلس. والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن مَنْ ذُكرَ بالتدليس أو الإرسال إذا ذَكَر بالصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه: فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق إرسال))(١). وعَرَّفَ الحافظ (التدليس) في كتابه: (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) فقال: ((أن يروي عَمَّن لقيه شيئًا لم يسمعه منه، بصيغة محتملة، ويلتحق به، من رآه ولم يجالسه))(٢). ثم عَرَّفَ (الإرسال الخفي) في الكتاب نفسه، فقال: ((وإذا روى عَمّن عاصره ولم يثبت لقيه له شيئًا، بصيغة محتملة، فهو الإرسال الخفي. ومنهم من ألحقه بالتدلس، والأولى التّفْرِقَةُ لِتَتَمَيِّزَ الأنواعُ))(٣). وتعَرَّضَ الحافظُ لهذه المسألة في كتابه (تهذيب التهذيب) عَرَضًا، في ترجمة أبي قلابة عبد الله بن زيد الجَزْمي، حيث نقل نَفْي أبي حاتم الرازي سماع أبي قلابة من جماعة يشتبه أن يكون سمع منهم، ثم إن أبا حاتم قال: ((وأبو قلابة لا يعرف له تدليس)) (٤). ففهم الحافظ أن أبا حاتم يفرق بهذا التصرف بين (رواية (١) النكت على كتاب ابن الصلاح (٦٢٣). (٢) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر (٢٥). (٣) تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس لابن حجر (٢٥). (٤) سبق أن وثقنا هذا النقل من مصادره الأصلية، وناقشنا المسألة، فانظر ما سبق (٥٨ - ٧٢). ١٩٠ المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)، ولذلك قال الحافظ عقب كلمة أبي حاتم: ((وهذا يُقَوِّي مَنْ ذَهَبَ إلى اشتراط اللقاء، لا الاكتفاء بالمعاصرة))(١). هذا كل ما وجدته للحافظ ابن حجر في هذه المسألة، لم أُغادر منه صغيرة ولا كبيرة، ويبدو أنه كل ما قاله الحافظ في هذه المسألة فِعْلاً، من غير فَوْتِ شيءٍ عليَّ، بحمد الله تعالى، حيث لم ينقل أَخَصُّ تلاميذ الحافظ ابن حجر - وهو السخاوي - عن شيخِه غيرَ ما سبق أن نقلناه(٢). وتتلخّصُ حُجَجُ الحافظ في هذه المسألة، من مجموع كلامه [أدلة الحافظ ابن حجر] في مواطنه المتفرقة فيما يلي: أولاً: أقوالٌ لبعض الأئمة يستدلُّ الحافظ بها على ما يزعمه في هذه المسألة، وهم: الإمامُ الشافعي، وأبو حاتم الرازي، والبزّارُ، والخطيبُ، وابنُ القطان .. ولا غير هؤلاء. ثانيًا: إطباقُ الأئمة على عدم تسمية ما يرويه المخضرمون عن الرسول وَ﴿ (تدليسًا)، مع أن المخضرم هو: الذي أدرك الجاهلية وحياة رسول الله صلجر، وأسلم، ولكن لا صحبة له (٣). فصورةُ رواية المخضرم عن رسول الله وَله صورةُ (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، مع ذلك لم يُطلقوا عليها اسمَ (التدليس)، وإنما أطلقوا عليها اسم (الإرسال). هذا هو نِثَارُ كِنانةِ الحافظ ابن حجر، وكلُّ ما نَازَلَ به [مناقشة أدلّة وَقَارَعَ! الحافظ ابن حجر] (١) تهذيب التهذيب (٢٢٦/٥)، وقد وقع فيه تحريف، ونبهنا عليه وصوبناه فيما سبق (٥٩). (٢) انظر فتح المغيث للسخاوي (٢٠٨/١ - ٢٠٩). (٣) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٣٠٣). ١٩١ أمَّا الدليل الأول: فقد سبق أن ناقشناه ... فقرةً فقرةً، وكلمةً كلمةً، بما لا يدع له منه شيئًا !! فلا كلامُ الشافعي، ولا كلامُ البزارِ، وابنِ القطان، بالذي يصلح دليلاً لما أراد الحافظ ابن حجر، ولا يصمد له !! كما مَرَّ في مكانه(١) . أمّا الخطيب فهو القائل: ((المدلَّس: روايةُ المحدِّثِ عمن عاصره ولم يلقه، فيُتَوَهَّمُ أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه مالم يسمعه منه: هذا هو التدليس في الإسناد))(٢) !! فيقول الحافظ ابن حجر للخطيب - بلسان الحال لا بالمقال -: الأمر عند الخطيب لا كما قال الخطيب، بل الخطيب ممن يقولون ويؤيدون قول من خالفَ الخطيب !! أقول هذا .. لأن موقف الخطيب أوضح من الشمس في رابعة النهار !! وقد سبق أن ناقَشْنَا الأقوال كلها التي احتجّ بها الحافظ ابن حجر من كلام الخطيب البغدادي، بما يُقَرِّرُ معه كل من طالع ذلك أنه ليس للحافظ فيها وَجْهٌ مقبولٌ للاستدلال بها(٣). ورحم الله الحافظ ... ما أجله! وكذا تكون عَثْرَةُ الجواد! ولعمري أنها العَثْرَةُ التي عَقَّبَتْ عثرات !! ولئن كنت آخذًا على الحافظ شيئًا، لأخذت عليه إهماله وإغفاله لكل قول يخالف قوله! وتغاضيه عن كل دليل ينقض مذهبه !! ولئن التمستُ له عُذرًا في ذُهوله عن كلمة الخطيب السابقة، التي هي (فَضْلُ الخطاب) في بيان مذهب الخطيب من هذه (١) انظر ما سبق (٧٥ - ٧٩، ٨٦ - ٩٢، ١٢٥ - ١٢٨). (٢) الكفاية للخطيب (٣٨)، وانظر ما سبق (٩٥). (٣) انظر ما سبق (٩٤ - ١١٧). ١٩٢ المسألة، إذ لم يشر الحافظ إليها، ولا من طَرْفٍ خفيّ !! لئن التمستُ له العذرَ في ذلك، فعذري عنه غير كافٍ في صنيعه بكلام الحاكم النيسابوري، و(تحريفٍ) معناه بحجة الاختصار !! وقد سبق أن شرحنا القضية، وجهدنا في الاعتذار للحافظ(١)، بما لا نظن له عذرًا سواه، على ضَغْفِ العذر! لكنه خيرٌ من سوء الظن به رحمه الله !! أمّا الأقوالُ التي أغفلها الحافظ تمامًا وهي تُخالفُ قولَه، والأئمة الذين على غيرٍ رأيه ولم يذكرهم بشيء، فذلك ما سبق يَسْطُه في سالف هذا الفصل، وهو أطول من أن أعيد شيئًا منه. أفأذكر الإمامَ أحمد، وابنَ معين، والبخاريَّ، ويعقوب بن شيبة ... وغيرهم من أهل عصرهم! أم أذكر ابنَ حبان، وابنَ عدي! أم أنقل لك كلام ابن عبد البر، ثم كلام ابنِ الصلاح، والنووي، وابن جماعة، وابن كثير، والعراقي .. وغيرهم ممن سبقهم ولحقهم، قبل الحافظ ابن حجر! وسيأتي ذِكْرُ من جاء بعد الحافظ ابن حجر ... ممن خالفه أيضًا !! أين هو عن كل هؤلاء؟ !! وغير هؤلاء كثير !! نعم هو تَعَرّض - إذا كان لا مفَرَّ من التَّعَرُّضِ - في (النكت على كتاب ابن الصلاح) لابن الصلاح والعراقي .. فحسب !! ولست أجدني أعقل كيف غفل الحافظ عن ذلك الجمّ الغفير! بل أجزم أنه اطّلع على أقوالهم، أو بعضَ أقوالهم، أو فوق مَنْ ذكرتُهم وأكثر، وعندي الدليل على ذلك! ففي كتاب (النكت على كتاب ابن الصلاح) للحافظ ابن حجر، وفي كلامه عن (التدليس)، ذكر الحافظ الرواةً الذين (١) انظر ما سبق (٩٢ - ٩٤). ١٩٣ وُصِمُوا بالتدليس من رجال الصحيحين، فدافعَ الحافظُ عن مرويّاتهم (المعنعنة) فيهما، فكان من أقوى ما دافع به عن الصحيحين، إزاء (عنعنات) المدلسين فيهما، أنه قال: ((والغالب أن إطلاق من أطلق ذلك (يعني التدليس) عليهم (يعني على رواة الصحيحين) فيه تجوُّزٌ من الإرسال إلى التدليس))(١). وسوف أقف عند كلمة الحافظ هذه مُبْدِئًا ومُعيدًا، ففيها ما يكفي لمحاكمة الحافظ، إذ هي كما يقال: (من فَمِك أدينُكَ) !! فأول ما نستفيده من كلمة الحافظ تلك: أنه كان مطلعًا على أقوال كثيرة للأئمة يطلقون فيها (التدليس) على (الإرسال الخفي)، وأن ذلك هو (الغالبُ) على إطلاقاتهم !!! وتقييدي (الإرسال) في كلام الحافظ بأنه (الإرسال الخفي) أعني به ما يعنيه به الحافظ: (رواية المعاصر عمن لم يلقه). والدليل على صحة هذا القيد في كلام الحافظ، هو ما سبق مرارًا (٢): من أن (الإرسال الظاهر) إن لم يكن مُجْمعًا على أنه لا يُطْلَقُ عليه (التدليس)، فإنه لن يكون إطلاق (التدليس) عليه إلا قولاً شاذًا بمرة، لا يجوز أن يكون هو المقصودَ بكلام الحافظ المصرّحِ بأن (غالب) إطلاقات الأئمة عليه. إذَا فالحافظ كان يعلم أنَّ الأئمة (غالبًا) ما يُطلقون على (رواية المعاصر عمن لم يلقه) اسم (التدليس)! فأين هذه المعلومة؟ وكيف غابت عن الحافظ؟ عندما ناقش مسألته مدعيًا: أن الذي عليه الحُذّاقُ هو التفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس) !!! وكفى بالحافظ رادًا على الحافظ !! (١) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٣٦). (٢) انظر ما سبق (٩٩، ١١٥، ١١٨، ١٢٢). ١٩٤ تلك هي الفائدةُ الأولى التي استفدناها من كلام الحافظ السابق، والذي نُحاكمه إليه، وهي تُفيد عِلْمَ الحافظ بأقوال يُطْلَقُ فيها (التدليسُ) على ما يسميه الحافظ بـ (الإرسال الخفي)! مع ذلك لم يذكر الحافظُ شيئًا منها عندما حشر ما يؤيده - بزعمه - وما لا يؤيده - بزعمي - في حَمْيَةِ الحِجاج للمسألة !! رحم الله الحافظ، فهذه إحدى عثراته عَقِبَ عثرته الأولى، التي تَشَبَّعَ معها غاية التشبّع بالفكرة التي بدت له، من التفريق المزعوم بين (التدليس) و(الإرسال الخفي). وكذا عثرة الجواد! تتبعها عثرات !! فلما تشبَّعَ بفكرته تلك، أخذ ينظر إلى الأقوال المخالفة لها نظرة اطْرَاح كاملٍ وتَخْطِئَةٍ لا شك فيها! فكان إذا أغفلها كأنه يُغفل ما لا قيمةً له، وما لا يستحقُّ التطويل بالردُّ عليه، وتكلُّفِ ذلك له! فإذا اضطّر إلى الإشارة إلى تلك الأقوال - كما في كلمته التي نحتجُ بها عليه - لاختياجِه إليها؛ أسرع الإشارة، وألمح إلماحةً لا يكاد يُتَنَبَّهُ لها، واصفًا تسميةَ الأئمة (غالبًا) لـ (الإرسال الخفي) - عنده بـ (التدليس) أنه تَجَوُزٌ، يعني أنه مجاز مخالف للحقيقة العرفيّة التي اصطلحوا عليها !! وهنا أدخل إلى الفائدة الثانية التي نُقاضي الحافظَ فيها إلى كلامه . فأقول للحافظ: أنت القائل: إن (غالب) إطلاقات الأئمة بـ (التدليس) إنما يعنون به (رواية المعاصر عمن لم يلقه). نعم .. كان كلامُك عن رواة الصحيحين، لكن لا أظنك (ولا أحسب من له فهمّ يزعم أنك) قَصَدْتَ أن الأئمة خَصُّوا رواةً الصحيحين بتلك (الأغلبية) في إطلاقهم (التدليس) على (الإرسال الخفي). فالأئمة عندما وصفوا الرواة بـ (التدليس) لم يكونوا ١٩٥ ينظرون: إن كانوا من رواة الصحيحين، (تَجَوَّزُوا) بـ (التدليس) عن (الإرسال)، وإن لم يكونوا من رواة الصحيحين (دَقَّقُوا) في العبارة !!! فإذا كنتَ - يا أيُّها الإمام الحافظ - نفسُك تعترف أن الأئمة (غالبًا) ما يُطلقون (التدليس) على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، فما الذي جرَّأك على مخالفة (الغالب)؟! وعلاَمَ الشَّغَبُ بـ (النادر) على (الغالب)؟! والمصطلح إنما يُستنبط من (الغالب) لا من (النادر)! هذا والحال أن (النادر لا حکم له). إني لأعجب حقًا - وحُقَّ لي العجب - كيف يُقِرُّ الحافظُ مُعترفًا بشيوع (مصطلح) إطلاق (التدليس) على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، ثم لا يعتبر هذا الشيوع دليلاً على أن هذا الإطلاق هو (المصطلح) المتّبع! إذ شيوع إطلاقٍ ما ... هو العلامةُ الوحيدةُ على أنَّ ذلك الإطلاق أصبح (مصطلحًا) مُتَوَاضعًا عليه. لكن تَضْعُفُ حِدّةُ التعجُّبِ، بِتَذكُّري ما كنا قررناه في المقدمة التمهيدية لهذا الباب، من أن الحافظ ابن حجر يأتي على رأس القائمة في الذين كانوا يعتقدون بمبدأ (تطوير المصطلحات) وقد تكلّمنا عن ذلك وأثبتناه في موضعه(١). فالحافظُ يرى أنه من الضروري أن يتدخل فيما كان (غالبُ) أئمة الحديث السالفين عليه، بالتعديل .. والتحسين .. والتغيير !! فليس تَدَخُلُ الحافظِ في مصطلح (التدليس) وما أسماه بـ (الإرسال الخفي)، مع علمه بما كان غالبُ المحدثين عليه، ثم مخالفتهم على هذا (الغالب)، لم يكن ذلك كلُّه خطأ غير مقصود (١) المنهج المقترح (٢٢٦ - ٢٤١). ١٩٦ من الحافظ، بل هو عَمَلٌ مع سَبْقِ الإِصرارِ، مُتَمشيًا مع مبدئه بـ (تطوير المصطلحات). وقد أعلنها الحافظُ صريحةً عندما قال في (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس): ((وإذا روى عمَّن عاصره، ولم يثبت لقيه له، شيئًا، بصيغة محتملة: فهو الإرسال الخفي، ومنهم من ألحقه بـ (التدليس)، والأولى التفرقة لتتميّز الأنواع))(١). أرأيت قوله: ((والأولى التفرقة)) ثم قال ((لتمييز الأنواع)) !! هذه هي غاية الحافظ ابن حجر: (تطوير) معاني (المصطلحات) - وهو هنا (التدليس) - من أجل أن (تتميز الأنواع) !! وقد بينا خطر هذه الغاية التي كان يسعى لها الحافظُ ابن حجر على (علوم الحديث) وخطأ الوسيلة إليها، بل وعُمْقَ خطأ فكرتها الأولى ومبدئها الأساسي! إذ أسهل ما يُبطل الغايةَ والوسيلةَ والمبدأ الذي اعتقده الحافظ، أن يقال له: لا مشاحة في الاصطلاح !! وكل ذلك قد بيناه في المقدمة التمهيدية لهذا الباب (المطبوعة بعدُ باسم: المنهج المقترح). وإلى هنا أكون - بحمد الله - قد رَدَدْتُ على الحافظ حُجَّتَه الأولى، بل واخْتَجَجْتُ عليه، حتى احتجَجْتُ عليه بكلامه !! وبقيت حجةُ الحافظ الثانية: وهي: إطباقُ أهل العلم على عدم وصف رواية المخضرمين عن رسول الله وهو بـ (التدليس) مع أن صورةً روايتهم عنه وَ﴿ صورةُ (روايةٍ المعاصر عمن لم يلقه) ... هذه هي حجة الحافظ وليس له غيرها بعد السابقة! فأقول للحافظ: وماذا بَعْدُ؟! والشأنُ أنه (لا مشاحة في الاصطلاح)! فإنهم أطبقوا على تخصيص رواية المخضرمين عن رسول الله * بعدم إطلاق (التدليس) عليها، مع إطلاقهم (التدليس) على غير المخضرمين في روايته عن معاصِرٍ لم يلقه، (١) تعريف أهل التقديس (٢٥). ١٩٧ بل وعلى المخضرمين أيضًا في روايتهم عن معاصِرٍ لم يلقوه سوى النبي ◌ّله كما سيأتي (بإذن الله تعالى). وإذا كانت المحاجَّة مبيّنةً على (المشاحّة في الاصطلاح) فَلِمَ لا أَقْلِبُ الحُجَّةَ؟ فأقول: إنهم يطلقون (التدليس) على رواية المخضرمين عن رسول الله و ◌َ﴾، بدليل إطلاقهم (التدليس) على رواية المعاصر عمن لم يلقه. ولا فرق بين احتجاجي هذا واحتجاج الحافظ! ومن زعم وُجُودَ فَرْقٍ فإنه لم يقرأ ما سبق من هذا الباب، ليعلم أن وضوح إطلاق (التدليس) على رواية المعاصر عمن لم يلقه: عملاً تطبيقيًا من المحدثين، وتَنْصِيصًا عليها؛ أكثر من وضوح (إطباق) المحدثين على عدم إطلاق (التدليس) على رواية المخضرم عن رسول الله ێ . لكني لا أرضى هذه الحجة المبنية على (المشاحّة في الاصطلاح)! إذ إن حُجَّةَ الحافظِ هذه يُمكن أن تُغَيِّرَ معالمٌ مصطلح الحديث، أو قل: تدمّره! بتطبيق تلك (المشاحّة) عليه: كأن تقول: إنهم يطلقون (المقطوع) (١) على كلام الصحابي، بدليل إطلاقهم (المقطوع) على كلام التابعي! أو قل: إنهم لا يطلقون (المقطوع) على كلام التابعي، لأنهم لا يُطلقونه على كلام الصحابي! أو قل إنهم يصفون (مرسل الصحابي) بأنه (منقطع)، لأنهم ربما أطلقوا على (مرسل التابعي) ذلك أو عكسه! أو قل: إنهم يطلقون (التدليس) على (مرسل الصحابي)(٢) لأنه (رواية من (١) قال ابن الصلاح في علوم الحديث (٤٧): ((هو ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم، من أقوالهم وأفعالهم)). (٢) هو ما يرويه الصحابي عن الرسول وَط98، ولم يسمعه منه. انظرٍ علوم الحديث لابن الصلاح (٥٦)، وهو من اصطلاحات الأصوليين التي أدخلت في علوم الحديث. ١٩٨ سمع لما لم يسمعه)! أو: إنهم لا يُطلقون (التدليس) على (رواية من سمع لما لم يسمعه) لأنهم لا يُطلقونه على (مرسل الصحابي)! هذا كله لأن صورة (المقطوع) و(الموقوف) وصورة: (مرسل الصحابي) و(المنقطع) وصورة (مرسل الصحابي) و(التدليس) كلّها صورٌ متفقة في حقيقتها، فارَقَ بينها اصطلاحُ المحدثين .. لا غير! فهل يَحِقُّ لنا أن نعترض على اصطلاحهم باصطلاحِهم؟! هذا ما فعله الحافظ رحمه الله !! هذا رَذِّ أول على احتجاج الحافظ برواية المخضرمين، بيَّنا فيه سقوطَ تلك الحجة، بسقوط الفكرة الأساسية التي بنيت عليها، وهي: (المشاحّة في الاصطلاح). وهناك رَدِّ آخر على احتجاج الحافظ برواية المخضرمين، مبنيٌّ على بيان الفارق بين رواية المخضرمين عن رسول الله وَلا قه ورواية غيرهم عن معاصر لم يلقه. ليظهر بذلك سبب مغايرة المحدثين في الإطلاق على كل حالة من الحالتين، وأن تلك المُغَايَرَةُ متمشّيةٌ مع أصول علم الحديث ومصطلحه. فالفارق الأول: أن رواية المخضرمين عن رسول الله وَثير مع كون صورتها كصورة (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، إلا أنها ملتحقة بـ (الإرسال الجلي) الذي اتُّفِقَ على عدم وَصْفِهِ بمصطلح (التدليس). فعدمُ إطلاق المحدثين (التدليس) على (رواية المخضرمين عن رسول الله (18) إنما كان لأنها - كما سبق - غير خفي. (إرسال ظاهر) وبنحو ذلك تُعُقِّبَ الحافظ ابن حجر، حيث قال العلامة نور الدين علي بن محمد بن سلطان، الشهير بملا علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في (شرح نخبة الفكر): ((والظاهر أن المخضرم من عُرِفَ عدم لقيه، لا من لم يُعرف أنه لقيه، وبينهما فَرْقٌ كما لا ١٩٩ يخفى، فيكون حديثهم من (المرسل الجلي)، قريب من (مراسيل الصحابة) رضي الله عنهم))(١) . وتعقبه أيضًا العالم الشيخ محمد عبد الرؤوف المُنَاوي (ت ١٠٣١ هـ) في كتابه (اليواقيت والدرر شرح شرح نخبة الفكر). قال المُناوي: ((قال بعض مشايخنا: قد يقال: إنما وصفوا رواية من ذكر بـ (الإرسال) لأنهم من التابعين، وتَحْديثُ التابعيّ عن النبي وَ ل ﴿ لا شك في وصفه بالإرسال)) (٢). هذا ما تعقّب به كلٍّ من: ملا علي القاري، والمناوي، احتجاج الحافظ ابن حجر برواية المخضرمين عن الرسول والن9، على عدم وصف (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بـ (التدليس). وما تعقّباهُ به صحیحٌ في نتيجته، ويحتاج إلى بيان. ذلك أن الأئمة لا يحكمون باتصالِ روايةٍ راوٍ عن رسول الله وَل﴿، إلا إذا ثبت لهم لقاؤه به ويلقى، أي: إلا إذا ثبتت له الصُحبة. فإذا لم تثبت له الصُّخبة، ولم يُعْلَم له لقاءً بالنبي ◌َ، حكموا على حديثه عنه الله بالإرسال. فهل حُكم المحدثين على رواية (المخضرم) عن رسول الله بالإرسال: ١ - للقَطْع بعدم اللقاء، كما قال ملا علي القاري، لأن المخضرم من عرف عدم لقيه، لا من لم يعرف أنه لقيه؟ وكنحو ما نقله المناوي عن بعض مشايخه، الذي اعتبر المخضرم تابعيًا، والتابعي يُقْطَعُ بعدم لقائه النبي بَّهِ. (١) شرح شرح نخبة الفكر لملا علي القاري (١١٩). (٢) اليواقيت والدرر للمناوي (٣٦٨/١ ٣٦٩). ٢٠٠