النص المفهرس

صفحات 141-160

كلامه في موضعه (إن شاء الله تعالى)(١). فلو كان كتابُ الخطيب
عند العراقي، لاتّكأ عليه في إفراد (المرسل الخفي) مُخْتَجًّا به، أو
لَأَعْرَقَ في التقليد، بتقليد الخطيب بدلاً من ابن الصلاح.
وهذا الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (ت
(٧٦هـ) صاحبُ الكتاب الجليل في المراسيل (جامع التحصيل)،
الجامعُ لتصنيفه نوادرَ كُتبٍ المراسيل (ككتاب البرديجي والضياء
المقدسي)، يُصَرِّحُ تَنْصيصًا - على أنه لَمْ يَرَ كتابَ الخطيب:
(التفصيل لمبهم المراسيل) وكتابَهُ (المزيد في متصل الأسانيد)،
وقال بعد ذكرهما: ((ولم أقِف عليهما، وذكر الإمامُ ابنُ الصلاح
أن في كثيرٍ مما ذكره الخطيب في تمييز المزيد نظرًا))(٢). قلت:
فلا أصرحَ من هذا، على أنه عالةٌ على كتاب ابن الصلاح، بعد
تصريحه بعدم وقوفه على كتاب الخطيب.
وأما الحافظ ابن حجر: فلو كان كتابُ الخطيب (التفصيل
لمبهم المراسيل) عنده، لما لجأ في التعريف بـ (الإرسال الخفي)
إلا إليه، لأنه المصدر الأول له. ولَمَا قَنع في ذلك بكُتُبٍ
الخطيب الأخرى كـ(الكفاية)، الذين نقل منه أقوالاً - سبق ذكرها -
محتجًّا بها على فهمه لـ (الإرسال الخفي).
وجميع كتب علوم الحديث بعد ابن الصلاح، التي اطلعتُ
عليها، معلنةٌ - حالاً أو مقالاً - عَدَمَ وُقوفِ أصحابِها على كتابٍ
الخطيب في (الإرسال الخفي). وهذا الإعلان مُعْلِمٌ بدوره أن هذه
المصنفات مقلدةٌ مُعتمِدَةٌ على كتاب ابن الصلاح في معرفة هذا
النوع، الذي أفرده ابنُ الصلاح بالذكر، ألا وهو (الإرسال الخفي).
قصدتُ من كل هذا بيانَ أهميةِ الفَصْلِ الذي عقده ابنُ
(١) انظر ما سيأتي (١٨١).
(٢) جامع التحصيل (١٢٦).
١٤١

الصلاح لـ (الإرسال الخفي)، وتوضيحَ مدى القوّةِ التي تُؤهِّلُ كلامَ
ابن الصلاح لما أُريد الاحتجاجَ به عليه.
فإنه إذا كان للفصل الذي عقده ابن الصلاح لـ (الإرسال
الخفي) من القوة ما سبق شرحه، ومنها: أن فَضْلَهُ هذا هو مُعْتَمَدُ
من جاء بعده، في معرفة (الإرسال الخفي): فبه عرفوه لفظًا
ومعنىّ، وعنه أخذوه اسمًا ومضمونًا. حُقَّ بعد ذلك لمن خالفه،
ممن جاء بعده، أن يكون كالمنتسِب إلى غير أبيه، والمُتَولِّي غيرَ
مواليه (لا في الإثم لكن في صورة هذا الصنيع) !!
فإنه إذا اعتبر ابنُ الصلاح (الإرسال الخفي) اسمًا يشمل:
(روايةَ الراوي عمن لم يعاصره) و(رواية الراوي عمن سمع منه ما
لم يسمعه منه) و(روايةَ المعاصِر عمن لم يلقه)؛ ثم جاء بعد ذلك
الحافظ ابنُ حجر - مثلاً - فَحَصَرَ (الإرسالَ الخفي) في (رواية
المعاصر عمن لم يلقه) قيل له: حَنَانَيْكَ ... فالولاءُ لمن أعتق !!!
ثم نعود لدراسة كلام ابن الصلاح في الفصل الذي عقده
ل (الإرسال الخفي)، لاستخلاص نتائجَ أخرى في فهمه.
وقد سبق أن قُلنا في بداية دراستنا هذه لكلام ابن الصلاح:
إنه مع أن ابنَ الصلاح لم يُعرِّف الإرسال الخفي، إلا أننا نستطيع
تعريفه التعريفَ الذي يُوافق فَهْمَ ابن الصلاح، ومراده من (الإرسال
الخفي) عن طريق دراسةِ الأمثلة التي ذكرها له.
وقد دَرَسْنَا الأمثلة، فتبيَّنَ أنها تشمل صُورًا ثلاثًا من
الانقطاع، وهي: (رواية الراوي عمن لم يعاصره) و(رواية المعاصر
[تعريف عمن لم يلقه) و(رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه).
الإرسال
الخفي،
فما هو تعريف (الإرسال الخفي) المستخلص من هذه
ومعناه النتيجة؟ أو ما هو تعريف (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح أخذًا
الصحيح.] مما أورده من الأمثلة؟
١٤٢

والجواب: أن (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح هو: كُلُّ
انقطاع خَفِيّ، كذا على الإطلاق، بلا قَيْدِ إدراكِ أو عدم إدراك،
وبلا شرطٍ عدم اللقاء أو اللقاء.
هذا هو التعريف الذي تُمْلِيه علينا الأمثلةُ التي ذكرها ابنُ
الصلاح لـ (الإرسال الخفي).
فأين هذا التعريف، والصورةُ السهلةُ لـ (الإرسال الخفي)؟
من تعقيدات التعاريف المزعومة لـ (الإرسال الخفي)!
وظاهرٌ من تعريفِ (الإرسال الخفي) المُسْتَثْبَطِ منْ الفَصْلِ
الذي عقده ابن الصلاح له، أنه قِسْمٌ من الانقطاع، لكنه يختص
بالانقطاع الخفي الذي يُخشى اعتقادُ اتصاله.
والخفاء أمر نِسْبِيّ: يختلف من عالم إلى عالِم آخر، بل من
زمانٍ إلى زمانٍ عند العالم الواحد، على حسب ما يستقرّ عليه من
العلوم والمعارف.
فلا يُستغرب - بعد ذلك - أن يكون من (المرسل الخفي):
(رواية الراوي عمن لم يعاصره)، فإن عدم المعاصرة لا تستلزم
ظهور الانقطاع، وعدمَ خفائه.
فعدم المعاصرة قد لا تكون في ذاتها أمرًا ظاهرًا، إما لعدم
العلم بسنة وفاةِ الراوي الأول مع سنة مولد الراوي عنه، أو لعدم
شهرة ذلك واستفاضته، وإن كان معلومًا عند القليل؛ بل قد يكون
عدمُ المعاصرة معلومًا مُتَيَّقنًا، لكن الذي يجعلها في حُكم الخفي
المستتر عَجَلَةُ العالِم !! التي رُكّب عليها البشر جميعهم!
ولهذه العَجَلةِ التي تجعل الأمرَ الظاهر في حُكْم الخفي،
مثال غريب، وقع لأمام كبير حافظ ناقد، ألا وهو: أبو حاتم ابن
حبان البستي.
حيث ذكر هذا الإمامُ - رحمه الله - في كتابه (الثقات) أن
١٤٣

إبراهيم النخعي سمع من المغيرة بن شعبة، وأن مولده سنة
خمسين(١). مع أنه ذكر أيضًا أن سنة وفاة المغيرة بن شعبة هي
سنة خمسين أيضًا!(٢).
ولذلك قال الحافظ ابن حجر: ((وهذا عجب من ابن حبان!
يذكر أنه سمع من المغيرة، وأن مولده سنة خمسين، ويذكر في
الصحابة أن المغيرة مات سنة خمسين، فكيف سمع منه؟ !! ))(٣).
قلت: لكني لا أحسبُ هذا التناقُضَ الواضحَ إلا عن سَبْقٍ
قَلَم من ابن حبان، أو عن تزاحُم المعلومات ... في حين عجَلةٍ
منه!
مع ذلك ... فما زال ذلك التناقُضُ دليلاً على إمكان الخفاء
في الانقطاع، حتى بين غير المتعاصرين، فمع تقرير ابن حبان
عدمَ المعاصرة في موطن، فقد أثبت السماع في موطن آخر.
ومهما تكنِ الأسبابُ، فلئن وقع ذلك من إمام واحد ..
نلتمس له الأعذار، فوُقُوعُه من أئمة متفرقين يخالفُ أحدهما
الآخر، أقربُ وأشدُّ وأكثر!
لذلك فلا تعجب من دخول (الرواية مع عدم المعاصرة) في
(الإرسال الخفي)!
هذا ... وسوف نعود إلى الفصل الذي عقده ابنُ الصلاح لـ
(الإرسال الخفي)، ونقف معه وقفة جادة أخرى، فيما نستقبل من
بحثنا (٤) - بأذن الله تعالى -.
(١) الثقات لابن حبان (٨/٤).
(٢) الثقات لابن حبان (٣٧٢/٣).
(٣) تهذيب التهذيب لابن حجر (١٧٨/١).
(٤) انظر ما سيأتي (١٦٢ - ١٦٦).
١٤٤

C
ونكمل مسيرتنا مع المُصَنِّفِينَ في علوم الحديث بعد ابن [عند النووي]
الصلاح، ومنهم الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف
النووي (ت٦٧٦ هـ).
وقد قلّد النووي ابن الصلاح في كل ما قال، ولم يفارقه إلا
بشيء من الاختصار. فعرّف التدليسَ بما يُدخل فيه (رواية المعاصر
عمن لم يلقه)(١)، وأفرد (المرسل الخفي) بالذكر(٢)، متابعًا ابن
الصلاح حذو القُذّة بالقذة.
وأكتفي بذلك مع الإمام النووي، لعدم وجود ما يستحق
الذكر سواه.
لنأتي - بعد ذلك - إلى الإمام الفقيه تقي الدين محمد بن [عند ابن
علي بن وهب القشيري الشهير بـ ((ابن دقيق العيد)) (ت ٧٠٢هـ)، دقيق العيد]
لنطالع كتابه (الاقتراح في بيان الاصطلاح).
فنجد ابن دقيق العيد يُعَرِّفُ التدليسَ بقوله: ((التدليس هو أن
يروي الراوي حديثًا عن من لم يسمعه منه))(٣).
هذا هو تعريف ابن دقيق العيد لـ (التدليس)، وعبارته فيها
من الغموض ما يُوهم الإطلاق، وأنها تشمل كل المنقطعات، بل
والمعضلات والمعلقات! فكل هذه (رواية الراوي حديثًا عمن لم
یسمعه منه).
وابن دقيق العيد أجلّ من أن يعتقد هذا، وهو المُنَادي
بتحرير التعريف على قواعد المنطق، بأن تكون جامعة مانعة، وهو
(١) انظر إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق للنووي (٢٠٥)،
والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير للنووي أيضاً، الذي بحاشيته
تدريب الراوي للسيوطي (٢٢٣/١ - ٢٢٤).
(٢) انظر إرشاد طلاب الحقائق (٥٨١ - ٥٨٣، والتقريب كلاهما للنووي (٢)
٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) الاقتراح (٢٠٩).
١٤٥

المنادي باختصار الحدود أيضًا، كما سبق أن ذكرناه في المقدمة
التمهيدية لهذا الباب (١).
لذلك فإني أَحْمِلُ كلامه على الصواب، بالمَحْمَلِ الذي
عرفتُه من مَنْهَجِه.
ومن منهجه في التعاريف: الاختصارُ المُحَرَّرُ بالجَمْعِ والمَنْعِ
(كما سبق)، فلا بُدّ أن نَجِدَ في تعريفه المختصَرِ لـ (التدليس) مَا
يُقيِّدُ الإطلاقَ المُتَوَهَّمَ من ظاهرِهِ، ذلك الإطلاق الذي أُجِلُّ
طُوَيْلِبَ العلمِ عن اعتقاده.
وقد وجدت أن القَيْدَ الذي أَحْمِلُ مطلقَ تعريفِ ابن دقيق
العيد لـ(التدليس) عليه، يُمْكِنُ اسْتِنْبَاطُه من الضَّميرِ الذي أَلْحَقَهُ
بالفعل: (يسمعه)، حيث قال: ((هو أن يروي الراوي حديثًا عمن
لم يسمعه منه)). فإن ابن دقيق العيد لو كان يريد الإطلاق، لكان
أقوى له أن يحذف هذا الضمير، فيقول مثلاً: ((هو أن يروي
الراوي حديثًا عمن لم يسمع منه)). أما وقد ذكر ابنُ دقيق هذا
الضمير، فإنَّ ذِكْرَهُ له يُوحي بأن غير المسموع هو ذلك الحديث
المدلَّسَ وحده، وذلك يعني أن الراوي قد سمع غيره، أو يُخْتَمل
سماعُه لغيره بالمعاصرة.
وعلى كل حال .. فإن تعريف ابن دقيق العيد: إما أنه على
النقيض من تعريف الحافظ ابن حجر لـ (التدليس)، إذا حملناه
على ظاهره من الإطلاق. وإمَّا أنه يُخالفه كما خالف تعريفُ
الخطيب، ثم تعريفُ ابن الصلاح لـ (التدليس) ومن بينهما ومن
بعدهما!
ولن يكون تعريفُ ابن دقيق العيد لـ (التدليس) موافقًا بحال
لما عليه الحافظ ابن حجر، من المباينة بين (التدليس) وما سمّاه
(١) انظر المنهج المقترح (٢٢٣ - ٢٢٤).
١٤٦

الحافظ بـ (الإرسال الخفي)! بل وما أبعد كلام ابن دقيق العيد عن
موافقة الحافظ ابن حجر!
ففوق ما سبق، لم يذكر ابن دقيق العيدِ شيئًا عن مصطلح
باسم (الإرسال الخفي) لا أصالة، ولا عَرضًا، فأنَّى يُفارِقُ عن
(التدليس) ما لم يخطر بباله؟ أو ما لم يذكره بشيء؟!
وجاء بعد ابن دقيق العيد أحدُ الآخذين عنه، ألا وهو [عند الذهبي]
الحافظ الإمام الأوحد شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان
الذهبي (ت٧٤٨هـ).
فاختصر الإمام الذهبي كتاب شيخه (الاقتراح) مع إضافات له
عليه، في كتاب سماه: (الموقظة).
فوافق الذهبيُّ شيخَه في إغفال (الإرسال الخفي) فلم يذكره
في (الموقظة). لكنه عَرَّفَ التدليسَ بتعريفٍ غريب، يجب الوقوف
عنده .
قال الذهبي في (الموقظة): ((المدلَّس: ما رواه الرجل عن
آخر، ولم يسمعه منه، أو لم يدركه، فإن صَرَّح بالاتصال وقال:
(حدثنا) فهو كذاب، وإن قال (عن) احتُمِلَ ذلك، ونُظِرَ في
طبقته، هل يُدرِكُ مَنْ هو فوقه؟ فإن كان لقيه فقد قَرَّزْناه، وإن لم
يكن لقيه فأمكن أن يكون معاصِرَهُ فهو مَحَلُّ تَرَدُّدٍ، وإن لم يمكن
فمنقطع، كقتادة عن أبي هريرة)) (١).
وقبل الدخول في شرح هذا التعريف، أَقَدِّمُ الشرح بتقريرِ:
أنَّ ظاهر كلام الإمام الذهبي يُناقِضُ ما قَصَرَ عليه الحافظُ ابن
حجر والمتأخرون (التدليس) في (رواية الراوي عمن سمع منه مالم
يسمعه منه). حيث إن ظاهر تعريف الذهبي لـ (التدليس) يُدخل فيه
(رواية الراوي عمن لم يعاصره) فضلاً عن (رواية المعاصر عمن
(١) الموقظة للذهبي (٤٧).
١٤٧

لم يلقه). فالذهبيُّ على ذلك مخالفٌ للحافظ ابن حجر في تعريفه
لـ(التدليس)، بل هو على النقيض منه!
لكني لا أرضى الأَخْذَ بظاهرٍ كلام الإمام الذهبي، وأُجِلُهُ عن
الأَخْذِ بظاهره! حيث إن إخراج (رواية الراوي عمن لم يعاصره)
عن (التدليس) قولٌ نقل عليه الاتفاقَ الخطيبُ البغدادي وابنُ
عبد البر، كما سبق عنهما. بل في كلام الذهبي هذا نفسه ما يدل
على أنه لا يرى (الرواية مع عدم المعاصرة) (تدليسًا) وأنه عنده
(منقطع) غير (مدلس).
والذي يُشكل في ذلك ويُوهِمُ بأن الذهبي يتوسّعُ في
التدليس ذلك التوسّعَ، هو قوله: ((المدلَّس: ما رواه الرجل عن
آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه)) فقوله: أو لم يدركه: يعني
ظاهرُهُ دخولَ (رواية الراوي عمن لم يدركه) في (التدليس).
والذي أَحْمِلُ كلامَ الذهبي عليه، وأجده المخرجَ الصحيحَ
لظاهر كلامه هذا، أنه قصد بقوله: ((أو لم يدركه)): الإدراكَ
الحِسِّيَّ بالأبدان، أي: اللقاء. والإدراك بمعنى الإدراك بالأبدان:
معنىٌ صحيحٌ في اللغة، كما أنه من معاني الإدراك أيضًا الإدراك
الزمني(١) .
جاء في (لسان العرب): ((يقال مشيت حتى أدركته، وعشت
حتى أدركت زمانه))(٢).
قلت: فالأولى: الإدراك الحسي، والثانية: الإدراك الزمني.
وقد وجدت ما يؤيد أن المحدثين قد استخدموا الإدراك
بمعنى الإدراك الحسي بالأبدان واللقاء. فقد قال أبو بكر البزار عن
الحسن البصري: ((ابنُ عباس كان بالبصرة أيامَ الجمل، وقَدِم
(١) انظر لسان العرب (درك) (٤١٩/١٠ - ٤٢١).
(٢) لسان العرب (٤٢٠/١٠).
١٤٨

الحسنُ أيامَ صِفّين، فلم يدركه بالبصرة))(١). فواضحٌ من كلام
البزار أنه قصد بقوله ((لم يدركه)): أنه لم يَلْحَقْ به ولم يَلْقَهُ
بالبصرة، وإلا فالحسن قد أدرك زَمَنًا طويلاً من حياة ابن عباس،
كما سيأتي في مبحثه (إن شاء الله تعالى).
والذي يؤيد حَمْل (الإدراك) على الحِسِّيِّ في كلام الذهبي
هو قولُه في آخره: ((وإن لم يكن لقيه فأمكن أن يكون معاصرَه
فهو محل تردّد، وإن لم يمكن فمنقطع)). فعبارته الأخيرة ((وإن لم
يمكن فمنقطع)): نَصّ على أنه يرى الراوية مع عدم إمكان اللقاء
انقطاعًا، ولا يراها تدليسًا. فلا يُعقل أن يُدْخِلَ (الروايةَ مع عدم
المعاصرة) في (التدليس) في أول كلامه، ثم يُخرجها منه في
آخر ه!
وبذلك يكون معنى قولِ الذهبي في تعريف التدليس: ((ما
رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه)) أي: رواية
الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه، ورواية المعاصر عمن لم
يلقه، فيكون تعريفُ الذهبي على هذا ماشِيًا على الجادَّةِ التي
مَضَتْ عليها تعاريفُ المحدثين لـ (التدليس) بإدخالهم فيه (رواية
المعاصر عمن لم يلقه).
ويبقى تفسير بقية كلام الإمام الذهبي، قوله: ((وإن قال:
(عن) احتُمِلَ ذلك، ونُظِرَ في طبقته: هل يُدرك من هو فوقه؟ فإن
كان لقيه فقد قررناه)).
فمعنى هذا: أنه إذا روى المدلس حديثًا لم يسمعه عمن
طبقته تَحْتَمِلُ لقاءه، بصيغةٍ تَحْتَمِلُ السماع وليست صريحةً عليه،
فإن المدلِّس إما أن يكون قد لقي هذا الراوي الذي روى عنه،
وإما أن يكون لم يلقه:
(١) نصب الراية للزيلعي (٩٠/١) (٤١٩/٢).
١٤٩

قال الذهبي: «فإن كان لقيه فقد قررناه))، أي: تكلمنا عن
حُكم (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه) وقررناه،
وكان الذهبي قد تكلم عن هذه المسألة بوضوح في مبحث
الحديث (المعنعن) قُبيْلَ كلامه عن (التدليس)(١).
ثم يقول الذهبي: ((وإن لم يكن لقيه فأمكن أن يكون
معاصره فهو محل تردد))، هذا هو الاحتمال الثاني، بعد السابق،
فالأول كان (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه)،
والثاني: (رواية المعاصر عمن لم يلقه). ثمّ يقول الذهبي عن هذا
القِسْم: ((فهو محل تردّد)) فالظاهر أنه يعني: أن حُكم (رواية
المعاصر عمن لم يلقه): هو التوقف عن قبولها، لاحتمال عدم
الاتصال. وذلك من الإمام الذهبي لِتَنَبِّيْهِ رَأيَ من اشترط العلمَ
باللقاء وعدم الاكتفاء بالمعاصرة، كما صرَّح بذلك في مبحث
(العنعنة) من كتابه (الموقظة)(٢).
ثم يقول الذهبي في آخر كلامه: ((وإن لم يمكن فمنقطع)).
فهذا هو القسم الثالث: ((رواية الراوي عمن لم يعاصره))، يقول
الذهبي إن الرواية مع عدم المعاصرة انقطاع ليس بتدليس.
فيؤكد الذهبي بذلك أن هذا الاحتمال الأخير (الرواية مع
عدم المعاصرة) هو الاحتمال الخارج عن مسمى (التدليس) دون
بقية احتمالات الانقطاع الأخرى، وهما الاحتمالان الأَوَّلاَنِ من
(رواية مَنْ سمع مالم يسمعه) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)،
فهما من التدليس.
ويجزم الإمام الذهبي بدخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه)
(١) الموقظة للذهبي (٤٥ - ٤٦).
(٢) الموقظة (٤٤).
١٥٠

في (التدليس)، ويستخدم مصطلح (التدليس) بهذا المعنى، في
مواطن كثيرة من تطبيقاته العملية، في كتبه المتفرقة.
قال الذهبي في ترجمة هُشَيْمٍ بنَ بَشيرٍ من (سير أعلام
النبلاء): ((قال أحمد بن حنبل: لم يسمع هُشَيْمٌ من يزيد بن أبي
زياد، ولا من الحسن بن عبيد الله، ولا من أبي خالد، ولا من
سيار، ولا من موسى الجهني، ولا من علي بن زيد بن جدعان،
ثم سمى جماعة كثيرة، يعني: فروايته عنهم مُدَلَّسة))(١).
فتنبه إلى قوله: ((فروايته عنهم مدلسة))، مع أنه لا سماع
أصلاً بين هُشيم بن بَشِير ومَنْ سمّاهم الإمام أحمد.
وقال الإمام الذهبي في ترجمة أبي قلابة عبد الله بن زيد
الجَزْمِي، من (ميزان الاعتدال): ((ثقة في نفسه، إلا أنه يدلس
عمن لَحِقَهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صُحُفٌ يُحدِّثُ منها
ويدلّس))(٢) .
وهذا موقف في غاية الصراحة أيضًا في إدخال الإمام الذهبي
روايةَ الراوي عمن (لم يلحقهم) في (التدليس).
وقال الإمامُ الذهبي في ترجمة مكحول الشامي من (تذكرة
الحفاظ): ((يرسل كثيرًا ويدلِّس عن أبي بن كعب، وعُبادة بن
الصامت، وعائشة والكبار))(٣).
فتنبه إلى مُعَاقِبَةِ الإمام الذهبي بين (يرسل) و(يدلس).
مع أن رواية مكحول عمن ذكرهم ليست - عند المتأخرين -
إلا (إرسالاً)، فالذهبي نفسه يقول في (سير أعلام النبلاء): ((أرسل
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٨٩/٨).
(٢) ميزان الاعتدال (٤٢٦/٢).
(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي (١٠٧).
١٥١

عن عدة من الصحابة لم يدركهم كأبي بن كعب ... وعبادة بن
الصامت .. وعائشة))(١).
وقال الإمام الذهبي أيضًا في ترجمة جبير بن نفير من (تذكرة
الحفاظ): ((حديثه في الكتب كلها، سوى صحيح البخاري،
وماذاك للين فيه، ولكنه ربما دلس عن قدماء الصحابة. والبخاري
لا يقنع إلا بأن يصرح الشيخ بلقاء من روى عنه))(٢).
وسوف يأتي للإمام الذهبي موقف آخر يدخل فيه (رواية
المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس)، عند كلامنا عن تدليس
الحسن البصري من (الباب الثاني)(٣) - إن شاء الله تعالى -.
وفي ما ذكر كفاية في إيضاح رأي الذهبي من هذه المسألة!
ثم نقف على أول ما قد يُعْتَبَرُ إخراجًا صريحًا لـ (رواية
[عند ابن المعاصر عمن لم يلقه) من التدليس، وذلك مع الإمام المحدث
الفقيه أبي عبد الله محمد بن عمر بن رُشيد الفِهْرِي السَّبْتِي
رشيد
السَّبْتي]
(ت٧٢١ هـ).
قال ابن رُشَيد في (السَّنَنِ الأبين والمَوْرِدِ الأمعن في
المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن): ((وأما المعاصِرُ غَيْرُ
الملاقي إذا أَطلق (عن) فالظاهرُ أنه لا يُعَدُّ مُدَلسًا، بل هو أبعد
عن التدليس، لأنه لم يُعرفُ له لقاءٌ ولا سماعٌ، بخلاف من عُلم
له لقاءٌ أو سَمّاع.
وبالجملة: فلولا ما فُهم قَصْدِ الإيهامِ بالإفهامِ من جماعةٍ من
(١) سير أعلام النبلاء للذهبي (١٥٦/٥).
(٢) تذكرة الحفاظ للذهبي (١٥٢).
(٣) انظر ما سيأتي (٤٧٣ - ٤٧٤).
١٥٢

الأعلام ما جاز أن يُنْسَبُوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مُرْسِلين، كما عُدَّ من
تحقَّقَ منه أنه لا يُدلِسُ إذا أرسل))(١).
ثم بعد كلام ابن رشيد هذا نَقَلَ نقلاً عن ابن الصلاح، جاء
فيه قولُ ابنِ الصلاح: ((لأنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه
الروايةَ عنه من غير ذِكْرِ الواسطة بينه وبينه مُدَلِّسًا))(٢).
فقال ابن رُشَيد مُعْتَرِضًا: «فإن هذا لا يلزم لإمكانٍ وَسَطٍ
بينهما، وهو كَوْنُه مُرسلاً، فليس بمجرّدٍ [عدم ذِكْرِ الواسطة](٣)
يُعَدُّ مدلِّسًا، بل بِقَصْدِ إِيهامِ السَّمَاع فيما لم يسمع ... ))(٤).
ثم أكمل ابن رُشَيدِ اعتراضه على ابن الصلاح، واعتذر عنه،
بما لا مَذْخَلَ له في بحثنا، إلى أن قال: ((وهذا هو الفَيْصَلُ في
هذه المسألة، وهذه نُكْتَةٌ نفيسةٌ تكشف لك حجاب الإشكال،
وتُوَضِّحُ الفَرْقَ بين: مَنْ عنعن فَعُدَّ مُرْسِلاً، ومن عنعن فعُدَّ
مُدَلْسًا))(٥) .
وانتهى كلام ابن رُشيد في المسألة.
وقبل نقاش ابن رُشَيد، أوضح معالمه الأساسية، فقد أخفى
بعضَها التزامُه بالبديع: ((فلولا ما فهم قصد الإيهام بالإفهام من
جماعة من الأعلام ... )) !!
فقدّم ابن رشيد كلامه بأن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) لا
تُعَدُّ تدليسًا، لأنها روايةٌ عمن لم (يُعرف) له لقاء ولا سماع، كما
قال .
(١) السنن الأبين (٤٦).
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (٦٥)، وانظر السنن الأبين (٤٦، ٤٧).
(٣) ما بين المعكوفتين بياض في الأصل المخطوط، كما نبه عليه محقق السنن
الأبين، والإضافة من عندي لظهور السياق عليها.
(٤) السنن الأبين (٤٧).
(٥) السنن الأبين (٤٨).
١٥٣

ثم استدرك على ذلك، بالحرف (لولا) الذي هو حرف
امتناع لوجود (١)، فقال: فلولا وجودُ من قَصَدَ بالرواية عمن
عاصره ولم يلقه إيهامَ السماع، لامتنع وَصْفُ فاعلٍ ذلك (الراوي
عمن عاصره ولم يلقه) لِمُجَرَّدِهِ بأنه مدلْس، وَلَكَانَ الوَصْفُ
الحَقِيقُ به - لولا وجودُ المانعِ - أنه مُرْسِل.
وأكَّدَ ابنُ رُشَيد هذا المعنى عندما أخذ على ابن الصلاح:
أنه اعتبر الراوي المُطْلِقَ للعنعنة فيما لم يسمعه، بحذف الواسطة،
أنه بمجرّدٍ ذلك يكون مدلسًا. فاعترض ابن رُشَيد بأن إطلاق
العنعنة كما أنها تحتمل إمكانَيْن: الاتصال، أو التدليس، فإن هناك
إمكانًا وَسَطًا بين هذين الإمكانين المُخْتَمَلَيْن، ألا وهو الإرسال.
ثم أعلنها ابن رشيد صريحةً عندما ذكر أن حذْفَ الواسطة
مع العنعنة ليس بمجرّدهِ يُعَدُّ الراوي مدلسًا، لكنْ بقَصْدِ إيهام
السماع .
ثم امتدح ابن رُشَيدٍ تحقيقَه هذا، بأنه الفيصل، وكاشف
حجاب الإشكال، وموضح الفرق بين: من عنعن فَعُدَّ مُرْسِلاً،
ومن عنعن فعُدَّ مُدلِّسًا.
وقبل مناقشة هذا التحقيق، أنبهك إلى أمرين:
الأول: أن ابن رشيد لم يتفوه بعبارة (الإرسال الخفي)؛ فهو
لا يفرق بين (الإرسال الخفي) و(التدليس)، وإنما يفرق بين
(الإرسال) الذي بمعنى مطلق (الانقطاع) و(التدليس).
الثاني: أن تفريق ابن رشيد بين (رواية المعاصر عمن لم
يلقه) و(التدليس) ليس كتفريق الحافظ ابن حجر ومن جاء بعده،
ولا يقارب ذلك التفريق. فلا صلة بين التفريقين، ولا يصح اعتبار
أحدهما موافِقًا للآخر.
(١) مغني اللبيب لابن هشام (٣٥٩).
١٥٤

ذلك أن ابن رشيد يقول: إن (رواية المعاصر عمن لم يلقه)
بقصد الإیهام تدلیس .
و(رواية المعاصر عمن لم يلقه) عند الحافظ ابن حجر، على
کل الأحوال إرسال خفي، ليست بتدلیس.
فابن رشيد يعتبر الفارق الحقيقي: قَصْدَ إيهامِ السماع. فإذا
تَحَقَّقَ في (رواية المعاصر عمن لم يلقه) كانت تدَليسًا، وإذا لم
يتحقق فيها کانت إرسالاً.
وابن حجر يعتبر الفارق الحقيقي: السماعَ نفسه، وعدم
السماع مع المعاصرة. فمن روى عمن سمع منه مالم يسمعه كان
مدلسًا، ومن روى عمن عاصره ولم يسمع منه فهو مُرْسِلٌ إرسالاً
خفيًا .
فليس بين الرأيين اتفاق، إلا في مطلق إخراج بعضٍ
(التدليس) من (التدليس)!
وربما كان لكلام ابن رشيد هذا أثر على الحافظ ابن حجر،
في التفريق الذي ارتآهُ في المسألة، لكون ابن رشيد متقدمًا على
الحافظ ابن حجر بما يزيد على القرن.
ثم نأتي إلى حين النقاش:
يقول ابن رشيد: ((وأما المعاصر غير الملاقي إذا أطلق (عن)
فالظاهر أنه لا يعد مدلسًا ... )).
قولُه: ((فالظاهر)»: يُظْهِرُ عدمَ جَزْمه بما يقول رحمه الله.
وقوله: ((فالظاهر)) أيضًا: إما أن يَقْصِدَ بها: الظاهرَ عند أئمة
الحديث ومن تصرفاتهم، وإما أنه أراد بها: الظاهرَ من الرَّأي
والنظرٍ إلى حقيقة المسألة وصورتها (النّظرِ المجرَّدِ عن ملاحظةِ
واعتمادِ كلام أئمة المحدثين وأسلافهم).
فإن قصد أنه الظاهرُ من تصرفات أئمة الحديث، فهو خلاف
١٥٥

الظاهر، بل خلاف نُصُوصِهم القاطعةِ بدخول (رواية المعاصر عمن
لم يلقه) في (التدليس)، وما سبق رحىّ تدور بهذا القول، وتَطْحَنُ
ما عدَاهُ!
وإن قَصَدَ أنه الظاهر من النظر المجرّد في المسألة، وهذا
هو القصد الأظهر من قوله (فالظاهر)، وذلك لقوله: ((فالظاهر أنه
لا يُعَدُّ مدلِّسًا، بل هو أبعد عن التدلس، لأنه لم يُعرف له لقاء
ولا سماع، بخلاف من عُلم له لقاءٌ أو سماع)).
فأقولا ردًّا على اجتهاد ابن رُشَيد هذا:
أولاً: إن أهل الاصطلاح من أئمة الحديث أطلقوا على
(رواية المعاصر عمن لم يلقه) أنها (تدليس)، ولا مشاحّة في
الاصطلاح، ولَيس لأحدٍ تعديل أو (تعويج) ما تواضعوا عليه.
والمسألة المطروحة كالاجتهاد في مَوْرِدِ النص، ولا اجتهادَ
في مَوْرِدِ النص.
ثانيًا: فإذا جِئْنَا للنظر والاجتهاد، وَجَدْنَا (رواية المعاصر
عمن لم يلقه) من أصلح ما يكون في أن توصف بـ (التدليس)،
لأن (التدليس) ليس إلا التغطية وإخفاء العيب في اللغة، وكذا
(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، لِمَا فيها من إسقاطِ الواسطة، التي
يُخْتَمَلُ أن تكونَ ضعيفةً.
أما قوله في تعليل بُغْد (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عن
(التدليس): ((لأنه لم يُعْرَفْ له لقاء ولا سماع ... )) فهو تعليلٌ
غريبٌ جدًا، فيه تلاعُبُ بالألفاظ يُخفي ما وراءها !!
وبيان ذلك دقیقٌ، تراه فيما يلي:
فابنُ رُشيدٍ (وهو بشأن حُكْم الحديث المعنعن) يُريدُ أن
يُخرِجَ (رواية المعاصر عمن لم يلقهَ) عن مُسمَّى (التدليس). لكنّه
يعلمُ أنه لن يتِمَّ له ذلك إلا بأن يُثبت أولاً بأن (رواية المعاصر
١٥٦

عمن لم يلقه) ليس فيها تدليسٌ (لغة) ولا إيهامٌ بخلاف الحقيقة،
ليكون ذلك الإثباتُ أولَ خطوة في نفْي اسم التدليس في
(الاصطلاح) عنها.
لكنّ ابنَ رُشيد يعلم تمامَ العلم أنّ في (رواية المعاصر عمن
لم يلقه) تدليسًا (في اللغة) وإيهامًا بخلاف الحقيقة، لأنّ المعاصرةَ
فيها تُغَلِّبُ احتمالَ اللقاء على عدمه. وهذا ما لا يُخالف فيه أحد:
أن إرسالَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) إرسالٌ خفيٍّ، وانقطاعٌ
غيرُ جَلِيّ، وهذا هو التدليس (لغةً).
فماذا يعمل ابنُ رُشيد أمامَ هذه المعضلة؟! التي اجتمع فيها
النقيضان: إرادةُ إخراج (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عن التدليس
(لغةً) مع العلم بكونها منه (لغةً) !!! وإنما اجتمع هذان النقيضان
في إرادة ابن رُشيد، لأنّه يريدُ إخراج (رواية المعاصر عمن لم
يلقه) عن مسمّى التدليس في (الاصطلاح) كما سبق.
ولقد عَرَفَ ابنُ رُشيد ماذا يعمل أمام هذه المعضلة !!! فجاء
بعبارةٍ ذكيّة، تجمع بين النقيضين !!! لكنّ الجَمْع بين الضِدَّين
مُستحيل، وأيُّ ذكاءٍ أوْهَمَ وُقوعَه فسيكشفه النَّقْدُ والتحليل.
ولكن ماذا إذا أطلق (عن): فَعَلَ ابنُ رُشيد؟! وما هي عبارتُه
التي عملت المستحيل؟ !!
قال ابن رُشيد - كما سبق -: ((وأمّا المُعَاصِرُ غيرُ الملاقي إذا
أطلق (عن): فالظاهر أنه لا يُعَدُّ مُدلِسًا، بل هو أبعد عن
التدليس، لأنه لم يُعْرَفُ له لقاءٌ ولا سماع، بخلاف من عُلِمَ له
لقاء أو سماع)).
وَقِفْ عند تعليله بُعْدَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عن
(التدليس) بقوله ((لأنه لم يُعْرَفُ له لقاءٌ ولا سماع)) فهذه هي العبارة
الذكيّة التي أَوْهَمَتْ وُقُوعَ المستحيل؛ والآن آنَ أوَانُ النَّقْدِ والتحليل:
أوّلاً: هل (رواية المعاصر عمن لم يلقه) روايةٌ لمن لم
١٥٧

يُعرف له لقاءٌ ولا سماع، كما قال ابنُ رُشيد؟ حتى يصحّ التعليل
الذي ذكره؟
والجواب ظاهر: إنها (رواية المعاصر عمن لم يلقه)،
وكرِّز: (عمّن لم يلقه). فهي روايةُ مَنْ عُرف عدمُ لقائه بمن
عاصره، وليست كما قال ابنُ رُشيد (روايةً من لم يُعرف له لقاء
ولا سماع). فالأمر قد تجاوز عدمَ العلمِ باللقاء، إلى العلمِ بعدم
اللقاء .
فأوّلُ ما نأخذُه على تعليل ابنُ رُشَيد هذا، هو أنّ (رواية
المعاصر عمن لم يلقه) روايةٌ من عُرِفَ عدمُ لقائه، وليست (كما
قال ابنُ رُشيد) روايةً من لم يُعرف له لقاء.
وابنُ رُشيد كان يعلم هذا الذي أخذناه عليه تمامَ العلم !!
ويعرف أنّ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) روايةُ مَنْ عُرِف عدمُ
لقائه !! لكنّه حادَ عن ذلك !!
ثانيًا: إذا كانت (رواية المعاصر عمن لم يلقه) رواية من عُلِمَ
عدمُ لقائه بمن روى عنه، فهل يصحُّ اعتبارُها من الانقطاع الظاهر؟
والجواب عن هذا تقدّم مرارًا: وهو أن (رواية المعاصر عمن
لم يلقه) (إرسالُ خفي)، وانقطاع غير ظاهر، مع أنها روايةُ من
عُلِمَ عدمُ لقائه! وإنما أوهمت اللقاءَ والاتصال بالمعاصرة الواقعةِ
بين الراوي ومن روى عنه، تلك المعاصرةُ التي تُغَلِّبُ - في
الظاهر - حُصولَ اللقاء، إلى أن نتبيَّنَ - في الباطن - عدمه.
لذلك فإن قولي: إنّ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) روايةٌ
لمن عُلم عدم لقائه بمن روى عنه، عبارةٌ صحيحةٌ في سياقٍ،
وخطأً في سياقٍ آخر! فهي صحيحةٌ في سياق تحقّقِ الانقطاع فيها،
مع التسليم بخفاء هذا الانقطاع بسبب المعاصرة المُوهِمَةِ الاتصالَ.
وهي عبارة خطأ في سياق وَصْفِ انقطاعها بالظهور وعدم الخفاء،
وبالتالي نَفْي صفة التدليس عنها (لغةً).
١٥٨

ولمَّا تَنَبَّهَ ابنُ رُشيد إلى أنّه لو قال، وهو في سياق نَفْي
صفة (التدليس) عن (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، مُعَلُّلاً هذا
النَّفْي: لأنها روايةُ من عُلِمَ عَدَمُ لقائه بمن روى عنه = أننا سوف
نأخذ عليه هذا التعليلَ في هذا السياق، كما سبق، وأننا سوف
نرفضُ هذا التعليل الذي يَصِفُ انقطاعَ (رواية المعاصر عمن لم
يلقه) بالظهور وعدم الخفاء. فلمّا تَنَبَّهَ ابنُ رُشَيدٍ لذلك، حادَ عن
تلك العبارة المحظورةِ، المُظْهِرَةِ لخطأ تعليله، إلى عبارةٍ ذكيّةٍ،
أبعد عن الاعتراض، لا لأنها صواب (بل هي خطأ كما قدمناه:
أولاً) لكن لأنها عبارةٌ تُوَعْرُ على الفَهْم كَشْفَ عُوَّارها، وفَضْحَ
خافيها !!! إنها العبارةُ التي أرادت الجمع بين النقيضين، وعَمَلَ
المستحيل، إنها قول ابنُ رشيد: ((لأنه لم يُعرف له لقاءٌ ولا
سماع)).
لكنّ الجَمْعَ بين النقيضين مستحيل، ولذلك فقد افتُضِحَ
خافي تلك العبارة، وانكشف عُوَّارُها، بما أظهر أنها = ليست
التعبيرَ الصحيح للانقطاع في (رواية المعاصر عمن لم يلقه)،
ولذلك لا يصحّ التعبير به عنها، فضلاً عن أن تكون تلك العبارةُ
تعليلاً لعدم اعتبار (رواية المعاصر عمن لم يلقه) تدليسًا، كما كان
یُرید ابنُ رُشید.
أمّا التعبير الصحيحُ في بيان حقيقة الانقطاع في (رواية
المعاصر عمن لم يلقه)، فهو أنها روايةٌ من عُلم عَدَمُ لقائه. لكن
هذا التعبير الصحيحَ لا يعني أنّ انقطاع هذه الرواية ظاهرٌ جَليٍّ،
ولذلك أيضًا لا يصحُّ أن يُعَلَّلَ به نَفْيُ صفةِ التدليس عنها، كما
سبق. وهذا هو ما جعل ابنَ رُشيد يحيد عن التعليل بهذا التعبير
الصحيح، مع أنه التعبير الصحيح !!!
ورحم الله ابنُ رُشيد! فقد وقع في التدليس (بمعناه اللغوي)
عندما قال ما قال، وعندما حادَ عن جَادّةِ الكلام، لمّا رأى الجادةَ
لا تُحَقِّقُ غَرَضَهُ ولا توصله إلى مراده.
١٥٩

ولست أقصدُ لَمْزَ ابنِ رُشيد (رحمه الله) بشيء، فحاشاه،
وأعوذ بالله أن أكونَ أَقْصِدُ ذَمَّا .
لكني أردت بيانَ قوةٍ جَدَلِ عبارة ابن رُشيد، وبُعْدِها عن
تَنْبيه الخَصْم إلى ثغراتها، التي قد يكون ابن رشيد يراها مغتفرةً
أمام (الصوابِ) الذي يعتقده، ويخشى أن تكون شُبَهَا يَشْغَبُ بها
الخَضْمُ على (صوابه) !!
ولست أريد بعد هذا التطويلَ في مناقشة ابن رشيد
رحمه الله، فقد كَشَفْنَا ما أراد إخفاءه، فوجدناه ردًّا قاطعًا، وبرهانًا
ساطعًا، لا شُبَهَا نَشْغَبُ بها عليه.
لكني أقف وَقْفَةً سريعةً مع الفارِق الذي زعمه ابنُ رشيد بين
(الإرسال) و(التدليس) ألا وهو: (قصد إيهام السماع).
فأقول: إن تعليق الوصف بـ (التدليس) على (قصد إيهام
السماع) يعني أن لا يوصف بالتدليس، إلا آحادٌ قلائل ممن أبانوا
عن مقاصدهم. حيث إنّ ذلك التعليقَ تعليقٌ على مُحال،
فالمقصود والنوايا لا يدعي معرفتها أحد، إلا عالم ما في
الصدور . .. سبحانه!
فكيف يُعَلَّقُ حُكُمْ يَصْدُرُ عن البشر، على عِلْم لا يعلمه إلا
خالقُهم؟!
وأنا أعلم أن لهذا الردّ المقتضَب على هذا الفارق الذي
زعمه ابنُ رُشَيد مُدَاخلات ومناقشات عِدّة، وقد أعددتُ لكل
سؤال جوابًا (والحمد لله تعالى)، لكني أكتفي بذلك، لأننا انتهينا
من القضية بكاملها من قبل، من حين أن قلنا: إنه لا اجتهاد مع
مورد النص، وبعد أن قلنا ذلك، وبين ذلك!
وعلى كل حال ... فتفريق ابن رشيد هذا تفريقٌ مهجور، لم
أر من وافقه عليه. فلا أُحِبُّ إشهاره بأكثر من هذا، بعد أن كان
١٦٠