النص المفهرس
صفحات 121-140
إلا أن السخاويَّ عاد - بعد أسطرِ معدودة - مُعتبرًا كلامَ ابنِ عبد البر تفريقًا بين (التدليس) ونَوْعَيْ (الإرسال) كليهما: (الظاهر) و(الخفي). قال السخاويُّ مُعَلُّلاً ذلك: ((لإدراكِ مالكٍ لسعيدٍ في الجُملة، وعدمِ إدراكِ الثوريَّ للنخعي أصلاً))(١). قلت: وأي إدراكِ لمالكٍ - رضي الله عنه - أدرك به سعيدًا في الجُملة، كما يقول السخاوي؟! والحال في مولد الأول ووفاة الثاني على ما سبق !! ولعل - أقول: لعل - السخاويَّ يعني بـ ((المعاصرة في الجُملة)) شهرًا .. أو أَشْهُرَ الرّضاعة التي إن عاصر مالكٌ سعيدًا، فإنما عاصره فيها !!! لكن رجع السخاويُّ عن ذلك بعد أسطر أيضًا !! فقرّر ما فحواه أن (الإرسال) الذي فارقه ابنُ عبد البر عن (التدليس) إنما هو (الإرسال الجلي) .. لا غير(٢) !!. وهذا الذي استقرَّ عليه رأيُ السخاوي هو الصواب الذي لا محيد عنه. وقد سبق إلى تقرير هذا المعنى الصحيح عن ابن عبد البر: علامةُ اليمن ابنُ الوزير الصنعاني في (تنقيح الأنظار)، حيث ذكر أن من شَرْطِ التدليس المعاصرة بين الروايين، ثم قال: ((وروى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يشترط ذلك (يعني: المعاصرة)، قال ابن عبد البر: فعلى هذا ما سَلِمَ من التدليس أحدٌ، لا مالك ولا غيره)»(٣). والذي جعل السخاويَّ يعودُ إلى ما كان يجب أن لا يبدأ إلا منه، والذي يجزم جزمًا قاطعًا أن ابن عبد البر يعتبر (رواية (١) فتح المغيث (٢١٠/١). (٢) انظر فتح المغيث (٢١١/١). (٣) انظر توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار للأمير الصنعاني (١/ ٣٥٠). ١٢١ المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا) هو قولٌ لابن عبد البر أتبع به قوله السابق، من غير فاصِلٍ كبيرٍ بينهما. قال ابنُ عبد البر: ((فإن دلّس عن غير ثقة: فهو تدليسٌ مذموم عند جماعةِ أهل الحديث، وكذلك إن دلَّس عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حدَّ التدليس الذي رخّص فيه من رخّص من العلماء إلى ما يُنكرونه ويذمُّونه ولا يَحْمَدُونَهُ»(١). فتنبه إلى قوله: ((إن دلَّسَ عمن لم يسمع منه))، فهي قاطعةٌ في أنه يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يسمع منه): (تدليسًا). ولعل مُتَلَقِّفًا الكلامَ على غير أَنَاةٍ يقول: إن ابن عبد البر لم يُقَيِّدْ ما سمّاه تدليسًا (وهو رواية الراوي عمن لم يسمع منه) بالمعاصرة، أفلا يمكن إذن أن يكون ابنُ عبد البر يعني بقوله: ((إن دلس عمن لم يسمع منه)) أي مع عدم المعاصرة؟ فأقول: إن الردود على هذا كثيرة، منها: أن ابن عبد البر - فيما نقلناه عنه آنفًا - هو المُنكِرُ أن يكون من (التدليس) (رواية الراوي عمن لم يعاصره) وهو القائل عن (الإرسال الجلي) منكرًا تسميته (تدليسًا): ((فإن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه!))(٢). بل سبق أن نقلنا عن الخطيب أنه حكى الإجماع على أن (الرواية مع عدم المعاصرة) ليست (تدليسًا)(٣)، فلا يُحْمَل كلام العلماء على خرق الإجماع، مادام له محمل لا يُخالف الإجماع. وإنما يَتَرَخَّصُ الأئمةُ في التعبير قليلاً غيرَ آبِهِينَ: للبَدَهِيَّات أن يَقِفُوا عندها، وللمُسَلَّمات أن يَنْصُوا عليها. مُكْتَفِينَ بالفَهْمِ السَوِيّ، الذي لا يَسْتَوقِفُهُ البَدَهِيّ، ولا يَغْمُضُ عليه الجليّ. (١) التمهيد (٢٨/١). (٢) التمهيد (١٥/١) وانظر ما سبق (١١٨). (٣) الكفاية للخطيب (٤٢٣)، وانظر ما سبق (٩٩ - ١١٥). ١٢٢ ويعود ابن عبد البر في موضع آخر إلى التأكيد على دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس)، حيث تكلم عن (التدليس) عن الثقات، ثم قال: ((وهذا أخفّ ما يكون في الذين لقي بعضهم بعضًا، وأخذ بعضهم عن بعض، وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه، فهو أقبح وأسمج))(١). هكذا يؤكد ابن عبد البر على مذهبه من هذه المسألة، فإذا هو موافِقٌ مَنْ قبله: كالحاكم، وأبي نعيم، والخطيب. بل هو مُتَّبعٌ لأحد الحفاظ المتقدمين، ألا وهو يعقوب بن شيبة، الذي نقلنا كلامَه فيما تقدم، وشرحنا مذهبه في (رواية المعاصر عمن لم يلقه) وبيّنًّا معنى ذَمِهم لهذا (التدليس)(٢). ومن نظر في كلام يعقوب بن شيبة ووازنه بكلام ابن عبد البر، علم أن ابن عبد البر كان مقتفيًا أثر يعقوب بن شيبة، لا في مذهبه وحسب، بل حتى في ألفاظه، وترتيب كلامه وجُمَلِه. هذه أقوال ابن عبد البر التنظيرية في مقدمة كتابه (التمهيد)، التي إنما قصد بها بيان مصطلحات أهل الحديث فهو مجرد مُتَرْجِمٍ لكلامهم، شارحٍ لمصطلحاتهم .. لا غير. لكن يعود ابن عبد البر إلى هذه المسألة في صُلْبٍ كتابه، خلال تطبيقاته العملية، ليؤكد ما كان قد قَعَّده: من دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في مصطلح (التدليس). قال ابن عبد البر في قتادة بن دعامة: ((سماعُ قتادة عندهم من عطاء غير صحيح، وقتادة إذا لم يقل سمعت، وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة، لأنه يدلس كثيرًا عمن لم يسمع منه، وربما كان بينهما غير ثقة))(٣). (١) التمهيد (٢٧/١). (٢) انظر ما سبق (٧٩ - ٨٦). (٣) التمهيد (٣٠٧/٣). ١٢٣ فتنبه إلى قوله: ((یدلس کثیرًا: عمن لم يسمع منه))! هكذا يختمُ ابنُ عبد البر بطابَع لا يقبل التردُّدَ، أنه يُسمّي (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا) ... فأين الحافظ ابن حجر عنه؟! [عند ابن الأثير] وبعد ابن عبد البر لا أجد في المسألة قولاً لأحد حتى القرن السادس. فنقف مع الإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير (ت٦٠٦ هـ)، ومع مقدمة كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول اَلية). يقول ابن الأثير متكلمًا عن التدليس: ((رواية المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم في الرواية: فيقولون: قال فلان، ممن هو معاصرهم، رأوه أو لم يروه، ولا يكون لهم عنه سماع أو إجازة، ولا طريق من الرواية .. إلى آخر كلامه))(١). وهذا من أصرح ما يكون في أن ابن الأثير يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليسًا) من (التدليس). ثم يعود ابن الأثير إلى ذكر مذهبه هذا، فينقل أقسام التدليس، فإذا هي أقسام التدليس الستة التي ذكرها الحاكم في (معرفة علوم الحديث)، وسبق الكلام عنها. وموضع الشاهد منها - كما تقدم - هو القسم السادس من التدليس، وهو كما قال ابن الأثير: ((قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحُمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنها سماع))(٢). فهو تدليس عمن لم يَرَهُمْ الراوي قط، ولم يسمع منهم، إذًا (١) جامع الأصول (١٦٧/١). (٢) جامع الأصول (١/ ١٧٠). ١٢٤ فـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) هي هذا القسم السادس من أقسام التدليس عند ابن الأثير. ثم نعود إلى إحدى حجج الحافظ ابن حجر، التي احتج بها على تفريقه المزعوم بين (التدليس) وما سماه بـ (الإرسال الخفي). فنقف مع الحافظ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك [عند ابن الحميري الفاسي، المعروف بـ ((ابن القطان)) (٦٢٨هـ)، وكتابه القطان الفاسي] العظيم (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام). قال أبو الحسن ابن القطان في (بيان الوهم والإيهام): ((التدليس يُعْنَى به: أن يروي المحدث عمن قد سمع منه، مالم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه، والفرق بينه وبين الإرسال: هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه. ولمَّا كان هذا قد سمع منه، جاءت روايتُه عنه ما لم يسمعه منه كأنها إيهامُ سماعهِ ذلك الشيءَ، فلذلك سُمِّي تدليسًا. وحُكْمُه الجوازُ، إذا كان الذي طَوَى ذِكْرَهُ ثقةً عنده، كالإرسال سواء))(١). هذا كلام ابن القطان، ومن كتابه نَقْتُ. وهو من مستندات الحافظ ابن حجر، ومن تابعه، على التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي)(٢). وبينما انتقد الحافظُ العراقي تعريفَ ابن القطان هذا لـ (التدليس)، لإيهامه اشتراط اللقي فيه (٣). تعقبه تلميذُه الحافظ ابن حجر برأيه في المسألة، وبتأييد كلام ابن القطان(٤). والظاهر من كلام ابن القطان الذي لا يُخالِفُ فيه مُتَجَرِّد، (١) بيان الوهم والإيهام لابن القطان (١٧٣/٢/أ). (٢) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦١٤ - ٦١٥، ٦٢٢، ٦٢٣)، وفتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١). (٣) انظر التقييد والإيضاح للعراقي (٩٧ - ٩٨). (٤) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٢ - ٦٢٣). ١٢٥ أنه ليس نصًا صريحًا على التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي). وتتجلّى عَدَمُ نَصِيَّتِهِ بأمور: الأول: أنه عَرّف التدليس، فذكر (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه) فقط، ولم يذكر صورةً أخرى. وهذا إنّما يُستفادُ منه حَضْرُ التدليسِ في هذه الصورة بناءً على مفهوم المخالفة، أو قُلْ: بناءً على مفهوم (الجَمْعِ والمنع): المُشْترطِ في التعاريف عند المناطقة. وهذا أو ذاك يَدُلأَّن على أن مفهوم الحَضْرِ في كلام ابن القطان ليس نصًا قاطعًا على الحَصْر. الثاني: أنه فرق في كلامه بين (التدليس) و(الإرسال)، ولم يقيد (الإرسال) بخفاء أو إيهام أو نحوهما. وقد تقدمت الإشارة إلى ما في هذا الإرسال لـ (الإرسال) من دلالة على أنه إنما يراد به (الإرسال الظاهر)(١)، وسيأتي - بإذن الله تعالى - مزيد بيان لذلك(٢). الثالث: أنه وإن كان جعل الفارق بين (التدليس) و(الإرسال) الذي قصده: أن الإرسال رواية الراوي عمن لم يسمع منه ... مع ذلك فإن مقالة (لم يسمع منه) تكون نصًا لو قال: (مع المعاصرة)، أما وهي كذا على إطلاقها، فهي تصح أن يكون مقصودًا بها عدم السماع مع المعاصرة أو مع عدمها. وهذه الأمور الثلاثة تؤثر في قوة دلالة كلام ابن القطان على ما أراده الحافظ ابن حجر، وفي أقل تقدير، فإن هذه الأمور الثلاثة تَنْزِلُ بدلالة كلام ابن القطان من أن يكون نصًا على ما أراد (١) انظر ما سبق (١١٢ - ١١٣). (٢) انظر ما سيأتي (١٦٤ - ١٦٦). ١٢٦ الحافظ، إلى أن تصبح دلالته ظاهرةً عليه فقط ... ولا يُنازِعُ في هذا التَّزُّلِ أحدٌ فيه مَوْضِعُ إنصافٍ! فإذا اتَّفَقْنَا على ذلك: فهل يصحُّ ضَرْبُ تلك النصوص القطعية المتكاثرة (السابقِ ذِكْرُها) بظاهرِ كلام إمام واحد؟! وقد نَصُّوا في (باب التعارض والترجيح) من أصول الفقه: أن الظاهر لا يُعَارِضُ النصَّ، لأن الظنيَّ الدلالة لا يُساوي قطعيها(١). والعمل حينها: إذا تعارض نصٍّ وظاهرٌ، في الشَّرْعِيَّات، أن نتأوّل الظاهرَ على غير ظاهرٍهٍ ليوافق النصَّ، وذلك لحُزْمة الشَّرْعِيَّات من كتابٍ وسنةٍ، ولبراءتها من وُرُودِ احتمالِ الخطأ عليها . أما في اختلافات الأئمة، التي نجزم فيها بصواب قولٍ وخطأ ما عداه، كما لو شَرَحَ صاحبُ اصطلاح واحدًا من مصطلحاته شَرْحًا وافيًا، فَشَاخَّهُ فيه عالمٌ آخر؛ فينبغيّ في مثل هذه الحالة أن نُحاوِلَ إيجادَ مَحْمَلِ لقولِ ذلك العالم المُخَالِفِ، ولو بنوعٍ من التأويل الصَّارِفِ للكلام عن ظاهره، ليوافق الحَقَّ والصوابّ في المسألة، وذلك من باب إحسان الظن بالعالم، وتَبْرِئةِ ساحته من مَعَرّةِ الخطأ الجلي. وإن لم نجد له محملاً، أعرضنا عنه، وأسقطناه، لشذوذه ومخالفته الحقَّ. واعتبرناها زلّة من عالم، نرجو له فيها الأجر، ونبسط له فيها العذر. هذا هو المنهج الصحيح الذي يُمْلِيهِ العقلُ السليم. وكلام ابن القطان، قد بينا أنه يحتمل موافقة أقوال من سبقه (١) انظر الفقيه والمتفقه للخطيب (٢١٥/١)، والمحصول للرازي (٢/٢/ ٥٣٢، ٦٠٢)، وشرح المنهاج للبيضاوي للأصفهاني محمود بن عبد الرحمن (٧٩١/٢ - ٧٩٢)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٤/ ٦٠٨)، والتعارض والترجيح للحفناوي (٥٠). ١٢٧ من الأئمة، بتلك المؤثرات الثلاثة على دلالته، فيتوجه حمل كلامه على ذلك المعنى، وإن كان ليس ظاهرًا فيه، لِمَا قرره (المنهج الصحيح، الذي يمليه العقل السليم). ثم إن تعريف ابن القطان لـ (التدليس)، يَصْرِفُهُ عن ظاهره المُؤْهِم للحَضْر، صارفٌ سوى مخالفته لنصوص الأئمة، يتلخص في: إغفاله نوعًا مُجمَعًا على تسميته (تدليسًا) وهو (تدليس الشيوخ). وإغفالُ ابنِ القطان لهذا النوع الذي هو نفسُه لا يخالف في تسميته (تدلسًا)، يدل على أن الحَصْرَ المُتوهَّمَ من تعريفه (التدليس) غيْرَ مُرَادٍ عنده ولا مقصود، وأن العبارة خرجت دلالتها مقصورة على المنطوق دون المفهوم. وقد تقدم بسط نحو ذلك في تعريف البزار لـ (التدليس)(١) حيث إن ابن القطان تبع البزار في تعريفه له، متأثرًا بألفاظه وحروفه، حتى كأنه منقول عنه، وقد قال الحافظ ابن حجر مقررًا ذلك: ((وابن القطان في ذلك متابع لأبي بكر البزار))(٢). ثم أمَّا بعد: فَلْيَتَعَلَّقْ من يَتَعَصَّبُ للحافظ ابن حجر بكلام ابن القطان وحده، وليفرح به! فإن لِمُخَالِفِهِ أن يتعلّق بأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري. ثم الحاكم، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم ممن سبقوا وممن سيأتي ذكرهم (إن شاء الله تعالى) بل لمُخالِفِهِ أن يتعلّق بالحقّ !!! ألا وإني - والله - ممن يتعصّب للحافظ ابن حجر، لكن الحق أحب إليَّ منه! وبعد أبي الحسن ابن القطان - رحمه الله - ينتهي ما أسميناه [عند ابن الصلاح] (١) انظر ما سبق (٨٩ - ٩١). (٢) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦١٥). ١٢٨ بالطور الأول لعلوم الحديث، إذ يَفْصِلُ بين الطورين، ويَبْدأ الطورُ الثاني، بمعاصرٍ لابن القطان، ألا وهو أبو عمرو ابن الصلاح وكتابه (معرفة أنواع علم الحديث). وكما كان ابن الصلاح فاتحَ (الطور الثاني)، فكذلك كان أولَ من فَتَحَ لـ (المرسل الخفي) بابًا في كتابه، وخصَّه بنوع منفرد من أنواع علم الحديث. إذ لم يفعل ذلك الحاكم أو الخطيب، ولا غيرهما ممن كتب في قواعد علم الحديث. سوى أن الخطيب أفرده بمصنَّفٍ سماه: (التفصيل لمبهم المراسيل) (١)، مع كونه لم يُلْمِح إليه (فَضْلاً من أن يَخُصَّه بِفَضْلٍ خاصّ) في كتابه (الكفاية) الجامع لعلوم الرواية . وابنُ الصلاح إنما يعوِّل على كتب الخطيب، وذلك أمر معلومٌ مشهور، سبق الكلام عنه في التوطئة التأصيلية لهذا الباب(٢) . فمستنده في إفراد (المرسل الخفي) بنوع خاص من أنواع علوم الحديث هو كتاب الخطيب فيه السابق الذكر، وقد صرح ابن الصلاح باسم كتاب الخطيب الذي صنفه في (الإرسال الخفي) في الفصل الذي عقده له(٣). بل ذِكْر ابنِ الصلاح هذا، هو المرجعُ في معرفة كتاب الخطيب وبعضٍ مضامينه، لأنه من كُتُبِ الخطيب التي لا نعرف عن مكان وجودها شيئًا. وقبل دراسة كلام ابن الصلاح في نوع (معرفة المراسيل الخفي إرسالها)، هذا الفصل الذي له الأهمية الكبرى، لأنه أوّل (١) علوم الحديث لابن الصلاح (٢٨٩). (٢) طُبعت بعد ذلك باسم: المنهج المقترح (ص ٢١٢). (٣) انظر علوم الحديث لابن الصلاح (٢٨٩). ١٢٩ من خص (الإرسال الخفي) بالذكر المستقل، في كتاب جامع لعلوم الحديث، ولأنه عمدة من جاء بعده. قبل ذلك: فإني سَأَفْجَأُ من سَلَّم للحافظ ابن حجر، حتى أصبح إِلفًا عنده أن لا يسمع إلا كلامَه، ولا يعتقدَ إلا رَأْيَه! أفجأَّهُ بتعريف ابن الصلاح لـ (التدليس). قال ابن الصلاح: ((تدليس الإسناد: هو أن يروي عمن لقيه مالم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه))(١). فتنبه إلى الشطر الثاني، وكيف أنه خصه بـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، وذلك في تعريفه لـ (التدليس) !! فلا يَدَّعي مُدّع بعد هذا، أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) عند ابن الصلاح ليست من (التدليس)، مستدلاً بأن ابن الصلاح أفرد (الإرسال الخفي): بنوع خاص منفصل عن (التدليس). فلا يدعي هذا المُدَّعِي - الذي لم يأتِ بَعْدُ - ذلك لأن ابن الصلاح أذَّنَ بأعلى صوته، أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليس). ولأن (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح لا يلزم أن يكون هو (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، كما زعم الحافظ ابن حجر. ولأن إفراد (الإرسال الخفي) أو غيره بنوع خاص في كتاب ابن الصلاح لا يلزم منه بالضرورة مُبَايَنَتُهُ للأنواع الأخرى، بل الشواهد على نَقْضٍ ذلك أشهر من أن تُذكر. كل ذلك أقولُه نافلةٌ، خَوْفًا من باطلٍ يُمَوَّهُ به على الحق! (١) علوم الحديث لابن الصلاح (٧٣). ١٣٠ فإذا رجعنا إلى الفصل الذي عقده ابنُ الصلاح لـ (الإرسال الخفي)، فإني سأذكره كاملاً، ثم أدرسه فقرةً فقرةً، لأهميته الکبری . قال ابن الصلاح: ((النوع الثامن والثلاثون معرفة المراسيلِ الخفيِّ إرسالُها هذا نوعٌ مُهُمِّ عظيمُ الفائدة، يُدرك بالاتساع في الرواية والجَمْع لطُرُقِ الأحاديث مع المعرفة التامّة. وللخطيب الحافظ فيه كتابُ (التفصيل لِمُبْهَمِ المراسيل). والمذكور في هذا الباب: منه ما عُرف الإرسال بمعرفة عدم السماع من الراوي فيه، أو عدم اللقاء، كما في الحديث المروي عن العوّام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: ((كان النبي وَلِقو إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض وكبر))(١). روي فيه عن أحمد بن حنبل أنه قال: ((العوام لم يلق ابن أبي أوفى)). ومنه ما كان الحُكْمُ بإرساله مُحالاً على مجيئه من وجه آخر بزيادة شخصٍ واحدٍ أو (١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢٣٣/٢)، في ترجمة الحجاج بن فروخ التميمي الواسطي، من طريقه عن العوام بن حوشب، عن عبد الله بن أبي أوفى، والحجاج بن فروخ منكر الحديث، ضعفه جماعة، انظر لسان الميزان (١٧٨/٢ - ١٧٩). ١٣١ أكثر في الموضع المُدَّعَى فيه الإرسال، كالحديث الذي سبق ذكره في النوع العاشر (١) عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق، فإنه حُكِمَ فيه بالانقطاع والإرسال بين عبد الرزاق والثوري، لأنه روي عن عبد الرزاق قال حدثني النعمان بن أبي شيبة الجَنَدِي عن الثوري عن أبي إسحاق. وحُكم أيضًا فيه بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق، لأنه رُوي عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق))(٢) (٣). وزادت إحدى نُسَخ كتابٍ ابن الصلاح مِثَالاً آخرٍ، أَخَلَّتْ به بعضُ طبعاته (٤). فقد جاء في إحدى النسخ الموثوقة لكتاب ابن الصلاح، عقب المثال الثاني، أنه قال: ((وما رواه بكر بن بكّار وغيره، عن المسعودي عن عبد الكريم بن مالك الجزري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن (١) وهو حديث: ((إن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا، راغب في الآخرة، وفي جسمه ضعف، وإن وليتموها عمر، فقوي أمين ... الحديث)). (٢) أخرجه البزار. انظر كشف الأستار عن زوائد البزار (رقم ١٥٧٠)، والحاكم في المستدرك (٧٠/٣، ١٤٢)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (رقم ٤٠٥)، وأخرجه أيضاً وتكلم عن علله الحاكم في معرفة علوم الحديث (٢٨ - ٢٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦٤/١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣٠٢/٣). (٣) علوم الحديث لابن الصلاح (٢٨٨ - ٢٩١). (٤) أخلت بهذه الزيادة الطبعة المعتمدة في بحثي هذا، وهي الطبعة الثالثة بتحقيق نور الدين عتر، واستدركته طبعة بتحقيق آخر، ستأتي عند توثيق النص. ١٣٢ علي: ((أمرني رسول الله وَّر أن أتصدّقَ بلحوم البُذْنِ(١) وَجِلَالِها(٢) وجُلودِها))(٣). فهذا قد حُكِمَ فيه بالإرسال بين عبد الكريم الجَزَري وابن أبي ليلى، وبأن بينهما مجاهدًا، ولأن ابن عيينة وإسرائيل بن يونس، وغيرهما رووه عن عبد الكريم، عن مجاهد عن ابن أبي لیلی»(٤). هذا هو كلام ابن الصلاح بفَصِّه ونصِّه في هذا النوع. ولعل أهم ما يفتقده الناظر في كلامه: خُلُوَّهُ من تعريف لـ (الإرسال الخفي)! وظاهرٌ أنْ مُلَخَّصَ ما جاء في كلامه عنه: التنويهُ بجليل قَدْرِ هذا النوع، ثم بكتابٍ الخطيب فيه، ثم ذِكْرُ طريقتين لمعرفته واكتشافه، مع مثالٍ للطريقة الأولى، ومثالين للثانية ... هذا كُلُّ ما جاء في الفَصْلِ الذي أفرده ابنُ الصلاح لـ (الإرسال الخفي). ومع خُلُوٌ نوع (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح من تعريفٍ (١) البُدْنُ جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي: اسم يقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (١٠٨/١). (٢) جِلال وإجلال، مُفردُها: الجُلّ والجَلّ، وهو: ما تلبسه الدابة لتصان به. انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي (جلل) (١٢٦٤). (٣) أخرجه البخاري (رقم ١٧١٦، ١٧١٧)، ومسلم (رقم ١٣١٧)، كلاهما من طريق عبد الكريم الجزري، وغيره، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن علي. (٤) مقدمة ابن الصلاح، بتحقيق عائشة بنت عبد الرحمن (بنت الشاطيء)، الطبعة الثانية (٤٨٣ - ٤٨٤). ونَصّتْ المحققة على خُلُوٌّ الأصول الخطية للكتاب من هذه الزيادة، سوى أصل واحد رمزت له. وبالرجوع إلى مقدمتها لتحقيق الكتاب، تبين أن ذلك الأصل أصل موثوق، انظر مقدمة التحقيق (١٢٢ - ١٢٨). ١٣٣ له، إلا أن الأمثلة التي ذكرها في هذا النوع، يُمكن من خِلال دراستها استنباطُ مقصودِ ابن الصلاح من هذا العنوان، وتَبَيُّنِ ملامح (الإرسال الخفي) في ضَوْئها. فالمثال الأول: يظهر من دراسته أنه رواية مع عدم المعاصرة، لأن كلام الإمام أحمد الذي نقله ابن الصلاح فيه بقية تدل عليه. فقد قال الإمام أحمد: ((العَوَّام لم يلق ابن أبي أوفى، أكبر من لقيه سعيد بن جبير، إن كان لقيه؟! وهو يروي عنه وعن طاووس)»(١). فواضح من كلام الإمام أحمد أنه إنما ينفي سماعَ العوام من عبد الله بن أبي أوفى، لأنه يستصغر العوامَ عن لقائه، ويستدلُ الإمام أحمد على صِغَرِ سِنْ العوام دون إدراكه عبد الله بن أبي أوفى: بأن أكبر شيخ للعوام هو سعيد بن جبير، ثم يُشَكُّكُ الإمام أحمد في صحة لقائه بسعيد أيضًا. ومع اختلاف طبقة عبد الله بن أبي أوفى - حيث إنه صحابي رضي الله عنه - عن طبقة سعيد بن جبير، فإن بين وفاة عبد الله بن أبي أوفى سنة سبع وثمانين، ووفاةٍ سعيد بن جبير سنة خمسٍٍ وتسعين ... بين وفاتّيهما ثمانٍ سنين، فإذا كان الإمامُ أحمدٌ يَشُكّ في لقائه سعيدًا ويستصغره فيه، فهو في عبد الله بن أبي أوفى جازِمٌ بعدم إدراكه إياه. وهذا لا يعارضه قول ابن حبان في (مشاهير علماء الأمصار) عن العوام بن حوشب: ((ممن لا يَضْغُرُ عن لُقِيِّ الصحابة، ولا يصحُّ ذلك له))(٢). فهذا عند التحقيق لا يُخالف ما قررناه من كلام الإمام أحمد (١) جامع التحصيل للعلائي (رقم ٥٩٦)، وتحفة التحصيل لأبي زرعة العراقي (١٨٠/أ). (٢) مشاهير علماء الأمصار لابن حبان (رقم ١٣٩٨). ١٣٤ في عدم إدراك العوام لعبد الله بن أبي أوفى، لأن العبرة بالإدراك والمعاصرة إنما تكون في زمنٍ يُمكن الراوي فيه طلبَ العلم والتأهُّلِ لحَمْلِهِ، ولا عبرة بالمعاصرة التي لم تكن إلا في طفولة الراوي وقبل طلبه للعلمَ وسماع الحديث. ولذلك نقل بدرُ الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة (٧٣٣هـ) في كتابه (المنهل الرَوِيّ) كلمةَ الإمام أحمد بلفظٍ يَنُصُّ فيه الأمامُ أحمد على عدم المعاصرة بين العوام وابن أبي أوفى. قال ابنُ جماعة: ((قال أحمد بن حنبل: العوام لم يُدرك ابنَ أبي أوفى))(١). فلا أدري؟ أهي روايةٌ أخرى عن الإمام أحمد، اطَّلَعَ عليها ابنُ جماعة؟ أم هي الرواية بالمعنى؟! فإن كانت الأولى: فهي ... هي! وإن كانت الثانية: فيكفيني أني وافقتُ ابنَ جماعة على فَهْمِهِ لكلام الإمام أحمد! ولهذا فإني وصفت المثال الأول الذي ذكره ابن الصلاح: بأنه رواية مع عدم المعاصرة. وأمَّا المثال الثاني: فعَلَى النقيضِ من المثال الأول، حيث إنها (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه)، وهو تعريف (تدليس) عند الحافظ ابن حجر !! وأترك البَتَّ فيه لأبي عبد الله الحاكم، حيث قال في (معرفة علوم الحديث): عن الحديث الذي ذكره ابنُ الصلاح في هذا المثال: ((سماعُ عبد الرزاق من سفيان الثوري واشتهارُهُ به معروفٌ، وكذلك سماعُ الثوريِّ من أبي إسحاق واشتهارُهُ به (١) المنهل الروي لابن جماعة (٤٦). ١٣٥ معروفٌ، وفيه انقطاعٌ في موضعين: فإن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري والثوريَّ لم يسمعه من أبي إسحاق ... ))(١). قلت: فهذا هو (التدليس) الذي لا خلاف في أنه (التدليس). مع ذلك يذكره ابن الصلاح في نوع (معرفة المراسيل الخفي إرسالها) !! وأمَّا المثال الزائد على بعض طبعات كتاب ابن الصلاح، وهو المثال الثالث كما مرَّ آنفًا: فإنه مِثَالٌ لـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه). حيث إن عبد الكريم الجزري توفي سنة سبع وعشرين ومائة، ورأى أنس بن مالك(٢)، فمعاصرته لعبد الرحمن بن أبي ليلى المتوفى سنة ثلاث وثمانين(٣) مُخْتَمَلَةٌ، لعدم تَبَاعُدٍ ما بين وفاتيهما تباعُدًا غير معتادٍ بين الشيوخ وتلاميذهم. ولإثبات أن أربعًا وأربعين سنة بين وفاة روايين تَعْني معاصرةً تَحْتَمِلُ اللقاءَ والسماعَ، أوقفك على موقفٍ غريبٍ يدلُّ عليه. فقد اختلفَ الأئمةُ في سماع أبي سلمة بن عبد الرحمن من طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فنفى سماعَه منه غيرُ ما واحدٍ من الأئمة: كيحيى بن معين، وعلي بن المديني(٤). بينما أخرج ابنُ حبان في (صحيحه) حديثًا لأبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله، ثم قال عقبه: ((مات أبو سلمة سنة أربع (١) معرفة علوم الحديث للحاكم (٢٩). (٢) التهذيب (٣٧٤/٦ - ٣٧٥). (٣) التهذيب (٢٦١/٦). (٤) انظر تحفة الأشراف للمزي (رقم ٥٠١٧)، والتهذيب لابن حجر (١٢/ ١١٧). ١٣٦ وتسعين، وقُتِل طلحةُ سنةً ستٍ وثلاثين يومَ الجَمَل))(١). فلسان حال ابن حبان يقول: مع أن بين وفاتيهما ثمانيًا وخمسين سنة، فإني أَصَحِّحُ سماعَ أبي سلمة من طلحة رضي الله عنه . قصدتُ من ذكر هذه المسألةِ المعترضة، أن أُبَيِّنَ أن أربعًا وأربعين سنة، كالتي بين وفاتي عبد الكريم الجزري وعبد الرحمن بن أبي ليلى، تعني أن بينهما معاصرةً تَحْتَمِلُ اللقاءَ والسماع. مع ذلك يقول ابن عبد البر عن عبد الكريم الجزري: ((لم يَلْقَ عبدَ الرحمن بنَ أبي ليلى))(٢). ويقول أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي (٧٤٢هـ) في (تهذيب الكمال)، عن ابن أبي ليلى: ((روى عنه عبد الكريم الجزري، والصحيح أن بينهما مجاهدًا» (٣) إذًا فروايةُ عبد الكريم الجزري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (رواية معاصر عمن لم يلقه). فهذا المثال لـ (الإرسال الخفي) وحده، من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح له، هو الذي ينطبق عليه تعريف المتأخرين لـ (الإرسال الخفي)، دون المِثَالَيْنِ الآخَرَيْنِ ... وهذا موطن استغراب !! ويبلغ الاستغراب غايته بتذكُّرٍ ما يتضمّنُهُ (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح، وذلك باستحضار الصُّوَرِ التي سبق شَرْحُها من دراستنا للأمثلة التي ذكرها .. فإذا هي: (١) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (رقم ٢٩٨٢). (٢) التمهيد لابن عبد البر (٦٣/٢٠). (٣) تهذيب الكمال (٨١٣/٢). ١٣٧ ١ - رواية الراوي عمن لم يعاصره: الإرسال الظاهر. ٢ - ورواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه: التدلیس. ٣ - ورواية المعاصر عمن لم يسمع منه: وهي التي يسميها الحافظ ابن حجر بـ (الإرسال الخفي)، ويسميها ابن الصلاح (والأئمة قبله وبعده) مع الصورة السابقة: (تدليسًا) !!! فَأَمْعِنِ النظرَ - رعاك الله - في هذه النتيجة، مُتجرِّدًا من كُلٌ إِلْفِ عِلْمِيّ، أو مَيْلِ قلبي. ولا تَسْتَجْرِيَنَّكَ عادةٌ أَلِفْتَهَا، ومَقَالَةٌ لُقُنْتَهَا، وطائفةٌ تَقَلَّدْتَهَا !!! فكلام ابن الصلاح فيه من القوة ما هو كفيل بزعزعة كلّ الحقائق الوهمية، وفَضْح كل قولٍ أُسْدِلَ عليه ستارُ القُدْسيّة المُدَّعى. إن قوة كلام ابن الصلاح هنا، تنبع من عدة منابع، وهي: بعد التسليم له بالإمامة، وبالتقدُّم والقُرب من زمن كبار أئمة المحدثين، بالنسبة لمن جاء بعده، فإنه أيضًا المُطَّلِعُ على كُتب الخطيب البغدادي المُعوِّل عليها. وقد صرّح ابنُ الصلاح في تقديمه لـ (الإرسال الخفي) بتصنيف الخطيب فيه، فهو حجته في إفراده بالذكر أولاً، وهو مُعْتَمَدُهُ فيه كباقي الأنواع ثانيًا. وهذا يُكسب كلامَ ابن الصلاح مَيْزةً ليست لغيره، وقوةً لا تقاربها قوة، لاعتماده على كتب الخطيب. فالخطيبُ فوق أنه صاحبُ منهج صحيح في التعريف بمصطلحات القوم، كما سبق شرحه في الْتوطئة التمهيدية (١)، ومع ذلك ((لا شُبْهَةَ عند كل (١) انظر المنهج المقترح (١٩١ - ١٩٦). ١٣٨ لبيب، أن المتأخرين من أصحاب الحديث، عيالٌ على أبي بكرٍ الخطيب))(١)، كما قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني ابن نقطة الحنبلي (ت٦٢٩هـ) في (تكملة الإكمال) و(التقييد لرواة السنن والمسانيد). وكما كان الخطيب (همزةَ وَصْلٍ) بين المتقدمين ومن جاء بعده، حتى كانوا عيالاً عليه، كذلك صار ابنُ الصلاحِ عُمْدَةً من تأخّر عنه. ولئن خرج بعضُ من لَحِق ابنَ الصلاح عن رأيه في مسألةٍ ما، فلن يخرج عنه في معرفة (الإرسال الخفي) خاصّةً. وخصصتُ (الإرسال الخفي) بذلك لأن كتب علوم الحديث بعد ابن الصلاح، تكادُ تُعْلِنُ افتقارَها في باب (المرسل الخفي) إلى كتاب ابن الصلاح. ففوق أن كتابَ ابنِ الصلاحِ عُمْدَةُ من جاء بعده عمومًا في علوم الحديث، فإن كتابه أيضًا أولُ كتابٍ أفرد (الإرسال الخفي) بنوع منفرد. فلن يكون من أفرد (الإرسال الخفي) بنوع خاص، ممن جاء بعد ابن الصلاح، إلا مُتَّبِعًا له، محتجًّا به في ذلك. لأنه لم يَسْبِقِ ابنَ الصلاح على ذلك الإفراد لـ (الإرسال الخفي) أحدٌ، أصلاً، حتى يكون لَمن جاء بعد ابن الصلاح مُعْتَمَدْ سواه. وكما كان إفرادُ ابن الصلاح لـ (الإرسال الخفي) بنوع خاص، ليس دليلاً على مفارقته عن (التدليس) كما سبق شرحه، فكذلك يكون من تابعه .. بل من قلّده! ولا يقال: لعل مَنْ جاء بعد ابن الصلاح اطّلع على كتاب (١) تكملة الإكمال لابن نقطة (١٠٣/١)، والتقييد له (١٥٤). ١٣٩ الخطيب: (التفصيل لمبهم المراسيل)، فكان ذلك الاطلاعُ هو الحامِلُ لهم على إفراد (الإرسال الخفي) بنوع منفرد، وتمييزه عن غيره من الأنواع، لتغايره عنها. لا يقال هذا: أولاً: لأن ابن الصلاح أولى الناس بالاطلاع على كتاب الخطيب، لتقدمه على مَنْ جاء بعده وقُرْبه من زمن الخطيب، ولاعتنائه الكبير الشهير بكتب الخطيب، ولتنصيصه باسم كتاب الخطيب في أول (نوع الإرسال الخفي)، كالمُظْهِرِ للحُجّةِ في ذِكرِهِ لهذا النوع! وابنُ الصلاح هذا، المُطَّلِعُ على كتاب الخطيب (غالبًا)، المُفْرِدُ لـ (الإرسال الخفي)، بل وأوّل مَنْ أفرده، لم يكن هذا الإفرادُ عنده لتمييزه (الإرسال الخفي) عن (التدليس)؛ بل لقد كان (التدليسُ) أحدَ أقسام (الإرسال الخفي) عند ابن الصلاح، كما سبق شَرْحُ کلامه. فكيف يكون الاطلاعُ على كتاب الخطيب قائدًا إلى تفريق (الإرسال الخفي) عن (التدليس)، أو إلى تمييز الإرسال الخفي عن غيره من الانقطاعات الخفية. وهذا ابن الصلاح، أولى الناس بالاطلاع على كتاب الخطيب، لم يقدْهُ ذلك إلى ذلك؟ !! ثانيًا: أن الذين جاؤوا بعد ابن الصلاح متابعون له، حتى في أمثلته التي ذكرها لـ (الإرسال الخفي)، ومنها: ذكر مثال للتدليس وللإرسال الظاهر ضِمْنَ نوع (الإرسال الخفي) !! ثالثًا: أن بعض جِلّةٍ من جاء بعد ابن الصلاح، صرّحوا بأنهم مقلدون له التقليدَ التام، في إفراده (الإرسال الخفي) بنوع خاص. كما فعل الحافظ العراقي في (التبصرة والتذكرة)، وسيأتي ١٤٠