النص المفهرس
صفحات 101-120
المعاصرة أشبه! بل هي عدمُ معاصرةٍ حُكْمًا، وإن لم تكن كذلك تمامًا في الحقيقة !! ويدل على أن هذا القسمَ الأول من كلام الخطيب كُلَّه عن صورة الرواية مع عدم المعاصرة - حقيقةً أو حُكمًا - رُغْمَ قولٍ الخطيب: ((أو لم يلقه)) أنه ضرب لهذا القسم بأمثلة، ولا شك أن الأمثلة يَجِبُ أن تكون منطبقةً على المُمَثَّلِ بها عليه، وهي (ولا شكَّ) كذلك في كلام الخطيب، مع ذلك يقول الخطيب عقبها: ((فهذه روايات مِمّن سَمَّيْنَا عَمّن لم يُعَاصِرْهُ)). فهذا جَازِمٌ على أن القسمَ الأولَ في كلام الخطيب، الذي عبّر عنه بقوله: ((رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه)) ((رواياتٌ ممن سمَّى عمن لم يعاصره)) سواء كان عدمُ المعاصرة: حقيقةً أو مجازًا وتَسَمُحًا. فَدلّنا كلامُ الخطيبِ هذا الذي خَتَّمَ به الأمثلة الأولى أنه أراد بهذا القسم الكلام عن صورة (الإرسال الظاهر)، لا (الإرسال الخفي). ويجزم بذلك أيضًا أن الخطيب خص (الإرسال الخفي) بِقِسْم من كلامه، هو القِسْمُ الثاني منه، عندما قال: ((وأما رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه)) ثم ذكر له أمثلة خاصة به سوى الأمثلة الأولى، وذكر حُكمه، مِمَّا يدل دلالة قاطعةً على أن (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه) قِسْمٌ مباين لـ (رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه). وبذلك يتّضحُ أن القسمَ الأول من كلام الخطيب، في قوله: (رواية الراوي عمن لم يعاصره، أو لم يلقه)) يتناول صورة (الإرسال الظاهر) لا غير. وبقي التدليل على صحة المعنى الذي ذكرناه لقول الخطيب في هذا القسم: ((أو لم يلقه)) أنه يعني: رواية الراوي عمن عاصره معاصرة هي وعدم المعاصرة سواء، لأننا نجزم بعدم اللقاء مع ١٠١ حصول هذه المعاصرة، أو كما عَبّرنا عنها: بعدم المعاصرة حُكمًا ومجازًا وتَسَمُّحًا لا حقيقة. وللتدليل على ذلك ننظر في الأمثلة التي ذكرها الخطيب لهذا القسم، وواضحٌ أن الأمثلة التي ذكرها الخطيب ذاتُ شِقَّيْنِ. فالشِّقُّ الأول: هو الذي في قول الخطيب: ((نحو رواية سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، ومحمد بن المنكدر، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وغيرهم من التابعين: عن رسول الله وَليت)). فهذا هو (الإرسال الظاهر) ولا شك، وهو (الإرسال) المطلَقُ كما هو معلوم، فهو رواية التابعين عن رسول الله وَ له أي: رواية مع عدم المعاصرة، وعدم الإدراك .. البَيِّنِ عدمُه. والشّقُّ الثاني: هو قول الخطيب بِذَيْلِ آخرِ كلمة من الشِّقِّ الأول: ((وبمثابته في غير التابعين: نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ورواية حماد بن أبي سليمان عن علقمة، فهذه كلها روايات ممن سمينا عمن لم یعاصروه)). فإِذا تَمَعّنًا هذه الأمثلة الثلاثة، التي عَقّبها الخطيبُ بقوله: ((فهذه كلها روايات ممن سمينا عمن لم يعاصروه)) وجدنا أن معاصرةً ما .. مُتحقّقةٌ بين من ذكرهم الخطيب ومن رَوَوْا عنه !! فأما عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فمولده حدود سنة ثمانين(١)، بينما كانت وفاة عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة سنة أربع وتسعين(٢)، وعلى ذلك يكون قد أدرك منه أربع عشرة سنة. (١) انظر التقريب (٤١٩٣). (٢) انظر التقريب (٤٣٠٩). ١٠٢ وأما مالك بن أنس فمولده سنة ثلاث وتسعين(١)، ووفاة القاسم بن محمد سنة ست ومائة (٢)، فيكون مالك قد أدرك من القاسم ثلاث عشرة سنة، عاصره فيها. وأمّا حماد بن أبي سليمان، فلم أجد له تاريخ ولادة(٣). لكن حمادًا أكبر أصحاب إبراهيم النخعي(٤)، وإبراهيم النخعي أكبر أصحاب علقمة بن قيس النخعي(٥)، فعلقمة من طبقة شيوخ شيوخ حماد بن أبي سليمان. ثم إن أكبر من روى عنه حماد بن أبي سليمان هو أنس بن مالك رضي الله عنه(٦)، وأنس وإن كان صحابيًا فقد تأخرت وفاته عن علقمة بحوالي عشرين سنة (٧). هذا كله يدل على أنه لم يسمع من علقمة، لكنه لا ينفي حُصولَ معاصرةً قصيرةٍ بين حماد وعلقمة، كالمِثَالَيْنِ السابقين له. وعلى كل حال ... فقد عَلِمْتَ تَحَقُّقَ المعاصرة بين ابن جريج وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وبين مالك بن أنس والقاسم بن محمد. مع ذلك يقول الخطيب: ((فهذه كلها روايات ممن سَمَّيْنَا عمن لم يعاصروه)) !!! مع تحقّقِ المعاصرة بين بعض من سمّاهم الخطیب !! هذا إشكال !! سرعان ما يزول .. إذا وَضَعْتَ التفسيرَ الذي ذكرناه لقول الخطيب أمام عينيك، وهو قوله: ((رواية الراوي عمن ، (١) انظر التقريب (رقم ٩٤٢٥). (٢) انظر التقريب (رقم ٥٤٨٩). (٣) انظر سير أعلام النبلاء، ومصادر ترجمته في حاشيته (٢٣١/٥ - ٢٣٩). (٤) سير أعلام النبلاء (٢٣١/٥ - ٢٣٩). (٥) انظر أحسن الأسانيد التي تروى عن رسول الله وَل للنسائي (٦٧)، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٥٤، ٥٥)، والكفاية للخطيب (٤٣٧). (٦) سير أعلام النبلاء (٢٣١/٥). (٧) انظر التقريب (رقم ٥٦٥، ٤٦٨١). ١٠٣ لم يعاصره، أو لم يلقه، في تقديمه لهذا القسم والأمثلة. ذلك التفسير الذي وَفَّقَ بين (وجود المعاصرة) و(عدم وجودها) في آنٍ واحد! كما وقع في إشكال كلام الخطيب. وقلنا في ذلك التفسير: إن الخطيب أراد أن يتكلم في هذا القسم عن (الإرسال الظاهر). و(الإرسال الظاهر) يكون بعدم المعاصرة، كما يكون أيضًا بمعاصرة لا تُوهِمُ السماعَ، لشدّةٍ قِصَرٍ زمانها، في فترة طُفولة الراوي، وربما في فترة عدم تمييزه. فهذه المعاصرة هي وعدم المعاصرةِ سواءٌ حُكْمًا، فهي عدم معاصرة مَجازًا. وبذلك نجمع بين قول الخطيب: ((رواية الراوي عمن لم يعاصره، أو لم يلقه)) فنفهم معنى قوله: ((أولم يلقه)) ونجمعها بضربه أمثلةً مع عدم المعاصرة ومع معاصرة قصيرة، وبقوله عقب الأمثلة بقسميها: ((فهذه كلها روايات ممن سمينا عمن لم یعاصروه)». فيتضح - وضوحَ الحقِّ الصُّراح أن الخطيب يُريد بهذا القِسْمِ من كلامه: (الإرسال الظاهر) لأنه روايةٌ مع عدم المعاصرة، حقيقةً أو حُكمًا. وبهذا نكون قد انتهينا من بيان القسم الأول من كلام الخطيب، ونبدأ ببيان بقية ما تناوله كلامه: فالقسم الثاني في كلام الخطيب: هو المبدوء به بقوله: ((وأما رواية الراوي عمن عصره ولم يلقه)) وهذه هي صورة (الإرسال الخفي) كما عرَّفه المتأخرون وبألفاظهم التي ذكروها في تعريفه . ولاحِظْ تقديم هذه الصورة بحرف (أمَّا) الذي هو حرف يفيدُ (التفصيل) غالبًا(١)، وهو هنا يفيده قطعًا، لدلالة الكلام عليه، كما هو ظاهر. (١) انظر مغني اللبيب لابن هشام (٨٠ - ٨٢). ١٠٤ وهذا يؤكد أن هذه الصورة قسم جديد سوى الصورة السابقة، مما يجزم بعدم دخول هذه الصورة ضمن سابقتها، كما ذكرناه آنفًا . والقسم الثالث من كلام الخطيب: هو قوله: ((من أرسل حديثًا عن شيخ لقيه إلا أنه لم يسمع ذلك الحديث منه، وسمع ما عداه)) فهذه صورة التدليس، الذي اتفق عليه المتقدمون والمتأخرون بلا منازع: (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه). هذه هي أقسام كلام الخطيب وصوره الثلاثة، التي تضمّنها ذلك السياقُ الواحد، والقِسْمُ الثالث الأخيرُ منها هو الذي قَصُرَ عنه نَقْلُ الحافظ لكلام الخطيب، فلم يذكره. ونعود إلى احتجاج الحافظ ابن حجر بكلام الخطيب، ووجه ذلك الاحتجاج لِنُمَهِّدَ به الطريق للقول المخالِفِ. وظاهرٌ من كلام الحافظ ابن حجر أنه احتجّ بكلام الخطيب على التفريق بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس). لأن الخطيب قال في أول كلامه: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس ... ثم ذكر الخطيب بقية الكلام على التفصيل الذي سبق شرحه. ثم يزيد الأمر تعقيدًا عندما يحتجُّ الحافظ بأن الخطيب ذكر (رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه) و(رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه)، ثم عَقَّبها بقوله: ((والحكم في الجميع عندنا واحد)»، إذًا فالإرسال الظاهر والإرسال الخفي ... كلاهما داخِلٌ في قول الخطيب الذي قدم به كلامه: ((أن إرسال الحديث الذي لیس بمدلس». ويتلخّص احتجاج الحافظ ابن حجر بكلام الخطيب في وجهين : ١٠٥ الأول: دلالة السياق، الذي قدمه الخطيب بقوله: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس)). الثاني: تصريح الخطيب بتشريك (رواية المعاصر عمن لم يلقه) مع (رواية الراوي عمن لم يعاصره) في حكم واحد. وهنا أوَانُ تفنيدِ هذا الاحتجاج: أما احتجاجه بالسياق: فيبطله أمران، كلُّ واحد منهما كَفيلٌ وحده بذلك: الأول: ويَكْمُنُ في الجُزْءِ الذي حذَفَهُ الحافظُ ابنُ حجر من بقيّة سياق كلام الخطيب، وهو القسم الأخير منه، الذي هو صورة (التدليس) بالاتفاق. فإذا كان الحافظ يحتج بذكر (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في سياق قدَّم بقول الخطيب: ((إن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس»، فَلْيَخْتَجَّ الحافظ ابن حجر بدلالة هذا السياق أيضًا عندما ذكر الخطيب فيه (رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه)! وهذا ما لا يكون ... ولن يكون! لأنه بذلك يكون جامعًا النقيضين في آن واحد، وقائلاً بالشي وضدِه !! إذ يكون معنى الاستدلال بالسياق الذي قُدْمَ بقول الخطيب: ((إن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس)) على أنَّ كل الصور المذكورة في ذلك السياق داخلةٌ ضِمْن هذا القول، فيكون معنى ذلك: أن (التدليس) (إرسال) ليس بـ (تدليس) !!! وهذا قولٌ تكفي حكايته لبيانِ بُطلانهِ! الثاني: أن الحافظ قصَرَ دلالةَ السياق على أنها دلالةُ تفريق بين (التدليس) وأنواع أخرى كـ (الإرسال الظاهر) و(الخفي)، مُختجًا بقول الخطيب في أوَّل كلامه: ((إن إرسال الحديث الذي لیس بمدلس». ونسي الحافظ ابن حجر أن للسياق دلالةً أخرى، هي بعنوان ١٠٦ الباب الذي وُضعت تحته ألصق، فعنوانُ الباب: («باب الكلام في إرسال الحديث ومعناه، وهل يجب العمل بالمرسل أم لا)). وهذا العنوان يشمل شِقَّيْن: التعريفَ، والحُكْمَ. وكذا شَمِل كلامُ الخطيب كلا الشِّقَّيْنِ فعَرَّفَ الإرسالِ الظاهرَ، ثم انتقل إلى بیان حكمه. فالسياقُ الذي ذكر فيه الخطيبُ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) سياقُ بيانِ الحُكْم، لا سياقَ التعريف والتفريق بينه وبين (التدليس). وعلى أقل الأحوال، فيَعْتَوِرُ دلالة السياق وجهان، ليس أحدُهما بالأولى من الآخر، هذا فيما إذا قُصِرَ النظرُ على هذه النقطة وحدها، أمَّا إذا اتّسعَ النظرُ لما سبق من التوضيح والردّ وما سيأتي .. فلا! هذا بُطلان دلالة السياق. أمَّا بُطْلانُ دلالةِ تَشْرِيكِ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بِحُكْم (رواية الراوي عمن لم يعاصره) فهي أسهل من سابقتها، وفي سابقتها إشاراتٌ إلى بُطلانها. ذلك أن الحافظ فسَّر الحُكْمَ تفسيرًا غريبًا، وهو الحُكْمُ الذي ورد في قول الخطيب عَقِب (رواية المعاصر عمن لم يلقه): ((والحكم في الجميع عندنا واحد)). ذلك أن الخطيب ذكر (الإرسال الظاهر) مُقدِّمًا إياه بقوله: ((إن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس))، ثم ذكر (الإرسال الخفي) وقال: ((والحكم في الجميع عندنا واحد)). ففهم الحافظ أن الحُكْمَ الذي جمعهما: أنهما من (إرسال الحديث الذي ليس بمدلس). ويُبْطِلُ هذا الفهم، ويُسقطه تمام السقوط، الجُزْءُ الذي حَذَفَهُ الحافظ ابن حجر من كلام الخطيب أيضًا !! فقد قال الخطيب ١٠٧ عقب (رواية المعاصر عمن لم يلقه) كما سبق: ((والحكم في الجميع عندنا واحد، وكذلك الحُكم فيمن أرسل حديثًا عن شيخٍ لقيه إلا أنه لم يسمع ذلك الحديث منه، وسمع ما عَدَاه)). فهاهو الخطيبُ يُصرّحُ أن الحكم الذي يجمع ((الإرسال الظاهر)) و((الإرسال الخفي))، يجمع أيضًا ((التدليس))، الذي هو (تدليسٌ) بالإجماع. فهل يكون معنى هذا (الحكم): التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الظاهر) و(الخفي)، إذًا فالخطيب يُفَرِّقُ بين (التدليس) و(التدليس) !!! وهذا قول يكفي لبيان بُطْلانه حكايتهُ أيضًا! وهنا يلوح سؤال: إذًا .. فما الحكمُ الذي يَجْمَعُ (روايةَ الراوي عمن لم يعاصره) بـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بـ (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه)؟ أو بعبارة أخصر: ما هو مقصود الخطيب من (الحُكم) الذي شَمِلَ الصُّوَرَ الثلاثة؟ فأقول، وبِنَظْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ عن عنوان الباب: إن الحكم الذي يشمل الصور الثلاثة هو: الانقطاع، فعدم القبول. فإذا تذكّرنا أن عنوان الباب جاء في شِقِّه الثاني: ((وهل يجب العمل بالمرسل أم لا؟)) تَيَقَّنًا أن (عدم القبول) و(عدم العمل) بـ(المرسل الظاهر) و (التدليس) هو الحكم المراد في كلام الخطيب، وهو الحكم الذي شمل صُوَرَ الانقطاع الثلاثة التي ذكرها. وهنا يلوح سؤال آخر: ما الذي يَتَناوَلُهُ؟ وما الذي لا يتناولُهُ؟ قولُ الخطيب: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسالَ الحديثِ الذي ليس بمدلَّس ... ))؟ وما الدليل على ما تقول؟ فأجيب: إنه لا يتناول إلا الصورة الأولى، وهو القسمُ الأول ١٠٨ من كلام الخطيب، فقد قال الخطيب: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس، هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه)) وقد بينا أن القسم الأول هذا هو (الإرسال الظاهر) فـ(الإرسال الظاهر) هو (إرسال الحديث الذي ليس بمدلس). أمّا (رواية المعاصر عمن لم يلقه) فلا يشملها قولُه: ((إن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس))، بأدلة: ١ - أنه لا دليل في كلام الخطيب على تناولها بذلك القول، فلا دلالةُ السياق، ولا دلالةُ التَّشْرِيك في الحُكم، قائمةٌ على إثبات ذلك. بل كما سبق: فإن دلالة السياق مُنْخَرِمَةٌ، وهي على إثبات النقيض أقرب، ومثلها دلالة التشريك في الحكم. فلذلك: لا أُطَالَبُ أنا بالدليل، وإنما يُطَالَبُ به من زعَمَ ما لا دليل عليه. ٢ - والحجة الدامغة، والبرهان الساطع، هو ما كنا قد قَدَّمْنا به كلامنا عن موقف الخطيب من هذه المسألة، أعني تعريفَ الخطيب للتدليس، ذلك التعريف الذي لا تتردّد في فهمه أَزْدَأُ الأفهام، عندما قال الخطيب: ((والمدلَّس، رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فيُتَوَهَّمُ أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه مالم يسمع منه، هذا هو تدليس الإسناد))(١). فهل بعد هذا الكلام الصريح مقال لقائل؟ !! وعُذْرُ الحافظ مبسوط، فإنه ذَهَلَ عن تعريف الخطيب هذا! حيث إنه لم يذكره، ولم يُشِرْ إليه! ولو تَذَكَّرَهُ لأراح واستراح !! (١) الكفاية (٣٨). ١٠٩ ومع تعريف الخطيب القاطع هذا، فقد سبق أن نقلنا ما يؤيد منطوقَه من كلام الخطيب(١)، فَالأمر - لعمري - ليس في حاجةٍ إلى كل هذا، بل ولا إلى شيء من هذا؟! ٣ - ثم كيف يقول الخطيب: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس)) ويعني به (رواية المعاصر عمن لم يلقه)؟! وأقلُّ ما في الأمر أن في المسألة خلافًا، نقل الخطيبُ نفسُه بعضًا منه، كما سبق أن ذكرناه، عندما نقل قولَ يعقوب بن شيبة الذي قال فيه: «فأمَّا من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حدَّ التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء))(٢). فهل يصحُ أن يَحْكِيَ الخطيبُ الإجماع، على ما نقل - هو - فيه ما يخرمه؟! ٤ - ولمَّا كان الحقُّ إذا جانب اجتهادَ الحافظِ ابن حجر لا يكاد يُرى عند المُقَلِّدةِ !! ولمّا كان الحقُّ أبلج، والباطل لَجْلَج! فإن الحق لم يبخل علينا بما يدمغ الباطل فإذا هو زاهق. فَدَعْكَ من كُلِّ تلك الدلائل القاطعة على عدم تناول قول الخطيب: ((إن إرسال الحديث الذي ليس بمدلّس لـ رواية المعاصر عمن لم يلقه) وتَنَبَّهُ لِمَا أحتجُ به الآن. فإن الخطيبَ قد ضَرَبَ لـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بِعِدَّةِ أمثلة، في كلامهِ هذا الذي احتَجَّ به الحافظُ ابن حجر، والذي يدورُ فيه الحِجَاجُ، كما سبق أن نقلناه كاملاً؛ فكان أن قال الخطيب: ((وأمَّا رواية المعاصر عمن لم يلقه فمثاله: الحجاج بن أرطأة، وسفيان الثوري، وشعبة عن الزهري))(٣). (١) انظر ما سبق (٩٧ - ٩٨). (٢) الكفاية (٤٠١). (٣) الكفاية (٤٢٣). ١١٠ فالحافظ ابن حجر يزعم أن رواية الحجاج بن أرطأة عن الزهري، عند الخطيب، ليست تدليسًا ... كذا يَزْعُمُ على الخطيب، بزعمه إخراجَ (روايةٍ المعاصر عمن لم يلقه) من (التدليس). لكنّ الخطيب قال في ترجمة الحجاج بن أرطأة من (تاريخ بغداد): ((كان مدلسًا: يروي عمن لم يلقه)) (١) !! فماذا يقول مَنْ يتعصَّبُ لاجتهادٍ صاحبُه معذورٌ مأجورٌ - إن شاء الله _؟؟ بعد أن أَصِيبَ في عَيْنِ مقَالَتِهِ ومَقَاتِلِهِ! وظهر الحقُّ وبطل الزعمُ الخاطىء !! لكن الحافظ ابن حجر لم يُرِحْنا بَعْدُ من مناظرته في فَهم مذهب الخطيب من مسألة علاقة (التدليس) بـ (رواية المعاصر عمن لم يلقه). مع أن الخطيبَ ... عن نفسِه ... قد أراحنا بكلام ... الشأنُ بعده كما قيل: (قد تبيّنَ الصبحُ لِذِي عَيْنَيْنِ) !! فقد احتجَّ الحافظُ ابنُ حجر بكلام آخر للخطيب، على أنه يُفرِّقُ بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)(٢)، ووافقه على هذا الاحتجاج تلميذُه السخاويُّ في (فتح المغيث)(٣). ولولا جلالة الحافظ ابن حجر، لاكْتَفَيْتُ بنقل الكلام الذي احتجَّ به من كلام الخطيب، للدلالة على ما في احتجاجه من النظر القَوِيِّ المُرْدِي. (١) تاريخ بغداد (٢٣٠/٨). (٢) انظر النكت عى كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦١٥). (٣) انظر فتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١). ١١١ فالكلام الذي احتجّ به، ما أنفعه أن يكون حجةً عليه !! قال الخطيب متكلمًا عن التدليس : ((الضَّرْبُ الأول: تدليسُ الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه، ويَعْدِلُ عن البيان لذلك (١)، ولو بَيَّنَ أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه، فكشف ذلك، لصار ببيانه مُرْسِلاً للحديث غير مُدَلِّس فيه، لأن الإرسال للحديث: ليس بإيهام من المُرْسلِ كونُه سامِعًا ممن لم يسمع منه، ملاقيًا لمن لم يلقه. إلا أن التدليس الذي ذكرناه مُتضمِّنٌ للإرسال لا محالة، من حيثُ كان المُدَلِسُ مُمْسِكًا عن ذكر من بينه وبين من دَلّسَ عنه، وإنما يُفارق حاله حالَ المُرسِل: بإيهامه السماعَ ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوَهِّنُ لأمره، فوجب كونُ هذا التدليسُ مُتَضَمِّنًا (٢) للإرسال، والإرسالُ لا يتضمَّنُ التدليسَ، لأنه لا يقتضي إيهامَ السماع ممّن لم يسمع منه، ولهذا المعنى لم يَذُمَّ العلماءُ من أرسل الحديثَ وذَمُّوا من دلّسه))(٣). هذا هو كلام الخطيب، وهو كلام نفيس، وفيه تفريق واضح بين (التدليس) وإرسالٍ مَا. فقيّد الحافظُ إطلاق (الإرسال) في كلام الخطيب بأنه (الخفي)، وحمل الكلام بعد ذلك على ما حمله هو عليه !! ولولا تدخّل الحافظ هذا، لما ظننت أحدًا يستدلُّ استدلاله !! فالإرسال إذا أُطلق لم يُفْهَم منه إلا أنه: (رواية الراوي عمن (١) أثبت محقق (الكفاية)) كلمة ((بذلك)) بالباء، وأشار في الحاشية أنها جاءت في نسخة باللام: ((لذلك))، وهذا الأخير الأصح معنا، وكذا جاء في فتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١). (٢) جاء في المصدر ((متضماً)) من غير نون، وهو خطأ واضح، وهو على الصواب في فتح المغيث (٢٠٩/١). (٣) الكفاية (٣٩٥). ١١٢ لم يعاصره)، ومنه (رواية التابعي عن رسول الله وَلجه). أي: لا يُفهم من إطلاق (الإرسال) إلا (الإرسال الظاهر). هذا إذا كان لمصطلح (الإرسال الخفي) وُجُودٌ أصلاً .. عند الخطيب، وعند مَنْ قبله من أئمة الحديث! فإن لم يكن له وجود - كما سيأتي إثباته إن شاء الله تعالى(١) - فلا ينصرف كلام الخطيب إلا إلى (الإرسال الظاهر). وإن كان مصطلحُ (الإرسال الخفي) موجودًا - تَنَزُّلاً- فلن يكون معناه عند الخطيب (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، لأن الخطيبَ صرّح في الكلام الذي ذهل عنه الحافظ، وياللَّهِ وما ذهَلَ عنه(٢)! صَرَّحَ بأن (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليس). وبما أن الخطيب في كلامه السابق فارق بين (التدليس) وإرسالٍ ما، فلن يكون هذا الإرسال هو (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، وإلا لكان الخطيب يُفارق بين (التدليس) و(التدليس) !! وهذه المُحاجَّةُ بابٌ من (السبر والتقسيم)(٣)، ودلالته قطعيةٌ، لأنه (التقسيم الحاصر)(٤)، والسَّبْرُ فيه عَقْلِيٌّ قَطْعِيٍّ(٥). فـ (الإرسال الخفي) إمَّا أن يكون مُصطلحًا له وجودٌ عند المحدثين الأوائل، وإما أنه لا وجود له. فإن كان له وُجُودٌ فلن يكون هو مقصودّ الخطيب في مفارقته (١) انظر ما سيأتي (١٦٤ - ١٦٦). (٢) انظر الكفاية للخطيب (٣٨)، وما سبق (٩٥). (٣) سبق شرح (السبر والتقسيم) انظر المنهج المقترح (٢٢٩). (٤) التقسيم الحاصر، هو: المنحصر بين النفي والإثبات. انظر المحصول في علم أصول الفقه لفخر الدين الرازي (٢٩٩/٢/٢). (٥) انظر شرح الكوكب المنير لابن النجار (١٤٦/٤)، وآداب البحث والمناظرة الشنقيطي (٩/٢ - ١٩). ١١٣ بين (الإرسال) و(التدليس)، لما يقود إليه ذلك من التناقض الصريح - كما سبق بيانه -. وإن كان (الإرسال الخفي) ليس له وُجودٌ، فلن يكون هو مقصودَ الخطيب، لأنه معدوم، والمعدوم لا يُقْصَد! إضافةً إلى ذلك، فإنه وإن كان (الإرسال الخفي) معروفًا عند الخطيب (مصطلحًا) من مصطلحات (علوم الحديث)، فإنه لا خلاف أن (الإرسال) إذا أُطلق فلم يُقيَّد، لم ينصرف إلا إلى (الإرسال الظاهر) كما سبق. فَعَلامَ يُقَيِّدُ الحافظُ مالم يُقَيِّدْهُ الخطيبُ؟ بل يقيّدُ ما لا يتقيّدُ بذلك القَيْد؟! بَلْهَ بما ليس له قيدٌ أصلاً؟؟ !! هذا وجه في إبطال الاحتجاج بكلام الخطيب على التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه). ولإبطاله وجوه أخرى أيضًا: الأول: أن الخطيب نَصَّ على أن الفارق الحقيقيَّ بين (التدليس) و(الإرسال) هو إيهام السماع، فالمُوهِمُ للسماع تدليسٌ، والذي لا يُوهِمَ السماعَ إرسال. ولا شك أن إيهامَ السماع متحقِّقٌ غايةَ التحقِّقِ في (رواية المعاصر عمن لم يلقه) فكيف لا تكون تدلیسًا؟! ويتعلق بهذا مما يُثبت أن الخطيب إنما يفارق بين (التدليس) و(الإرسال الظاهر)، هو أن الذي لا يوهم السماع - ولا شك - هو (الرواية مع عدم المعاصرة)، فهذه هي التي تفارق التدليس، وهي مقصود الخطيب. الثاني: أن الخطيب صَدَع بضدِ (الإرسال) الذي يُفارقه عنه، فإذا هو (رواية الراوي عمن لم يسمع منه ولم يلقه)! وذلك عندما ١١٤ قال: ((لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعًا ممن لم يسمع منه، وملاقيًا لمن لم يلقه)). فإذا كان الخطيب يفارق (الإرسال) عن (التدليس)، ويذكر أن في هذا المُفارِقِ للإرسالِ (وهو التدليسُ) إيهامًا بالسماع ممن لم يسمع منه، ولم يلقه، تبين بذلك أن (التدليس) الذي يفارقه الخطيب عن (الإرسال) هو (إيهام السماع ممن لم يسمع منه .. ولم يلقه) أي: (رواية المعاصر عمن لم يلقه) !! واستفدتُ (المعاصرةَ) من (الإيهام بالسماع)، فإنه لو لم تكن معاصرةٌ لما كان إيهامٌ بالسماع. فالانقطاع الذي لا يُوهِمُ السماعَ هو (الإرسال الظاهر). وكما صَرَّحَ الخطيبُ في الكلام المنقولِ عنه سابقًا: ((لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلس، رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه)). وكما صرح في الأصل الأصيل من كلامه: ((والمدلس رواية المحدث عمن عاصره ولم یلقه، فیتوهم أنه سمع منه)). إذًا فـ (التدليس) الذي أقام الخطيب عليه مفارقته بينه وبين (الإرسال) هو (رواية المعاصر عمن لم يلقه). مع ذلك يزعم الحافظُ أنَّ الخطيبَ يُفرّقُ بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)! فنعود مرة أخرى إلى أن الخطيب يُفارق بين (التدليس) و(التدليس) !!! والثالث: أن الخطيب قال: ((ولهذا المعنى لم يَذُمَّ العلماءُ من أرسل الحديث، وذَمُّوا من دَلَّسه))، فهو يذكر أن الإرسال الذي يدور عنه الحديث إرسالٌ لم يَذُمَّهُ العلماءُ. فإذا كان هذا الإرسال - كما يريد الحافظ ــ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) فهل يصحُ أن يكونَ هو مقصودَ الخطيب؟ وقد نقل الخطيبُ فيه قول يعقوب بن شيبة في ذمه: ((وأما من دلس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو ١١٥ منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء)»! فهل يقول الخطيب عما نقل فيه ذمَّ العلماء: لم يذمه العلماء؟ !! وبهذا يَحْصُلُ اليقينُ بأن (الإرسال) الذي عقد الخطيب بينه وبين (التدليس) هذه الموازنة: إنما هو (الإرسال الظاهر). فلا دلالة في كلام الخطيب على وجود فَرْقٍ بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)، بل في كلام الخطيب - كما سبق - ما يدل على أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليس) !! وإلى هنا أنتهي من الردّ على كل ما تَمَسَّكَ به الحافظُ الادعاءِ الخطيبِ البغدادي في صَفِّ من يُفَرِّقُ بين (رواية المعاصر عمن لم يلقه) و(التدليس)، بل وأثبتُّ (والصحيح أن الخطيبَ نفسه هو الذي أثبت): أن رواية المعاصر عمن لم يلقه تدليس من تدليس الإسناد. ولكنني أعود إلى كلام الخطيب السابق، ونُكْمِلُ فَهْمَهُ على الفَهْمِ الصحيح الذي تَيَقِّنَّاهُ بما سبق. وأهم ما في كلام الخطيب مِما يستوقفنا، هو قوله: ((إلا أن التدليس الذي ذكرنا متضمِّنّ للإرسال لا محالة، من حيث كان المدلِّسُ مُمْسِكًا عن ذِكْرٍ من بينه وبين من دلس عنه. وإنما يُفارق حاله حالَ المُرسِل: بإيهامه السماعَ ممن لم يسمع منه فقط، وهو المُوَهِّنُ لأمره، فوجب كون هذا التدلسِ متضمنًا للإرسال، والإرسال لا يتضمَّنُ التدليس)). وخلاصة كلام الخطيب هذا: أن التدليس إرسال وزيادة، أو قل: إرسالٌ مُقَيَّدٌ بإيهام السماع. وعلى هذا فبين التدليس ١١٦ والإرسال الظاهر (عموم وخصوص من وجه)(١)، فكل تدليس إرسالٌ مُقَيَّد، وليس كل إرسال تدليسًا. وهذا ما قرره أيضًا الحافظ العلائي في (جامع التحصيل)، حيث قال عن تدليس الإسناد: ((وهذا القسم حُكْمُهُ في الحقيقة حُكْمُ المُرْسَل، من جهة أنه لا يُعْرَفُ الراوي الذي أَسْقِط بينه وبين من دَلَّس عنه، فَكُلُّ مدلَّسٍ مرسَلٌ ولا ينعكس))(٢). ومن معرفة العلاقة بين (التدليس) و(الإرسال الظاهر) نستفيد [توجية فائدة جليلةً، توضح لنا المسوغ الذي جعل الأئمة يصفون - كثيرًا - رواية المعاصر عمن لم يلقه، بقولهم: فلان عن فلان مرسل، فنفهم سبب إطلاقهم الإرسال على ما هو داخل في (التدليس) عندهم، فإذا هو - كما قال الخطيب -: ((التدليس الذي ذكرناه متضمن للإرسال لا محالة، من حیث کان المدلس ممسكًا عن ذکر من بینه وبین من دلس عنه)). لإطلاق الأئمة اسمَ (المرسل) على (رواية المعاصر عمن لم يلقه)] وبهذا أكون قد انتهيتُ من عَرْضٍ موقف الخطيب من (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، وعلاقته بـ(التدليس). ونعود لإكمال رحلتنا مع بقية الأئمة الذين تَعَرَّضوا لهذه المسأل، نستوضحُ آراءهم، ونَسْتَبِيْنُ مذاهبهم. فنقف مع مُعَاصِرٍ للخطيب، في أقصى الغرب الإسلامي [عند ابن حينها! ألا وهو الحافظ أبو عمر ابن عبد البر القرطبي. عبد البر] قال ابن عبد البر في (التمهيد): «وأما التدليس : فهو أن يُحَدِّثَ الرجلُ عن الرجلِ قد (١) العموم والخصوص من وجه، هو: أن يكون كل واحد من المعقولين يفارق الآخر في بعض الصور مع أن المفروض الاجتماع في بعضها. انظر آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (٢٤/١). (٢) جامع التحصيل (٩٨). ١١٧ لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيرِه عنه، ممن تُرْضَى حالُهُ، أولا تُرْضَى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حالهُ مرضيّةً لَذَكَرَهُ، وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليسُ عند جماعتهم، لا اخْتِلَافَ بينهم في ذلك، وسَنُبَيِّنُ معنى التدليس في الإخبار عن العلماء، في الباب بعد هذا (إن شاء الله). واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي، وما أشبه هذا. فقالت فِرْقَةٌ: هذا تدليس، لأنهما لو شاءا لَسَمَّيَا من حَدَّثَهما، كما فعلا في الكثير بلغهما عنهما، قالوا: وسُكُوتُ المحدِّثِ عن ذِكْرٍ من حدَّثه مع علمه به دُلْسَه. فإن كان هذا تدليسًا، فما أعْلَمُ أحدًا من العلماءِ سَلِمَ منه، في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، فإن هذين ليس يُوجَدُ لهما شيء من هذا، لاسيما شعبة، فهو القائل: لأن أزني أحب إليَّ من أن أُدَلِّسَ))(١). كذا عرَّف ابن عبد البر (التدليس) وفرَّق بينه وبين (الإرسال) بذلك. (١) التمهيد (١٥/١). ١١٨ لكن ابن عبد البر فرَّق بين (التدليس) و(إرسال) ما، كذا بلا تقیید . و(الإرسال الخفي) بالمعنى الذي عليه الحافظُ ابن حجر ليس من مصطلحات أهل الحديث، كما سبق، وكما سيأتي التدليل عليه(١). وعلى هذا فالإرسال الذي يُفرّق ابن عبد البر بينه وبين التدليس هو الإرسال الظاهر ... لا غير. فإن كان (الإرسال الخفي) معروفًا في مصطلح المتقدمين، فلا يُخالَف في أنّ الغالبَ على إطلاقهم لفظ الإرسال: أنهم يعنون به (الإرسال الظاهر)، فهو المقصود هنا. لكن قد يتمسك من يعتبر كلام ابن عبد البر تفريقًا بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه) بقول: ابن عبد البر: ((واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه، مثل: مالك عن سعيد بن المسيب، والثوري عن إبراهيم النخعي))، فقد يحتجُ مُخْتَجْ بقوله: ((عمن لم يلقه))، وأنه لم يقل ((عمن يعاصره)). فأقول: لا شك أن التعبير الثاني أَصرح في المفارقة بين (التدليس) و(رواية الراوي عمن لم يعاصره) (الإرسال الظاهر)، لكن التعبيرَ الأول الذي استخدمه ابنُ عبد البر لا يُنافي التعبير الثاني، إذ يُمكن أن يُرَادَ بعدم اللقاء عدمُ المعاصرة، لأن عدم المعاصرة عدمُ لقاءٍ وزيادة. والذي يوضح المقصود تمامًا، ويبين (الإرسال) الذي يُفارقه ابن عبد البر عن (التدليس)، هما المثلان اللذان ضربهما ابنُ عبد البر لهذا الإرسال. أمّا المثل الأول: فمالك بن أنس رضي الله عنه، إنما وُلد (١) انظر (ص ١٦٤ - ١٦٦). ١١٩ في السنة التي توفي فيها سعيد بن المسيب، وهي سنة ثلاث وتسعین(١). وأمّا المثل الثاني: فسفيان الثوري ولد بعد سنة من وفاةٍ إبراهيم النخعي، وسنةُ وفاتٍ هي سة ست وتسعين(٢). فهل رواية مالك عن سعيد، وسفيانَ عن إبراهيم (روايةٌ معاصرٍ عمن لم يلقه)؟ أم (رواية الراوي عمن لم يعاصره)؟! فلا يبقى بعد هذا شكٍّ في أن (الإرسال) الذي فارقه ابنُ عبد البر عن (التدليس) هو (الإرسال الظاهر)، لا ما يسميه المتأخرون (الإرسال الخفي: روايةَ المعاصر عمن لم يلقه). لذلك تعلم أن من زعم ابنَ عبد البر مُفارقًا بكلامه السابق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه) .. أنّه واهم، استعجل الفهم ولم يَتَبَصَّز(٣). وأعجب ما وقع من ذلك، ما وقع للسخاوي في (فتح المغیث): فبينما اعتبر السخاويُّ كلامَ ابن عبد البر صريحًا في التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، في تقديمه لكلام ابن عبد البر، حيث نقل ما احتجّ به هو وشيخُه الحافظ ابن حجر من كلام للخطيب، مما سبق ذكرنا إياه، ثم عَقْبه السخاوي بقوله: ((وأصرح منه قول ابن عبد البر ... ))(٤) ثم ذكره. (١) انظر التهذيب (٨٦/٤)، وتقريبه (رقم ٢٣٩٦، ٦٤٢٥). (٢) انظر التقريب (رقم ٢٧٠، ٢٤٤٥). (٣) انظر جامع التحصيل للعلائي (٩٧)، وفتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١ ٢١١)، وحاشية نور الدين عتر في تحقيقه ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (٢٩٠). (٤) فتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١). ١٢٠