النص المفهرس
صفحات 81-100
الزجر عنه والتنفير منه)) (١). هذا شعبة بن الحجاج المذكور في أول قائمة الذامّين للتدليس، يروي عن المدلسين، ويعتني بمروياتهم، ويُميِّز للناس ما صرحوا بالسماع فيه مما دَلَّسُوه. حتى عقد ابنُ أبي حاتم فَضْلاً في (تقدمة الجرح والتعديل) سمَّاه (باب: ما ذُكر من مراجعة شعبة لِنَاقِلهِ الحديث، وإيقافهم على ما يَتَخَالَجُ في نفسه)(٢)، خَصَّه بتنقير شعبة عن السماع في روايات المدلسين غالبًا. فهذا من شعبة، مع ذمِّه الشديدِ للتدليس، يُظهر أنه لم يكن يرى التدليسَ مطلقًا طعنًا في الراوي، قادحًا في عدالته، وأنه كان يكتفي للأمن من التدليس بتفخّصٍ السماع، لا بترك الراوي المدلس بالكلية. فإذا كان هذا موقف شعبة من المدلسين، في شدة ذمه للتدليس، تعلم أنَّ اعتبار (التدليس) طعنًا في الراوي مطلقًا لا تكاد تَصِحُ نسبتُه إلى أحدٍ من نقّاد الحديث، وأن أشد موقف قد يثبت لهم مع المدلسين عن غير الكذابين، هو: (رَفْضُ حديثِهم إلا ما صَرّحوا فيه بالسماع، وأن التدليس يَثْبُتُ بمرّةٍ واحدة) !! قصدتُ من ذلك كله استبعادَ أن يكون يعقوبُ بن شيبةٍ عَنَى جَرْحَ من عُرف بالتدليس في قوله: ((فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء)»، لكنه بكلامه هذا اعتبر المحدثين متفقين على ذَمّ ذلك النوع من التدليس، ولا يُمكن أن يكون هذا الاتفاقُ اتفاقًا على الطعن في عدالة الراوي المدلِّس بمجرَّدٍ التدليس؛ لأن الطعن في الراوي بالتدليس مطلقًا قول شاذ بمرة، كما سبق بيانه، فلا يُعْقَلُ أن يكون القولُ الشاذ بمرّةٍ هو الذي ينقل عليه يعقوب بن شيبة الاتفاق !! (١) علوم الحديث (٧٥). (٢) تقدمة الجرح والتعديل (١٦٣ - ١٧٠). ٨١ لذلك لزم أن يكون لكلام يعقوب بن شبية معنىّ آخر، سوى أن يكون (التدليسُ) قادحًا في عدالة من عُرف به. ومَنْ تَمَعَّنَ كلامَ يعقوب بن شيبة ظهر له الوجه الذي عليه معناه، وسنشرحه (بإذن الله تعالى). ذلك أن يعقوب بن شيبة قسّم التدليس من ناحية حكمه إلى قسمين: قسم مُخْتَلَفٍ فيه بين من لم ير به بأسًا، ومن كرهه، وقسم لم یرخص فيه أحد. ثم ذكر أن القسم الأول هو التدليس عن الثقات، وأن القسم الثاني هو التدليس عن غير الثقات وعمن لم يسمع منه الراوي شيئًا . ومِنْ تَمَعُنِ هذين القسمين ظهرَ لي أن الحُكْمَ الذي نقله يعقوب بن شيبة فيهما منصرفٌ إلى أحد أمرين، أو إلى الأمرين کلیهما، وهما: أولاً: إلى ذات التدليس من كل قسم منهما. ثانيًا: إلى عنعنة من عُرف بكل قسم منهما، دون باقي حديثه، وإلا لَعُذْنَا إلى اعتبار التدليس طعنًا في عدالة الراوي. وإذا طَابَقْنَا بين هذين الأمرين اللذين صَرَفْنا إليهما حُكْمَ يعقوب بن شيبة بتقسيمه السابق، ظهر لنا مطابقةُ كل قسم للحكم الذي ذكره له يعقوب معنىّ وواقعًا. فالقسم الأول؛ وهو التدليس عن الثقات، يذكر يعقوب أن جماعةٌ من المحدثين لم يروا بأسًا على فاعله وأنه جائز لا حرمة فيه ولا كراهة، ومنهم من كرهه؛ ومال إلى الأخير يعقوب . والقسم الثاني وهو: التدليس عن غير الثقات، وعمن لم ٨٢ يسمع الراوي منهم شيئًا. فذكر يعقوب بن شيبة أنه لم يُرخّص فيه أحد، ولا أجازه إمام معتبر، فهو دائر بين الحرمة والكراهة على من تَعَمَّدَ التدليسَ عن ضعيف عنده، أو قصد الإيهام بالسماع ممن لم يسمع منه قط. هذا فهمٌ صحيحٌ لكلام يعقوب بن شيبة، ليس عليه مؤاخذة فيما يظهر لي، فهو متوجّه لا دافع له. وهو المعنى الأول لكلامه، والأمر الأول الذي ينصرف إليه الحُكم الذي ذكره. والمعنى الثاني لكلامه: هو أن حُكْمَ يعقوب بن شيبة على التدليس، بتفصيله الذي ذكره، ينصرف إلى حُكْم عنعنة المدلِّس. فمن كان لا يدلس إلا عن ثقة: فهذا هو الذي اخْتَلفَ العلماءُ في قبول عنعنته، فقبلها بعضُ العلماء ولم يَرَوْا لهذا التدليس أثرًا على حديث المعروف به، بينما تَرَدَّدَ فيها بعضُهم، بل ورَدَّها غيرُهم، وكَرِهوا ذلك من فاعله. أما من كان يدلس عن غير الثقات، وعمن لم يسمع هو منه، فقد اتفق العلماءُ على أن ذلك التدليس مؤثّرٌ في قبول العنعنة، ولم يختلفوا في ذلك. فلا يقبلون حديثَ من كان يدلس عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، بإسقاط غير الثقة، المُكْثِرِ من ذلك، إلا إذا صَرَّحَ في كل حديث بالسماع. ولا يقبلون عنعنة من يروي عمن عاصره ولم يسمع منه، حتى يثبت السماع له ولقاؤه للذي روى عنه ولو مرة واحدة. فتأثير هذا القسم من التدليس على العنعنة ينقسم إلى فرعين، تُعامَلُ فيهما (العنعنة) بما تُوجبه صورة التدليس في كل فَرع منهما. وإنّما جَمَعَ هذين الفرعين في قسمٍ واحدٍ، مع ٨٣ اختلاف أثرهما على (العنعنة)، أنهما اجتمعا على أن تكون (العنعنة) في بعض الأحوال مرودةً غير مقبولة. وهذا المعنى أيضًا معنىّ صحيحٌ لكلام يعقوب بن شيبة، لا تنقضه مُعارضَةٌ لواقع مذاهب العلماء في التدليس. فإما أن هذا المعنى هو مقصودُ يعقوب بن شيبة، أو أنه المعنى السابق له، أو أن كلا المعنيين ملحوظُ مرادٌ عند يعقوب. وحرصتُ هذا الحرصَ كلَّه على تفسير كلام يعقوب بن شيبة، لإمامة قائله، وأهمية فهم كلامه، ولأنه قد يُفْهَمُ فهمًا خاطئًا تُبْنَى عليه فُهومٌ أخرى .. أو قل: أوهامٌ أخرى، أو لعل أحدًا يفهم كلامه على الخطأ ثم يتعقّب هذا الإمام فيما لا تَعَقّبَ عليه فيه. وهذا الإمام زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السَّلامي أبو الفرج الشهير بابن رجب الحنبلي (ت٧٩٥هـ)، يتعقب يعقوب بن شيبة، فيقول في شرح علل الترمذي: ((ورخص في التدليس طائفة، قال يعقوب بن شيبة: من رخص فيه فإنما رخص فيه عن ثقة سمع منه، وأما من دلس عمن لم يسمع منه فلم يُرَخَّص فيه، وكذا إذا دلس عن غير ثقة. کذا قال يعقوب! وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا، فلا يصح ما قاله يعقوب))(١). فيظهر من هذا أن ابن رجب فهم كلام يعقوب بن شيبة فَهْمًا خطَّأهُ فيه، ولعل ابن رجب فهم كلام يعقوب على وجهين: الأول: أن يعقوب بن شيبة عنى بكلامه: أن من روى عمن لم يسمع منه قُدِح في عدالته بذلك. (١) شرح علل الترمذي لابن رجب (٥٨٥). ٨٤ وهو قولٌ - مِمَّن قاله - خطأ ولا شك، ولذلك تعقبه ابن رجب، حيث بيّن أن أحد الأئمة المتفق على إمامتهم وجلالتهم، ألا وهو سفيان الثوري، كان يفعل هذا الذي زَعم أنه قادح في العدالة . الثاني: أن يعقوب بن شيبة سؤَّى بين (الرواي عمن لم يسمع منه) و(المدلس عن غير ثقة) في عدم قبول العنعنة. فردّ عليه ابن رجب ذلك، بأن أحد الأئمة المتفق على قبول جميع حديثهم، بعدم تطلّبٍ السماع فيما يروونه، ألا وهو سفيان الثوري، كان ممن يروي عمن لم يسمع منه، فلا يصح تسوية (الراوي عمن لم يسمع منه) بـ (الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، بإسقاط غير ثقة) في التوقف في قبول العنعنة. ولو كان كلام يعقوب بن شيبة على أحد هذين المعنيين، لتوجَّهَ تعقُّبُ ابن رجب، لكن بيّنتُ - فيما سبق - وَجْهَ كلام يعقوب بن شيبة بما لا يلحقه به لوم، ولا يُتَعَلَّقُ عليه فيه بخطأ. ونخرج من كلام يعقوب بن شيبة، وبعد هذه الوقفة معه، بأمور منها: أولاً: أن (رواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئًا) تدليس عند يعقوب بن شيبة، وهو بكلامه هذا ناقلٌ لما عليه المحدثون، لأنه مُنَظّرٌ للتدليس ذَاكِرٌ لمواقف العلماء منه. وهذه فائدة كلام يعقوب بن شيبة الأولى، والتي من أجلها ذكرناه، وهي تُخالف ما زعمه المتأخرون - بعد الحافظ ابن حجر - من التفريق بين (التدليس) وما أسموه بـ(الإرسال الخفي). ثانيًا: أن (لرواية الراوي عمن لم يسمع منه شيئًا) تأثيرًا ما على قبول عنعنته، لا يلزم أن يكون بِرَدِّ العنعنة مطلقًا، ولكن بالتوقُّفِ في قبولها حتى يَثْبُتَ لنا سماعٌ له ممن روى عنه، ولو في حديث واحد من أحاديثه عن ذلك الشيخ: وكلَّ ذلك ليس ٨٥ على إطلاقه، بل له حدوده وقَدْرُهُ الذي يُقْدَّرُ به، وسوف نعود إلى بيانه في أواخر هذا الفصل (إن شاء الله تعالى). ثم بعد يعقوب بن شيبة نقف عند كلام لحافظ كبير من أعيان القرن الثالث الهجري، ألا وهو الحافظ أبو بكر البزار صاحب (المسند المعلل). [عند البزّار] قال البزار: ((إن الشخص إذا روى عمن لم يدركه، بلفظ مُوهِم، فإن ذلك ليس بتدليس، على الصحيح المشهور))(١). نقل هذا القول عن البزار سبط ابن العجمي: إبراهيم بن محمد بن خليل البرهان الحلبي (٨٤١ هـ)، في كتابه (التبيين لأسماء المدلسين)، خلال كلامه عن التدليس والإرسال الخفي، فذكره مستشهدًا به على التفريق بينهما(٢). ويبدو أن سبط ابن العجمي نقل هذا النقل عن (جزء في معرفة من يترك حديثه ويقبل) للبزار، حيث ذكر هذا الجزء للبزار غير واحد من الأئمة، ونقلوا منه عدة نقول في التدليس وغيره، من نفس نمط هذا النقل الذي نقله ابن العجمي (٣). والذي لا أشك فيه: أن كلام البزار هذا لا يشهد للتفريق بين (الإرسال الخفي) و(التدليس) كما أراد له البرهان الحلبي، لأنه لا يتناول (الإرسال الخفي) أصلاً !! فقد نصَّ البزارُ على أنه يُفَارِقُ بين (رواية الراوي عمن سمع مالم يسمعه) و(رواية الراوي عمن لم يدركه)، أي: بين (التدليس) (١) التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي (٣٤٤). (٢) سوف يأتي - بإذن الله تعالى - ذكرُ السابق إلى التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي) هل هو سبط ابن العجمي؟ أم عصريّة الحافظ ابن حجر؟ (٢١٣ - ٢١٤). (٣) انظر التقييد والإيضاح للعراقي (٩٧)، والنكت على كتاب ابن الصلاح للحافظ ابن حجر (٦٢٤)، وفتح المغيث للسخاوي (٢٠٩/١). ٨٦ و(الإرسال الظاهر). لأن الرواية مع عدم الإدراك انقطاع ظاهر، ليس بتدليسٍ قطعًا، و(الإرسال الخفي) هو: (رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) عند من يفرق بينهما. فمن أين يتناول كلامُ البزار (رواية المعاصر عمن لم يلقه)؟ وقد صَرَّحَ في الذي يُفارقُهُ عن (التدليس) أنه مع (عدم الإدراك)؟! فكلام البزار هذا يصلح الاستشهاد به على التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الظاهر) لا بين (التدليس) و(الإرسال الخفي). لكن قد يُسْنَدُ استشهادُ سبط ابن العجمي على ما أراده من كلام البزار بكلام آخر للبزار. قال البزارُ شارحًا التدليس: ((هو: أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه))(١). وَوَجْهُ دلالة كلام البزار هذا على أنه يُفَرِّقُ بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه): أنه شَرَحَ التدليسَ، فذكرَ في شَرْحِهِ ما يُشبه أن يكون قَيدًا للتدليس، وهو السماع السابقُ للراوي المدلْسِ مِمَّن دَلَّسَ عنه ولذلك انتقد الحافظُ العراقي كلامَ البزار هذا، بأنه تقييدٌ للتدليس، وتضييقٌ للصُّوَرِ التي يشملها، بما يُخالف المُتَعَارَفَ عليه عند المحدثین. وقال في آخر ذلك: إنه ما ذكر كلام البزار إلا لكي لا يَغْتَرَّ به من وقفَ عليه، فَيَظُنَّ موافقةَ أهلِ الشأنِ لذلك (٢). كذا قال العراقي، وسيأتي - بإذن الله تعالى - بَسْطُ كلامه كاملاً بنصه. فانْبَرى للرَّدِّ على العراقي، والدفاع عن ذلك المفهوم لكلام (١) التقييد والإيضاح للعراقي (٩٧)، وفتح المغيث للسخاوي (٢٠٨/١ - ٢٠٩). (٢) انظر التقييد والإيضاح للعراقي (٩٧ - ٩٨). ٨٧ البزار، حاملُ لواء التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، ألا وهو الحافظ ابن حجر؛ وذلك في كلام له، وحِجَاجٍ طويلٍ(١)، سيأتي في موضعه. ولذلك المفهوم من كلام البزار حشر الحافظُ ابن حجر البزارَ فيمن يُفَرِّقُون ذلك التفريق المذكور؛ فقال في (نزهة النظر) - كما سبق عنه -: ((وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمام الشافعي والبزار))(٢). وهنا .. قد يعود المُنْتَصِرُ لسبط ابن العجمي إلى الاستشهاد بالكلام الذي نقله سبط ابن العجمي عن البزار، الذي نقلناه عنه أولاً ، مُعِيدًا الاستدلالَ به على الذي بَيَّنَّا بطلانَه، مُعْتَمِدًا في هذه العَوْدَة على تعريف البزار للتدليس، الذي فيه تقييد (التدليس) باللقاء. فأمَّا المنتصِرُ لسبط ابن العجمي فما أَحْسَنَ النظر في النَّقْل الذي نقله عن البزار، فإنَّ منطوق كلام البزار ذاك يدل على أنه إنما يُفارق بين (التدليس) و(الإرسال الظاهر) ولا يجاوز هذه المسألة. وإذا كان هذا هو منطوق كلامه، فما في تحميله سوى هذا، إلا تقويل للبزار مالم يقله. وأمّا المُخْتَجُّ بتعريف البزار لـ (التدليس)، على أنه يُغَايِرُ بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه)، فإنه بالغَ في فَهم كلام البزار، وغَلا فيه، وذلك باعتباره كلام البزار (تعريفًا) للتدليس جامعًا مانعًا، أو كأنه في منزلة النصوص الشرعية التي هي من وَخْىِ الله عز وجل، حتى يُحتَجّ بمفهومه كما يُحتج بمنطوقه. (١) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٣). (٢) نزهة النظر (٤٣). ٨٨ وقد سبق أن ذكرنا أن كلام الأئمة المتقدمين، ومنهم البزار، يجبُ أن لا نجريه في مضمار المناطقة، ولا أن نَزِنَّهُ بموازينهم. بل يجبُ أن تُعامله على أنه كلامٌ خرج بالسليقة العربية، في سهولتها ووضوحها ومُرادها، فلا نغلو في تفسيره، كما لا نجفو عن فهمه حَقَّ فَهْمه. فإذا وقفنا من كلام البزار هذا الموقفَ المُنْصِفَ، ووضعناه في موضعه الحقيقِ به من الكلام، كما ذكرنا؛ فإن قولَ البزار عن التدليس: ((هو أن يروي عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه))، لن يكون له مفهوم !! ومنطوقهُ: أن (رواية الراوي عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه): (تدليس) ... هذا غاية ما يُفيده كلامُ البزار، إذا وَضَعْناه في موضعهِ من سليقة العرب غير المُتَكَلَّفة. ولا يُخالف هذا المنطوقَ أحدٌ. فكَوْنُ (رواية الراوي عمن قد سمع منه مالم يسمعه): (تدليسًا)، لا يخالف ذلك أن تكون (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا) أيضًا. هذا تفسيرٌ لعبارة البزار، المُوهمة حَصْرَ التدليس في من له سماعٌ سابق عمن دلس عنه. وهناك تفسير آخر: أن من بلاغة العرب، ومن بَيَانٍ فُصَحَائهم، التعبيرُ عن الشيء بأهم أقسامه وأجلُ أجزائه، كما قال (أفصح من نطق بالضاد)(١): ((الحج عرفة)) (٢). فالنبي وَلّ لم يُرد (١) حديث ((أنا أفصح من نطق بالضاد)) قال ابن كثير: ((معناه صحيح، ولكن لا أصل له))، وأقره السخاوي، والعجلوني، وغيرهما، انظر المقاصد الحسنة للسخاوي (رقم ١٨٥)، وكشف الخفاء للعجلوني (رقم ٦٠٩). (٢) أخرجه الإمام أحمد (٣٠٩/٤، ٣١٠، ٣٣٥)، وأبو داود (رقم ١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩، ٨٩٠)، والنسائي في المجتبى (رقم ٣١٠٦، ٣٠٤٤)، وفي الكبرى (رقم ٤٠١١، ٤٠١٢، ٤١٨٠)، وابن ماجه (رقم ٣٠١٥)، وغيرهم. ٨٩ بذلك حَصْر الحج في الوقوف بعرفة بالاتفاق، ولا يخالف فيه أحد، ولكنه ◌َّ عبَّر عن الحج بأهم أركانه وأفضلها. فإذا كان هذا هو (تعريف) النبي وَلخير بالحج، وهذا هو مراده باتفاق، فالمحدثون أشد الخلق اقتباسًا من نور النبوة، وما أحراهم بذلك، وهم الذين تجري السُّنّة على أَلْسِنَتِهِمْ مع أنفاسهم، مُخالِطَةً لحمَهم وعظمَهم، مُسْفِرَةً بشاشتُها على وجوههم. وكلام البزار على ذلك النَّسَقِ، ومن هذا المُنْطَلَقِ، وعليه اتَّسَقَ. فقوله هو ((أن يروي عمن قد سمع منه مالم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه)) تعريفٌ بالتدليس بذكر أهم أقسامه وأشدها أثرًا على قبول الأحاديث وردِّها. هذا هو مقصودُ البزار الذي لا يُجاوزه إلى غيره، إلا بالغلو فيه، وتحميله مالا يحتمل. ويؤكد أن البزار لم يُرِذ بكلامه السابق الحَصْر والتَّقْييد، كما أراد الحافظُ ابن حجر، هو أنّنا إذا فَهِمْنَا كلامَه ذلك الفهم الغالي المُتَضَمِّنَ تقييدَ (التدليس) باللقاء، فإن ذلك سوف يوقعنا في نسبة البزار إلى خَرْق الإجماع أو (شبه) الإجماع !! فإن ذلك الحصر للتدليس في اللقاء، يعني أنه لا تدليس إلا (رواية من سمع مالم يسمعه منه). مع أن هناك صُورًا أخرى للتدليس، وأقسامًا أخرى، داخلة في التدليس سوى ذلك القسم، = وهو من أجل الأحاديث وأصحها، حتى قال سفيان بن عيينة: ((هذا أجود حديث رواه الثوري))، وقال محمد بن يحيى الذهلي: ((هذا حديث أم المناسك». راجع سنن الترمذي وابن ماجه، المواضع السابقة. ٩٠ حتى عند الحافظ ابن حجر، من أمثال: (تدليس الشيوخ)(١). فَلْيَقُلْ الحافظُ إذًا: إن (تدليس الشيوخ) لا يُسمَّى (تدليسًا) !! احتجاجًا بحصر البزار للتدليس في (رواية من سمع مالم يسمعه منه) . ولن يخرج مَنْ ينتصِرُ للحافظ من هذا المأزق إلا بنحو ما كنا قد فَسَّرنا به كلامَ البزار، من أنه أراد بكلامه التعريفَ بالتدليس بذكْرِ أهمُ أقسامِهِ وأعظمِها أثرًا على السنة قبولاً أو ردًّا. فَعُدْنا إلى ما بدأنا به، واتّفقنا (بحمد الله تعالى) على أن كلامَ البزار لا يدلُّ على التفريق بين (التدليس) و(رواية المعاصر عمن لم يلقه). هذان تفسيرانٍ لكلام البزار يُبْطِلان الاحتجاج به على التفريق المُدَّعی! وبقي أمْرٌ قد كان يُمكن أن يكون مؤثرًا في تَبَيُّنِ تفاسيرَ أخرى لكلامه، تُخالف ما أراد الحافظ ابن حجر، ألا وهو سياق كلام البزار. فكلمة البزار تلك لم أجدها إلا مُبْتَسَرةً في كُتبٍ نَقَلَتْهَا عنه، ولم أجد الجزء الذي قالها البزار فيه، ألا وهو (جزء في معرفة من يترك حديثه ويقبل). وقد رأينا فيما سبق، عند وَقْفَتِنا مع كلام الإمام الشافعي، كيف كان للسياق أثر كبير في فَهْم المعنى، وما أحراه أن يكون كذلك هنا. وعلى كل حال .. فما زال لكلام البزار محاملُ أخرى، (١) تدليس الشيوخ هو: ((أن يروي عن شيخ فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به، كيلا يعرف)) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦١٥). ٩١ أَوْجَهُ من المحمل الذي انتصر له الحافظ ابن حجر، ذَكّرْنا منها اثنين، وقد يظهر لغيرنا غيرُها، والله أعلم. وبعد البزار لا أجد قولاً تنظيريًا في تعريف (الإرسال الخفي) أو (التدليس) حتى نبلغ الحافظ الكبير الإمام أبا عبد الله الحاكم النيسابوري، في كتابه (معرفة علوم الحديث). [عند الحاكم] فنجد أن الحاكم لم يذكر شيئًا عن مصطلح باسم (الإرسال الخفي) !! بينما عقد لـ (التدليس) نوعًا مفردًا، أطال فيه مُبْدِئًا ومُعيدًا !! وكان من أهم ما جاء في (نوع: معرفة المدلسين) عند الحاكم، هو تقسيمه التدليس إلى أقسام ستة(١)، لَخّصها الحافظُ ابن حجر في (النكت على كتاب ابن الصلاح) فأحسنَ، إلا في القسم السادس منها، فما أجاد فيه الحافظُ تَلْخِيصَ عبارةِ الحاكم على معناه(٢) !! قال الحاكم: ((والجنس السادس من التدليس: قَوْمٌ رَوَوا عن شيوخ لم يَرَوْهُم قطّ، ولم يسمعوا منهم، وإنما قالوا: قال فلان .. فَحُمِلَ ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماعٌ عالٍ ولا نازل))(٣) . هذا لفظُ ونصُّ كلام الحاكم بحرفه، فبماذا عَبَّر عنه الحافظ؟ قال الحافظ ابن حجر: ((قَسّم الحاكمُ في علوم الحديث، وتبعه أبو نعيم، التدليسَ إلى ستة أقسام ... ثم قال: السادسُ: من حدَّثَ من صحيفة من لم يلقه)»(٤). فانظر كيف تحوّرت العبارة من ((قوم رووا عن شيوخ لم (١) انظر معرفة علوم الحديث للحاكم (١٠٣ - ١١٢). (٢) انظر النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٢). (٣) معرفة علوم الحديث للحاكم (١٠٩). (٤) النكت على كتاب ابن الصلاح (٦٢٢). ٩٢ يروهم قط، ولم يسمعوا منهم)) إلى ((من حدث من صحيفة من لم یلقه» !!! نعم فقد مَثَّلَ الحاكمُ - فيما مَثّل - لهذا القسم بغيرِ ما واحدٍ رَوَوْا مِنْ صَحَائف من لم يلقوه، لكنه أيضًا مَثَّل بغيرهم، هم أشدُّ مطابقةً للعنوان الذي قدَّمَ به لهذا القِسْم. قال الحاكم في القسم السادس من أقسام التدليس: ((هذا بابٌ يطولُ، فَلْيَعْلَمْ صاحبُ الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئًا قط، وأن الأعمش لم يسمع من أنس، وأن الشعبي لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن الشعبي لم يسمع من عائشة ولا من عبد الله بن مسعود ولا من أسامة بن زيد ولا من علي، إنما رآه رؤية، ولا من معاذ بن جبل ولا من زيد بن ثابت، وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن عامَّة حديثٍ عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة، وأن عامّة حديثٍ مكحول عن الصحابة حوَالة، وأن ذلك كله يخفي إلا على الحفاظ))(١). هذا كلام الحاكم بفصه ونصه، وهذا هو نفسه ما يسميه الحافظ بـ (الإرسال الخفي): (رواية المعاصر عمن لم يلقه)، ويفارقه عن (التدليس). أمّا الحاكم فيسميه تدليسًا، ويدخله في أقسام التدليس، ويصرح بذلك بأصرح عبارة، في تقديمه لهذا القسم بقوله: ((والجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم ...!! رحم الله الحافظ ابن حجر، فله عندي عُذْرٌ قوي لتصرُّفهِ هذا، أرجو أن يُؤْجَرَ معه فضلاً عن أن يُعذر! ذلك أنه لتشبُّعه بفكرة التفريق بين (التدليس) وما أسماه بـ (١) معرفة علوم الحديث للحاكم (١١١). ٩٣ (الإرسال الخفي)، أصبح يعتبر هذا التفريق حقيقة لا تتزحزح. فإذا وَجَدَ كلامًا لأحدِ الأئمة يُخالف ظاهرُهُ تلك (الحقيقة)، تأول كلامه، و(أصلح من أَوَدِهِ) - على زعمه - حتى يوافق (الصوابَ) .. الصوابَ في فهم الحافظ ابن حجر بالطبع !! وهو منه - رحمه الله - من باب (إحسان الظن) بالأئمة، وَحَمْلٍ كلامهم على (الصواب) و(الكمال) ما أمكن !! أعود فأقول: (الصواب) و(الكمال) عند الحافظ، لا عند من سواه !! فأرجو أن يكون الله عز وجل قد كافَأَ الحافظ لـ (إحسانه الظنَّ) بالأئمة، بما منه: (إحساني الظن) بالحافظ ابن حجر رحمه الله. والغايةُ هي أن الحاكم يعتبر (رواية المعاصر عمن لم يلقه): تدليسًا، ومن أقسامه، وذلك: في صريح مَقَالِهِ، وواضحٍ مِثَالِهِ. [عند أبي نعيم] وتبع الحاكم على ذلك أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠ هـ)، في مستخرجه الذي عمله على كتاب (معرفة علوم الحديث) للحاكم، وظاهر متابعة أبي نعيم للحاكم في تقسيمه للتدليس يدل على موافقته للحاكم في جميع ما قال. ومما قال الحاكم: تسمية (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسًا) فأبو نعيم الأصبهاني على ذلك أيضًا. والذي نص على متابعة أبي نعيم للحاكم في تقسيمه المذكور للتدليس، هو: الحافظ ابن حجر في (النكت على كتاب ابن الصلاح)(١). [عند وبعد أبي نعيم نقف مع تلميذه، الذي ما أن طلع نجمه الخطيب حتى أصبح المحدثون عيالاً على كتبه، ألا وهو أبو بكر الخطيب البغدادي] البغدادي. (١) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٢). ٩٤ وأول ما يلفت انتباهنا في (الكفاية في علم الرواية) للخطيب أنه لم يذكر (الإرسال الخفي) في كلمة من كتابه، مع أن الخطيبَ هو أولُ منْ خَصَّ (خفي المراسيل) بالتصنيف، كما سيأتي في موضعه(١) (إن شاء الله تعالى). ثم يعقد الخطيب فصلاً لشرح مصطلحات الحديث، يُسمِّيه (معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات في صفة الأخبار، وأقسام الجرح والتعديل مختصرًا). وفي هذا الفصل ذكر (المُدَلَّس)، وعرَّفه. فالسياق سياق تعريف، كما هو ظاهرٌ من العنوان، ومن مضمون الفصل جميعه. قال الخطيب: ((والمُدَلَّس: رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فَيُتَوَهَّمُ أنه سمع منه، أو عمن لقيه مالم يسمعه منه = هذا هو التدليس في الإسناد. فأمَّا التدليس في الشيوخ: فمِثْل أن يُغَيِّرَ اسْمَ شَيْخِهِ لِعِلْمِهه بأن الناس يرغبون عن الرواية عنه، أو يُكَنِّيه بغير كُنيته، أو ينسبه إلى غير نسبته المعروفةِ من أمره))(٢). بهذه العبارة القاطعة التي تصيحُ بأن (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليس) بدأ الخطيبُ تعريفَه لـ (التدليس). ثم يقول الحافظ ابن حجر: ((وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمام الشافعي، والبزار، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه، وهو المعتمد))(٣) !!! لكن الحافظ معذور، فالظاهر أنه ذَهَلَ عن كلام الخطيب هذا القاطع في المسألة: في أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه تدلیس). (١) انظر (١٣١). (٢) الكفاية للخطيب (٣٨). (٣) نزهة النظر (٤٣). ٩٥ وسببُ هذا الذهول: هو أن الخطيب لم يَقُلْ هذه العبارة في الفَصْل الذي خَصّه بالكلام عن التدليس في أثناء كتابه، وإنما قال تلك العبارة - كما سبق - في فَضْلٍ في أوائل كتابه، يشمل هذا الفصلُ التعريفَ بمجموعةٍ من المصطلحات منها (التدليس). وعندما وقف الحافظ على الفَصْل الذي خَصَّه الخطيبُ لـ (التدليس)، وجد فيه كلامًا قد تخفى دلالته، خاصَّةً على مِثْل الحافظ، بذهوله عن تعريف الخطيب في أوائل كتابه للتدليس. فأحسن الحافظُ ابن حجر الظنَّ بالخطيب، مثلما أحسن الظنّ بالحاكم من قَبْل! وحَمَّلَ كلام الخطيب على (الصوابِ)، الصوابِ عند الحافظ !!! والمُهِمُّ: أن الحافظ ابن حجر لم يُشِرْ - من قريب أو بعيد - إلى تعريفِ الخطيبِ السابق للتدليس، ولهذا قلتُ: فالظاهر أنه ذهل عنه !!! وسوف نعود إلى جميع كلام الخطيب في مواطنه المختلفة، وإلى تفسير الحافظ ابن حجر له (إن شاء الله تعالى)، ولكن بعد تعميق ما قد رسخ من أن (رواية المعاصر عمن لم يلقه): (تدليسٌ) عند الخطيب، ليكون هذا قاعدةً راسخةً نرجع إليها عند الاختلاف في رأي الخطيب في المسألة، للتحاكم إليها !! على أنه كان ينبغي أن لا يكون هناك اختلافٌ في رأي الخطيب من هذه المسألة! ومن أين للخلاف أن يُوجدَ؟ بعد أن أعلنها الخطيبُ واضحة كالشمس! ولكن رحم الله الحافظ ابن حجر، فهو الذي جعلنا نتجشّمُ الكلامَ عن الواضحات !! والخطيب بعد أن صدع بتعريف (التدليس) مُعْلِنًا دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في مسمى (التدليس)، لم يتخلّفْ تطبيقُهُ العَمَلِيُّ عن إثبات هذه الحقيقة عنده أيضًا. ٩٦ فقد خَصَّ الخطيبُ في كتابه (الكفاية) التدليس والمدلسين بِفَضْلٍ خاصّ، تكلم فيه عن اختلاف العلماء في ذَمِه وكراهته وأنواعه، ثم عَقَّبَ ذلك الفصل بفصل آخر بعنوان (ذكر شيء من أخبار المدلسين)، فكان أولُ خبر من أخبار (المدلسين) في هذا الفصل، قاطعًا في دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس). : قال الخطيب: ((ذكر شيءٍ من أخبار بَعْضِ المُدَلِسين. أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من الحكم بن عتيبة شيئًا، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من زيد بن أسلم، ولا من أبي الزناد. (قال أبي): وقد حَدَّثَ عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم شيئًا))(١). بهذه القوة يؤكد الخطيبُ دُخُولَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) في (التدليس) ذاكرًا تحت أخبار (المدلسين) أمثلةً من صَميم (الإرسال الخفي) عند المتأخرين، بل ذكر هذه الأمثلة في أولَ أخبار (المدلسين). وينقل الخطيبُ بعد ذلك عن يعقوب بن شيبة، كلامه الذي ذكرناه سابقًا، الصريحَ في دخول (رواية المعاصر عمن لم يلقه(في التدليس) والذي يقول فيه يعقوب: ((فأما من دلس عن غير ثقة، (١) الكفاية (٣٩٦). ٩٧ وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء)) (١). ينقل الخطيب هذه العبارة، دون أي تعقيب، بل مُوردًا إيَّاها مَوْرِدَ الاحتجاج. هكذا يُعلن الخطيبُ ويؤكد موقفه من هذه المسألة. ولم يزل الحافظُ ابن حجر بعد هذا كلِّه يقول : - بلسان الحال - للخطيب: ليس مذهبك هو مذهبك! وإنما قولك في المسألة هو ما أقول !!! هذا هو - دون أي مبالغة، ودون أي إخلال برصانة العلم . حقيقةُ موقف الحافظ ابن حجر من مذهب الخطيب في مسألتنا هذه. وقد كلَّفَنَا الحافظُ ابنُ حجر شَططًا، وأَجْهَدَنَا فيما كُنّا عنه في غُنْية، وذلك بنقل شُبَهِهِ التي احتج بها من كلام الخطيب، ونَقْضِها، وبيانٍ وَجْهِ معناها الذي لا يُخالِفُ فيه قَوْلُ الخطيبِ قوْلَ الخطيب! ولا يُناقِضُ مَذْهَبُ الخطيبِ معه مذهبَ الخطيب !! فكان من احتجاج الحافظ ابن حجر أن قال: ((وقد قال الخطيب في باب المرسل من كتابه الكفاية: ((ولا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس بمدلَّس وهو رواية الراوي عن من لم يعاصره أو لم يلقه. ثم مَثَّل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي وَلـ وللثاني بسفيان الثوري، وغيره عن الزهري. ثم قال: والحكم في الجميع عندنا واحد)). انتهى. [قال الحافظ ابن حجر]: فقد بَيَّنَ الخطيبُ في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك مُرْسَلٌ لا مُدَلَّس))(٢) . (١) الكفاية (٤٠٠). (٢) النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٦٢٣). ٩٨ هذا هو النقل الذي احتجّ به الحافظ، لكنه نَقْلٌ مُجْتَزَاً، وفي بقيّته ما يُؤثِّرُ على فَهْمِهِ! قال الخطيب : ((باب الكلام في إرسال الحدیث ومعناه، وهل يجب العمل بالمرسل أم لا؟. لا خلاف بين أهل العلم: أن إرسالَ الحديث الذي ليس بمدلَّس: هو رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه، نحو رواية سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومحمد بن المنكدر والحسن البصري ومحمد بن سيرين وقتادة وغيرهم من التابعين عن رسول الله وَالر، وبمثابته في غير التابعين نحو رواية ابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ورواية مالك بن أنس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ورواية حماد بن أبي سليمان عن علقمة، فهذه كلها رواياتٌ مِمّن سَمَّيْنا عَمْن لم يُعَاصِرُوه. وأمّا رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه: فمِثاله رواية الحجاج بن أرطاة وسفيان الثوري وشعبة عن الزهري، وما كان نحو ذلك مما لم نذكره. والحُكْمُ في الجميع عندنا واحد، وكذلك الحُكْمُ فيمن أرسل حديثًا عن شيخ لَقِيَهُ إلا أنه لم يَسْمَعْ ذلك الحديثَ منهُ وسمع ما عداه))(١). (١) الكفاية (٤٢٣). ٩٩ هذا كلام الخطيب بتمامه في هذا الموضع. وقبل مناقشة استدلال الحافظ به على ما أراد، أُوضّحُ في كلام الخطيب مَعَالِمَهُ الأساسيّةَ، مُفَصِّلاً إياه على ثلاثة أقسام حواها، لكل قِسْم منها حُكمُه، لما في ذلك من تأثير كبير على فَهْم كلامِ الخطيب. فالخطيبُ تناول في كلامه هذا ثلاثَ صُوَرٍ من الانقطاع في الأسانيد، عليها يدور كلامه وتقعيده في سياق واحد. فالصورة الأولى: رواية الراوي عمن لم يعاصره، إما أن عدم المعاصرة حقيقةٌ بعدم الإدراك، أو أن عدم المعاصرة مجازيٌّ لحصول إدراك قليل في سِنِيِّ الراوي الأولى من عمره، فهذه المعاصرة بعدم المعاصرة أشبه، فهي عدمُ معاصرةٍ حُكْمًا لا حقيقة . وسيأتي توضيح ذلك من خلال الأمثلة التي ذكرها الخطيب لهذا القسم. وهذه الصورة هي التي عَبَّر عنها الخطيب بقوله: ((رواية الراوي عمن لم يعاصره، أو لم يلقه)). ومن خلال توضيحي لمقصود الخطيب من هذا القِسْم، يظهر منه أنه أراد به (الإرسال الظاهر). لكن قد يُشْكِل على هذا قولُ الخطيب في تعبيره عن هذا القسم: ((أو لم يلقه))، فقد يُفْهَمْ أنه يعني به: (عدم اللقاء مع المعاصرة)، فيكون بذلك يقصد (الإرسال الخفي) عند المتأخرين لا (الإرسال الظاهر). لكن الصواب في فهم كلام الخطيب - عندي - أنه قصد بهذا القسم الأولِ صورةً (الإرسال الظاهر)، لا غير، وأما قوله: ((أو لم يلقه)) فيعني بها: عدمَ اللقاء مع المعاصرة التي هي بعدم ١٠٠