النص المفهرس
صفحات 41-60
الفصل الثاني علاقة (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بالتدليس والإرسال الخفي 0 1 المبحث الأول: أقوالٌ تطبيقية في بيان هذه العلاقة قبل الدخول في عرض الأقوال، ونقل تصرفات العلماء التطبيقية في هذا الموضوع، أنبه القارىء الكريم إلى أن المهمة العظمى التي يصرف إليها اهتمامه، والتي وإن التفتَ فلا يلتفتُ إلا إليها، أنها: علاقة الإرسال الخفي بالتدليس. فليعد إلى تعريفهما المنقولِ سابقًا(١)، ولينقشه في صدره، ثم ليتسلح بالصبر الجميل، وليلج معي ساحة ... الله يعينه كما أعانني - بحمده ومنّه - عليها. ونبدأ - بإذن الله تعالى - بـ أقوال الأئمة القرن الثالث الهجري، من أساطين العصر الذهبي للسنة، هي تطبيقات عملية، تكشف العلاقة بين الإرسال الخفي والتدليس. وهي أقوال نخلتها نخلاً من كتب التراجم والجرح والتعدليل! ونبدأ بالإمام أحمد بن حنبل: وتصرفه في أطلاق الإرسال [أقوالٌ للإمام أحمد] والتدليس. قال عبد الله بن الإمام أحمد: ((قال أبي: ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث - يعني: حديثَ الوضوء مما مست النار - والباقي يرسلها عنه))(٢). فتنبه إلى قوله: ((يرسلها)) مع أن مقتضى التعريف السابق للتدليس، أن يكون فِعْلُ الثوري هذا تدليسًا، لأن للثوري سماعًا من أبي عون في الجُمْلة، فروايته عنه بعد ثبوت سماعه ولو مرة، لِمَا لَمْ يَسْمعه منه، يُعَدُّ تدليسًا، لا إرسالاً. (١) في آخر المبحث الثاني من الفصل السابق (٣٩). (٢) العلل ومعرفة الرجال (رقم ٥٦٩٦). ٤٣ وأصرح منه قول الإمام أحمد: ((كان مبارك يرسل إلى الحسن، قيل: تدلس؟ قال: نعم))(١). كذا جاء هذا النقل في المصدر: بالتاء المثناة الفوقية في (تدلس)، وكأنّ المسؤول هو المبارك. والأرجح - عندي - أنها بالياء التحتية، وأن المسئول والمجيب هو الإمام أحمد. وعلى كل، فليس لذلك تأثير على ما نريد الاحتجاج به من هذا النقل، فهو على الوجهين صالح لذلك. فالمبارك المسؤول عنه، هو المبارك بن فضالة، أحد أشهر الملازمين للحسن البصري(٢)، حتى قال الإمام أحمد عنه: ((ما روى عن الحسن يحتج به))(٣). مع ذلك يصف الإمام أحمد ما لم يسمعه المبارك بن فضالة من الحسن البصري بالإرسال، مع أنه على مقتضى المستقر عندنا: تدليس، كما جاء في بقيّة النقل السابق: ((قيل تدلس؟)) قال: نعم)) . فهذان النقلان يوضحان أن الإرسال يطلق على التدليس، عند الإمام أحمد. 1 ولا شك أنه من الواضح أن الإرسال في كلام الإمام أحمد لم يُقَيَّد بخفاء، ولم يُوصَف بظهور، لكنا نكتفي بما أوضحناه من دلالة كلام الإمام أحمد هنا. والنقل الذي له دلالة واضحة ودقيقة هو النقل الآتي: قال الإمام أحمد: ((لم يسمع سعيد بن أبي عروبة من - (١) المعرفة والتاريخ للفسوي (٦٣٣/٢). - (٢) سوف تأتي له ترجمة موسعة - إن شاء الله تعالى - (٣٤٢ - ٣٦٥). (٣) العلل للإمام أحمد برواية المروذي (رقم ١٨٢). ٤٤ الحكم، ولا من حماد، ولا من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من زيد بن أسلم، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من عبيد بن عمر، ولا من أبي بشر، ولا من أبي الزناد . وقد حدّث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم))(١). فقف عند آخر هذا الحكم، عند قوله: ((وقد حدث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم)). هل ينضبط هذا مع تعريف التدليس والإرسال الخفي السابق ذکرهما؟! لا شك أن الرواية مع عدم السماع مطلقًا - على مقتضى التعريف السابق - ليست تدليسًا، وإنما هي إرسال خفي، بشرط حصول المعاصرة، وهنا تحققت المعاصرة(٢). فهذا نقل واضح ودقيق، يدل على أن الإمام أحمد يسمي رواية المعاصر عمن لم يلقه - وهي الإرسال الخفي -: تدليسًا. ثم ننتقل إلى إمام آخر، هو أبو زكريا يحيى بن معين: [أقوالٌ ليحيى بن (١) سير أعلام النبلاء للذهبي (٤١٥/٦ - ٤١٦)، وانظر ميزان الاعتدال له معين] أيضاً (٢/ ١٥٢). (٢) ذلك أن سعيد بن أبي عروبة أدرك الحسن البصري المتوفى سنة (١١٠هـ)، وانظر مصنف بن أبي شيبة (٤٢٥/٢ رقم ٧٩٥٦، و٢٨٠/٣ رقم ١١٢٥١). والحكم بن عتيبة توفي سنة (١١٣ هـ)، أو بعدها انظر التقريب (رقم ١٤٥٣). وحماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠هـ). انظر التقريب (رقم ١٥٠٠). وعمرو بن دينار (ت٢٢٦ هـ)، انظر التقريب (رقم ٥٠٢٤). وهشام بن عروة (ت ١٤٥ - أو ١٤٦ هـ)، انظر التقريب (رقم ٤٣٠٢). وزيد بن أسلم (ت ١٣٦ هـ)، انظر التقري (رقم ٢١١٧). وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان (ت ١٣٠ هـ)، انظر التقريب (٣٣٠٢). ٤٥ قال يحيى بن معين: ((لم يلق يحيى بنُ أبي كثير: زيدَ بنَ سلام، وقدم معاويةُ ابنُ سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذَ كتابَهُ عن أخيه، ولم يسمعه فدلسه عنه))(١). ومعنى هذا الكلام أن رواية: ((معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام أخي معاوية)) منقطعة من الجهتين: بين معاوية ويحيى، وبين يحيى وزيد ... هذا هو فحوى كلام یحیی بن معین. وهنا يسمي يحيى بن معين رواية معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير، وهو لم يسمع منه - كما قال ابن معين - یسمیھا: تدلیسًا. مع أنها على مقتضى التعاريف السابقة: إرسال خفي، لأنها رواية المعاصر عمن لم يسمع منه. على أنه قد خولف يحيى بن معين في حكمه هنا على هذه الرواية، فإنه هنا يطعن في رواية معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير، مع أنها رواية بالمناولة. فقد أعطى يحيى بن أبي كثير معاوية بن سلام كتاب أخيه، إلا أنه لم يقرأه ولم يسمعه منه، كما نص على ذلك يحيى بن معين نفسه(٢)، والعجلي(٣). ولذلك فقد قبل بعض الأئمة رواية معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير، واعتبروها مناولة مقبولة (٤). (١) التاريخ لابن معين (رقم ٣٩٨٣). (٢) انظر التاريخ لابن معين (رقم ٢٨). (٣) انظر معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء للعجلي (١٧٤٤). (٤) انظر جزء الحديث والعلل لأبي زرعة الدمشقي (٤٩/أ). ٤٦ لكن المقصود هو أن يحيى بن معين يسمي رواية المعاصر عمن لم يسمع منه تدليسًا، وهي الإرسال الخفي عند المتأخرين. وقال يحيى بن معين أيضًا: ((دلس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه))(١). وهذا نص قاطع أيضًا على إطلاق التدليس على ما يسميه المتأخرون إرسالاً خفيًا. وللفائدة: فقد وافق الإمامُ أحمدُ يحيى بن معين على نفي سماع هشيم من زاذان(٢). ولابن معين قول آخر يقطع كل شك باليقين، على أنه يطلق التدليس على الإرسال الخفي. قال يحيى بن معين: ((الأعمش سمع من مجاهد، وكل شيء يروي عنه لم يسمع، إنما مرسلة مدلسة))(٣) . كذا جاء كلام يحيى بن معين في المصدر، وهو مضطرب. ونبه محقق كتاب ابن معين إلى أنه كذا جاءت العبارة في الأصل المخطوط، وقال محققه الدكتور أحمد نور سيف: ((ولعل العبارة هكذا: وكل شيء يروى عنه لم يسمعه إلا ما قال سمعت، ونقل الدوري عنه: إنما سمع الأعمش من مجاهد أربعة أحاديث أو خمسة)» (٤). قلت: وسواء سمع الأعمش من مجاهد شيئًا فدلس ما سواه، أو لم يسمع منه مطلقًا فأرسل عنه، فإن احتجاجنا بكلام (١) التاريخ لابن معين (رقم ٤٨٨١). (٢) انظر جامع التحصيل للعلائي (رقم ٨٤٩). (٣) من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال ورواية الدقاق (رقم ٥٩). (٤) انظر حاشية تحقيق (من كلام أبي زكريا برواية الدقاق)، (٤٦) والتاريخ لابن معين برواية الدوري (١٥٧٠). ٤٧ يحيى بن معين قائم وقوي. لأنني إنما أحتجُّ بعطف يحيى بن معين التدليسَ على الإرسال، وكأنهما لفظان مترادفان، معناهما واحد عنده. وإلا فإنه إما أن يكون الأعمشُ سمع شيئًا وروى مما لم يسمعه فهذا تدليس - لا غير - عند المتأخرين، أو أنه لم يسمع شيئًا مع المعاصرة فهو إرسال خفي - لا غير - عند المتأخرين أيضًا. ولكلام ابن معين هذا قوّةٌ من ناحية أخرى، تَكْمُنُ في الصيغة التي عبَّر بها الإمامُ عن حكمه السابق. فقد عبَّر الإمامُ بالاسم لا بالفعل، فقال: ((مرسلة مدلسة))، ولم يقل: يرسله ويدلسه . ومصدر قوة هذه الصيغة، أنها تقطع كل اعتراض، قد يُزْعَمُ به أن كلام ابن معين ليس نصًا قاطعًا على إطلاق الإرسال الخفي على التدليس أو العكس، وذلك استنتاجًا من كلام للحافظ ابن حجر في (نزهة النظر)، في مبحث الغريب(١). حيث ذكر الحافظ ابن حجر الغريب والفرد، وأنهما مترادفان لغة واصطلاحًا، ثم قال: ((إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق(٢)، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي(٣) ... وهذا من حيث إطلاق الأسمية عليهما. وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو أغرب به فلان، (١) الغريب: ((ما تفرد بروايته شخص واحد)). نزهة النظر (٢٥). (٢) الفرد المطلق: ما كانت الغربة فيه في أصل السند، وأصل السند: طرفه الذي فيه الصحابي، فإذا روی صحابي حديثاً، وتفرد به أحد التابعين عنه، فهو الفرد المطلق. انظر نزهة النظر (٢٧ - ٢٨). واليواقيت والدرر شرح نزهة النظر للمناوي (١٩٤/١). (٣) الفرد النسبي: ما كانت الغرابة فيه في أثناء السند، انظر نزهة النظر (٢٨). ٤٨ وقريب من هذا اختلافهم في المنقطع والمرسل، هل هما متغايران أو لا؟. فأكثر المحدثين على التغايُرِ لكنه عند إطلاق الاسم. وأما عند استعمال الفعل المشتق، فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أم منقطعًا. ومن ثَمَّ أطلق غيرُ واحدٍ - مِمّن لم يلاحظ مواضعَ استعمالهم على كثير من المحدثين: أنهم لا يُغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك، لما حررناه، وقلَّ من نَبَّه على النكتة في ذلك، والله أعلم))(١). قلت: وكلام الحافظ هذا جيّد، وإن كان في نتيجته - عندي - نظر، ليس هذا موطن ذكره(٢). إلا أنه قد يَحتجُ مُختَجِّ بكلام الحافظ هذا، بأن النُّقُولَ السابقةَ لا تدل على إطلاق المحدثين التدليس على الإرسال الخفي، أو العكس، لأنها جاءت بالتعبير عن الحكم بالصيغة الفعلية، لا بالصيغة الاسمية. فلو اعترض أحدٌ بذلك جاء النَّقْلُ السابق عن ابن معين قاطعًا عليه ما يريد، مُفسِدًا عليه هذا الاعتراض تمامَ الفساد، إذ جاء التعبيرُ فيه بالصيغة الاسمية، وبصورة لا تدع مجالاً للشك: أن اللفظين مترادفان عند ابن معين: ((إنما مُرْسَلَةٌ مُدَلَّسَةٌ)). وأما شيخُ الصنعة الإمام البخاري، فقد وجدتُ له قولاً [قولٌ غزيزًا، يدل على أنه على مثل طريقة الإمام أحمد وابن معين في البخاري] إطلاق التدليس على الإرسال الخفي. فقد ذكر الترمذي في (العلل الكبير) أنه سمع البخاريِّ يقول: ((لا أعرف لابن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلس: ويروي عنه))(٣). (١) نزهة النظر (٢٨ - ٢٩). (٢) انظر المنهج المقترح (٢٣٠ - ٢٣٢). (٣) العلل الكبير للترمذي بترتيب أبي طالب القاضي (٢/ ٨٧٧). ٤٩ فإذا كان سعيد بن أبي عروبة لم يسمع مِن الأعمش، هل ينضبط وَضْفُ البخاري لذلك بالتدليس، على مقتضى نظر المتأخرين في التفريق بين التدليس والإرسال الخفي؟! وللفائدة: فقد نفى الإمام أحمد أيضًا سماع ابن أبي عروبة من الأعمش(١). وعلى نحو هذا الموقف إمامان آخران، هما: أبو داود السجستاني صاحب (السنن)، وعباس بن عبد العظيم العنبري الحافظ البغدادي (ت ٢٤٠ هـ). [قولٌ لأبي داود وعبّاس العنبري] قال أبو عبيد محمد بن علي بن عثمان الآجُرِي (ت في أوائل القرن الرابع) في سؤالاته لأبي داود: ((سمعت أبا داود يقول: كان عند علي بن المبارك كتابان عن يحيى بن أبي كثير: كتاب سماع وكتاب إرسال، فقلت لعباس العنبري: كيف تعرف كتاب الإرسال؟ فقال: الذي عند وكيع عن علي عن يحيى عن عكرمة، قال: هذا كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع)»(٢). فانظر إلى هذين الإمامين يسميان رواية علي بن المبارك لما لم يسمع من يحيى بن أبي كثير: إرسالاً، مع أنها عند المتأخرين: تدليس .. لا غير، لأنها رواية الراوي عمن سمع منه مالم يسمعه منه، كما عَرَّفُوا به التدليس، والإرسالُ سوى ذلك عندهم. وممن أطلق التدليس على الإرسال أيضًا، حافظ كبير هو خلف بن سالم السندي البغدادي مولى المهالبة (ت٢٣١هـ). [قولٌ لخلف بن سالم] (١) العلل للإمام أحمد (رقم ٤٨٥٨). (٢) سؤالات الآجري (رقم ٤٦٢). ٥٠ لكن كلامه الذي احتج به على أنه ممن يقول بذلك، فيه بعض الغموض، ووجه دلالته عليه بحاجة إلى توضيح، لذلك فسأذكر كلامه، ثم أبين وجه دلالته على ما أريد الاحتجاج له. قال خلف بن سالم: ((سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن وإبراهيم بن يزيد النخعي؛ لأن الحسن كثيرًا ما يُدخل بينه وبين الصحابة أقوامًا مجهولين، وربما دلس عن مثل: عُتَيّ بن ضَمْرة، وحَنْتَفِ بن السّجْف(١)، ودَغْفَل بن حنظلة وأمثالهم، وإبراهيم أيضًا يدخل بينه وبين أصحاب عبد الله: هُنَيّ بن نُوَيْرَة، وسَهْم بن مِنْجاب، وخِزَامة الطائي، وربما دلس عنهم))(٢). فهنا يذكر خلف بن سالم أنه تباحث هو وبعض الحفاظ مسائلَ التدليس والمدلسين، والجدير بالذكر أن خلف بن سالم كان يُقرن عِلْمًا بيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل(٣)، وهو من أقرانهم سنًا أيضًا، فلعل الذين تباحث معهم في شأن التدليس كانوا هؤلاء .. أو بعضهم .. أو نحوهم، وهذا يُكْسِبُ كلامَهُ قُوّةً أخرى، لاجتماعه هو وبعض الحفاظ من أمثال أولئك علیه. يذكر خلف بن سالم أن مما تذاكروه في المدلسين: تدليس الحسن البصري لعُتي بن ضَمْرة، وتدليسه عن عتي بن ضمرة إنما (١) وقع في المصدر: ((حنيف بن المنتجب))، ونبه محقق الكتاب أنه جاء في أحد أصوله المخطوطة: ((حنتف بن السجف))، وأن هذا الأخير هو الصواب، ومع ذلك أثبت الخطأ في الصُّلْب! وسوف يأتي الحديث عن هذا الراوي، ورواية الحسن عنه بإذن الله (٤٠٥ - ٤١٦). (٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (١٠٨). (٣) انظر المشيخة البغدادية للسلفي (٥٤/أ). ٥١ هو فيما يرويه عتي عن أَبيّ بن كعب، كما سيأتي في مبحثه الخاص به، في القسم الثاني - إن شاء الله تعالى _(١). والذي يهمنا هنا من ذاك المبحث بيان أن تدليس الحسن لعُتَيِّ بن ضَمْرَةً هو أنه يروي عنه عن أَبيّ بن كعب غير ما حديث، وربما حذف الحسنُ عُتَيَّ بنَ ضَمْرَةَ من أحد تلك الأحاديث، فروى الحديثَ عن أَبيِّ بنِ كعب بلا واسطة، بعد إسقاطه عُتيّا من إسناده. وقد فعل الحسنُ ذلك حقيقة، كما سيأتي في مبحثه(٢) (إن شاء الله تعالى). لكنّ الحسنَ لم يسمع من أبي بن كعب شيئًا على الإطلاق(٣)، فروايته عنه بلا واسطة ليست - عند المتأخرين - تدليسًا، وإنما هي إرسالٌ خفي، مع ذلك يُطلق خلفُ بن سالم على رواية الحسن عن أبي بن كعب بإسقاطٍ عُتَيٍّ بنِ ضمرة: تدلیسًا !! وأوضحُ من ذلك كلامُ خلف بن سالم على تدليس إبراهيم النخعي، كما يقول خلف، عن أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يعني: بحذف الواسطة التي بينه وبين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والروايةَ عنه بدونها. وعدم سماع إبراهيم النخعي من عبد الله بن مسعود من أشهر ما يكون، لتصريح إبراهيم النخعي نفسه بذلك، في كلامٍ له (١) انظر (٥٨١ - ٦٤١). (٢) انظر (٥٩٩ - ٦٤٠). (٣) انظر (٥٨١ - ٥٨٨). ٥٢ مشهور (١)، بَنَى عليه جماعةٌ من الأئمة قاعدةً للمراسيل؛ للمراسيلِ عامة، أو خاصةً بمراسيل إبراهيم، أو عن عبد الله بن مسعود بالأخص(٢). وعلى هذا فرواية إبراهيم النخعي عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسقاط الوسائط إرسال، وليست عند المتأخرين تدليسًا بحال، مع ذلك يصفها خلف بن سالم بقوله: ((وربما دلس عنهم))، يعني: عن تلامذة عبد الله بن مسعود، بإسقاطهم والرواية عنه بلا واسطة . وممن أطلق (الإرسال) على (التدليس): أبو حاتم وأبو زرعة [قولٌ لأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين] الرازيّان، فقد سألهما ابن أبي حاتم عن حديث رواه جَمْعٌ عن حميد عن أنس، ورواه آخرون عن حميد عن ثابت عن أنس، فصوّبا رواية من ذكر ثابتًا بين حميد وأنس، فقال لهما ابن أبي حاتم: سائلاً عمّن رواه دون ذكر ثابت، قائلاً: ((فهؤلاء أخطأوا؟ قالا: لا، ولكن قَصْروا، وكان حميدٌ كثيرًا ما يُرسل))(٣). يقولان ذلك، مع أن حميدًا سمع من أنس. فهَاهُما يُطلقان على (التدليس) لفظ (الإرسال). (١) أخرجه الترمذي في العلل الصغير أواخر الجامع (٧٥٥/٥)، وابن سعد في الطبقات (٢٧٢/٦)، وإسحاق بن راهوية في مسنده. انظر إتحاف الخيرة للبوصيري (٦٦/١/أ)، وأبو زرعة الدمشقي في تاريخه (رقم ٢٠٠٠)، والطحاوي شرح معاني الآثار (٦٢٦/١ - ٢٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (٣٧/١ - ٣٨). (٢) انظر شرح معاني الآثار للطحاوي (٢٢٦/١ - ٢٢٧)، والتمهيد لابن عبد البر (٣٨/١)، وشرح علل الترمذي لابن رجب (٥٣٢)، وجامع التحصيل للعلائي (٧١)، والنكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر (٢/ ٥٥٧). (٣) العلل لابن أبي حاتم (رقم ٢٠٧١). ٥٣ [قولٌ للعجلي] وعلى هذه الطريقة التي مضى عليها أولئك الأئمة، مشى الحافظُ الناقد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي (ت ٢٦١ هـ) صاحب كتاب (معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء، وذكر مذاهبهم وأخبارهم)، الكتاب المشهور بـ ((ثقات العجلي)). قال العجلي في ترجمة حجاج بن أرطاة: ((كان يُرسل عن يحيى بن أبي كثير ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مجاهد ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مكحول، ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن الزهري، ولم يسمع منه شيئًا، فإنما يعيب الناس منه التدليس))(١). وهذا من أوضح ما يكون، في إطلاق (التدليس) على الإرسال الخفي !! [قولٌ للفسوي] وهذا الحافظ الناقد أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي (ت ٢٧٧ هـ)، يقول في (المعرفة والتاريخ): ((وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر - ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير))(٢). فلا يخفى واضح هذه العبارة، بأن الفسوي يطلق على رواية المعاصر عمن لم يلقه مصطلح (التدليس). وهؤلاء الأئمة: أحمد، وابن معين، والبخاري، وأبو داود، وعباس العنبري، وخلف بن سالم، والعجلي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والفسوي، جميعهم من أعيان القرن الثالث الهجري، العصر الذهبي للسنة. (١) معرفة الثقات للعجلي (رقم ٢٦٤). (٢) المعرفة والتاريخ للفسوي (١٢٣/٢). ٥٤ ومن القرن الرابع: [أقوالٌ لأئمة القرن الرابع:] [قولٌ للنحاس] يقول أبو جعفر أحمد بن إسماعيل النحاس (ت ٣٣٨هـ) في (الناسخ والمنسوخ) معقبًا على حديث ذكره: ((وهذا لا حجة فيه، لأن الحجاج بن أرطأة يدلس عمن لقيه وعمن لم يلقه، فلا تقوم بحديثه حجة، إلا أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو: سمعت))(١). وهذا من صريح القول في اعتبار (رواية المعاصر عمن لم يلقه) (تدليسًا). ثم هذا الحافظ الناقد أبو حاتم ابن حبان البُسْتي يقول في [أقوالٌ لابن مقدمة كتابه (المجروحين): ((ومنهم المدلس عمن لم يره، حبان] كالحجاج بن أرطأة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه، ويدلسون حتى لا يُعْلَمَ ذلك منهم)) (٢). ثم شرح ابن حبان كلامه هذا بذكر بعض الأمثلة، فكان من الأمثلة التي ذكرها: رواية الحجاج بن أرطأة عن الزهري، مع عدم سماعه منه . ورواية الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، مع عدم سماعه منه. ورواية الحسن البصري عن أبي هريرة، مع عدم سماعه منه أيضًا(٣). هذا كله يُطلق عليه ابنُ حبان مصطلحَ (التدليس)، مع أنه روايةٌ مع عدم السماع، بل ومع عدم الرؤية! وهذه الرواية عند المتأخرين ليست إلا (الإرسال الخفي)، خارجةٌ عن مُسمّى. (التدليس). (١) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (٥٥٧/١)، عقب الحديث رقم ١٠٨. (٢) المجروحين لابن حبان (٨٠/١). (٣) المجروحين لابن حبان (٨٠/١ - ٨١). ٥٥ ويؤكد ابنُ حبان معنى اصطلاح (التدليس) عنده، خلال تصرفاته وتطبيقاته العملية، في أثناء بعض كتبه. فقال في ترجمة الحجاج بن أرطاة: ((كان الحجاج مدلسًا: عمن رآه وعمن لم يره))(١). وقال في ترجمة بشير بن المهاجر الغنوي: ((روى عن أنس، ولم يره، دلس عنه))(٢). وقال في ترجمة يحيى بن أبي كثير اليمامي: ((كان يدلس، فكلما روى عن أنس دلس عنه، لم يسمع من أنس ولا من صحابي شيئًا))(٣). وهذه الأقوال من ابن حبان أصرحُ شيء على إطلاقه التدليسَ على ما يُسمّيه المتأخرون بـ (الإرسال الخفي). وعلى هذا النهج أيضًا عَضْرِيٍّ لابن حبان، ألا وهو الحافظ [أقوالٌ لابن عدي]. أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥ هـ). قال ابن عدي في (الكامل) في ترجمة حجاج بن أرطأة: ((إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره))(٤). وكان ابن عدي قد أخرج بإسناده إلى حجاج بن أرطأة نَفْيَهُ عن نفسه السماع من الزهري(٥)، ونقل ابنُ عدي مثلَ ذلك عن بعض الأئمة(٦). (١) المجروحين لابن حبان (٢٢٦/١). (٢) الثقات لابن حبان (٩٨/٦). (٣) الثقات لابن حبان (٥٩٢/٧). (٤) الكامل لابن عدي (٢٢٩/٢). (٥) الكامل لابن عدي (٢٢٥/٢). (٦) الكامل لابن عدي (٢٢٤/٢ - ٢٢٥). ٥٦ فماذا يعني وصفُهُ الحجاج بن أرطأة بالتدليس في روايته عن الزهري، مع عدم سماع الحجاج بن أرطأة من الزهري شيئًا !! ألا يدل ذلك على أنه مخالفٌ لما تقرر عند المتأخرين من التفريق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي)؟! وقال ابن عدي أيضًا في ترجمة سعيد بن أبي عروبة: (([وكان](١) ثبتًا عن كل من روى عنه، إلا من دلس عنهم (٢)، وهم(٣) الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم)) (٤). وهذا قاطع على أن ابن عدي يسمي رواية المعاصر عمن لم يسمع منه: تدليسًا، بدليل قوله: ((ممن لم يسمع منهم))، وما ذلك عند المتأخرين إلا الإرسال الخفي، والتدليس قَسِيْمُهُ المُبَايِنُ له عندهم. ومن القرن الخامس: قال الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد الخليلي (ت ٤٤٦هـ) في كتابه (الإرشاد): ((قد روى عن عكرمة جماعةٌ ممّن لم يَلْقَوْه، وإنما يُدلسون عنه، كالحسين بن واقد، وغيره)»(٥) . [ومن القرن الخامس قولٌ للخليلي] (١) سقط من المصدر، وزدته من نقل الحافظ ابن حجر في ((التهذيب)) (٤/ ٦٦) لكلام ابن عدي. (٢) في المصدر: ((إلا من جلس عنهم))، وهو تحريف واضح، والتصويب من تهذيب التهذيب (٦٦/٤)، ومن حاشية تحقيق الدكتور بشار عواد معروف لتهذيب الكمال، حيث نقل عن مخطوطة الكامل لابن عدي، فنقله عنه على الصواب (١١/١١). (٣) في المصدر: ((وهو ... )) وهي عجمة واضحة. (٤) الكامل لابن عدي (٣٩٧/٣)، وقد وقع فيه تحريفات سبق شرحها. (٥) منتخب الإرشاد للخليلي، بانتخاب أبي طاهر السّلَفي - المطبوع على أنه هو الإرشاد (٣٤٩/١). ٥٧ وهذا قول واضح على منوال ما سبق. ولغير الخليلي من أهل هذا القرن أيضًا، أقوالٌ نحو من قوله، كالخطيب البغدادي، لكنّنا أخّرناها مع أقوالهم التنظيريّة (١). فهذه نقولٌ كثيرة التقطتها واقتطفتها من كتب التراجم، لبعض أئمة الحديث وأقطابه، في قرنين هما أزهى القرون بالسنة، وأزخرها بعلمائها. كُلُّها تُثبت تمامَ الإثبات أن رواية المعاصر عمن لم يسمع منه: (تدليسٌ) في اصطلاح المحدثين، وأن ما يُسمّيه الحافظُ ابن حجر ومن تَبِعهُ: إرسالاً خفيًا، ما هو إلا قِسْم من التدليس، لا قَسِيمٌ له كما ادّعى الحافظ ابن حجر ومن تبعه. وقد اخترتُ النقولَ السابقةَ بعد تمحيص وتدقيق، واخترتُها أن تكون واضحةً الاستدلال، قطعية الدلالة، وقد تركتُ لهذا الشرط في الاختيار أقوالاً أخرى ليست على شرطها في الوضوح، إقامةً للحجة وقطعًا لقيل وقال وكثرةٍ الاعتراض. ولأني إنما أبتغي الحقَّ والصوابَ أينما كان، لست أتعصّبُ [أقوالٌ يُشْتَبَهُ في إلا له، ولا أدفعُ إلا ما سواه؛ فإني سأذكر لك ثلاثةَ أقوال قد أنها تناقض يتمسّكُ بها من تعصّب للحافظ ابن حجر في إثبات الفرق بين الأقوال (رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) و(التدليس). السابقة.] وسوف نناقش هذه الأقوال، بما يُبَيِّنُ قِيَامَهَا بالحجة من عدم قيامها، بإذن الله تعالى وتوفيقه. وأول هذه الأقوال، قول لـ أبي حاتم الرازي: فقد ذكر أبو حاتم مراسيل عبد الله بن زيد أبي قِلَبَةً الجَزْمي، عن جماعة روى عنهم ولم يسمع منهم شيئًا(٢)، ثم [قولان لأبي حاتم وتفسيرهما] (١) انظر ص (٩٤ - ١٢٤). (٢) انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥٧/٥ - ٥٨)، والمراسيل له (رقم ١٧٣). ٥٨ سأله ابنُهُ: «أبو قِلَبَةَ عن مُعَاذة أحبُّ إليك، أو قتادةُ عن مُعَاذة؟ فقال: جميعًا، ثقة، وأبو قلابة لا يُعْرَفُ له تدليس))(١) . فَفَهِمَ الحافظ ابن حجر من هذا أن أبا حاتم يُفرق بين (رواية المعاصر عمن لم يسمع منه) و(التدليس)، لأن أبا حاتم مع ذكره عدم سماع أبي قلابة من جماعة روى عنهم: ينفي أن يكون عُرِفَ بتدلیس! قال الحافظ في (تهذيب التهذيب) في ترجمة أبي قلابة: ((وهذا يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء، لا الاكتفاء بالمعاصرة»(٢). وقد تحرفت هذه العبارة بزيادة كلمة: ((في التدليس)) عقب قوله: ((إلى اشتراط اللقاء)) في مطبوع (تهذيب التهذيب)، والكلام بها يكون مضطربَ المعنى! وتصويبها من (فتح المغيث)(٣) للسخاوي، حيث نقلها من (التهذيب) على الصواب. وعبارة الحافظ هذه تدلّنا على أن الحافظ لمّا وَازَنَ بين: نَفْي أبي حاتم صِفَةً (التدليس) عن أبي قلابة، وحُكْمِهِ - مع ذلك - بعدم سماع أبي قِلاَبةً من بعض مَنْ عاصرهم، خرج بأنّ أبا حاتم يُفرِّقُ بين (التدليس) و(رواية الراوي عمن عاصرهم ولم يسمع منهم)، بدليل نَفْي صِفَةِ (التدليس) عن أبي قلابة مع روايته عمن عاصرهم ولم يسمع منهم. غير أنّ الحافظ لم يُصَرِّخ بقيامه بهذه الموازنة، ولا بالنتيجة التي خرج بها منها. لكنه انتقل إلى نتيجةٍ أبعد، مَبْنِيَّةٍ على النتيجة المذكورة آنفًا. حيث استدلّ الحافظُ بالتفريق بين (التدليس) و(رواية (١) الجرح والتعديل (٥٨/٥). (٢) تهذيب التهذيب (٢٢٦/٥). (٣) فتح المغيث للسخاوي (١٩٢/١). ٥٩ المعاصر عمن لم يلقه)، التفريقِ الذي خرج به من موازنة كلام أبي حاتم بَعْضِهِ ببعض، إلى أنْ الراوي غيرَ المدلْس قد يرويّ عمّن عاصّره ولم يلقه. وهذا يدّل على صِحّةِ اشتراطِ العِلْم باللقاء وثُبوته، وعدم صِحّةٍ الاكتفاء بمجرّد المعاصرة: لأنّه لا يَدُلَّنا على سلامةِ الراوي من الرواية عمن عاصره ولم يلقه، إلا العلمُ باللقاء؛ حيثُ إن صفةً (التدليس) لا تُطْلَقُ على (رواية المعاصر عمّن لم يلقه)، حتى يُمكننا - فيما لو كانت تُطلق عليها - تمييزُ الرواةِ الذين تقع منهم (الرواية عن معاصرٍ لم يلقه) مِن الرواة الذين لا يقع منهم ذلك، ليُمكننا - فيما لو حَصَلَ هذا التمييز - الاكتفاء بالمعاصرة، وعدم اشتراط العلم باللقاء. لكنّ صفة (التدليس) - عند الحافظ ! - لا تُطلق على (رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه)، فلم يَحْصُل - عند الحافظ أيضًا ! - التمييز المُغْني عن اشتراط العلم باللقاء، لذلك قال: ((وهذا يُقَوِّي مَنْ ذهب إلى اشتراط اللقاء، لا الاكتفاء بالمعاصرة)). هذا هو وَجْهُ استدلالِ الحافظ، وهذا هو فَهْمُه لكلام أبي حاتم . لكن هذا الفهمَ من الحافظ لكلام أبي حاتم، والمَحْمَلَ الذي حمل عليه كلامَه، مما لم يُوافَقْ عليه، بل لإمامٍ سابقٍ على ابن حجر، وعلامةٍ لاحِقٍ به = فَهْمٌ يخالف فَهْمَ ابنِ حُجر !! فهذا الإمام الذهبيُّ يتعقّبُ كلام أبي حاتم المذكور بقوله: ((معنى هذا: أنه إذا روى شيئًا عن عمر أو أبي هريرة - مثلاً - مرسلاً، لا يَذْري من الذي حدثه به، بخلاف الحسن البصري فإنه كان يأخذ عن كل ضرب، ثم يُسْقطهم، كعلي بن زيد تلميذه))(١). كذا فهم الإمام الذهبي كلام أبي حاتم، وهو فهمٌ ليس فيه - (١) سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٧٣). ٦٠