النص المفهرس
صفحات 21-40
رياض السنة، مخطوطِها والجديدٍ من مطبوعِها، جَذْلاَنَ هَيْمَانَ إلى أن يأتي الله بأمره. لكني - بحمد الله تعالى - بعد هذا الاستقراء اطمأننت إلى ما توصلت إليه، وأصبحت على يقين من أن الاستدراك عليّ في نتائحه، لن يكون إلا في أقل القليل. إذ الإحاطة الكاملة لله وحده سبحانه، وليس للبشر إلا السعي بحسب الوسع، والعمل بقدر الطاقة، والضعفُ والجهلُ من خِلْقَةِ الإنسان. وشرطي في أحاديث هذا البحث: أولاً: أني أسوق جميع الأحاديث التي تذكر سماع الحسن ممن روى عنهم، أو تشهد لعدم سماعه منهم، من مصادر السنة كلِّها التي استقرأتُها، دون تَقَيُّدٍ بِكُتبٍ مُعيَّنة. فأذكرها بأسانيدها ومتونها، مُخَرِّجًا لها، مُتَمِّمًا الكلامَ عن رجال أسانيدها وعِلَلها، ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، ثم الحُكْمُ عليها. ثانيًا: أني أذكر بعد الأحاديث الداخلة في الشرط السابق، بقيّة أحاديثِ الحسنِ البصري عمّن روى عنهم. وهي التي لا تَذْكُرُ السماعَ ولا تشهد لعدمه، ضِمْنَ الكُتُبِ الستة - ومنها السنن الكبرى والصغرى للنسائي - ومسند الإمام أحمد. وبذلك يكون هذا البحث شاملاً أيضًا لجميع أحاديث الحسن المسندة في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد. لذلك فقد جاء هذا البحث شاملاً لجميع أحاديث الحسن البصري في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد، إضافة إليها الأحاديث الدالة على السماع أو الشاهدة على عدمه، التي لم أتقيّد فيها بكتب معيّنة، والتي هي مجال استقرائي الواسع المشار إليه سابقًا. ثم بعد هذه الأحاديث التي أُخرّجها وأَخْكُمُ على أسانيدها أيضًا، أَتبعُ كُلَّ مبحثٍ بذكر أماكنٍ وجودِ أحاديثِ الحسنِ عن ٢١ صاحب المبحث الذي رَوَى عنه الحسن، وهي الأحاديث التي لا تدخل ضِمْنَ الشَّرْطَيْنِ السابقين، فأكتفي بالعزو إلى أماكن وجودها فقط ... غالبًا. وأمّا بالنسبة لترجمة الرواة، فإني أكتفي بالترجمة لهم في أوّل موطن يرد فيه ذكرهم .. غالبًا، ثم إن تکرر ذِكْرُ الراوي، اكتفيتُ بدلالة كشاف الأعلام إلى موطن ترجمته، عن أن أحيل كلما تكرر إلى موطنها . فأرجو الله الكريم أن يتقبل جهدي هذا بقبول حسن، وأن يبارك فيه، ليورق ويثمر، ويبلغ الحصاد، فيؤتي أكله كل حين بإذن ربه، فلا ينقطع العمل - به - بعد انقطاع الحياة !! ولا يسعني بعد حمد الله تعالى، إلا أن أشكر من سبقت أياديه الظاهرةُ عليَّ إلى شكره: فعَاجُو فَأَثْنَوْا بالذي أنْتَ أهلُهُ ولو سَكَتُوا أَثْنَتْ عليكَ الحَقَائِبُ ذاك هو شيخي الفاضل وأستاذي الكريم الدكتور عويد بن عياد المِطْرٍفي (حفظه الله وأثابه وبارك لنا في علمه). فلم أزل أغترف من علمه، وأتأذّب بسَمْتِه. وهو في تواضعه ودمائة خُلقه وصبره وأياديه البيضاء عليّ، ألزمني مع حق الأستاذية بحق الأبوّة أيضًا. فمتى أؤدي حق أحدهما؟! حتى أؤدي الحق الآخر !! ولا يفوتني أن أشكر جميع شيوخي وأساتذتي الفضلاء، وجميع القائمين على هذا الصرح العلمي العليّ؛ (جامعة أم القرى)، وعلى رأسهم معالي الدكتور راشد الراجح مدير جامعة أم القرى، حفظه الله . وأخص بالشكر أيضًا العاملين في قسم المخطوطات من مركز البحوث بالجامعة. ومنهم الدكتور عابد قوجاق الذي تفضّل ٢٢ بإهدائي مصورة لإحدى المخطوطات المهمة النادرة من خارج المملكة، فلا أنسى له ذلك. ثم أشكر أيضًا كل من أشار عليَّ، أو أفادني برأي، أو ناقشني في شيء مما استفدت منه في بحثي هذا. فللجميع مني الشكر، والدعاء برضى الله سبحانه وتوفيقه. وأخيرًا، فمع أني لا أخفي اعتزازي ببحثي هذا، وبالجهد المبذول فيه، إلا أني لا أجهل ضعفي وعجزي وقلّة علمي. ولا يفتأُ الباحثُ مِنْ تَلَقِّي الدرسِ بعد الدرسِ، من بَحْثِه نفسه، يَدُلُّه على مقدار ما رُكُبَ عليه هو - وجميع البشر - من النقص. وعذري فيما أخطأت فيه، أني لم آل جهدًا، ولم أدَّخر وقتًا، للسعي إلى الحق والصواب. فإن وُفقت إلى الحق فمن الله وحده، وله الحمد والثناء كله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، أعاذني الله من شرهما. والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وكتب: الشريف حاتم بن عارف بن ناصر العبدلى العوني. ٢٣ القسم الأول الدراسة النظرية . الباب الأول تغريفُ الإرسالِ الخَفِيّ وعلاقته بالتّذلِيس ـيب الفصل الأول: تعريف المرسل الخفي. الفصل الثاني: علاقة (رواية المعاصر عمن لم يلقه) بالتدليس والإرسال الخفي. الفصل الثالث: حكمُ عَنْعَنَةِ الراوي المعروفِ بالرواية عمّن عاصره ولم يلقه. خلاصة الباب: (وفيها أهم نتائجه). الفصل الأول تعريف المرسل الخفي ويشتمل هذا الفصل على مبحثين كما يلي: المبحث الأول: تعريف المرسل الخفي لغة. المبحث الثاني: تعريفه اصطلاحًا. وإليك البيان: المبحث الأول: تعريف المرسل الخفي لغة: المرسل الخفي: اسمٌ عَلَمٌ مُرَكّب، فإذا أردنا معرفةً معناه اللغويِّ يَجِبُ تفكيكُ تركيبهِ، وتعريفُ كُلِّ طَرَفٍ منه على حِدَة. فالمرسلُ لغةً: قال أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الإمام اللغوي (٣٩٥هـ) في كتابه (مقاييس اللغة): ((الراء والسين واللام: أصل واحدٌ مُطَّرِدٌ مُنْقَاس، يَدُلُّ على الانبعاثِ والامتداد))(١) . وقال أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الراغب الأصبهاني (ت حوالي ٥٠٢هـ) في كتابه (المفردات في غريب القرآن): ((أَصْلُ الرِّسْل: الانبعاث على التؤدة))(٢). هذا على قول ابن فارس والراغب أصلُ معنى الكلمة، الذي انبثقت منه معانيها الفرعية، وإطلاقاتها المشتقّة. أمّا المعاني المشتقة والمستعارة، وعلاقتها بالمعنى الاصطلاحي، فقد استوفاها الحافظ العلائي في (جامع التحصيل)(٣)، فأنا أذْكُرُ مضمونَ كلامه بما أراه يَحْسُنُ من تعقيب وزيادة. فالمعنى اللغوي الأول للإرسال، هو: الإطلاقُ والتركُ وعدمُ المنع . واسْتَشْهَدَ العلائيُّ لذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّ﴾(٤). (١) معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٣٩٢/٢). (٢) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني (١٩٥). (٣) انظر جامع التحصيل للعلائي (٢٣ - ٢٤)، وعنه السخاوي في فتح المغيث (١٥٥/١ - ١٥٦). (٤) سورة مريم: الآية ٨٣. ٠ ٣١ غير أن الاستشهاد بهذه الآية على أن الإرسالَ فيها بمعنى التّرْك والتخلية غيرُ حسن، والأَوْلَى عدَمُه؛ لأن تفسير الإرسال فيها بذلك إنما هو على رأي المعتزلة في نفي تقدير الله تعالى للشر (١). وأما تفسير الإرسال عند أهل السنة في هذه الآية، فهو بمعنى: التسليط (٢). أمَّا سبب عدم جَزْمي برد تفسير الإرسال بالتخلية، وعدم خَزْمي في إنكاره، مع كونه تفسيرًا للمعتزلة، ومع كون الاختلاف في أصل المسألة - وهو تقدير الله عز وجل للخير والشر - بين أهل السنة والمعتزلة اختلافًا حقيقيًا، فلأن الاختلافَ في تفسير الإرسال في الآية بكلا الوجهين للفريقين اختلافٌ لفظيٍّ في نتيجته ومؤدّاه، وليس له حقيقة(٣). فإن التخلية بين المُرْسَل ومن أُرْسِلَ إليهم من لوازم التسليط، ولا يتمُّ التسليط إلا به. وإرسال الشيء الذي من طَبْعِهِ وشأنه أن يفعل فِعْلاً، وعدمُ مَنْعِه من فعله، هذا هو التسليط، كما حقق ذلك ابنُ قيّم الجوزية: محمدُ بنُ أبي بكر بن أيوب الدمشقي (ت٧٥١ هـ) في كتابه الجليل (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) (٤). والأَوْلى الاستشهادُ لتفسير الإرسال بالتَّخْلِيةِ، إن كان بالقرآن، فبقوله تعالى: ﴿وَمَا يُمْسِكَ فَلَ مُرْمِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾(٥). (١) انظر الكشاف للزمخشري (٤٢٣/٢)، وحاشيته لابن المنير، والمفردات للراغب (١٩٥)، وعمدة الحفاظ للسمين الحلبي (٢٠٣). (٢) انظر تفسير الطبري (٩٥/١٦)، ومعاني القرآن للنحاس (٣٦٠/٤)، وتفسير الفخر الرازي (٢٥١/٢١)، وشفاء العليل لابن قيم الجوزية (١٧٤/١ - ١٧٦)، وأضواء البيان الشنقيطي (٣٨٨/٤ - ٣٨٩). (٣) انظر غرائب القرآن ورغائب الفرقان النيسابوري (٧١/١٦). (٤) شفاء العليل لابن النديم (١٧٦/١). (٥) سورة فاطر: الآية ٢. ٣٢ فظاهِرُ الآية أنَّ الإرسالَ فيها ضِدُّ الإمساك، وضِدُّهُ إنما هو الإطلاقُ والتَّرْك. وأمَّا أن معنى الإرسال: الإطلاق والترك والتخلية في اللغة، فمعنى مشهورٌ معلومٌ، ومنه قولهم: أرسل الفَحْلَ في الإبل، إذا أُطلق وخُلِّيَ بينها (١). وعلاقة هذا المعنى اللغوي بالمعنى الاصطلاحي للمُرْسَل: أن المُرْسِلَ كأنه أطلق الإسناد، ولم يقيده براوٍ معروف. والمعنى اللغوي الثاني: من قولهم: جاء القومُ أرسالاً، أي: جماعة بعد جماعة، وكقولهم: أورد الإبل أرسالاً، أي: مُتَقَطِّعةً .. قطيعًا تِلْوَ قَطيع(٢). ومنه ما جاء في حديث وفاةِ الرسولِ وَّله والصَّلاة عليه، وأنهم كانوا يدخلون عليه أرسالاً أرسالاً فَيُصَلُّون عليه(٣)، أي: أفواجًا، وفِرَقًا متقطّعةً، يَتْبَعُ بعضُهم بعضًا (٤). وقال لبيدُ بنُ ربيعة العامري رضي الله عنه: وما المالُ والأهلونَ إلا وَدِيعةٌ ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الوَدَائِعُ وَيَمْضُونَ أَزْسالاً ونَخْلُفُ بعدهم كما ضَمَّ أُخْرَى التالياتِ المُشَايِعُ قال علي بن عبد الله بن سنان الطُّوسي (من لُغَوِيِّي القرن الثالث) في شَرْحه لديوان لبيد: «أرسالاً: جماعةً بعد جماعة، (١) انظر لسان العرب: (رسل) (٢٨٥/١١)، وأساس البلاغة (١٦٢). (٢) انظر الصحاح للجوهري (١٧٠٩/٤)، ولسان العرب (٢٨١/١١). (٣) انظر سنن ابن ماجه رقم (١٦٢٨)، والسيرة لابن هشام (٦٦٣/٤)، وطبقات ابن سعد (٢٨٨/٢ - ٢٩٠)، ودلائل النبوة للبيهقي (٧/ ٢٥٠). (٤) انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٢٢٢/٢). ٣٣ التاليات: أواخر الإبل، المشايع: الذي يَزْجُرُ أَبِلَهُ، ويَصِيْحُ بها))(١). وعلاقة هذا المعنى اللغوي بالاصطلاحي: تَصَوُّرُ الانقطاع في كليهما، إذ الحديثُ غيرُ المُتَّصِلِ: مُرْسَلٌ، أي: كل طائفة منهم لم تَلْقَ الطائفةَ الأخرى. والمعنى اللغوي الثالث: أن يكون مأخوذًا من الاسترسال، وهو الاستئناس والطمأنينة إلى الإنسان، والثقة فيما يحدثه(٢). ويُروى في هذا المعنى حديثٌ لا يصح: ((أَيُّمَا مؤمن استرسل إلى مؤمنٍ فَغَبَنَهُ كان غَبْنُهُ ذلك رِبًا))، وفي لفظ: ((غَيْنُ المُسْتَرْسِلِ رِبًا [وفي رواية: حَرامٌ])»(٣). قال العلائي: ((وهذا اللائقُ بقول المُخْتَجِّ بالمرسَل، كما سيأتي في أدِلَّتهم - إن شاء الله تعالى - لكن يَرِدُ عليه: أن خَلْقًا من الرواة أرسلوا الحديثَ مع عدم الثقة برواية الذين أرسلوا عنه)) (٤). والمعنى اللغوي الرابع: من قولهم ناقة رَسْلة، أي: سريعة السير سهلته. (١) ديوان لبيد بن ربيعة (١٧٠). (٢) انظر لسان العرب (٢٨٣/١١). (٣) أخرجه الطبراني (رقم ٧٥٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (١٨٧/٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣٤٩/٥)، وضعفه، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٦). وانظر سلسة الأحاديث الضعيفة للألباني (رقم ٦٦٧، ٦٦٨، ١٥٦٥). (٤) جامع التحصيل (٢٣ - ٢٤). ٣٤ ومنه قول كعب بن زهير (١) في قصيدته المشهورة (٢): أمست سعادُ بأرضٍ لا يُبَلْغُها إلا العِتاقُ النَّجِيباتُ المَرَاسِيلُ قال ابن الخطيب: يحيى بن علي بن محمد أبو زكريا التّبْرِيزِيّ (٣) (ت ٥٠٢هـ) في شرحه لقصيدة كعب بن زهير: ((والمراسيل جمع مِرْسَال، وهو مِفْعَال من قولهم: ناقة رَسِيلة: إذا كانت سريعةً رَجْعَ اليدين في السَّيْر))(٤). كذا قال ابنُ الخطيب التبريزي في واحد المراسيل، أنه مِزْسال. لكن جاء في شرح ديوان الحطيئة ليعقوب بن إسحاق الشهير بابن السِّكْيْتِ (ت٢٤٦هـ) في شرح قول الحطيئة(٥): (١) كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، الشاعر ابن الشاعر، صحابي معروف، أسلم في العام التاسع، وقيل: إن وفاته سنة ست وعشرين، وقيل بل تأخر إلى خلافة معاوية. انظر الإصابة (٣٠٢/٥ - ٣٠٣)، والأعلام للزركلي (٢٢٦/٥)، ومقدمة ديوان كعب بن زهير لمفيد قميحة (٢٠). (٢) قصيدة كعب بن زهير المسماة بـ ((البردة)) من أشهر الشعر العربي، ومن أثبته إسناداً، أخرج القصيدة وصححها الحاكم في المستدرك (٥٧٩/٣ - ٥٨٣). وليوسف بن حسن بن عبد الهادي الحنبلي رسالة باسم (الإرشاد إلى اتصال بانت سعاد بزكي الإسناد)، منها صورة بمكتبة الحرم المكي الشريف: المكتبة الصديقية (رقم ١١١٦). (٣) نص ياقوت الحموي في معجم الأدباء على أن من قال في هذا العالم اللغوي (الخطيب) بحذف (ابن) فهو واهم، وأن الصواب إثباتها: (ابن الخطيب) انظر معجم الأدباء لياقوت (٢٥/٢٠). وهذا العالم غير المحدث الخطيب التبريزي صاحب (مشكاة المصابيح) محمد بن عبد الله العمري (ت ٧٤١ هـ تقريباً) انظر الأعلام للزركلي (٦/ ٢٣٤) . (٤) شرح قصيدة (بانت سعاد) لابن الخطيب التبريزي (١٨). (٥) الحطيئة: جرول بن أوس العبسي، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، شاعر الهجاء، له قصص مع أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب، قيل في وفاته سنة (٣٠ هـ) أو نحوها، وقيل: سنة (٤٥ هـ)، انظر فوات الوفيات لابن شاكر (٢٧٦/١ - ٢٧٩)، والأعلام للزركلي (١١٨/٢). ٣٥ وأُدْم كَأَزْآم الظباءِ وَهَبْتُها مراسيلَ مَشْدُودٍ عليها رِحَالُها قال ابن السكيت: ((المراسيل: السراع، واحدتها رَسْلة، كان ينبغي أن يُقال لواحدٍ مراسيل: مِرْسال، لكنّ العربَ لم تَقُلْهُ، إلا رَسْلَة، وليس للمراسيل من لفظها واحد))(١). كذا قال ابن السكيت، وجاء في (لسان العرب) ما يُوافقُ ابن الخطيب التبريزي(٢). وعلاقة هذا المعنى بالمعنى الاصطلاحي: أنَّ المُرسِل كأنه أسرع فيه عَجِلاً، فحذف بَعْضَ إسنادِه. هذه هي اشتقاقاتُ المعنى الأصلي لكلمة (رِسْل)، وعلاقة كل اشتقاق بالمعنى الاصطلاحي للمرسل. وقال العلائي بعد أن ذكرها: ((والكل محتمل))(٣). قلت: نعم، لكن الأول أقواها وأوْجَهُهَا، فعلاقة المعنى اللغوي بالاصطلاحي فيه ظاهرة لا تحتاج إلى تَكَلُّفٍ(٤). فالأقوى - عندي - أنها مأخوذة من الإرسال بمعنى: الإطلاق، والإهمال، وعدم المنع. هذا ما يتعلق بتعريف المرسل لغة. أمَّا اللفظ الآخر لمسمى هذا العَلَم المركب، وهو: الخَفِيّ، فغيرُ خفي! فالشيء الخفي، والخافي، والخفا: الذي لم يظهر(٥). (١) ديوان الحطيئة رواية وشرح ابن السكيت (٢٢٨ - ٢٢٩). (٢) انظر لسان العرب (رسل) (٢٨٣/١١). (٣) جامع التحصيل (٢٤). (٤) وانظر المنهج المقترح لفهم المصطلح، من تأليف العبد الفقير (ص ٤١ - ٤٢). (٥) انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي (خفي) (١٦٥٢). ٣٦ فالخفاء ضِدُّ الظهور. وعلاقة الخفاء بالمرسل الخفي هي: أن المرسل الخفي انقطاعٌ غير ظاهرٍ في الإسناد، ولذلك قالوا عنه: إنّه علم عميق المسالك، بعيد الأغوار، من أعوص علوم علل الحديث. ولذلك - كما قال العلائي - لم يتكلم فيه إلا حذاق الأئمة الكبار(١). (١) جامع التحصيل (١٢٥). ٣٧ المبحث الثاني: المرسل الخفي اصطلاحًا: بعد أن عرفنا معنى الإرسال والخفاء في اللغة، وعلاقة ذلك المعنى بالمصطلح، يبقى تعريف الاسم العَلَم لهذا العِلْم من أنواع علوم الحديث: المرسل الخفي. غير أن معنى مصطلح المرسل الخفي مما لم يُتَّفَقْ عليه، بل مما كَثُر فيه الاختلاف .. واختَدم! فليس من السهل أن أَقَدِّمَ تعريفًا له، بل ولا يصح أن أُقَدّمَ تعريفًا له، إلا بعد جَمْع الأقوال فيه، ودراستِها دراسةً متأنية منصفة، ليمكنني تقديمُ تعريفٍ صحيحٍ لـ (المرسل الخفي)، مُسْتَنِدٍ إلى الأدلّةِ العلمية المُثْبِتَةِ صوابَهُ، وسببِ اختيارِه دونَ غيرِه. فمن الواحب - والحالة هذه - أن أعرض الأقوال المختلفة والآراء المتباينة، شارحًا وجوه الاختلافات، مبينًا نقاط التلاقي والتنافر بينها. لأمهِدَ - بعد ذلك كله - سبيل تَبَيِّنِ القول الراجح، والرأي المختار. وإني لأعتذر للقارىء لما سوف يجده من إطالة لا بد منها، ومن استطرادٍ لازِمِ خلال عَرْضٍ الأقوال الآتية (إن شاء الله). وإني لأعتذر للقارىء مرة ثانية، إذا قادني الحرص على الوضوح التام، أن أسبقَ هذا العرض بذكر تعاريف مقتضبة سريعة، لبعض أنواع من أنواع علوم الحديث، سيكثر ذكرها وتكرارها خلال العرضّ الآتي. لذلك حرصت على التعريف بها التعريفَ السائدَ والمستقر عند المتأخرين والمعاصرين، لضرورة ذلك في فهم ما يأتي من الأقوال، ولموازنة تلك التعاريف بالأقوال نفسها. فإن ذلك لب هذا الباب في تعريف الإرسال الخفي، وأهم ما فيه. بل بتلك الموازنة سنخلص إلى النتيجة المرجوة، والثمرة المبتغاة، من ذلك العرض الواسع، بإذن الله وتوفيقه عز وجل. ٣٨ وقد اخترت للتعاريف التالية أن تكون تعريف الحافظ ابن حجر في كتابه (نزهة النظر)، لأنه - وكما سبق - عمدة من جاء بعده، وقدوة من تأخر عنه، إلى العصر الحديث. فـ المرسل (المطلق): ما سقط من آخره من بعد التابعي، وصورته أن يقول التابعي، سواء أكان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله ◌َ﴾(١). والمنقطع: ما سقط من أثناء إسناده واحد فقط، أو أكثر بشرط عدم التوالي(٢). والسَّقْطُ في الإسناد قسمان: ظاهرٌ، وخفي(٣): فالظاهر: ويُطلق عليه (الإرسال الظاهر) هو: أن يروي الراوي عمن لم يعاصره، بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث(٤). ۔ والخفي: عند الحافظ ابن حجر والمستقرّ عند أهل عصرنا - قسمان : التدليس: وهو رواية الراوي عمن سمع منه، ما لم يسمع منه، بالصيغة الموهمة(٥) . والإرسال الخفي وهو: رواية الراوي عمن عاصره، ولم يسمع منه(٦) بالصيغة الموهمة. هذه هي المصطلحات التي سيكثر تردادها، وسَنَحُومُ حَوْلَها حتى أوان اقتناص ما نريد. (١) انظر نزهة النظر (٤١). (٢) انظر نزهة النظر (٤٢). (٣) انظر التبصرة والتذكرة للعراقي (٣٠٦/٢)، ونزهة النظر (٤٢). (٤) التبصرة والتذكرة (٣٠٦/٢). (٥) انظر نزهة النظر (٤٢ - ٤٣)، وانظر فتح المغيث للسخاوي (٤/ ٧٠). (٦) انظر المصدرين السابقين. ٣٩ ولذلك أردت توضيح معانيها على ما تقرر، وعلى ما درسناه، ودرسه عامة من سبقنا من مشايخنا ومشايخهم، على ما صُنفت عليه الكتب المتأخرة، أو عامتها. فليُفهَمْ سبب إيرادي هذه التعاريف على ما ذكرت من قصد زيادة التوضيح، والتيسير على القارىء، وليكون معي خلال عرض النقول والأقوال الآتية بعقله وعلمه، بل وبقلبه كله. وليس إيرادي إياها عن إقراري لها !! وكيف يكون ذلك؟! وما سيأتي جميعه مناقشة لها، ومحاكمَةٌ لقائليها. وقد أفردتُ لهذا الفصل التالي: ٤٠