النص المفهرس

صفحات 301-320

١٠٦
النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز
النوع الحادي والثلاثون: الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ
إِذَا انْفَرَدَ عَنُ الزُّهْرِي وَشِبْهِهِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ سُمِّيَ غَرِيباً، فَإِن انْفَرَدَ
اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ سُمِّيَ عَزِيزاً فَإِنْ رَوَاهُ جَمَاعَةُ سُمِّيَ مَشْهُوراً، وَيَدْخُلُ في الْغَرِيبِ مَا انْفَرَدَ رَاوٍ
بِرِوَايَتِهِ أَوْ بِزِيَادَةٍ فِي مَتْنه أَوْ أَسْنَادِهِ،
بالنور التام يوم القيامة (١). كلها متواترة. في أحاديث جمة أودعناها كتابنا المذكور ولله الحمد.
الثاني: قد قسم أهل الأصول المتواتر إلى لفظي. وهو ما تواتر لفظه. ومعنوي وهو أن
ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة تشترك في أمر. يتواتر ذلك القدر
المشترك. كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلاً أنه أعطى جملاً، وآخر أنه أعطى فرساً، وآخر أنه
أعطى ديناراً، وهلم جرا، فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم، وهو الإعطاء، لأن وجوده مشترك
من جميع هذه القضايا.
قلت: وذلك أيضاً يتأتى فى الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر
معناه كأحاديث رفع اليدين في الدعاء. فقد ورد عنه بَلّ نحو مائة حديث، فيه رفع يديه في
الدعاء، وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر
المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع.
(النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز: إذا انفرد عن الزهري وشبهه ممن يجمع حديثه)
من الأئمة كقتادة (رجل بحديث سمي غريباً فإن انفرد) عنهم (اثنان) أو ثلاثة سمي عزيزاً فإن رواه)
عنهم (جماعة سمي مشهوراً) كذا قال ابن الصلاح، أخذاً من كلام ابن منده، وأما شيخ الإسلام
وغيره، فإنهم خصوا الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والإثنين بالعزيز، لعزيز، لعزته أي قوته بمجيئه
من طريق أخرى، أو لقلة وجوده، قال شيخ الإسلام: وقد ادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن
اثنين لا توجد أصلاً، فإن أراد رواية اثنين فقط فيسلم، وأما صورة العزيز التي جوزها فموجودة،
بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، مثاله ما رواه الشيخان من حديث أنس والبخاري
من حديث أبي هريرة: أن رسول الله وح له قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
وولده، الحديث، ورواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة شعبة وسعيد،
ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن علية وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة (ويدخل في الغريب
ما انفردوا وبروايته) فلم يروه غيره كما تقدم مثاله في قسم الأفراد (أو بزيادة في متنه أو إسناده)
لم يذكرها غيره، مثالهما: حديث رواه الطبراني في الكبير رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي،
ومن رواية عباد بن منصور، فرقهما، كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، والمحفوظ، ما
رواه عيسى بن يونس عن هشام عن أخيه عبدالله بن عروة، عن عروة عن عائشة، هكذا أخرجه
(١) أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣)، وابن ماجه (٧٨١).

١٠٧
النوع الحادي والثلاثون: الغريب والعزيز
وَلاَ يَدْخُلُ فِيهِ أَفْرَادُ البُّلْدَانِ وَيَنْقَسِمُ إِلَى صَحِيحِ وَغَيْرِهِ وِهُوَ الْغَالِبُ، وَإِلَى غَرِيبٍ مَتْناً وَإِسْنَاداً
كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِمَتْنِهِ وَاحِدٌ، وَغَرِيبٍ إِسْنَاداً كَحَديثِ رَوَى مَتْنَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ انْفَرَدَ وَاحِدٌ
بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِي آخَرَ، وَفِيهِ يَقُولُ التّزْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلاَ يُوجَدُ غَرِيبٌ مَنْناً
لاَ إِسْنَاداً إِلا إِذَا اشْتَهَرَ الْفَرْدُ فَرَوَاهُ عَنِ المُنْفَرِدِ كَثِيرونَ صَارَ غَرِيباً مَشْهوراً، غَرِيباً مَثْنَاً لَ
إِسْنَاداً بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ كَحَدِيث ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الشيخان، وكذا رواه مسلم أيضاً من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن هشام (ولا يدخل
فيه أفراد البلدان) التي تقدمت في نوع الأفراد (وينقسم) أي الغريب (إلى صحيح) كأفراد الصحيح
(و) إلى (غيره) أي غير الصحيح (وهو الغالب) على الغرائب، قال أحمد بن حنبل، لا تكتبوا هذه
الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء، وقال مالك: شر العلم الغريب وخير العلم
الظاهر الذي قد رواه الناس، وقال عبد الرزاق: كنا نرى أن غريب الحديث خير فإذا هو شر،
وقال ابن المبارك: العلم، الذي يجيئك من ههنا وههنا: يعني المشهور، رواها البيهقي في
المدخل، وروى عن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت قال أحسنت،
بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت ما أراني إلا حدثتك بحديث أنت أعلم به مني، قال لا تقل
ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن، وروى ابن عدي
عن أبي يوسف قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن
طلب المال بالكيمياء أفلس (و) ينقسم أيضاً إلى (غريب متناً وإسناداً كما لو انفرد بمتنه) راو
(واحداً و) إلى (غريب إسناداً) لا متناً (كحديث) معروف (روى متنه جماعة من الصحابة انفرد
واحد بروايته عن صحابي آخر، وفيه يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه) ومن أمثلته كما قال
ابن سيد الناس: حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ◌َ ◌ّ قال: الأعمال بالنية، قال
الخليلي في الإرشاد: أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه، قال: فهذا
مما أخطأ فيه الثقة، قال ابن سيد الناس: هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح (ولا يوجد) حديث
(غريب متناً) فقط (لا إسناداً إلا إذا اشتهر الفرد فرواه عن المنفرد كثيرون صار غريباً مشهوراً غريباً
متنالاً إسناداً بالنسبة إلى أحد طرفيه) المشتهر وهو الأخير (كحديث إنما الأعمال بالنيات) كما
تقدم تحقيقه، وكسائر الغرائب المشتملة عليها التصانيف المشتهرة وقال العراقي: وقد أطلق ابن
سيد الناس ثبوت هذا القسم من غير تخصيص له بما ذكر، ولم يمثله، فيحتمل أن يريد ما كان
إسناده مشهوراً جادة لعدة من الأحاديث، بأن يكونوا مشهورين برواية بعضهم عن بعض، ويكون
المتن غريباً لانفرادهم به، قال: وقد وقع في كلامه ما يقتضي تمثيله، وذلك أنه لما حكى قول
ابن طاهر: والخامس من الغرائب أسانيد ومتون تفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم،
وسنن ينفرد بالعمل بها أهل مصر لا يعمل بها في غير مصرهم، قال: وهذا النوع يشمل الغريب

١٠٨
النوع الثاني والثلاثون : غريب الحديث
النوع الثاني والثلاثون: غَرِيبُ الْحَدِيثِ
هُوَ مَا وَقَعَ في مَتْنِ الْحَدِيثِ مِنْ لَفْظَةٍ غَامِضَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْفَهْمِ لقلةِ اسْتِعْمَالِهَا. وَهوَ فَرٍّ
مُهِمٌّ. وَالْخَوْضُ فِيهِ صَعْبٌ. فَلْيَتَحَرَّ خَائِصُهُ، وَكَانَ السَّلَفَ يَتَشَبْتُونَ فِيهِ أَشَدَّ تَشَبَتٍ، وَقَدْ أَكْثَرَ
العُلَمَاءُ النَّصْنِيفَ فِيهِ، قِيلَ أوَّل مَنْ صَنَّفَهُ
كله سنداً ومتناً، أو أحدهما دون الآخر، قال: وقد ذكر ابن أبي حاتم بسند له أن رجلاً سأل
مالكاً عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء، فقال له: إن شئت خلل وإن شئت لا تخلل، وكان
عبد الله بن وهب حاضراً، فعجب من جواب مالك، وذكر له في ذلك حديثاً بسند مصري
صحيح، وزعم أنه معروف عندهم، فاستعاد مالك الحديث، واستعاد السائل، فأمره بالتخليل
انتهى. قال: والحديث المذكور رواه أبو داود من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري،
عن أبي عبد الرحمن الختلي، عن المستورد بن شداد قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من
حديث ابن لهيعة. ولم ينفرد به ابن لهيعة بل تابعه الليث بن سعد. وعمرو بن الحارث. كما رواه
ابن أبي حاتم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. عن عمه عبد الله بن وهب. عن الثلاثة
المذكورين. وصححه ابن القطان لتوثيقه لابن أخي ابن وهب. فزالت الغرابة عن الإسناد بمتابعة
الليث وعمرو لابن لهيعة. والمتن غريب.
فائدة :
قد يكُون الحديث أيضاً عزيزاً مشهوراً. قال الحافظ العلائي فيما رأيته بخطه: حديث نحن
الآخرون السابقون يوم القيامة. الحديث عزيز عن النبي ◌َّل، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو
هريرة. وهو مشهور عند أبي هريرة. رواه عنه سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن. وأبو حازم.
وطاوس. والأعرج. وهمام. وأبو صالح. وعبد الرحمن مولى أم برثن.
(النوع الثاني والثلاثون: غريب) ألفاظ (الحديث هو ما وقع في متن الحديث من لفظة
غامضة بعيدة من الفهم لقلة استعمالها وهو فن مهم) يقبح جهله بأهل الحديث (والخوض فيه
صعب) حقيق بالتحري جدير بالتوقي (فليتحر خائضه) وليتق الله أن يقدم على تفسير كلام نبيه الكلي
بمجرد الظنون (وكان السلف يتثبتون فيه أشد تثبت) فقد روينا عن أحمد أنه سئل عن حرف منه
فقال: سلوا أصحاب الغريب، فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله محمل بالظن(١)، وسئل
الأصمعي عن معنى حديث: ((الجار أحق بسقبه))(٢) فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله وَل،
ولكن العرب تزعم أن السقب اللزيق(٣) (وقد أكثر العلماء التصنيف فيه قيل أول من صنفه
(١) علوم الحديث ص (٢٧٥).
(٢) البخاري في: الشفعة (٢)، وأحمد ٣٨٩/٤.
(٣) علوم الحديث ص (٢٧٥).
٠٠٧٠

١٠٩
النوع الثالث والثلاثون: المسلسل
النَّضْرُ بنُ شَمَيلٍ، وَقِيل أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَر، وَبَعْدَهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فَاسْتَقْصى وَأَجَادَ، ثُمَّ ابْنُ قُتَيبَة
مَا فَاتَ أَبَّا عُبِيدٍ ثُمَّ الْخِطّابِيُّ مَا فَتَهُمَا فَهَذِهِ أمَّهَاتُهُ ثُمَّ بَعْدَهَا كُتُبُّ فِيهَا زَوَائِدُ وَفَوَائِدُ
كَثِيرَةٌ، وَلاَ يُقَلِّدُ مِنْهَا إِلا مَا كَانَ مُصَنَّفُوهَا أَيِّمّةٌ جِلّةً، وَأَجْوَدُ تَفْسِيرِهِ مَا جَاءَ مُفَسَّرًا في
رِوَايَةٍ .
النوع الثالث والثلاثون: المُسَلْسَلُ
هُوَ مَا تَتَابَعَ رِجَالُ إِسْنَادِهِ عَلَى صِفَةٍ أَوْ حَالَةٍ لِلرواة تَارَةً ولِلروَايَةِ تَارَةً أَخْرَى وَصِفَاتُ
الرُّوَاةِ أَمَّا أَقْوَالٌ أَوْ أَفْعَالٌ
النضر بن شميل) قاله الحاكم (وقيل أبو عبيدة معمر بن المثنى)، ثم النضر ثم الأصمعي، وكتبهما
صغيرة قليلة (و) ألف (بعدهما أبو عبيد) القاسم بن سلام كتابه المشهور (فاستقصى) وأجاد وذلك
بعد المائتين (ثم) تتبع أبو محمد عبد الله بن مسلم (بن قتيبة) الدينوري (ما فات أبا عبيد) في كتابه
المشهور (ثم) تتبع أبو سليمان (الخطابي ما فاتهما في كتابه المشهور، ونبه على أغاليط لهما
(فهذه أمهاته) أي أصوله (ثم) ألف (بعدها كتب كثيرة فيها زوائد وفوائد كثيرة، ولا يقلد منها إلا
ما كان مصنفوها أئمة أجلة) كمجمع الغرائب لعبد الغافر الفارسي، وغريب الحديث لقاسم
السرقسطي، والفائق للزمخشري، والغريبين للهروي، وذيله للحافظ أبي موسى المديني، ثم
النهاية لابن الأثير، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها وأشهرها الآن. وأكثرها تداولاً، وقد فاته
الكثير فذيل عليه الصفي الأرموي بذيل لم نقف عليه، وقد شرعت في تلخيصها تلخيصاً حسناً مع
زيادات جمة والله أسأل الإعانة على إتمامها (وأجود تفسيره ما جاء مفسراً) به (في رواية) كحديث
الصحيحين(١)، في قوله ◌َ ل﴿ لابن صائد: خبأت لك خبيئاً، فما هو، قال الدخ، فالدخ ههنا
الدخان، وهو لغة فيه، حكاه الجوهري وغيره، لما روى أبو داود والترمذي من رواية الزهري عن
سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه في هذا الحديث، أن النبي صَو قال له: إني خبأت لك
خبأ، وخبأ له ﴿ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾(٢) قال المديني: والسر في كونه خبأ له الدخان، أن
عيسى ولا يقتله بجبل الدخان، فهذا هو الصواب في تفسير الدخ هنا، وقد فسره غير واحد على
غير ذلك فأخطؤوا، فقيل: الجماع وهو تخليط فاحش، وقيل نبت موجود بين النخيل، وهو غير
مرضي . !.
(النوع الثالث والثلاثون):
(المسلسل وهو ما تتابع رجال إسناده) واحداً فواحداً (على صفة) واحدة (أو حالة) واحدة
(للرواة تارة وللرواية تارة أخرى وصفات الرواة) وأحوالهم أيضاً (إما أقوال أو أفعال) أو هما معاً،
٢
(١) البخاري في: القدر (١٤)، ومسلم في: الفتن (٨٧).
(٢) آية (١٠) سورة الدخان. ، ..
یہ

١١٠
النوع الثالث والثلاثون: المسلسل
وَأَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ غَيْرِهِمَا كَمُسَلْسَلِ التَّشْبِيكِ بَالَيَدِ وَالْعَدِّ فِيهَا، وَكَاتِّفَاقِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ أَوْ صِفَاتِهِمْ أَوْ
نِسْبَيِهِمْ كأَحَادِيثَ رَوَيْنَاهَا كُلُّ رِجَالِهَا دِمَشْقِيُونَ، وَكَمَسَلْسَلِ الْفُقَهَاءِ، وَصِفَاتِ الرِّوَايَةِ
كَالمُسَلْسَلِ بِسَمِعْتُ، أَوْ بِأَخْبَرَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَاللَّهِ، وَأَفْضَلُهُ مَا دَلَّ عَلَى الاتِّصَالِ، وَمِنْ
فَوَائِدِهِ زِيَادَةُ الضّبْطِ، وَقَلّمَا يُسْلَمْ عَنْ خَلَلٍ في التّسَلْسُلِ، وَقَدْ يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وَسَطِهِ
كمُسَلْسَلٍ أَوَّلِ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ
وصفات الرواية إما أن تتعلق بصيغ الأداء أو بزمنها أو مكانها (و) له (أنواع كثيرة غيرها)
فالمسلسل بأحوال الرواة الفعلية (كمسلسل التشبيك باليد) وهو حديث أبي هريرة: شبك بيدي
أبو القاسم و لر، وقال: خلق الله الأرض يوم السبت. الحديث(١): فقد تسلسل لنا تشبيك كل
واحد من رواته بيد من رواه عنه.
(والعد فيها) وهو حديث: اللهم صل على محمد إلى آخره، مسلسل بعدّ الكلمات الخمس
في يد كل راو، وكذلك المسلسل بالمصافحة، والأخذ باليد، ووضع اليد على رأس الراوي،
والمسلسل بأحوالهم القولية: كحديث معاذ بن جبل أن النبي و لإر قال له: يا معاذ إني أحبك،
فقل في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك (٢)، تسلسل لنا بقول كل
من رواته: وأنا أحبك فقل، والمسلسل بهما معاً: حديث أنس: قال: قال رسول الله وَله: لا
يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره(٣)، وقبض رسول الله وَ لل على
لحيته، وقال: آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وكذا كل راو من رواته، والمسلسل بصفاتهم
القولية: كالمسلسل بقراءة سورة الصف، ونحوه قال العراقي؛ وصفات الرواة القولية وأحوالهم
القولية متقاربة بل متماثلة (و) المسلسل بصفاتهم الفعلية (كاتفاق أسماء الرواة) كالمسلسل
بالمحمدين (أو صفاتهم أو نسبتهم) فالثاني: (كأحاديث رويناها كل رجالها دمشقيون) أو مصريون
أو كوفيون أو عراقيون (و) الأول (كمسلسل الفقهاء) مطلقاً. أو الشافعيين أو الحفاظ أو النحاة أو
الكتاب أو الشعراء أو المعمّرين (وصفات الرواية) المتعلقة بصيغ الأداء (كالمسلسل بسمعت)
فلاناً (أو أخبرنا فلان أو أخبرنا فلان والله) أو أشهد بالله لسمعت فلاناً يقول ذلك، كل راو منهم،
والمتعلقة بالزمان، كالمسلسل بروايته يوم العيد، وقص الأظفار يوم الخميس، ونحو ذلك،
وبالمكان كالمسلسل بإجابة الدعاء في المتلزم، وقد جمعت كتاباً فيما وقع في سماعاتي من
المسلسلات بأسانيدها (٤)، وجمع الناس في ذلك كثيراً (وأفضله ما دل على الاتصال) في السماع
وعدم التدليس (ومن فوائده) اشتماله على (زيادة الضبط) من الرواة (وقلما يسلم عن خلل في
التسلسل وقد ينقطع تسلسله في وسطه) أو أوله أو آخره (كمسلسل أول حديث سمعته) وهو
(١) مسلم (٢١٤٩)، وأحمد ٣٢٧/٢.
(٢) أبو داود (١٥٢٢).
(٣) البخاري ٨/ ١٧ .
(٤) وممن جمع ذلك من المعاصرين مسند العصر الشيخ محمد ياسين الفاداني.

١١١
النوع الرابع والثلاثون: ناسخ الحديث ومنسوخه
عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ.
النوع الرابع والثلاثون: نَاسِخُ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخُهُ
هُوَ فَنٌّ مُهِمٌّ صَعْبٌ وَكَانَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ يَدْ طُولَى: وَسَابِقَةٌ أُولِى، وَأَدْخَلَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ
الْحَدِيثِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لِخَفَاءٍ مَعْنَاهُ وَالمُخْتَارُ أَنْ النَّسْخَ رَفْعُ الشَّارعِ حُكْماً مِنْهُ مُتَقَدِّماً بِحُكْم مِنْهُ
مُنَآخرٍ ،
حديث عبد الله بن عمرو: الراحمون يرحمهم الرحمن، فإنه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن
دينار، وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوس، وسماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو، وفي
سماع عبد الله من النبي ◌ّ (على ما هو الصحيح فيه) وقد رواه بعضهم كامل السلسلة فوهم فيه.
فائدة:
قال شيخ الإسلام: من أصلح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف.
قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً، بل ذكر في شرح النخبة أن المسلسل بالحفاظ مما
يفيد العلم القطعي .
(النوع الرابع والثلاثون):
(ناسخ الحديث ومنسوخه وهو فن مهم) فقد مر علىَ عليّ قاصّ. فقال: تعرف الناسخ من
المنسوخ، فقال لا، فقال هلكت وأهلكت، أسنده الحازمي في كتابه(١)، وأسند نحوه عن
ابن عباس، وأسند (٢) عن حذيفة، أنه سئل عن شيء فقال: إنما يفتي من عرف الناسخ
والمنسوخ، قالوا ومن يعرف ذلك؟ قال عمر (صعب) فقد روينا عن الزهري قال: أعيا الفقهاء
وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ الحديث من منسوخه(٣) (وكان للشافعي فيه يد طولى وسابقه أولى)
فقد قال الإمام أحمد لابن وارة وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال لا، قال فرطت، ما
علمنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي (وأدخل فيه
بعض أهل الحديث) ممن صنف فيه (ما ليس منه لخفاء معناه) أي النسخ وشرطه (والمختار) في
حده (أن النسخ رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر) فالمراد برفع الحكم قطع تعلقه
عن المكلفين، واحترز به عن بيان المجمل، وبإضافته للشارع عن إخبار بعض من شاهد النسخ
من الصحابة، فإنه لا يكون نسخاً، وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلا
بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يسمى نسخاً، وبالمتقدم عن التخصيص
المتصل بالتكليف، كالاستثناء ونحوه، وبقولنا بحكم منه متأخر، عن رفع الحكم بموت المكلف
(١) الاعتبار ص (٦).
(٢) نفس المصدر ص (٧).
(٣) نفس المصدر ص (٣ - ٤).
تدريب الراوي / ج ٢/ ٢ ٢٠

١١٢
النوع الرابع والثلاثون: ناسخ الحديث ومنسوخه
فَمِنْهُ مَا عُرِف بِتَصْرِيحِ رَسولِ الله وَّهِ: (كَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُهَا)) وَمِنْهُ مَا
عُرِفَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ ((كَكَانَ آخِرُ الأَمْرِيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّ مَسْتِ النَّارُ)»
وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِالتّارِيخِ، وَمِنْهُ مَا عُرِفَ بِدَلاَلَةِ الإِجْمَاعِ كَحَدِيثِ قَتْلٍ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الرَّابِعَةِ
أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت، كقوله وَله: إنكم ملاقوا العدو غداً،
والفطر أقوى لكم فأفطروا (١). فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخاً (فمنه ما عرف) النسخ فيه
(بتصريح رسول الله ◌ّية) بذلك (ككنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) وكنت نهيتكم عن لحوم
الأضاحي فوق ثلاث فكلوا ما بدا لكم، وكنت نهيتكم عن الظروف، الحديث، أخرجه مسلم(٢)
عن بريدة. (ومنه ما عرف بقول الصحابي: ككان آخر الأمرين من رسول الله مليار ترك الوضوء مما
مست النار) رواه أبو داود(٣) والنسائي عن(٤) جابر، وكقول أبي بن كعب: كان الماء من الماء
رخصة في أول الإسلام، ثم أمر بالغسل. رواه أبو داود والترمذي وصححه. وشرط أهل الأصول
في ذلك أن يخبر بتأخره. فإن قال هذا ناسخ لم يثبت به النسخ. لجواز أن يقوله عن اجتهاد قال
العراقي: وإطلاق أهل الحديث أوضح وأشهر. لأن النسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي. إنما
يصار إليه عند معرفة التاريخ. والصحابة أورع من أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ
من غير أن يعرف تأخر الناسخ عنه. وقد أطلق الشافعي ذلك أيضاً (ومنه ما عرف بالتاريخ)
كحديث شداد بن أوس مرفوعاً: أفطر الحاجم والمحجوم، رواه أبو داود(٥) والنسائي(٦)، ذكر
الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس أن النبي ◌ّ احتجم وهو محرم صائم، أخرجه مسلم،
فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شداد: أن
ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان (ومنه ما عرف بدلالة الإجماع: كحديث قتل شارب الخمر في
الرابعة) وهو ما رواه أبو داود (٧) والترمذي (٨) من حديث معاوية: من شرب الخمر فاجلدوه. فإن
عاد في الرابعة فاقتلوه، قال المصنف في شرح مسلم: دل الإجماع على نسخه، وإن كان
ابن حزم خالف في ذلك فخلاف الظاهرية لا بقدح في الإجماع، نعم: ورد نسخه في السنة
أيضاً، كما قال الترمذي من رواية محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر: أن
النبي وَل قال: إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن شرب في الرابعة فاقتلوه، ثم أن النبي وَل بعد
(١) بنحوه: مسلم (١١٢٠)، وأبو داود (٢٣٨٩)، وأحمد ٣٥/٣.
(٢) في: الجنائز (١٠٦).
(٣) في: الطهارة: ب (٧٥).
(٤) ٠١٠٨/١
(٥) (٢٣٦٧).
(٦) (٢٣٦٧).
(٧) رقم (٤٤٨٥).
(٨) رقم (١٤٤٤).
جوسي س وها
لے۔۔

١١٣
النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف
وَالإِجْمَاعُ لاَ يَنْسَخُ وَلاَ يُنْسَحُ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى نَاسِخٍ .
النوع الخامس والثلاثون: مَعْرِفَةُ المُصَخَّفِ
هُوَ فَنِّ جَلِيلٌ وَإِنَّمَا يُحَقّقُهُ الْحُذَاقُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُمْ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ مُفِيدٌ، وَيَكُونُ
تَصْحِيفَ لَفْظِ وَبَصَرٍ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ، فَمِنَ الإِسْنَادِ الْعَوَّامُ بْنُ مُرَاجِمٍ (بِالرَّاءِ وَالْجِيمِ))
صَخَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَهُ بِالزَّايِ وَالْحَاءِ، وَمِنَ الثَّانِي حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتِ ((أَنَّ النَِّيَّ وَ احْتَجَرَ
فِي المَسْجِدِ)) أَي أَنَّخَذَ حُجْرَةً مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَحْوِهِ يُصَلِّي فِيهَا، صَخَّفَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فَقَالَ:
اخْتَجَمَ.
وَحِدِيثُ ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا
ذلك برجل قد شرب في الرابعة فضربه ولم يقتله، قال: وكذلك روى الزهري عن قبيصة بن
ذؤيب عن النبي ◌ّ نحو هذا، قال: فرفع القتل وكانت رخصة. انتهى.
وما علقه الترمذي أسنده البزار في مسنده، وقبيصة ذكره ابن عبد البر في الصحابة وقال:
ولد أول سنة من الهجرة، وقيل عام الفتح، فالمثال الصحيح لذلك ما رواه الترمذي من حديث
جابر قال: حججنا مع النبي ◌َّ فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان، قال الترمذي:
أجمع أهل العلم أن المرأة لا يلبى عنها غيرها، ثم الحديث لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على
ترك العمل به، إلا إذا عرف صحته، وإلا فيحتمل أنه غلط، صرح به الصيرفي (والإجماع لا
ينسخ) أي لا ينسخه شيء (ولا ينسخ) هو غيره (ولكن يدل على ناسخ) أي على وجود ناسخ
غيره.
(النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف: هو فن جليل) مهم (وإنما يحققه الحذاق) من
الحفاظ (والدارقطني منهم، وله فيه تصنيف مفيد) وكذلك أبو أحمد العسكري، وعن أحمد أنه
قال: ومن يعرى عن الخطأ والتصحيف (ويكون تصحيف لفظ) ويقابله تصحيف المعنى (وبصر)
ومقابله تصحيف السمع، ويكون (في الإسناد والمتن فمن) التصحيف في (الإسناد العوام بن
مراجم، بالراء والجيم، صحفه ابن معين فقاله) مزاحم (بالزاي والحاء) وعتبة ابن النُّدّر، بالنون
المضمومة والمهملة المشددة المفتوحة، صحفه ابن جرير الطبري بالموحدة والمعجمة.
(ومن الثاني) أي التصحيف في المتن (حديث زيد بن ثابت أن النبي ◌َّ- احتجر في
المسجد)(١) وهو بالراء (أي اتخذ حجرة من حصير، أو نحوه يصلى فيها، صحفه ابن لهيعة) بفتح
اللام وكسر الهاء (فقال: احتجم) بالميم (وحديث من صام رمضان وأتبعه ستاً) من شوال(٢).
(١) البخاري في الأذان (٨١)، ومسلم في: المسافرين (٢١٣ - ٢١٤)، وأحمد ١٨٧/٥.
(٢) أبو داود في: الصيام (٥٧)، والترمذي (٧٥٩) وابن ماجه (١٧١٦)، وأحمد ٤١٧/٥.

١١٤
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحف
مِنّ شَوَّال)) صَخَّفَهُ الصُّولِيُّ فَقَالَ: شَيْئاً بِالمُعْجَمَةِ، وَيَكُونُ تَصْحِيفَ سَمْعٍ كَحَدِيثٍ عَنْ عَاصِمٍ
الأَحْوَلِ رَوَاهُ بَعْضَهُمْ فَقَالَ: وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، وَيَكُونُ فِي المَعْنَى كَقَوْلَ مُحَمَّدٍ بْنِ المُثَنَّى:
نَحْنُ قَوْمٌ لَنَا شَرَفٌ، نَحْنُ مِنْ عَنَزَةَ صَلّى إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ.
بالسين المهملة والتاء الفوقية لفظ العدد (صحفه الصولى فقال: شيئاً بالمعجمة) والتحتية،
وحديث أبي ذر، ((تُعين صانعاً) بالمهملة والنون، صحفه هشام بن عروة بالمعجمة والتحية،
وحديث معاوية: لعن رسول الله وسل ◌ّر الذين يشفقون الخطب، بالمعجمة، صحفه وكيع بفتح
المهملة، وكذا صحفه ابن شاهين أيضاً، فقال بعض الملاحين وقد سمعه: فكيف يا قوم والحاجة
ماسة، وحديث: أو شاة تيعر، بالياء التحتية، صحفه أبو موسى محمد بن المثنى، بالنون،
وصحف بعضهم حديث: زرغباً تزدد حباً فقال: زَرْعنا تردد حنا، ثم فسره بأن قوماً كانوا لا
يؤدون زكاة زروعهم فصارت كلها حناء (ويكون تصحيف سمع) بأن يكون الاسم واللقب أو
الاسم واسم الأب، على وزن اسم آخر، ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه، وبالحروف مختلفة
شكلاً ونقطاً، فيشتبه ذلك على السمع (كحديث عن عاصم الأحول رواه بعضهم فقال: واصل
الأحدب) أو عكسه، وحديث عن خالد بن علقمة، رواه شعبة فقال: مالك بن عرفطة (ويكون)
التصحيف (في المعنى كقول) أبي موسى (محمد بن المثنى) العنزي المقلب بالزمن، أحد شيوخ
الأئمة الستة (نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله وَيُّر) يريد أن النبي وَليه
صلى إلى عنزة، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم، وإنما العنزة هنا الحربة تنصب بين يديه، وأعجب
من ذلك ما ذكره الحاكم عن أعرابي أنه زعم أنه ◌َّ صلى إلى شاة، صحفها عنزة، بسكون
النون، ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين: ومن ذلك أن بعضهم سمع حديث النهي
عن التلحيق يوم الجمعة قبل الصلاة (١)، قال: ما حلقت رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فهم
منه تحليق الناس حلّقا.
قال ابن الصلاح: وكثير من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلّة لهم فيه أعذار لم ينقلها
ناقلوه .
تنبيه :
قسم شيخ الإسلام هذا النوع إلى قسمين: أحدهما ما غير فيه النقط، فهو المصحف،
والآخر ما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف فهو المحرف.
فائدة :
أورد الدارقطني في كتاب التصحيف كل تصحيف وقع للعلماء، حتى في القرآن، من ذلك:
ما رواه عثمان بن أبي شيبة، قرأ على أصحابه في التفسير، جعل السفينة في رحل أخيه. فقيل
(١) أبو داود في: الصلاة (٢١٤)، والترمذي في: الصلاة (١٢٣)، والنسائي في: المساجد (٢٢).

١١٥
النوع السادس والثلاثون : معرفة مختلف الحديث وحكمه
النوع السادس والثلاثون: مَعْرِفَةُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُ
هُذَا فَنٍّ مِنْ أَهَمِّ الأَنْوَاعِ، وَيُضْطَرُّ إِلَى مَعْرِفَتِهِ جَمِيعُ العُلَمَاءِ مِنَ الطَّوَائِفِ، وِهُوَ أَنْ يَأْتِيَ
حَدِيثَانِ مُتَضَادَّانِ فِي المَعْنَى ظَاهِراً فَيُّوَفَقُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُرَجِّحُ أَحَدِهُمَا، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ لَهُ الأَئِمَّةُ
الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، وَالأُصُولِيُونَ الْغَوَّاصُونَ عَلَى المَعَانِي، وَصَنَّفَ فِيهِ الإِمَامُ
الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَقْصِدْ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتِفَاءَهُ، بَلْ ذَكَرَ جُمْلَةً يُنَبَّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِهِ، ثُمَّ صَنَّفَ فِيهِ
ابْنُ قُتَيْبَةً فَأَتَى بَأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ وَأَشْيَاءَ غَيْرَ حَسَنَةٍ، لَكَوْنِ غَيْرِهَا أَقْوَى وَأَوْلَى، وَتَرَكَ مُعْظَمَ
المُخْتَلفِ .
وَمَنْ جَمَعَ مَا ذَكَرْنَا لاَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ إِلَّ النَّادِرُ فِي الأَحْيَانِ، وَالمَخْتَلَفِ قِسْمَانٍ:
أَحَدُهُمَا: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَيَتَعَيَّنُ وَيَجِبُ العَمَلُ بِهِمَا .
له: إنما هو جعل السقاية. فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم. قال: وقرأ عليهم في
التفسير: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. قالها ال م يعني كأول البقرة.
(النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث وحكمه: هذا فن من أهم الأنواع،
ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وهو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهراً
فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما) فيعمل به دون الآخر (وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين
الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني) الدقيقة (وصنف فيه الإمام الشافعي) وهو
أول من تكلم فيه (ولم يقصد رحمه الله استيفاءه) ولا إفراده بالتأليف (بل ذكر جملة منه) في
كتاب الأم (ينبه بها على طريقه) أي الجمع في ذلك (ثم صنف فيه ابن قتيبة فأتى فيه بأشياء حسنة
وأشياء غير حسنة) قصر فيها باعه (لكون غيرها أولى وأقوى) منها (وترك معظم المختلف) ثم
صنف في ذلك ابن جرير، والطحاوي كتابه مشكل الآثار، وكان ابن خزيمة من أحسن الناس
كلاماً فيه، حتى قال: لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما.
(ومن جمع ما ذكرنا) من الحديث والفقه والأصول والغوص على المعاني الدقيقة (لا
يشكل عليه) من ذلك (إلا النادر في الأحيان، والمختلف قسمان: أحدهما: يمكن الجمع بينهما)
بوجه صحيح (فيتعين) ولا يصار إلى التعارض ولا النسخ (ويجب العمل بهما) ومن أمثلة ذلك في
أحاديث الأحكام حديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث(١)، وحديث: خلق الله الماء
طهوراً لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه. فإن الأول ظاهره ظهارة القلتين، تغير أم لا،
والثاني: ظاهره طهارة غير المتغير، سواء كان قلتين أم أقل، فخص عموم كل منهما بالآخر،
(١) الإرواء ١/ ٢٣/٦٠، وقال: صحيح.

١١٦
النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحدیث وحكمه
وَالثَّانِي: لاَ يَمْكُنُ بِوَجْهِ، فَإِنْ عَلمِنَا أَحَدهُمَا نَاسِخاً قَدَّمْنَاهُ، وَإِلّ عَمِلْنَا بِالرَّاجِحِ كَالتَّرْجِيحِ
بِصِفَاتَ الرُّوَاةِ وَكَثْرَتِهِمْ فِي خَمْسينَ وَجْهاً.
وفي غيرها: حديث لا يورد مُمْرض عى مصحّ (١)، وفرّ من المجذوم فرارك من الأسد (٢)، مع
حديث: لا عدوى(٣)، وكلها صحيحة، وقد سلك الناس في الجمع مسالك:
أحدها: أن هذه الأمراض لا تعدى بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها
للصحيح سبباً لإعدائه مرضه، وقد يتخلف ذلك عن سببه، كما في غيره من الأسباب، وهذا
المسلك هو الذي سلكه ابن الصلاح (٤).
الثاني: أن نفى العدوى باق على عمومه، والأمر بالفرار من باب سد الدرائع: لئلا يتفق
للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى؛ ابتداء لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب
مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر يتجنبه حسما للمادة، وهذا المسلك هو
الذي اختاره شيخ الإسلام.
الثالث: أن إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون
معنى قوله: لا عدوى أي إلا من الجذام ونحوه، فكأنه قال: لا يعدى شيء شيئاً إلا فيما تقدم
تبییني له أنه يعدى، قاله القاضي أبو بكر الباقلاني.
الرابع: أن الأمر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح تعظم مصيبته وتزداد
حسرته، ويؤيده حديث: لا تديموا النظر إلى المجذومين، فإنه محمول على هذا المعنى، وفيه
مسالك أخر.
(و) القسم (الثاني: لا يمكن) الجمع بينهما (بوجه، فإن علمنا أحدهما ناسخاً) بطريقة مما
سبق (قدمناه، وإلا عملنا بالراجح) منهما (كالترجيح بصفات الرواة) أي كون رواة أحدهما أتقن
وأحفظ، ونحو ذلك مما سيذكر (وكثرتهم) في أحد الحديثين (في خمسين وجهاً) من
المرجحات، ذكرها الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ، ووصلها غيره إلى أكثر من
مائة، كما استوفى ذلك العراقي في نكتة، وقد رأيتها منقسمة إلى سبعة أقسام:
: الأول: الترجيح بحال الراوي، وذلك بوجوه: أحدها كثرة الرواة، كما ذكر المصنف؛ لأن
احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل، ثانيها قلة الوسائط، أي علو
الإسناد حيث الرجال ثقات؛ لأن احتمال الكذب والوهم فيه أقل، ثالثها فقه الراوي؛ سواء كان
الحديث مروياً بالمعنى أو اللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى
(١) البخاري ١٧٩/٧ - ١٨٠، ومسلم في: السلام (١٠٤ - ١٠٥)، وأحمد ٤٠٦/٢ . .
(٢) البخاري ١٦٤/٧، وأحمد ٤٤٣/٢ .
(٣) البخاري ١٧٥/٧، ومسلم في: السلام (١١٢)، وأحمد ٢٤/٢.
(٤) علوم الحديث ص (٢٨٥).

١١٧
النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث و حکمه
يطلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف العامي. رابعها علمه بالنحو؛ لأن العالم به يتمكن من
التحفظ عن مواقع الزلل ما لا يتمكن منه غيره. خامسها عمله باللغة. سادسها حفظه، بخلاف من
يعتمد على كتابه، سابعها أفضليته في أحد الثلاثة، بأن يكونا فقيهين أو نحويين أو حافظين
وأحدهما في ذلك أفضل من الأخر. ثامنها زيادة ضبطه، أي اعتناؤه بالحديث واهتمامه به.
تاسعها شهرته، لأن الشهرة تمنع الشخص من الكذب كما تمنعه من ذلك التقوى. عاشرها إلى
العشرين، كونه ورعا أو حسن الاعتقاد، أي غير مبتدع. أو جليسا لأهل الحديث أو غيرهم من
العلماء، أو أكثر مجالسة لهم ، أو ذكراً، أو حراً. أو مشهور النسب، أولا لبس في اسمه بحيث
يشاركه فيه ضعيف، وصعب التمييز بينهما. أوله اسم واحد، ولذلك أكثر ولم يختلط، أوله كتاب
يرجع إليه. حادي عشريها، أن تثبت عدالته بالإخبار بخلاف من تثبت بالتزكية أو العمل بروايته،
أو الراوية عنه إن قلنا بهما، ثاني عشريها إلى سابع عشريها، أن يعمل بخبره من زكاه. ومعارضه
لم يعمل به من زكاه. أو يتفق على عدالته. أو يذكر سبب تعديله. أو يكثر مزكوه. أو يكونوا
علماء. أو كثيري الفحص عن أحوال الناس. ثامن عشريها أن يكون صاحب القصة. كتقديم خبر
أم سلمة زوج النبي ◌ّل في الصوم لمن أصبح جنباً على خبر الفضل بن العباس في منعه. لأنها
أعلم منه. تاسع عشريها أن يباشر ما رواه الثلاثون تأخر إسلامه. وقيل عكسه. لقوة أصالة
المتقدم ومعرفته. وقيل إن تأخر موته إلى إسلام المتأخر لم يرجح بالتأخير. لاحتمال تأخر روايته
عنه. وإن تقدم أو علم أن أكثر رواياته متقدمة على رواية المتأخر رجح الحادي والثلاثون إلى
الأربعين: كونه أحسن سياقاً واستقصاء لحديثه. أو أقرب مكاناً. أو أكثر ملازمة لشيخه. أو سمع
من مشايخ بلده. أو مشافها مشاهداً لشيخه حال الأخذ. أو لا يجيز الرواية بالمعنى. أو
الصحابي من أكابرهم. أو علي رضي الله تعالى عنه وهو في الأقضية. أو معاذ وهو في الحلال
والحرام. أو زيد وهو في الفرائض. أو الإسناد حجازي. أو رواته من بلد لا يرضون التدليس.
القسم الثاني: الترجيح بالتحمل. وذلك بوجوه: أحدها الوقت. فيرجح منهم من لم يتحمل
بحديث إلا بعد البلوغ على من كان بعض تحمله قبله أو بعضه بعده. لاحتمال أن يكون هذا مما
قبله. والمتحمل بعده أقوى لتأهله للضبط. ثانيها وثالثها: أن يتحمل بمحدثنا والآخر عرضا. أو
٠٠٢
عرضا والآخر كتابة. أو مناولة أو وجادة.
القسم الثالث: الترجيح بكيفة الرواية؛ وذلك بوجوه: أحدها تقديم المحكي بلفظه على
المحكى بمعناه؛ والمشكوك فيه على ما عرف أنه مروى بالمعنى؛ ثانيها ما ذكره فيه سبب وروده
على ما لم يذكر فيه؛ لدلالته على اهتمام الراوي به حيث عرف سببه؛ ثالثها أن لا ينكره راويه
ولا يتردد فيه، رابعها إلى عاشرها: أن تكون ألفاظه دالة على الاتصال؛ كحدثنا وسمعت؛ أو
اتفق على رفعه أو وصله؛ أو لم يختلف في إسناده أو لم يضطرب لفظه؛ أو روي بالإسناد وعزى
ذلك لكتاب معروف؛ أو عزيز والآخر مشهور.
: نت القسم الرابع: الترجيح بوقت الورود وذلك بوجوه: أحدها وثانيها: بتقديم المدني على
المكي والدال على علو شأن المصطفى عليه الصلاة والسلام على الدال على الضعف كبدأ

١١٨
النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث وحكمه
الإسلام غريباً: ثم شهرته: فيكون الدال على العلو متأخراً. ثالثها: ترجيح المتضمن للخفيف،
لدلالته على التأخر، لأنه ◌َّ كان يغلظ في أول أمره زجراً عن عادات الجاهلية، ثم مال
للتخفيف، كذلك قال صاحب الحاصل والمنهاج، ورجح الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عكسه،
وهو تقديم المتضمن للتغليظ وهو الحق، لأنه ور جاء أولاً بالإسلام فقط، ثم شرعت العبادات
شيئاً فشيئاً. رابعها: تريجح ما تحمل بعد الإسلام على ما تحمل قبله، أو شك، لأنه أظهر
تأخراً، خامسها وسادسها: ترجيح غير المؤرخ على المؤرخ بتاريخ متقدم، وترجيح المؤرخ
بمقارب بوفاته وي على غير المؤرخ، قال الرازي: والترجيح بهذه الستة أي إفادتها للرجحان غير
قوية .
القسم الخامس: الترجيح بلفظ الخبر، وذلك بوجوه: أحدها إلى الخامس والثلاثين ترجيح
الخاص على العام، والعام الذي لم يخصص على المخصص، لضعف دلالته بعد التخصيص على
باقي أفراده، والمطلق على ما ورد على سبب، والحقيقة على المجاز، والمجاز المشبه للحقيقة
على غيره، والشرعية على غيرها، والعرفية على اللغوية، والمستغني على الإضمار. وما يقل فيه
اللبس. وما اتفق على وضعه لمسماه. والمومي للعلة. والمنطوق. ومفهوم الموافقة على
المخالفة. والمنصوص على حكمه مع تشبيهه بمحل آخر والمستفاد عمومه من الشرط والجزاء
على النكرة المنفية. أو من الجمع المعرف على من وما. أو من الكل. وذلك من الجنس
المعرف. وما خطابه تكليفي على الوضعي. وما حكمه معقول المعنى. وما قدم فيه ذكر العلة أو
دل الاشتقاق على حكمه. والمقارن للتهديد. وما تهديده أشد. والمؤكد بالتكرار والفصيح. وما
بلغة قريش. وما دل على المعنى المراد بوجهين فأكثر. وبغير واسطة. وما ذكر معه معارضة.
ككنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. والنص والقول. وقول قارنه العمل. أو تفسير الراوي.
وما قرن حكمه بصفة على ما قرن باسم. وما فيه زيادة.
القسم السادس: الترجيح بالحكم وذلك بوجوه: أحدها تقديم الناقل على البراءة الأصلية
على المقرر لها. وقيل عكسه. ثانيها تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة.
والوجوب. ثالثها تقديم الأحوط. رابعها تقديم الدال على نفي الحد.
القسم السابع: الترجيح بأمر خارجي كتقديم ما وافقه ظاهر القرآن. أو سنة أخرى. أو ما
قبل الشرع أو القياس أو عمل الأمة. أو الخلفاء الراشدين. أو معه مرسل آخر. أو منقطع. أو لم
يشعر بنوع قدح في الصحابة. أوله نظير متفق على حكمه أو اتفق على إخراجه الشيخان. فهذه
أكثر من مائة مرجح. وثم مرجحات أخر لا تنحصر ومثارها غلبة الظن.
فوائد:
الأولى: منع بعضهم الترجيح في الأدلة. قياساً على البينات. وقال إذا تعارضا لزم التخيير
أو الوقف. وأجيب بأن مالكاً يرى ترجيح البينة على البينة. ومن لم يرد ذلك يقول: البينة مستندة
إلى توقيفات تعبدية. ولهذا لا تقبل إلا بلفظ الشهادة. الثانية: إن لم يوجد مرجح لأحد
٠٠

١١٩
النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد
النوع السابع والثلاثون: مَعْرِفَةُ المَزِيدِ في مُتَّصلِ الأَسَانيدِ
وَمِثَالِهُ مَا رَوَى ابْنُ المِبَارِكِ قالَ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحمُنِ بِنِ يزِيد حَدَّثني بُشْرُ بن
عُبِيدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعتُ أَبًا إِذْرِيسَ قَالَ: سَمِعتُ وَاثْلَةَ يقُولُ: سَمِعتُ أَبًا مَرْئدٍ يَقولُ: سَمِعتُ
رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ)) فَذِكْرُ سُفْيَانِ، وأَبِي إِدْرِيس زِيَادَةُ وَهَمٍ ،
فَالْوَهَمُ فِي سُفْيَانَ مِمَّنْ دُونَ ابنِ المُبَارَكِ لِأَنْ ثِقَاتٍ رَوَوْهِ عَنْ ابْنِ المُبَارَكِ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ،
وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ فِيهِ بِالإِخْبَارِ، وفي أبي إِذْرِيس مِن ابنِ المُبَارَكِ لأَنْ ثِقَاتِ رَوَوْهُ عَنِ ابْنِ يَزِيدَ
فَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا إِذْرِيسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرّحَ بِسَمَاعٍ بُسْر مِنْ واثلةً،
الحديثين توقف على العمل به حتى يظهر. الثالثة: التعارض بين الخبرين إنما هو لخلل في
الإسناد بالنسبة إلى ظن المجتهد. وأما في نفس الأمر فلا تعارض. الرابعة: ما سلم من
المعارضة فهو محكم وقد عقد له الحاكم في علوم الحديث با وعده من الأنواع. وكذا شيخ
الإسلام في النخبة. قال الحاكم: ومن أمثلته: حديث إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين
يشبّهون بخلق الله(١). وحديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صداقة من غلول(٢). وحديث.
إذا وضع العشاء وَأقيمت الصلاة فأبدؤوا بالصلاة(٣) وَحديث لاشغار في الإسلام(٤). قال: وَقد
صنف فيه عثمان بن سعيد الدرامي كتاباً كبيراً.
(النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد ومثاله ما روى) عبد الله (بن
المبارك قال حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبيد الله) بضم الموحدة
وبالمهملة وأبوه مصغر (قال سمعت أبا إدريس الخولاني (قال سمعت واثلة) بن الأسقع
(يقول سمعت أبا مرثد) الغنوي يقول سمعت رسول الله وم له يقول: (لا تجلسوا على
القبور) ولا تصلوا إليها(٥) (فذكر سفيان وأبي إدريس) في هذا الإسناد (زيادة وهم فالوهم
في سفيان ممن دون ابن المبارك لأن ثقات رووه عن ابن المبارك عن ابن يزيد) نفسه،
منهم ابن مهدي وحسن بن الربيع، وهنّاد بن السرى وغيرهم (ومنهم من صرح فيه بالإخبار) بينهما
(و) الوهم (في أبي إدريس من ابن المبارك لأن ثقات رووه عن ابن يزيد) عن بسر عن وائلة (فلم
يذكروا أبا إدريس) منهم علي بن حجر والوليد بن مسلم وعيسى بن يونس وغيرهم (ومنهم من
صرح بسماع بسر من واثلة) وقد حكم الأئمة على ابن المبارك بالوهم في ذلك. كالبخاري
(١) مسلم في: اللباس (٩١ و ٩٢)، وأحمد ٣٦/٦.
(٢) النسائي ١/ ٨٧، والدارمي ١٧٥/١ .
(٣) ابن ماجه (٩٣٣ - ٩٣٤)، وأحمد ٢٤٩/٣.
(٤) مسلم في: النكاح (٦٠)، وأحمد ١٦٢/٣.
(٥) مسلم في: الجنائز (٩٧)، وأحمد ١٣٥/٤.

١٢٠
النوع الثامن والثلاثون: المراسيل الخفي إرسالها
وَصَنَّفَ الخطيبُ فِي هَذَا كِتَاباً في كَثِيرٍ مِنْهُ نَظَرٍّ، لأَنَّ الْخَالِي عَنِ الزّائِدِ إِنْ كَانَ بِحَرْفٍ عَنْ
فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مُنْقَطعاً، وَإِنْ صَرّحَ فِيهِ بِسَمَاعٍ أَوْ إِخْبَار احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْ رَجُلَ عَنْهُ
ثُمَّ سَمِعَهُ مِنْهُ إِلّ أَنْ تُوجِدَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الوَهَمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الظَّاهِرُ مِمَّنْ لَهُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ
السَّماعَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرْهما حُملَ عَلَى الزِّيَادَةِ.
النوع الثامن والثلاثون: المَرَاسيلُ الخفِيّ إرْسَالُها
هُوَ مهم عَظِيمُ الفَائِدَة، يدْرَكُ بالاتِّسَاعِ فِي الرِّوَايَةِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ مَعَ المَعْرِفَةِ النَّامة،
وَلْخَطِيب فِيهِ كِتَابٌ وَهُوَ ما عرِفَ إِرْساله لِعَدَم اللَّقَاءِ، أَو السَّمَاعِ وَمِنْهُ مَا يَحْكُمُ بِإِرْسَالِهِ
لمَجِيئِهِ مِنْ وَجْه آخَرَ بزِیادَة شَخْص،
وغيره، وقال أبو حاتم الرازي: وكثيراً ما يحدث بسر عن أبي إدريس عن وائلة، وقد سمع هذا
بسر من واثلة نفسه، ثم الحديث على الوجهين عند مسلم والترمذي (وصنف الخطيب في هذا)
النوع (كتاباً) سماه تمييز المزيد في متصل الأسانيد (في كثير منه نظر لأن) الإسناد (الخالي عن)
الراوي (الزائد إن كان بحرف عن) ونحوها مما لا يقتضي الاتصال (فينبغي أن يجعل منقطعاً)
ويعل بالإسناد الذي ذكر فيه الراوي الزائد، لأن الزيادة من الثقة مقبولة (وإن صرح فيه بسماع
وإخبار) أو تحديث (احتمل أن يكون سمعه من رجل عنه) ثم سمعه منه اللهم (إلا أن توجد قرينة
تدل على الوهم) كما ذكر أبو حاتم في المثال السابق (ويمكن أن يقال) أيضاً (الظاهر ممن وقع له
هذا أن يذكر السماعين، فإذا لم يذكرهما حمل على الزيادة) المذكورة. في
(النوع الثامن والثلاثون، المراسيل الخفيَّ إرسالها) أي انقطاعها (هو فن مهم عظيم الفائدة
يدرك بالاتساع في الرواية وجمع الطرق) للأحاديث (مع المعرفة التامة وللخطيب فيه كتاب) سماه
التفصيل لمبهم المراسيل، وأصل الإرسال، ظاهر: كرواية الرجل عمن لم يعاصره، كرواية
القاسم بن محمد عن ابن مسعود، ومالك عن ابن المسيب، وخفي، وهو المذكور ههنا (وهو ما
عرف إرساله لعدم اللقاء) لمن روى عنه مع المعاصرة (أو) لعدم (السماع) مع ثبوت اللقاء، أو
لعدم سماع ذلك الخبر بعينه مع سماع غيره، ويعرف ما ذكر إما بنص بعض الأئمة عليه، أو
بوجه صحيح، كإخباره عن نفسه بذلك، في بعض طرق الحديث ونحو ذلك، كحديث رواه ابن
ماجه(١) من رواية عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر، مرفوعاً: رحم الله حارس الحرس، فإن
عمر لم يلق عقبة، كما قال المزي في الأطراف، وكأحاديث أبي عبيدة عن أبيه عن عبد الله بن
مسعود، فقد روى الترمذي أن عمرو بن مرة قال لأبي عبيدة هل تذكر من عبد الله شيئا قال لا
(ومنه ما يحكم بإرساله لمجيئه من وجه آخر بزيادة، شخص) بينهما كحديث رواه عبد الرزاق (٢)،
(١) رقم (٢٧٦٩).
(٢) العلل المتناهية ٢٥١/١.

١٢١
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وَهَذَا الْقِسْمُ مَعَ النَّوْعِ السَّابِقِ يعتَرضُ بِكِلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآخَرِ وَقَدْ يُجَابُ بِنَحْوِ مَا تَقَدّمَ.
ج ٢٠٠٠٠٠
النوع التاسع والثلاثون: مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ رَضِي اللَّهُ عنْهِمْ
وَهَذَا علمٌ كَبِيرٌ، عَظِيمُ الفَائِدَةِ فِيهِ يَعْرَفُ المتَّصِلُ مِنَ المَرْسَلِ وَفيهِ كُتبٌ كَثِيرَةٌ وَمِنْ
أَحْسَنَهَا وَأَكْثَرَهَا فَوَائِدَ ((الاسْتِيعَابُ)) لابنِ عَبْدِ البَرِّ لَوْلاَ مَا شأنَهُ بِذِكْرِ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابةِ
وَحِكَايَتِهِ عَنِ الأَخْبَارِيِّينَ. وَقَدْ جَمَعَ الشّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ الأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ فِي الصَّحَابَةِ كِتَاباً
حَسَناً جَمَعَ كَتباً كَثِيرَةً وَضَبَطَ وَحَقْقَ أَشْيَّاءَ حَسَنَةً وَقَدْ احْتَصَرتَهُ بِحَمْدِ اللَّهِ.
عن سفيان الثوري عن أبي إسحق عن زيد بن يُثَيْع عن حذيفة مرفوعاً: إن وليتموها أبا بكر فقوي
أمين، فهو منقطع في موضعين، لأنه روى عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن
الثوري، وروى أيضاً عن الثوري عن شريك، عن أبي إسحق (وهذا القسم مع النوع السابق) وهو
المزيد في متصل الأسانيد (يعترض بكل منهما على الآخر) لأنه ربما كان الحكم للزائد وربما كان
للناقص، والزائد وهم، وهو يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد (وقد يجاب
بنحو ما تقدم).
(النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم هذا علم كبير جليل عظيم الفائدة
وبه يعرف المتصل من المرسل وفيه كتب كثيرة) مؤلفة ككتاب الصحابة لابن حبان، وهو مختصر
في مجلد، وكتاب أبي عبد الله بن منده، وهو كبير جليل، وذيل عليه أبو موسى المديني، وكتاب
أبي نعيم الأصبهاني، وكتاب العسكري (ومن أحسنها وأكثرها فوائد الاستيعاب لابن عبد البر لولا
ما شأنه بذكر ما شجر بين الصحابة وحكايته عن الأخباريين) والغالب عليهم الإكثار والتخليط فيما
يروونه، وذیل علیه ابن فتحون.
قال المصنف زيادة على ابن الصلاح (وقد جمع الشيخ) أبو الحسن على ابن محمد (بن
الأثير الجزري في الصحابة كتاباً حسناً) سماه أسد الغابة (جمع فيه كتباً كثيرة) وهي كتاب ابن
منده، وأبي موسى وأبي نعيم، وابن عبد البر، وزاد من غيرها أسماء في هذا (وضبط وحقق
أشياء حسنة) على ما فيه من التكرار بحسب الاختلاف في الاسم أو الكنية.
قال المصنف (وقد اختصرته بحمد الله) ولم يشتهر هذا المختصر، وقد اختصره الذهبي
أيضاً في كتاب لطيف، سماه ((التجريد)) ولشيخ الإسلام في ذلك: الإصابة في تمييز الصحابة،
کتاب حافل وقد اختصرته ولله الحمد.
14 4
فائدة :
قول المصنف ((الأخباريين)) جمع أخباري، عده ابن هشام من لحن العلماء وقال: الصواب
الخبري، أي لأن النسبة إلى الجمع ترد إلى الواحد، كما تقرر في علم التصريف، تقول في

١٢٢
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم
فروع :
أحَدُهَا اخْتُلِفَ فِي حَدِّ الصَّحَابِيِّ، فالمَعْرُوفُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ كلُّ مُسْلِمٍ رَأى
رَسُول اللَّهِ وَ.
الفرائض فرضي، ونكتته: أن المراد النسبة إلى هذا النوع، وخصوصية الجمع ملغاة، مع أنها
مؤدية إلى الثقل، قال: ومن اللحن أيضاً قولهم، لا يؤخذ العلم من صحفي بضمتين، والصواب
بفتحتين، رداً إلى صحيفة، ثم فعل بها ما فعل بحنيفة.
فروع :
(أحدها: اختلف في حد الصحابي، فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول
الله ( *) كذا قال ابن الصلاح، ونقله عن البخاري وغيره، وأورد عليه، إن كان فاعل الرؤية
الرائي الأعمى كابن أم مكتوم ونحوه فهو صحابي بلا خلاف ولا رؤية له. ومن رآه كافراً ثم
أسلم بعد موته كرسول فيصر فلا صحبة له، ومن رآه بعد موته ◌َ لّ قبل الدفن، وقد وقع ذلك
لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي فإنه لا صحبة له، وإن كان فاعلها رسول الله وض له دخل فيه
جميع الأمة، فإنه كشف له عنهم ليلة الإسراء وغيرها، ورآهم، وأورد عليه أيضاً، من صحبه ثم
ارتد، كابن خطل ونحوه، فالأولى أن يقال: من لقي النبي ◌َ ◌ّ مسلماً ومات على إسلامه، أما
من ارتد بعده ثم أسلم ومات مسلماً، فقال العراقي في دخوله فيهم نظر، فقد نص الشافعي
وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل، قال: والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة، كقرة بن
ميسرة، والأشعث بن قيس، أما من رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد الله بن أبي سرح فلا مانع
من دخوله في الصحبة، وجزم شيخ الإسلام في هذا والذي قبله ببقاء اسم الصحبة له، قال: وهل
يشترط لقيه في حال النبوة أو أعم من ذلك، حتى يدل من رآه قبلها ومات على الحنيفية،
كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد عده ابن منده في الصحابة، وكذا لو رآه قبلها ثم أدرك البعثة وأسلم
ولم يره.
قال العراقي: ولم أر من تعرض لذلك، قال: ويدل على اعتبار الرؤية بعد النبوة ذكرهم في
الصحابة ولده إبراهيم دون من مات قبلها، كالقاسم، قال: وهل يشترط في الرائي التمييز، حتى
لا يدخل من رآه وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز أو لا يشترط، لم
يذكروه أيضاً، إلا أن العلائي قال في المراسيل: عبد الله بن الحارث بن نوفل حنكه النبي وَال
ودعا له ولا صحبة له، بل ولا رؤية أيضاً، وكذا قال في عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، حنكه
ودعا له، وما تعرف له رؤية بل هو تابعي، وقال في النكت ظاهر كلام الأئمة ابن معين
وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم اشتراطه، فإنهم لم يثبتوا الصحبة لأطفال حنكهم
النبي ◌َ ◌ّ أو مسح وجوههم أو تفل في أفواههم، كمحمد بن حاطب، وعبد الرحمن بن عثمان
التميمي وعبيد الله بن معمر ونحوهم، قال: ولا يشترط البلوغ على الصحيح، وإلا لخرج من
أجمع على عده في الصحابة، كالحسن والحسين وابن الزبير ونحوهم، قال: والظاهر اشتراط
٠٠٠٠

١٢٣
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم
وَعَنْ أَصحَابِ الأَصُولِ أَوْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مَن طَالَتْ مِجَالَسَتُهُ عَلَى طَرِيقِ النَّبَعِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيِّبِ أَنَّهُ لاَ يُعَدُّ صَحَابِيًّا إِلَّ مَنْ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ سَنَةً أَوْ سَنَيْنِ أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ
غَزْوَتَيْنِ، فإِنْ صَحَّ عَنْهُ فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لاَ يُعَدّ جَرِيرِ الْجَلَيُّ وَشِبْهُهُ صَحَابِيًّا، وَلاَ
خِلَفَ أَنْهُمْ صَحَابٌ .
رؤيته في عالم الشهادة، فلا يطلق اسم الصحبة على من رآه من الملائكة والنبيين، قال: وقد
استشكل ابن الأثير مؤمني الجن في الصحابة دون من رآه من الملائكة وهم أولى بالذكر من
هؤلاء، قال: وليس كما زعم، لأن الجن من جملة المكلفين الذي شملتهم الرسالة والبعثة، فكان
ذكر من عرف اسمه ممن رآه حسناً، بخلاف الملائكة، قال: وإذا نزل عيسى وَلّ وحكم بشرعه
فهل يطلق عليه اسم الصحبة، لأنه ثبت أنه رآه في الأرض، الظاهر نعم انتهى (وعن أصحاب
الأصول أو بعضهم أنه من طالت مجالسته) له (على طريق التبع) له والأخذ عنه، بخلاف من وفد
عليه وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة، قالوا وذلك معنى الصحابي لغة، ورد بإجماع أهل اللغة
على أنه مشتق من الصحبة، لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره
قليلاً كان أو كثيراً، يقال: صحبت فلاناً حولاً وشهراً ويوماً وساعة؛ وقول المصنف أو بعضهم
من زيادته، لأن كثيراً منهم موافقون لما تقدم نقله عن أهل الحديث، وصححه الآمدي وابن
الحاجب، وعن بعض أهل الحديث موافقة ما ذكر عن أهل الأصول: لما رواه ابن سعد بسند
جيد في الطبقات عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيلاني قال: أتيت أنس بن مالك
فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله وسلّم قال قد بقي قوم من الأعراب فأما من
أصحابه فأنا آخر من بقي، قال العراقي: والجواب: أنه أراد إثبات صحبة خاصة ليست لأولئك
(وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد صحابياً إلا من أقام مع رسول الله مج له سنة أو سنتين أو غزا
معه غزوة أو غزوتين) وَوَجهه: أن لصحبته ◌َّ شرفاً عظيماً، فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه
الخلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب، والسنة
المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج (فإن صح) هذا القول (عنه فضعيف فإن
مقتضاه أن لا يعد جرير) بن عبد الله (البجلي وشبهه) ممن فقد ما اشترطه كوائل بن حجر (صحابياً
ولا خلاف أنهم صحابة)، قال العراقي(١): ولا يصح هذا عن ابن المسيب، ففي الإسناد إليه
محمد بن عمر الواقدي ضعيف في الحديث، وقال: وقد اعترض بأن جريراً أسلم في أول البعثة،
لما روى الطبراني(٢) عنه قال: لما بعث النبي ◌َّ أتيته لأبايعه، فقال لأي شيء جئت يا جرير،
قال: جئت لأسلم على يديك، فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وَ له، وتقيم
الصلاة المكتوبة، وتؤتى الزكاة المفروضة، الحديث قال: والجواب أن الحديث غير صحيح،
فإنه من رواية الحصين بن عمر الأحمسي، وهو منكر الحديث، ولو ثبت فلا دليل فيه، لأنه يلزم
(١) النكت ص (٢٩٧).
(٢) ٣٤٣/٢.

١٢٤
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم
ثُمَّ تَعْرَفُ صَحْبَتَهُ بِالتَّوَاتِ وَالاسْتِفَاضَةِ، أَوْ قَوْلٍ صَحَابِيّ أَوْ قَوْلِهِ إِذَا كَانَ عَدْلاً .
الثَّانِي: الصَّحَابَةُ كلُّهِمْ عِدُولٌ، مَنْ لاَبسَ الفِتَنَ وَغَيْرُهُمْ بِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ. وَأَكْثَرُهُمْ
الفورية في جواب لما، بدليل ذكر الصلاة والزكاة وفرضهما متراخ عن البعثة، والصواب ما ثبت
عنه أنه قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة، رواه أبو داود وغيره، وفي تاريخ البخاري الكبير:
أنه أسلم عام توفي النبي وس#، وكذا قال الواقدي وابن حبان والخطيب وغيرهم.
فائدة :
في حد الصحابي قول رابع: أنه من طالت صحبته وروى عنه، قاله الحافظ، وخامس: أنه
من رآه بالغاً. حكاه الواقدي وهو شاذ كما تقدم، وسادس: أنه من أدرك زمنه وَ لّ وإن لم يره،
قاله يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعد من ذلك عبد الله بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم
يرحل إلى المدينة إلا في خلافة عمر باتفاق، وممن حكى هذا القول القرافي في شرح التنقيح،
وكذا من حكم بإسلامه تبعاً لأبويه؛ وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده في كتابيهما، وشرط
الماوردي في الصحابي أن يتخصص بالرسول ويتخصص به الرسول واله .
(ثم تعرف صحبته) إما (بالتواتر) كأبي بكر وعمر وبقية العشرة في خلق منهم (أو
الاستفاضة) والشهرة القاصرة عن التواتر، كضمام بن ثعلبة وعكاشة بن محصن (أو قول صحابي)
عنه أنه صحابي، كحممة بن أبي حممة الدوسي الذي مات بأصبهان مبطوناً، فشهد له أبو موسى
الأشعري أنه سمع النبي وَّر حكم له بالشهادة. ذكر ذلك أبو نعيم في تاريخ أصبهان، وروينا قصته
في مسند الطيالسي ومعجم الطبراني، وزاد شيخ الإسلام ابن حجر بعد هذا: أن يخبر آحاد
التابعين بأنه صحابي. بناءً على قبول التزكية من واحد، وهو الراجح (أو قوله) هو: أنا صحابي
(إذا كان عدلاً) إذا أمكن ذلك فإن ادعاه بعد مائة سنة من وفاته بَّ فإنه لا يقبل وإن ثبتت عدالته
قبل ذلك، لقوله و18 في الحديث: أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لم يبق أحد على
ظهر الأرض(١). يريد انخرام ذلك القرن، قال ذلك سنة وفاته وَّر، وشرط الأصوليون في قبوله
أن تعرف معاصرته له، وفي أصل المسألة احتمال أنه لا يصدق، لكونه متهماً بدعوى رتبة يثبتها
لنفسه، وبهذا جزم الآمدي ورجحه أبو الحسن بن القطان.
فائدة :
قال الذهبي في الميزان(٣): رتن الهندي، وما أدراك ما رتن، شيخ دجال بلا ريب، ظهر
بعد الستمائة، فادعى الصحبة، وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألفت في أمره جزءاً.
(الثاني: الصحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به) قال تعالى:
(١) البخاري ٢١١/١ - ٢١٢ و٤٥/٢، ومسلم ٤ / ١٩٦٥ - ١٩٦٧.
(٢) ٤٥/٢ /٢٧٥٩.

١٢٥
النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم
حَدِيثاً أَبُو هُرَيُّرَة. ثُمَّ ابْنُ عَمَر، وَابْنُ عَبَّاسِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَائِشَةُ،
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) الآية، أي عدولاً، وقال تعالى: ﴿كُتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(٢)
والخطاب فيها للموجودين حينئذٍ، وقال ◌َّر: خير الناس قرني، رواه الشيخان(٣)، قال إمام
الحرمين: والسبب في عدم الفحص عن عدالتهم: أنهم حملة الشريعة، فلو ثبت توقف في
روايتهم لانحصرت الشريعة على عصره وَله، ولما استرسلت سائر الأعصار، وقيل: يجب البحث
عن عدالتهم مطلقاً، وقيل: بعد وقوع الفتن. وقالت المعتزلة: عدول إلا من قاتل عليّاً، وقيل:
إذا انفرد، وقيل إلا المقاتلُ والمقاتَلُ، وهذا كله ليس بصواب، إحساناً للظن بهم وحملاً لهم في
ذلك على الاجتهاد المأجور فيه كل منهم، وقال المازري في شرح البرهان: لسنا نعني بقولنا:
((الصحابة عدول)) كل من رآه وَي* يوماً ما أوزاره لماماً، أو اجتمع به لغرض وانصرف، وإنما نعني
به الذين لازموه وعزروه ونصروه، قال العلائي: وهذا قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين
بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث، وعثمان بن
أبي العاص وغيرهم، ممن وفد عليه وَّةٍ ولم يقم عنده إلا قليلاً وانصرف، وكذلك من لم يعرف
إلا برواية الحديث الواحد، ومن لم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم هو
الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر .
(وأكثرهم حديثاً أبو هريرة) روى خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، اتفق
الشيخان منها على ثلثمائة وخمسة وعشرين وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة
وثمانين. وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل، وهو أحفظ الصحابة: قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ
من روى الحديث في دهره، أسنده البيهقي في المدخل، وكان ابن عمر يترحم عليه في جنازته
ويقول: كان يحفظ على المسلمين حديث النبي ◌ّر، رواه ابن سعد، وفي الصحيح عنه قال:
قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه، قال ابسط رداءك فبسطته. فغرف بيديه ثم
قال: ضمه، فما نسيت شيئاً بعد، وفي المستدرك عن زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة
وآخر عند النبي ون له، فقال ادعوا فدعوت أنا وصاحبي وأمن النبي وَّ، ثم دعا أبو هريرة فقال:
اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي وأسألك علماً لا ينسى، فأمن النبي وَ لَهُ. فقلنا ونحن يا
رسول الله كذلك، فقال: سبقكما الغلام الدوسي، (ثم) عبد الله (بن عمر) روى ألفي حديث
وستمائة وثلاثين حديثاً (وابن عباس) روى ألفاً وستمائة وستين حديثاً (وجابر بن عبد الله) روى
ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً (وأنس بن مالك) روى ألفين ومائتين وستاً وثمانين حديثاً (وعائشة)
أم المؤمنين روت ألفين ومائتين وعشرة. وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء
إلا أبا سعيد الخدري. فإنه روى ألفاً ومائة وسبعين حديثاً.
(١) آية (١٤٣) سورة البقرة.
(٢) آية (١١٠) سورة آل عمران.
(٣) البخاري ٢٢٤/٣، ومسلم في: فضائل الصحابة (٢١٢) وأحمد ٣٧٨/١.