النص المفهرس

صفحات 261-280

٦٦
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
لِفُلانٍ أَوْ وَهَذَا لَفْظُ فُلاَنٍ قَالَ أَوْ قَالا أَخْبَرَنَا فلانٌ وَنَحْوَهُ مِنَ الْعِبَارَاتِ وَلِمُسْلِم فِي صَحِيحِهِ
عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ كَقَوْلِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو سَعِيدِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو
خَالِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ فَظَاهِرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَخُصَّ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا فُلان وَفلان
وَتَقَارَباً في اللَّفْظِ قَالاَ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ جَازَ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بالمَعْنَى، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ تَقَارِبَا فلا
بَأْسَ بِهِ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بالمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ قَدْ عِيبَ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِذَا سَمِعَ مِنْ
جَمَاعَةٍ مُصَنَّفاً فَقَابَلَ نُسْخَتَهُ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ ثُمَّ رَوَاهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: اللّفْظُ لِفُلاَنٍ فَيَحْتَمِلُ جَوَازَهُ
وَمَنْعَهُ.
الثَّامِنُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ في نسَبِ غَيْرِ شَيْخِهِ أَوْ صِفَتِهِ إِلاَّ أَنْ يُمَيِّزَهُ فَيَقُولَ هُوَ ابْنُ فُلاَنٍ،
يأتي به لهما فيقول بعدما تقدّم (قال أو قالا أخبرنا فلان ونحوه من العبارات، ولمسلم في
صحيحه عبارة حسنة) أفصح مما تقدم (كقوله حدثنا أبو بكر) بن أبي شيبة (وأبو سعيد) الأشج
(كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر حدثنا أبو خالد عن الأعمش فظاهره) حيث أعاده ثانياً (أن
اللفظ لأبي بكر) قال العراقي: ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن الأشج لم يصرح
(فإن لم يخص) أحدهما بنسبة اللفظ إليه، بل أتى ببعض لفظ هذا وبعض لفظ الآخر (فقال أخبرنا
فلان وفلان وتقاربا في اللفظ) أو والمعنى واحد (قالا حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى)
دون ما إذا لم يجوزها، قال ابن الصلاح(١): وقول أبي داود حدثنا مسدد وأبو توبة المعنى، قالا
حدثنا أبو الأحوص، يحتمل أن يكون من قبيل الأول فيكون اللفظ لمسدّد ويوافقه أبو توبة في
المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة، بل رواه عنهما
بالمعنى، قال وهذا الاحتمال يقرب في قول مسلم: المعنى واحد (فإن لم يقل) ولا شبهة (فلا
بأس به على جواز الرواية بالمعنى وإن كان قد عيب به البخاري أو غيره وإذا سمع من جماعة)
كتاباً (مصنفاً فقابل نسخته بأصل بعضهم) دون الباقي (ثم رواه عنهم) كلهم (وقال اللفظ لفلان)
المقابل بأصله (فيحتمل جوازه) كالأول لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن يذكر أنه بلفظه (و).
يحتمل (منعه) لأنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها، بخلاف ما سبق فإنه اطلع
فيه على موافقة المعنى، قاله ابن الصلاح، وحكاه أيضاً العراقي ولم يرجح شيئاً من الاحتمالين
وقال البدر بن جماعة في المنهل الروى يحتمل تفصيلاً آخر، وهو النظر إلى الطرق، فإن كانت
متباينة بأحاديث مستقلة لم يجز وإن كان تفاوتها في ألفاظ أو لغات أو اختلاف ضبط جاز.
(الثامن ليس له أن يزيد في نسب غير شيخه) من رجال الإسناد (أو صفته) مدرجاً ذلك
حيث اقتصر شيخه على بعضه (إلا أن يميزه فيقول) مثلاً (هو ابن فلان الفلاني أو يعني ابن فلان
(١) علوم الحديث ص (٢٣٣).

٦٧
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
الفُلاَئِيِّ، أَوْ يَعْنِي ابْنُ فُلاَنٍ وَنَحْوَهُ. فَإِنْ ذَكَرَ شَيْخُهُ نَسَبَ شَيْخِهِ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ ثُمَّ افْتَصَرَ في
بَاقِي أَحَادِيثِ الكِتَابِ عَلَى اسْمِهِ أَوْ بَعْضِ نَسَيَهِ فَقَدْ حكىَ الْخَطيبُ عَنْ أَكْثَرِ العُلَمَاءِ جَوَازَ
رِوَابَتِهِ تِلْكَ الأَحَادِيثِ مَفْصُولةً عَنْ الأَوَّلِ مَسْتَوْفِياً نَسَبَ شَيْخِ شَيْخِهِ، وَعَنْ بَعَضِهِمْ: الأَولَى
أَنْ يَقُولَ: يَعْني ابْنِ فُلاَنٍ، وَعَنْ عَلَى بْنِ المَدينيِّ وَغَيْرِهِ يَقُولُ: حَدِّثني شَيْخِي أَنْ فُلانَ ابْنَ
فُلانٍ حَدَّثَهُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَخْبَرَنَا فُلَانٌ هُوَ ابْنُ فُلاَنٍ، وَاسْتَحِبَّهُ الْخَطيبُ وَكُلَّهُ جَائِزٌ وَأَوْلاَهُ هُوَ
ابْنُ فُلانٍ، أَوْ يَعْنِي ابْنَ فلانٍ، ثمَّ قَوْلُهُ أَنَّ فلانَ ابن فلان، ثمَّ أَنْ يَذْكُرُهُ بِكِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ .
التاسعُ: جَرَتِ العَادَةُ بِحَدْفِ قَالَ وَنحوهِ بينَ رِجَالِ الإِسْنَادِ خَطَّ، وَيَنْبَغِي لِلْقَارِىءِ
اللَّفْظُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ فِيهِ قِرِىء عَلَى فلان أَخْبَرَكَ فلانٌ أَوْ قُرِىءَ عَلَى فلان حَدَّثَنَا فلانٌ، فَلْيَقُلِ
القَارِىءُ في الأَوَّلِ قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكَ فلان، وَفي الثَّانِي قالَ حَدَّثَنَا فلان، وَإِذَا تَكَرَّرَ لَفْظُ قال
کَقَوْلِهِ حَدَّثنا صَالحٌ، قالَ:
ونحوه) فيجوز، فعل ذلك أحمد وغيره (فإن ذكر شيخه نسب شيخه) بتمامه (في أول حديث ثم
اقتصر في باقي أحاديث الكتاب على اسمه أو بعض نسبه، فقد حكى الخطيب عن أكثر العلماء
جواز روايته تلك الأحاديث مفصولة عن) الحديث (الأول مستوفياً نسب شيخ شيخه و) حكى (عن
بعضهم) أن (الأولى) فيه أيضاً (أن يقول يعني ابن فلان و) حكى (عن علي بن المديني وغيره)
كشيخه أبي بكر الأصبهاني الحافظ أنه (يقول حدثني شيخي أن فلان ابن فلان حدثه و) حكى (عن
بعضهم) أنه يقول (أنا فلان هو ابن فلان واستحبه) أي هذا الأخير (الخطيب) لأن لفظ أنّ
استعملهما قوم في الإجازة كما تقدم، قال ابن الصلاح (وكله جائز وأولاه) أن يقول (هو ابن فلان
أو يعني ابن فلان ثم) بعده (قوله أن فلان بن فلان ثم) بغده (أن يذكره بكماله من غير فصل).
تنبيه :
قال في الاقتراح: ومن الممنوع أيضاً أن يزيد تاريخ السماع إذا لم يذكره الشيخ، أو يقول
بقراءة فلان، أو بتخريج فلان حيث لم يذكره.
(التاسع: جرت العادة بحذف قال ونحوه بين رجال الإسناد خطا) اختصاراً (وينبغي للقارىء
اللفظ بها) عبارة ابن الصلاح(١). ولا بد من ذكره حال القراءة (وإذا كان فيه قرىء على فلان
أخبرك فلان أو قرىء على فلان حدثنا فلان، فليقل القارىء في الأول قيل له أخبرك فلان، وفي
الثاني قال حدثنا فلان).
قال ابن الصلاح(٢): وقد جاء هذا مصرحاً به خطاً، قلت: وينبغي أن يقال في قرأت على
فلان قلت له أخبرك فلان (وإذا تكرر لفظ قال كقوله) أي البخاري (حدثنا صالح) بن حيان (قال:
(١) علوم الحديث (٢٣٥) .. .....
(٢) نفس المصدر ص (٢٣٦).
البيع

٦٨
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
قالَ الْشّعْبِيُّ: فَإِنَّهُمْ يَحْذِفُونَ أَحَدَهُمَا خَطَّا فَلْيَلْفِظِ بهمَا القارىء. وَلَوْ تَرَكَ القارىءُ قالَ في
هذا كُلّه فَقَدْ أَخْطَأَ وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ السَّماءِ.
الْعَاشِرُ: النسَخُ وَالأَجْزَاءُ المُشْتَمِلَةُ عَلَى أَحَادِيثَ يإِسْنَادٍ وَاحِدٍ كَنُسْخَةِ هَمَّامٍ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةَ مِنْهُمْ مَنْ يُجدِّدُ الإِسْنَادَ أَوْل كلِّ حَدِيثٍ وَهُوَ أَخْوَطُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَكْتَفِي بِهِ فِي أَوَّلِ
حَدِيثٍ، أَوْ أَوْلَ كُلِّ مَجْلِسٍ وَيُدْرِجُ الْبَاقِي عَلَيْهِ قَائِلاً في كُلِّ حَدِيثٍ وَبالإِسْنَادَ أَوْ وَبِهِ، وَهُوَ
الأَغْلَبُ .
قال) عامر (الشعبي فإنهم يحذفون أحدهما خطأً) وهي الأولى فيما يظهر (فليلفظ بهما القارىء)
جميعاً. قال المصنف من زيادته: (ولو ترك القارىء قال في هذا كله فقد أخطأ، والظاهر صحة
السماع) لأن حذف القول جائز اختصاراً، جاء به القرآن العظيم. وكذا قال ابن الصلاح أيضاً في
فتاويه معبراً بالأظهر .
قال العراقي: وقد كان بعض أئمة العربية وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف
ابن المرحل ينكر اشتراط المحدثين التلفظ يقال في أثناء السند، وما أدري ما وجه إنكاره، لأن
الأصل هو الفصل بين كلامي المتكلمين للتمييز بينهما، وحيث لم يفصل فهو مضمر، والإضمار
خلاف الأصل.
قلت: وجه ذلك في غاية الظهور، لأن أخبرنا وحدثنا بمعنى قال لنا، إذ حدث بمعنى
قال، ونا بمعنى لنا، فقوله: حدثنا فلان، حدثنا فلان، معناه: قال لنا فلان، قال لنا فلان، وهذا
واضح لا إشكال فيه.
وقد ظهر لي هذا الجواب وأنا في أوائل الطلب فعرضته لبعض المدرسين فلم يهتد لفهمه
لجهله بالعربية، ثم رأيته بعد نحو عشر سنين منقولاً عن شيخ الإسلام وأنه كان ينصر هذا القول
ويرجحه، ثم وقفت عليه بخطه، فلله الحمد.
تنبيه :
مما يحذف في الخط أيضاً في اللفظ، لفظ ((أنه)) كحديث البخاري عن عطاء بن أبي ميمونة
سمع أنس بن مالك، أي أنه سمع، قال ابن حجر في شرحه: لفظ أنه يحذف في الخط عرفاً.
(العاشر: النسخ، والأجزاء المشتملة على أحاديث بإسناد واحد كنسخة همام) بن منبه (عن
أبي هريرة) رواية عبد الرازق عن معمر عنه (منهم من يجدد الإسناد) فيذكره (أول كل حديث)
منها (وهو أحوط) وأكثر ما يوجد في الأصول القديمة، وأوجبه بعضهم.
(ومنهم من يكتفي به في أول حديث) منها (أو أول كل مجلس) من سماعها (ويدرج الباقي
عليه قائلاً في كل حديث) بعد الحديث الأول (وبالإسناد أو وبه وهو الأغلب) الأكثر.

٦٩
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
فَمَنْ سَمِعَ هَكَذَا فَأَرَادَ رِوَايَةَ غَيْرِ الأَوَّلِ يإِسْنَادِهِ جَازَ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ وَمَنَعَهُ أَبُو إِسْحَقُ
الإِسْفَرَايِنِي وَغَيْرُهُ.
فَعَلَى هَذَا طَرِيقُهُ أَنْ يُبَيِّنَ كَقَوْلِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا
مَعْمَر عن هَمَّامِ، قالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ أَحَادِيث مِنْهَا وَقَالَ رَسُول اللَّهِ ◌َّ:
(إِنَّ أَذْنىْ مَفْعَدٍ أَحَدِكُمْ)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَذَا فَعَلَهُ كَثِير من المُؤَلِّفِينَ، وَأَمَّا إِعَادَةُ بَعْضٍ
الإِسْنَاد آخِرَ الكِتَابِ فَلاَ يَرْفَعُ هذَا الْخِلَفَ إِلاَّ أَنَّهُ يُفِيدُ أُخْتِياطاً وَإِجَازَة بَالِغَة مِنْ أَعْلى
أَنْوَاعِهَا .
(فمن سمع هكذا فأراد رواية غير الأول) مفرداً عنه (بإسناد جاز) له ذلك (عند الأكثرين)
منهم وكيع وابن معين والإسماعيلي، لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه، وهو بمثابة تقطيع
المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله (ومنعه) الأستاذ (أبو إسحاق الإسفرايني وغيره)
کبعض أهل الحديث رأوا ذلك تدليساً.
(فعلى هذا طريقه أن يبين) ويحكى ذلك، وهو على الأول أحسن (كقول مسلم) في الرواية
من نسخة همام (حدثنا محمد بن رافع ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام) بن منبه، بكسر الموحدة
المشددة (قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، وذكر أحاديث، منها: وقال رسول الله وَله: ((إن أدنى
مقعد أحدكم في الجنة)) الحديث)(١)، واطرد لمسلم ذلك (وكذا فعله كثير من المؤلفين) وأما
البخاري فإنه لم يسلك قاعدة مطردة فتارة يذكر أول حديث في النسخة، ويعطف عليه الحديث
الذي يساق الإسناد لأجله، كقوله في الطهارة: حدثنا أبو اليمان أنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن
الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله وَ له يقول: نحن الآخرون السابقون(٢)، وقال: لا
يبولن أحدكم في الماء الدائم، الحديث(٣). فأشكل على قوم ذكره ((نحن الآخرون السابقون)) في
هذا الباب، وليس مراده إلا ما ذكرناه، وتارة يقتصر على الحديث الذي يريده وكأنه أراد بيان أن
كلا الأمرين جائز.
(وأما إعادة بعض) من المحدثين (الإسناد آخر الكتاب) أو الجزء (فلا يرفع هذا الخلاف)
الذي يمنع إفراد كل حديث بذلك الإسناد عند روايتها، لكونه لا يقع متصلاً بواحد منها.
(إلا أنه يفيد احتياطاً و) يتضمن (إجازة بالغة من أعلى أنواعها)، قلت: ويفيد سماعه لمن
لا يسمعه أولاً.
(١) مسلم في: الإيمان (٣٠١)، وأحمد ٣١٥/٢.
(٢) البخاري ١٥٩/٨، وأحمد ٢٤٩/٢.
(٣) البخاري ٦٩/١، ومسلم في: الطهارة (٩٥)، وأحمد ٢٥٩/٢٪
....

٧٠
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
الحادي عشر: إِذَا قَدَّمَ المَتْنَ كَقَالَ النبيُّ وَكَذَا، أَو المَثْنَ وَأَخَّرَ الإِسْنَادَ كَرَوَى نَافِعٌ
عَنِ النبيِّ وَّهِ كَذَا، ثمَّ يَقُولُ أَخْبَرَنَا بِهِ فلان عَنْ فلان حَتَّى يَتَّصِلَ صَحَّ وَكَانَ مُتَّصِلاً، فلوْ أَرَادَ
مَنْ سَمِعَهُ هُكَذَا تَقْدِيمَ جَمِيعِ الإِسْنَادِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، وَيَنْبَغِي فِهِ خِلاَفٍ كَتَقْدِيمٍ بَعْضِ المَتْنِ
عَلَى بَعْضِ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالمَعْنِى وَلَوْ رَوَى حَدِيثاً بِسْنَادٍ ثُمَّ أَتْبَعُهُ إِسْنَاداً قَالَ في آخَرِهِ
مِثْلَهُ فَأَرَادَ السَّامِعُ رِوَايَةَ المَثْنَ بالإِسْنَادِ الثَّانِي فَالْأَظْهَرُ مَنْعُهُ، وَهُوَ قَوْلُ شُعَبَةَ، وَأَجَازَهُ
الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ إِذَا كَانَ مُتَحَفِّظاً مُمَيِّزاً بَيْنَ الأَلْفَاظِ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ العُلَمَاءِ إِذَا رَوَى
أَحَدُهُمْ مِثْلَ هَذَا ذَكَرَ الإِسْنَادَ ثُمَّ قَالَ مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلَهُ مَتْنُهُ كَذَا، وَاخْتَارُ الخَطِيبُ هَذَا، وَأَمَّا
إِذَا قَالَ نَحْوَهُ فَأَجَازَهُ الثَّوْرِيُّ،
(الحادي عشر: إذا قدم) الراوي (المَتْن) على الإسناد (كقال رسول الله وَلَر كذا) ثم يذكُر
الإسناد بعده (أو المتن وأخر الإسناد) من أعلى (كروى نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َ لل كذا، ثم
يقول: أخبرنا به فلان عن فلان حتى يتصل) بما قدمه (صح وكان متصلاً فلو أراد من سمعه هكذا
تقديم جميع الإسناد) بأن يبدأ به أولاً ثم يذكُر المتن (فجوزه بعضهم) أي أهل الحديث من
المتقدمين، قال المصنف في الإرشاد: وهو الصحيح.
قال ابن الصلاح (وينبغي) أن يكون (فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض) أي
كالخلاف فيه فإن الخطيب حكى فيه المنع (بناء على منع الرواية بالمعنى) والجواز على جوازها.
قال البلقيني: وهذا التخريج ممنوع، والفرق أن تقديم بعض الألفاظ على بعض يؤدي إلى
الإخلال بالمقصود في العطف وعود الضمير، ونحو ذلك بخلاف تقديم السند كله أو بعضه،
فلذلك جاز فيه ولم يتخرج على الخلاف، انتهى.
قلت: والمسألة المبني عليها أشار إليها المصنف كابن الصلاح، ولم يفرداها بالكلام عليها
وقد عقد الرامهرمزي لذلك باباً، فحكى عن الحسن والشعبي وعبيدة وإبراهيم وأبي نضرة
الجواز إذا لم يغير المعنى، قال المصنف وينبغي القطع به إذا لم يكن للمقدم ارتباطاً بالمؤخر.
فائدة :
قال شيخ الإسلام: تقديم الحديث على السند يقع لابن خزيمة إذا كان في السند من فيه
مقال فيبتدىء به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، قال وقد صرح ابن خزيمة بأن من رواه على غير ذلك
الوجه لا يكون في حل منه، فحينئذ ينبغي أن يمنع هذا ولو جوزنا الرواية بالمعنى (ولو روى
حديثاً بإسناد) له (ثم أتبعه بإسناد آخر) وحذف متنه أحاله على المتن الأول (وقال في آخره مثله
فأراد السامع) لذلك منه (رواية المتن) الأول (بالإسناد الثاني) فقد (فالأظهر منعه) وهو قول
شعبة، وأجازه سفيان (الثوري وابن معين إذا كان) الراوي (متحفظاً) ضابطاً (مميزاً بين الألفاظ)
ومعناه، إن لم يكن كذلك (وكان جماعة من العلماء إذا روى أحدهم مثل هذا ذكر الإسناد ثم
قال: مثل حديث قبله متنه كذا، واختار الخطيب هذا، وأما إذا قال نحوه فأجازه الثوري) أيضاً

٧١
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
وَمَنَّعَهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ مَهِينٍ.
قَالَ الخَطِيبُ: فَرْقُ ابْنِ مُعِينٍ بَيْنَ مِثْلَه وَنَحْوَهُ يَصخُ عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بالمَعَنَى، فَأَمَّا
عَلَى جَوَازِهَا فَلاَ فَرْقَ، قَالَ الحَاكِمُ: يَلزَمُ الحَدِيثِيّ مِنَ الإِثْقَانِ أَنْ يَفْرَقَ بَيْنَ مِثْلَهُ وَنَحْوَهُ فَلاَ
يَحِلُّ أَنْ يَقُولَ مِثْلَهُ إِلاَّ إِذَا اتفَقَا فِي الْلِفْظِ وَيَحِلُّ نَحْوَهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَاهُ .
الثَّانِي عَشَرَ: إِذَا ذَكَرَ الإِسْنَادَ وَبَعْضَ المَتْنِ ثمَّ قَالَ: وَذَكرَ الحَدِيثَ فَأَرَادَ السَّامِعُ رِ وَايَتَهُ
بِكَمَالَهِ فَهُوَ أَوْلَى بالمَنْعِ مِنْ مِثْلُهُ وَنَحْوهُ.
فَمَنَعِهُ الأَسْتَاذُ أَبوُ إِسْحَاقٍ، وَأَجَازَهُ الإِسمَاعِيلِيُّ إِذَا عَرَفَ المُحَدِّثُ وَالسَّامِعُ ذَلِكَ
الحَدِيثَ، وَالاخْتِيَاطُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى المَذْكُورِ ثُمَّ يَقُولَ: قَالَ، وَذَكَرَ الحَدِيثَ وَهُوَ هَكَذَا
وَيَسُوقُهُ بِكَمَالِهِ، وَإِذَا جُوِّزَ أَطْلَاقُهُ فَالتّحْقِيقُ أَنْهُ بِطرِيقِ الإِجَازَةِ القَويّةِ فِيمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ،
وَلاَ يَفْتَقِرِ إِلى إِفْرَادِهِ بِالإِجَازَةِ.
الثَّالِث عَشَرَ: قَالَ الشَّيْخُ الظّاهِرُ أَنْهُ لاَ يَجُوزَ تَغْيِيرُ قَالَ النّبِيُّ نَّهِ إِلَى قَالَ
كمثله (ومنعه شعبة) وقال هو شك، بل هو أولى من المنع في مثله (وابن معين) أيضاً وإن جوزه
في مثله.
(قال الخطيب: فرق ابن معين بين مثله ونحوه يصح على منع الرواية بالمعنى فأما على
جوازها فلا فرق قال الحاكم) إن مما (يلزم الحديثي من) الضبط و (الإتقان أن يفرق بين مثله
ونحوه، فلا يحل أن يقول مثله إلا إذا) علم أنهما (اتفقا في اللفظ ويحل) أن يقول (نحوه إذا كان
بمعناه) .
(الثاني عشر: إذا ذكر الإسناد وبعض المتن ثم قال وذكر الحديث) ولم يتمه أو قال بطوله
((أو الحديث)) وأضمر وذكر (فأراد السامع روايته) عنه (بكماله فهو أولى بالمنع من) مسألة (مثله
ونحوه) السابقة، لأنه إذا منع هناك مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر فلأن
يمنع هنا، ولم يسبق إلا بعض الحديث من باب أولى. وبذلك جزم قوم.
(فمنعه الإسناد أبو إسحق) الإسفرايني (وأجازه الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع مثل
ذلك الحديث) قال (والاحتياط أن يقتصر على المذكور ثم يقول قال وذكر الحديث وهو هكذا) أو
وَتمامه كذا (ويسوقه بكماله) وفصل ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على
الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز وإلا فلا (وإذا جوز إطلاقه فالتحقيق أنه بطريق الإجازة
القوية) الأكيدة من جهات عديدة (فيما لم يذكره الشيخ) فجاز لهذا مع كونه أوله سماعاً إدراج
الباقي علي (ولا يفتقر إلى إفراده بالإجازة).
الثالث عشر: (قال الشيخ) ابن الصلاح (الظاهر أنه لا يجوز تغيير قال النبي ◌َّل إلى قال

٧٢
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
رَسُولُ اللَّهِنَّهِ وَلاَ عَكْسُهُ وَإِنْ جَازَتْ الرِّوَايَةِ بالْمَعْنَى، لإِخْتلَافِهِ، وَالصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
جَوَازُهُ، لأَنّهُ لاَ يخْتِلِفُ بِهِ هُنَا مَعْنَى، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَمَادٍ بْنِ سَلَمَةَ،
وَالْخَطِيبِ.
الرَّابعَ عَشَرَ: إِذَا كَانَ فِي سَمَاعِهِ بَعْضُ الوَهَنِ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ حَالَ الرِّوَايَةِ وَمِنْهُ إِذَا حَدَّثَهُ مِنْ
حِفْظِهِ فِي المُذَاكَرَةِ فَلْيقُلْ حدَّثَنَا مُذَاكِرَةً كَمَا فَعَلَهُ الأَئِمَةُ، وَمَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُم الْحَمْلِ عَنْهُمْ
حَالَ المُذَاكَرَةِ، وَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ ثِقَةٍ وَمَجْرُوحٍ، أَوْ ثِقَتَيْنِ فَالأَوْلى أَنْ
رسول الله وَّل ولا عكسه، وإن جازت الرواية بالمعنى) وكان أحمد إذا كان في الكتاب عن
النبي وَ ل، وقال المحدث رسول الله وَّل، ضرب وكتب رسول الله وَّل، وعلل ابن الصلاح ذلك
(لاختلافه) أي اختلاف معنى النبي ◌َّ والرسول، لأن الرسول من أوحى إليه للتبليغ، والنبي
من أوحى إليه للعمل فقط، قال المصنف (والصواب والله أعلم جوازه لأنه) وإن اختلف معناه في
الأصل (لا يختلف به هنا معنى) إذ المقصود نسبة القول لقائله، وذلك حاصل بكل من الموضعين
(وهو مذهب أحمد بن حنبل) كما سأله ابنه صالح عنه، فقال أرجو أن لا يكون به بأس، وما
تقدم عنه محمول على استحباب اتباع اللفظ دون اللزوم (وحماد بن سلمة والخطيب) وبعضهم
استدل للمنع بحديث البراء بن عازب في الدعاء، عند النوم، وفيه. ونبيك الذي أرسلت، فأعاده
على النبي وَّ فقال، ورسولك الذي أرسلت، فقال لا، ونبيك الذي أرسلت(١).
قال العراقي: (٢): ولا دليل فيه، لأن ألفاظ الأذكار توفيقية، وربما، كان في اللفظ سر لا
يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد، قال والصواب، ما قاله
النووي، وكذا قال البلقيني، وقال البدر بن جماعة، لو قيل يجوز تغيير النبي وّل إلى الرسول
ولا يجوز عكسه لما بعد، لأن في الرسول معنى زائداً على النبي.
الرابع عشر: (إذا كان في سماعه بعض الوهن) أي الضعف (فعليه بيانه حال الرواية) فإن
في إغفاله نوعاً من التدليس، وذلك كأن يسمع من غير أصل، أو يحدث هو أو الشيخ وقت
القراءة، أو حصل نوم أو نسخ، أو سمع بقراءة مصحف أو لحان. أوكان التسميع بخط من فيه
نظر (ومنه إذا حدثه من حفظه في المذاكرة) لتساهلهم فيها (فليقل حدثنا في المذاكرة) ونحوه
(كما فعله الأئمة ومنع جماعة منهم) كابن مهدي وابن المبارك وأبي زرعة (الحمل عنهم حال
المذاكرة) لتساهلهم فيها، ولأن الحفظ خوّان، وامتنع جماعة من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم
لذلك. منهم أحمد بن حنبل (وإذا كان الحديث عن) رجلين أحدهما (ثقة و) الآخر (مجروح)
كحديث لأنس مثلاً، يرويه عنه ثابت البناني، وأبان بن أبي عيَّاش (أو) عن (ثقتين فالأولى أن
(١) البخاري ٧١/١، وأبو داود (٥٠٤٦).
(٢) فتح المغيث ٦٧/٣.

٧٣
النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث
يَذْكُرُهِمَا، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثِقَةٍ فِيهمَا لَمْ يَخْرُمْ، وَإِذَا سَمِعَ بَعْضَ حَدِيثٍ مِنْ شَيْخٍ وَبَعْضَهُ مِنْ
آخَرَ فَرَوَى جَمْلَتَهُ عَنْهُمَا مُبيِّناً أَنْ بَعْضُهُ عَنْ أَحَدِهمَا وَبَعْضَهُ عَنِ الآخَرِ جَازَ، ثُمَّ يَصِيرُ كُلُّ جُزْءٍ
مِنْهُ كَأَنْهُ رَوَاهُ عَنْ أَحَدَهِمَا مُبْهِمَا فَلاَ يُحْتَجُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إِنْ كَانَ فِيهِمَا مَجْرُوٌ، وَيَجِبُ ذِكْرُهُمَا
جَمِيعاً مُبِّناً أَنْ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْضَهُ وَعَنِ الآخَرُ بَعْضَهُ.
يذكرهما) لجواز أن يكون فيه شيء. لأحدهما لم يذكره الآخر، وحمل لفظ أحدهما على الآخر
(فإن اقتصر على ثقة فيهما لم يحرم) لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكره من الاحتمال نادر
بعيد، ومحذور الإسقاط في الثاني، أقل من الأول.
قال الخطيب(١): وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح، ويذكر الثقة،
ثم يقول وآخر، كناية عن المجروح، قال: وهذا القول لا فائدة فيه، وقال البلقيني: بل له فائدة
تكثير الطرق (وإذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه) الآخر (من) شيخ (آخر فروى جملته عنهما
مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر) غير مميز لما سمعه من كل شيخ عن الآخر (جاز
ثم يصير كل جزء منه كأنه رواه عن أحدهما مبهماً فلا يحتج بشيء منه إن كان فيهما مجروح)
لأنه ما من جزء منه إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح (ويجب ذكرهما) حينئذ (جميعاً مبيناً
أن عن أحدهما بعضه وعن الآخر بعضه) ولا يجوز ذكرهما ساكتاً عن ذلك، ولا إسقاط أحدهما
مجروحاً، كَان أو ثقة، ومن أمثلة ذلك حديث الإفك في الصحيح(٢) من رواية الزهري، حيث
قال: حدثني عروة وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن
عائشة قال: وكل قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى،
لحديث بعضهم من بعض، فذكر الحديث. قال العراقي: وقد اعترض بأن البخاري أسقط بعض
شيوخه في مثل هذه الصورة، واقتصر على واحد، فقال في كتاب الرقاق من صحيحه: حدثني
أبو نعيم بنصف من هذا الحديث ثنا عمرو بن دينار، ثنا مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله
الذي لا إله إلا هو أن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، الحديث، قال والجواب: أن
الممتنع إنما هو إسقاط بعضهم، وإیراد کل الحديث عن بعضھم، لأنه حينئذ یگُون قد حدث عن
المذكور ببعض ما لم يسمعه منه، فأما إذا بين أنه لم يسمع منه إلا بعض الحديث كما فعل
البخاري هنا فليس بممتنع، وقد بين البخاري في كتاب الاستئذان البعض الذي سمعه من أبي
نعيم فقال: حدثنا أبو نعيم ثنا عمرو ثنا محمد بن مقاتل أنا عبد الله أنا عمرو بن دينار أنا مجاهد
عن أبي هريرة قال: دخلت مع رسول الله وَّر فوجد لبناً في قدح، فقال أباهر الحق أهل الصفة
فادعهم، إلى، قال فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا انتهى.
فهذا هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره في الرقاق، وأما بقية الحديث فيحتمل أن
(١) الجامع ٣٧/٢.
(٢) ٢٦٩/٥ - ٢٧٠، ومسلم أيضاً ٢١٢٩/٤، وأحمد ١٩٧/٦ - ٢٦٩.

٧٤
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
النوع السابع والعشرون: مَعْرِفَةُ آدَابِ المُحَدِّثِ
عِلْمُ الْحَدِيثِ شَرِيفٌ، يُنَاسِبُ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ، وَهُوَ مِنْ عُلُومَ
الآخِرَةِ، مَنْ حُرِمَهُ حُرِمَ خَيْراً عَظِيماً، وَمَنْ رُزِقَهُ نَالَ فَضْلاً جَزِيلاً، فَعَلَى صَاحِبِهِ تَصِحْيحُ
النَّةِ، وَتَطْهِيرُ قَلْبِهِ مِنْ أَغْرَاضِ الدُّنْيًا،
البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجادة أو إجازة، أو سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم، إما
محمد بن مقاتل أو غيره، ولم يبين ذلك، بل اقتصر على اتصال بعض الحديث من غير بيان،
ولكن ما من قطعة منه إلا وهي محتملة، لأنها غير متصلة بالسماع، إلا القطعة التي صرح في
الاستئذان باتصالها .
(النوع السابع والعشرون):
(معرفة آداب المحدث: علم الحديث شريف): وكيف لا وهو الوصلة إلى رسول الله وَل؛
والباحث عن تصحيح أقواله وأفعاله والذب عن أن ينسب إليه ما لم يقله، وقد قيل في تفسير قوله
تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾(١)، ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك لأنه، لا
إمام لهم غيره ◌َّة، ولأن سائر العلوم الشرعية محتاجة إليه أما الفقه فواضح، وأما التفسير فلأن
أولى ما فسر به كلام الله تعالى ما ثبت عن نبيه ◌َّ وأصحابه رضي الله عنهم وهو علم (يناسب
مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم) وينافر ضد ذلك (وهو من علوم الآخرة) المحضة، بخلاف غيره
في الجملة، قال أبو الحسن شبّويه: من أراد علم القبر فعليه بالأثر، ومن أراد علم الخبر فعليه
بالرأي (من حرمه حرم خيراً عظيماً ومن رزقه نال فضلاً جسيماً) ويكفيه أنه يدخل في دعوته بَي ◌ّة
حيث قال: نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها (٢) قال سفيان بن عيينة، ليس من أهل الحديث أحد
إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث، وقال: اللهم ارحم خلفائي، قيل ومن خلفاؤك، قال الذين
يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي، رواه الطبراني(٣) وغيره، وكأن تلقيب المحدث بأمير
المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، وقد لقب به جماعة، منهم سفيان وابن راهويه والبخاري
وغيرهم (فعلى صاحبه تصحيح النية) وإخلاصها (وتطهير قلبه من أعراض الدنيا) وأدناسها، كحب
الرياسة ونحوها، وليكن أكبر همه نشر الحديث والتبليغ عن رسول الله وص لته، فالأعمال بالنيات (٤)،
وقد قال سفيان الثوري، قلت لحبيب بن أبي ثابت حدثنا، قال حتى تجيء النية(٥) وقيل لأبي
الأحوص سلام بن سليم حدثنا، فقال ليس لي نية، فقالوا إنك تؤجر فقال:
(١) آية (٧١) سورة الإسراء.
(٢) سبق.
(٣) المجمع ١٢٦/١ وعزاه إليه في ((الأوسط))، والضعيفة (٨٥٤) وقال: باطل.
(٤) سبق.
(٥) المحدث الفاصل (١٨٤)، والجامع ٣٣٩/١.

٧٥
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
وَاخْتُلِفَ في السِّنِّ الّذِي يَتَصَدَّى فِيهِ لإِسْمَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى احْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُ جَلَسَ لَهُ
فِي أَي ◌ِنِّ كانَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنِ التَّحْدِيثِ إِذَا خَشِيَ النَّخلِيطَ بهَرمٍ، أَوْ خَرَفٍ أَوْ عَمّى،
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ .
فصل :
الأَوْلَى أَنْ لاَ يُحَدِّثَ بِحَضْرَةٍ مِنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ لِسِنِّهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ غَيْرِهِ،
٠٫٠
يُمثّوني الخيرَ الكَثير وليتني
نجوت كفافا لا على ولا ليا (١)
وقال حماد بن زيد: أستغفر الله إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء(٢) (واختلف في السن
الذي) يحسن أن (يتصدى فيه لإسماعه) فقال ابن خلاد: إذا بلغ الخمسين، لأنها انتهاء الكهولة،
وفيها مجتمع الأشد، قال ولا ينكر عند الأربعين، لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال، وعندها ينتهي
عزم الإنسان وقوته، ويتوفر عقله ويجود رأيه، وأنكر ذلك القاضي عياض، وقال: كم من السلف
فمن بعدهم من لم ينته إلى هذا السن ونشر من الحديث والعلم ما لا يحصى، كعمر بن عبد العزيز
وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وجلس مالك للناس ابن عشرين ونيف، وقيل ابن سبع عشرة
سنة، والناس متوافرون وشيوخه أحياء، ربيعة والزهري ونافع وابن المنكدر وابن هرمز وغيرهم،
وكذلك الشافعي وأئمة من المتقدمين والمتأخرين، وقد حدث بندار وهو ابن ثماني عشرة وحدث
البخاري وما في وجهه شعرة، وهلم جرا، قال ابن الصلاح(٣): ما قاله ابن خلاد محله فيمن يؤخذ
عنه الحديث لمجرد الإسناد من غير براعة في العلم، فإنه لا يحتاج إليه لعلو إسناده إلا عند السن
المذكور، أما من عنده براعة في العلم فإنه يؤخذ عنه قبل السن المذكور قال: (والصحيح أنه متى
احتيج إلى ما عنده جلس له في أي سن كان وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشى التخليط بهرم
أو خرف أو عمى ويختلف ذلك باختلاف الناس) وضبطه ابن خلاد بالثمانين (٤)، وقال والتسبيح
والذكر وتلاوة القرآن أولى به، فإن يكن ثابت العقل مجتمع الرأي فلا بأس، فقد حدث بعدها أنس
وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى في آخرين، ومن التابعين شريح القاضي ومجاهد والشعبي
في آخرين، ومن أتباعهم مالك والليث وابن عيينة، وقال مالك: إنما يخرف الكذابون، وحدث بعد
المائة من الصحابة حكيم بن حزام، ومن التابعين شريك النمري، ومن بعدهم الحسن بن عرفة،
وأبو القاسم البغوي، والقاضي أبو الطيب الطبري، والسلفي وغيرهم.
فصل :
(الأوْلَى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره) كأنه يكون أعلى سنداً،
(١) الجامع ٣١٦/١.
(٢) الجامع ٣٣٨/١.
(٣) علوم الحديث ص (٢٤٤).
(٤) المصدر عاليه .

٧٦
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
وَقِيلَ: يُكْرَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي بَلَدٍ فِيهِ أَوْلَى مِنْهُ، وَيَنبَغِي لَهُ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ مَا يَعْلَمُهُ عِنْدَ أَزْجَحَ مِنْهُ
أَنْ يُرْشِدَ إِلَيْهِ فَالدِّينُ النَّصِيحَةُ.
وَلاَ يَمْتَنعِ مِنْ تَحْدِيثِ أَحَدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحِ النَّةِ فَإِنَّهُ يُرْجَىَ صَحَتُهَا وَلْيَخْرِصْ عَلَى
نَشْرِهِ مُبْتَغِياً جِزَيل أَجْرِهِ.
أو سماعه متصلاً وفي طريقه هو إجازة، ونحو ذلك، فقد كان إبراهيم النخعي لا يتكلم بحضرة
الشعبي بشيء (وقيل) أبلغ من ذلك (يكره أن يحدث في بلد فيه أولى منه) فقد قال يحيى بن معين:
إن من فعل ذلك فهو أحمق (١) (وينبغي له إذا طلب منه ما يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه فالدين
النصيحة) قال في الاقتراح: ينبغي أن يكون هذا عند الاستواء، فيما عدا الصفة المرجحة، أما مع
التفاوت بأن يكون الأعلى إسناداً عامياً، والأنزل عارف ضابط فقد يتوقف في الإرشاد إليه، لأنه قد
يكون في الرواية عنه ما يوجب خلللاً، قلت: الصواب إطلاق أن التحديث بحضرة الأولى ليس
بمكروه، ولا خلاف الأولى، فقد استنبط العلماء من حديث: أن ابني كان عسيفاً، الحديث(٢)،
وقوله: سألت أهل العلم فأخبروني أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي ◌َّ وفي بلده، وقد عقد
محمد بن سعد في الطبقات باباً لذلك، وأخرج بأسانيد فيها الواقدي أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان
وعلياً وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت، وروى البيهقي في
المدخل بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال لسعيد بن جبير: حدث، قال أحدث وأنت شاهد، قال
أو ليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أخطأت علمتك.
تنبيه :
إذا كان جماعة مشتركون في سماع، فالإسماع منهم فرض كفاية، ولو طلب من أحدهم فامتنع
لم يأثم، فإن انحصر فيه أثم (ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى) له
(صحتها) بعد ذلك، قال معمر وحبيب بن أبي ثابت: طلبنا الحديث وما لنا فيه نية، ثم رزق الله
النية بعد(٣)، وقال معمر: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون الله (٤)، وقال
الثوري: ما كان في الناس أفضل من طلب الحديث، فقيل يطلبونه بغير نية؟ فقال طلبهم إياه نية(٥).
(وليحرص على نشره مبتغياً جزيل أجره) فقد كان في السلف من يتألف الناس على حديثه،
منهم عروة بن الزبير، ومن الأحاديث الواردة في فضل نشر الحديث والعلم: حديث الصحيحين
(١) علوم الحديث ص (٢٤٥).
,(٢) البخاري في: الحدود (٣٠)، ومسلم في: الحدود (٢٥)، وأحمد ١١٥/٣).
(٣) فتح المغيث ٢٢٤/٣ .
(٤) نفس المصدر.
(٥) الجامع ٢٣٩/١ - ٢٤٠.

٧٧
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
٠ ٠ فصل :
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ إِذَا أَرَادَ حُصُورَ مَجْلِسِ التَّحْدِيثِ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَتَطِيبَ وَيُسَرّحِ لِحْيَتَهُ وَيَجْلِسَ
مُتَمَكَّناً بِوَفَارٍ فَإِنْ رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ زَبَرَهُ وَيُقْبِلَ عَلَى الْحَاضِرِينَ كلِّهِمْ، وَيَفْتَتِحُ مَجْلِسَهُ وَيَخْتَتِمَهُ
بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّلاَةِ عَلَى النَِّي وََّ، وَدُعَاءِ يَلِيقُ بِالْحَالِ، بَعْدَ قِرَاءَةِ فَارِىءٍ حَسَنِ
الصَّوْتِ شَيْئاً
((بلغوا عني (١) - ليبلغ الشاهد الغائب))(٢) وحديث ((من أدى إلى أمتي حديثاً واحداً يقيم به سنة أو يرد
به بدعة فله الجنة)) رواه الحاكم في الأربعين، وحديث البيهقي عن أبي ذر أمرنا رسول الله وَ لا أن لا
يُغلب على أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس السنن.
فصل :
(ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر) بغسل ووضوء (ويتطيب) ويتبخر
ويستاك، وكما ذكره ابن السمعاني (٣) (ويسرح لحيته ويجلس) في صدر مجلسه (متمكناً) في جلوسه
(بوقار) وهيبة، وقد كان مالك يفعل ذلك، فقيل له فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله وَ له، ولا
أحدث إلا على طهارة متمكناً وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم، أسنده البيهقي (٤)،
وأسند عن قتادة قال: لقد كان يستحب أن لا يقرأ الأحاديث إلا على طهارة، وعن ضرار بن مرة
قال: كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير طهر، وعن ابن المسيب أنه سئل عن حديث وهو مضطجع
في مرضه فجلس وحدث به، فقيل له وددت لك أنك لم تتعن، فقال: كرهت أن أحدث عن
رسول الله وَير وأنا مضطجع، وعن بشر بن الحارث أن ابن المبارك سئل عن حديث وهو يمشي،
فقال: ليس هذا من توقير العلم، وعن مالك قال: مجالس العلم تحتضر بالخشوع والسكينة
والوقار، ويكره أن يقوم لأحد، فقد قيل: إذا قام القارىء لحديث رسول الله وَ لّ لأحد فإنه يكتب
عليه بخطيئة(٥). (فإن رفع أحد صوته) في المجلس (زبره) أي انتهره وزجره، فقد كان مالك يفعل
ذلك أيضاً، ويقول، قال الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْلَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾(٦) فمن رفع
صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته (ويقبل على الحاضرين كلهم) فقد قال حبيب بن
أبي ثابت: إن من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعاً (٧) (ويفتتح مجلسه ويختمه
بتحميد الله تعالى والصلاة على النبي ◌َّر، ودعاء يليق بالحال، بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً
(١) البخاري في: الأنبياء (٥٠)، وأحمد ١٥٩/٢.
(٢) البخاري في: العلم (٩)، ومسلم في: الحج (٤٤٦)، وأحمد ٣١/٤).
(٣) أدب الإملاء ص (٢٧ - ٣١).
(٤) علوم الحديث ص (٢٤٦).
(٥) علوم الحديث ص (٢٤٦).
(٦) آية (٢) سورة الحجرات.
(٧) علوم الحديث ص (٢٤٦).
.

٧٨
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
مِنَ القُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَلاَ يَسْرُدُ الحَدِيثَ سَرْداً يَمْنَعُ فَهْمَ بَعْضِهِ.
فصل :
يَسْتَحِبُّ لِلمُحَدِّثِ الْعَارِفِ عَقْدُ مَجْلِسٍ لإِمْلاَءِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ أَعْلَى مَرَاتِبِ (الرِّوَايَةِ)
وَيَتْخُذُ مُسْتَمْلِياً مُحَصِّلاً مُتَقِّظاً يُبلِّغُ عَنْهُ إِذَا كَثُرَ الجَمْعُ عَلَى عَادَةِ الْحُفّاظ،
من القرآن العظيم) فقد روى الحاكم في المستدرك (١) عن أبي سعيد قال: كان أصحاب
رسول الله وَ﴿ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرؤوا سورة (ولا يسرد الحديث سرداً) عجلاً (يمنع فهم
بعضه) كما روى عن مالك أنه كان لا يستعجل، ويقول: أحب أن أتفهم حديث رسول الله وَّل،
وأورد البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة وهي
تصلي فجعل يحدث، فلما قضت صلاتها قالت: ألا تعجب إلى هذا، وحديثه: إن النبي ◌َّ إنما
كان يحدث حديثاً لوعده العاد أحصاه، وفي لفظ عند مسلم: إن رسول اللهِوَ لّ لم يكُن يسرد
الحديث كسردكم (٢). وفي لفظ عند البيهقي عقيبه: إنما كان حديثه فصلاً تفهمه القلوب.
فصل :
· يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب (الرواية) والسماع
وفيه أحسن وجوه التحمل وأقواها، روى ابن عدي والبيهقي في المدخل من طريقه ثنا عبد
الصمد بن عبد الله ومحمد بن بشر الدمشقيان، قالا ثنا هشام بن عمار ثنا أبو الخطاب معروف
الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه يملي على الناس الأحاديث وهم يكتبونها
بين يديه (ويتخذ مستملياً محصلاً متيقظاً يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ) في ذلك. كما
روى عن مالك وشعبة ووكيع وخلائق.
وقد روى أبو داود(٣) والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال: رأيت رسول الله وَ ل يخطب
الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء. وعليّ يعبر عنه. وفي الصحيح عن أبي جمرة
قال: كنت أترحم بين ابن عباس وبين الناس، فإن كثر الجمع بحيث لا يكفي مستمل اتخذ
مستملين، فأكثر، فقد أملى أبو مسلم الكجي. في رحبة غسان. وكان في مجلسه سبعة مستملون
يبلغ كل واحد صاحبه الذي يليه، وحضر عنده نيف وأربعون ألف محبرة سوى النظارة(٤) وكان
يحضر مجلس عاصم بن علي أكثر من مائة ألف إنسان، ولا يكون المستملي بليداً، كمستملي
يزيد بن هارون، حيث سئل يزيد عن حديث فقال: حدثنا به عدة، فصاح المستملي: يا أبا خالد
(١) ٩٤/١، وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
(٢) البخاري في: المناقب (٢٣)، ومسلم في: فضائل الصحابة (١٦٠).
(٣) في: المناسك (٧٢).
(٤) أدب الإملاء ص (٩٦).

٧٩
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
وَيَسْتَمْلِي مُرْتَفِعاً وَإِلاَّ قَائِماً وَعَلَيْهِ تَبْلِيغُ لَفْظِهِ عَلَى وَجْهِهِ، وَفَائِدَةُ المُسْتَمْلِي تَفْهِيمُ السَّامِعِ
عَلَى بُعْدٍ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَغْ إِلَّ المُبَلِّغَ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنِ المُمْلى إِلَّ أَنْ يُبَيِّنُ الْحَالَ،
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرَّابِعَ وَالْعِشْرِينَ:
وَيَسْتَنْصِتُ المُسْتَمْلِي النّاسَ بَعْدَ قِرَاءَةِ فَارِىءٍ حَسَنِ الصَّوْتِ شَيْئاً مِنْ القُرْآنِ، ثُمَّ
يُبَسْمِلُ وَيَحْمَد الله تَعَالى وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهُ وَيَتَحَرَّى الأَبلَغَ فِيهِ
عدة ابن من؟ فقال له ابن فَقِدْتُك(١) .
ومن لطيف ما ورد في الاستملاء، ما حكاه المزي في تهذيبه عن عبدان بن محمد المروزي
قال: رأيت الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي في النوم، فقلت ما فعل الله تعالى بك، قال غفر
لي وأمرني أن أحدث في السماء كما كنت أحدث في الأرض، فحدثت في السماء السابعة،
فاجتمع على الملائكة واستملى على جبريل، وكتبوا بأقلام من الذهب. وعن أحمد بن جعفر
التُّستَري قال: لما جاءني يعقوب بن سفيان رأيته في النوم كأنه يحدث في السماء السابعة وجبريل
يستملي عليه .
(ويستملي مرتفعاً) على كرسي ونحوه (وإلا قائماً) على قدميه، ليكون أبلغ للسامعين
(وعليه) أي المستملي وجوباً (تبليغ لفظه) أي المملي وأداؤه (على وجهه) من غير تغيير (وفائدة
المستملي تفهيم السامع) لفظ المملي (على بعد) ليتحققه بصوته (وأما من لم يسمع إلا المبلغ فلا
يجوز له روايته عن المملي، إلا أن يبين الحال وقد تقدم هذا) بما فيه (في) النوع الرابع
والعشرين.
(ويستنصت المستملي الناس) أي أهل المجلس، حيث احتيج للاستنصات، ففي الصحيحين
من حديث جابر أن النبي ◌َّه قال له: استنصت الناس(٢) (بعد قراءة قارىء حسن الصوت شيئاً
من القرآن) لما تقدم (ثم يبسمل) المستملي (ويحمد الله تعالى ويصلي على رسوله ول ويتحرى
الأبلغ فيه) من ألفاظ الحمد والصلاة.
وقد ذكر المصنف في الروضة عن المتولي وجماعة من الخراسانيين. أن أبلغ ألفاظ
الحمد، الحمد لله حمداً یوافي نعمه ویکافیء مزیده، وقال: لیس لذلك دلیل یعتمد .
وقال البلقيني: بل الحمد لله رب العالمين، لأنه فاتحة الكتاب وآخر دعوى أهل الجنة،
فينبغي الجمع بينهما، ونقل في الروضة عن إبراهيم المروزي أن أبلغ ألفاظ الصلاة اللهم صل
على محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون، ثم قال: والصواب الذي ينبغي أن
(١) أدب الإملاء ص (٩٠).
(٢) البخاري في: العلم (٤٣)، ومسلم في: الإيمان (١١٨).
تدريب الراوي /ج ٢/م ١٨

٨٠
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
ثمَّ يَقُولُ لِلمُحَدِّث مَنْ أَوْ مَا ذَكَرْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَوْ رَضِي عَنْكَ وَمَعَّ أَشْبَهَهُ وَكُلَمَا ذَكَرَ النَّبيَّ ◌َِّ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَيُرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ وَأَذَا ذَكَرَ صحَابِيًّا: رَضِي عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ صَحَابيٍّ
قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَيَحْسُنُ بِالمُحَدِّث الثَّنَاءُ عَلَى شَيْخِهِ حَالَ الرِّوَايَةِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ كَمَا فَعَلُهُ
جَمَاعَاتٌ مِنَ السَّلَفِ، وَلْيَعْتَنِ بِالدُّعَاءِ لَهُ فَهُوَ أَهَمّ، وَلاَ بأسَ بِذِكْرٍ مَنْ يزوِيَ عَنْهُ بِلَقَبٍ أَوْ وَصْفٍ
يجزم به، أن أبلغها ما علمه النبي و ﴿ لأصحابه حيث قالوا كيف نصلي عليك، فقال قولوا:
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على
محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد
مجيدا(١).
(ثم يقول) المستملي (للمحدث) المملي (من) ذكرت أي من الشيوخ (أو ما ذكرت) أي من
الأحاديث (رحمك الله أو رضي عنك وما أشبهه) قال يحيى بن أكثم: نلت القضاء أو قضاء
القضاة والوزارة، وكذا وكذا، ما سررت بشيء مثل قول المستملي، من ذكرت رحمك اللها(٢)
(وكلما ذكر النبي ◌َّ) المستملي (عليه وسلم).
(قال الخطيب: ويرفع بها صوته وإذا ذكر صحابياً رضي عليه فإن كان ابن صحابي قال
رضي الله عنهما)(٣) وكذا يترحم على الأئمة، فقد روى الخطيب أن الربيع بن سليمان قال له
القارىء يوماً: حدثكم الشافعي، ولو يقل رضي الله عنه، فقال الربيع: ولا حرف حتى يقال
رضي الله عنه(٤) (ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية) عنه (بما هو أهله كما فعله
جماعات من السلف) كقول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيب الأمين عوف بن مسلم(٥)،
وكقول مسروق: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة (٦)، وكقول عطاء: حدثني
سيد الفقهاء أيوب(٧)، وكقول وكيع: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث(٨) (وليعتن بالدعاء له
فهو أهم) من الثناء المذكور ويجمع في الشيخ بين اسمه وكنيته فهو أبلغ في إعظامه.
قال الخطيب: لكن يقتصر في الرواية على اسم من لا يشكل، كأيوب ويونس ومالك
والليث ونحوهم، وكذا على نسبة من مشهور بها، كابن عون وابن جريج والشعبي والنخعي
والثوري والزهري ونحو ذلك (ولا بأس يذكر من يروى عنه بلقب) كَغُندَر (أو وصف) كالأعمش
(١) البخاري في: الأنبياء (١٠)، ومسلم في: الصلاة (٦٥)، وأحمد ٦١/٤.
(٢) أدب الإملاء ص (١٠٤).
(٣) الجامع ١٠٣/٢ .
(٤) فتح المغيث ٢٥٩/٣ .
(٥) مسلم ٢/ ٧٢١.
(٦) فتح المغيث ٢٦٠/٣.
(٧) نفس المصدر.
(٨) نفس المصدر.
٤٢٠
... .

٨١
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
أَوْ حِزْفَةٍ أَوْ أَمِّ عُرِفَ بِهَا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعُ فِي إِمْلَائِهِ جَمَاعَةً مِنْ شِيُوخِهِ مُقَدِّماً أَزْجَحَهمْ،
وَيَرَوِيَ عَنْ كُلِّ شَيْخِ حَدِيثاً وَيَخْتَارَ مَا عَلَا سَنَدُهُ وَقَصُرَ مَنْتُهُ، وَالمُسْتَفَاد مِنْهُ، وَيُنَبِّه عَلَى
صِخَّتِهِ وَمَا فِيهِ مِنْ عُلُوّ وَفَائِدَةٍ، وَضَبْطِ مُشْكِل، وَلْيَجْتَنِبْ مَا لاَ تحتملُهُ عُقُولُهُمْ وَمَا لاَ
يَفْهِمُونَهُ، وَيَخْتِمِ الإِمْلاَءَ بِحِكَايَاتٍ وَنَوَادِرَ وَإِنْشَادَاتٍ بِأَسَانِيدِهَا، وَأَوْلاَهَا مَا في الزُّهْدِ،
وَالْآَدَابِ، وَمَكَّارِمِ الأَخْلاَقِ،
(أو حرفة) كالحنّاط (أو أم) كابن عليّة، وإن كره ذلك إذا (عرف بها) وقصد تعريفه لا عيبه
(ويستحب) للمملي (أن يجمع في إملائه) الرواية (عن جماعة من شيوخه) ولا يقتصر على شيخ
واحد (مقدماً أرجحهم) بعلو سنده أو غيره، ولا يروى إلا عن ثقات من شيوخه، دون كذاب أو
فاسق أو مبتدع، روى مسلم في مقدمة صحيحة عن ابن مهدي قال: لا يكون الرجل إماماً وهو
يحدث بكل ما سمع، ولا يكون الرجل إماماً وهو يحدث عن كل أحد (ويروى عن كل شيخ
حديثاً) واحداً في مجلس (ويختار) من الأحاديث (ما علا سنده وقصر متنه) وكان في الفقه أو
الترغيب، قال علي بن حجر:
كل يوم سوى ما يعاد
وظيفتنا مائة للغريب في
أحاديث فقه فصار جياد
شريكية أو هُشيميّة
(و) يتحرى (المستفاد منه وينبه على صحته) أي الحديث أو حسنه أو ضعفه أو علته إن كان
معلولاً (و) على (ما فيه من علو) وجلالة في الإسناد (وفائدة) في الحديث أو السند، كتقديم تاريخ
سماعه، وانفراده عن شيخه، وكونه لا يوجد إلا عنده (وضبط مشكل) في الأسماء، أو غريب، أو
معنى غامض في المتن (وليجتنب) من الأحاديث (ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه) كأحاديث
الصفات، لما لا يؤمن عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم. فقد قال عليّ:
تحبون أن يكذب الله ورسوله، حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون رواه البخاري(١)
وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله وَ ل قال: إذا حدثتم
الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يغرب أو يشق عليهم قال ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً
لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، رواه مسلم (٢). قال الخطيب: ويجتنب أيضاً في روايته
للعوام أحاديث الرخص وما شجر بين الصحابة والإسرائيليات (ويختم الإملاء بحكايات ونوادر
وإنشادات بأسانيدها) كعادة الأئمة في ذلك، وقد استدل له الخطيب بما رواه عن علي، قال: روّحوا
القلوب وابتغوا لهما طرَف الحكمة(٣)، وكان الزهري يقول لأصحابه هاتوا من أشعاركم: هاتوا من
أحاديثكم فإن الأذن مجاجة والقلب حمض (٤) (وأولاها ما في الزهد والآداب ومكارم الأخلاق) هذا
(١) (١٢٧)، والخطيب في الجامع ١٠٨/٢.
(٢) ١١/١، والجامع ١٠٩/٢.
(٣) المؤتلف والمختلف ١/ ٦٦٧ .
(٤) سبق.

٨٢
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدِّث
وَأَذَا قَصَرَ المُحَدِّثُ أَوِ اشْتَغَلَ عَنِ تَخْرِيجِ الإِمْلاَءِ اسْتَعَانَ بِبَعْضِ الحُفَّاظِ، وَأَذَا فَرَغَ الإِمْلاَءُ
5
قَابَلَهُ وَأَتَّقَنْهُ .
من زوائد المصنف (وإذا قصر المحدث) عن تخريج الإملاء لقصوره عن المعرفة بالحديث وعلله
واختلاف وجوهه (أو اشتغل عن تخريج الإملاء استعان ببعض الحفاظ) في تخريج الأحاديث التي
يريد إملاءها قبل يوم مجلسه، فقد فعله جماعة كأبي الحسين بن بشران وأبي القاسم السراج
وخلائق (وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه) لإصلاح ما فسد منه بزیغ القلم وطغيانه، وفيه حديث زيد بن
ثابت - رضي الله عنه - السابق في فرع المقابلة .
قال العراقي: وقد رخص ابن الصلاح هناك في الرواية بدونها بشروط ثلاثة ولم يذكر ذلك
هنا، فيحتمل أن يحمل هذا على ما تقدم، ويحتمل الفرق بين النسخ من أصل السماع والنسخ من
إملاء الشيخ حفظاً، لأن الحفظ خَوَّان. قال: ولكن المقابلة للإملاء أيضاً إنما هي مع الشيخ أيضاً
من حفظه، لا على أصوله.
قلت: جرت عادتنا بتخريج الإملاء وتحريره في كراسة، ثم نملي حفظاً، وإذا نجز قابله
المملي معنا على الأصل الذي حررناه، وذلك غاية الإتقان، وقد كان الإملاء درس بعد ابن الصلاح
إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة ست وتسعين وسبعمائة فأملى أربعمائة
مجلس وبضعة عشر مجلساً إلى سنة موته سنة ست وثمانمائة، ثم أملى ولده إلى أن مات سنة ثنتين
وخمسين أكثر من ألف مجلس وكسراً.
ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إلى أن مات سنة ثنتين وخمسين أكثر من ألف مجلس، ثم
درس تسع عشرة سنة، فافتتحته أول سنة ثنتين وسبعين، فأمليت ثمانين مجلساً ثم خمسين أخرى . .
وينبغي أن لا يملي في الأسبوع إلا يوماً واحداً، لحديث الشيخين(١)، عن أبي وائل قال:
كان ابن مسعود يذكر الناس في كل يوم خميس، فقال له رجل: لَوَدِدْنَا أنك ذگّرتنا كل يوم، فقال:
أما إنه ما يمنعني من ذلك إلا أني أكره أن أَمِلّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله وَ له
يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا.
وروى البخاري(٢) عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدِّث الناس كل جمعة مرة فإن أبيت
فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تملّ الناس هذا القرآن، ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع
علیھم حدیثھم، ولکن أنصت، فإذا أُمروك فحدثهم، وهم يشتهونه.
ولم أظفر لأحد بتعيين يوم الإملاء ولا وقته، إلا أن غالب الحفاظ كابن عساكر وابن السمعاني
والخطيب كانوا يملون يوم الجمعة بعد صلاتها، فتبعتهم في ذلك، وقد ظفرت بحديث يدل على
(١) البخاري في: العلم (١١)، ومسلم في المنافقين (٨٢ و٨٣) وأحمد ٣٧٧/١ . .
(٢) في: العلم (١٢).

٨٣
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحدیث
النوع الثامن والعشرون: مَعْرِفَةُ آدَّابِ طَالِبِ الْحَدِيث
قَدْ تَقَدّمَ مِنْهُ جُمَلٌ مُفَرَّقَةٌ، وَيَجِبَ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ النَّةِ، وَالإِخْلاَصُ للَّهِ تَعَالَى فِي طَبِهِ،
وَالْحَذَرُ مِنَ التَّوَصُلِ به إِلَى أَغْرَاضِ الدُّنْيًا، وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى التَّوْفِيقَ وَالتّسْدِيدَ وَالَّيِسِيرُ،
وَلْيَسْتَعْمِلِ الأَخْلَقَ الجميلة والآدابَ، ثمَّ لِيُفرِغْ جُهْدَهُ في تحْصِيلِهِ وَيَغْتَنِم ◌ِمْكانهُ.
استحبابه بعد عصر يوم الجمعة، وهو ما أخرجه البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعاً: من صلى
العصر ثم جلس يملي خيراً حتى يمسي كان أفضل ممن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل.
(النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث. قد تقدم منه جمل مفرقة، ويجب عليه
تصحيح النية والإخلاص لله تعالى في طلبه، والحذر من التوصل به إلى أغراض الدنيا) فقد روى
أبو داود(١) وابن ماجه(٢) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّ: ((من تعلم علماً مما يبتغي
به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة)).
وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله مُكر به (٣).
وقال سفيان الثوري - رضي الله عنه -: ما أعلم عملاً هو أفضل من طلب الحديث لمن
أراد الله تعالى (٤).
قال ابن الصلاح(٥): ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه ما روينا عن أبي عمرو بن
نجيد أنه: سأل أبا جعفر بن حمدان، وكانا عبدين صالحين، فقال له: بأي نية أكتب الحديث؟
فقال: ألستم ترون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم، قال: فرسول الله وَلل رأس
الصالحين(٦).
(ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد) لذلك (والتيسير) والإعانة عليه، (ويستعمل الأخلاق
الجميلة والآداب) الرضية، فقد قال أبو عاصم النبيل: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى
أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس (٧).
(ثم ليفرغ جهده في تحصيله ويغتنم إمكانه). ففي صحيح مسلم(٨) من حديث أبي هريرة
(١) رقم (٢٥٢).
(٢) رقم (٢٥٢).
(٣) الجامع ٨٥/١، وجامع بيان العلم ١/ ١٩١.
(٤) علوم الحديث ص (٢٥٠).
(٥) المصدر السابق.
(٦) نفس المصدر، وفتح المغيث ٢٧٥/٣ .
(٧) علوم الحديث ص (٢٥١).
(٨) (٢٦٦٤).

٨٤
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث
وَيَبْدَأَ بالسَّمَاعِ مِنْ أَرَّجَحِ شُيُوخٍ بَلَدِهِ إِسْنَاداً وَعِلْماً وَشُهْرَةً وَدِيناً، وَغَيْرَهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ
مُهِمَّاتِهِمْ فَلْيَرْحَلْ عَلَّى عَادَةِ الْحُفّاظِ المُبَرِّزِينَ،
مرفوعاً: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز)).
وقال يحيى بن أبي كثير: لا يُنَال العلم براحة الجسم(١).
وقال الشافعي لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملل وغنى النفس فيفلح، ولكن من طلبه
بذلة النفس، وضيق العيش، وخدمة العلم، أفلح(٢).
(ويبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره) إلى أن يفرغ منهم،
ويبدأ بأفرادهم فمن تفرد بشيء أخذه عنه أولا (فإذا فرغ من مهماتهم) وسماع عواليهم (فليرحل)
إلى سائر البلدان (على عادة الحفاظ المبرزين) ولا يرحل قبل ذلك.
قال الخطيب: فإن المقصود من الرحلة أمران، أحدهما: تحصيل علو الإسناد وقدم
السماع. والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في
بلده ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة، أو موجودين في كل منهما فليحصِّل حديث بلده
ثم يرحل ...
قال: وإذا عزم على الرحلة فلا يترك أحداً في بلده من الرواة إلا ويكتب عنه ما تيسر من
الأحاديث، وإن قلت: فقد قال بعضهم: ضيع ورقة ولا تضيِّعَنَّ شيخاً.
والأصل في الرحلة ما رواه البيهقي في المدخل، والخطيب في الجامع عن عبد الله بن
محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رسول الله وَّر لم أسمعه، فابتعت
بعيراً فشددت عليه رحلى، وسرت شهراً حتى قدمت الشام فأتيت عبد الله بن أنيس، فقلت
للبواب: قل له جابر على الباب فأتاه فقال له: جابر بن عبد الله؟ فأتاني فقال لي، فقلت: نعم،
فرجع فأخبره، فقام يطأطىء ثوبه حتى لقيني، فاعتقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك
سمعته من رسول الله ◌ّل في القصاص، لم أسمعه فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه
فقال: سمعت رسول الله وَله يقول: يحشر الله العباد - أو قال الناس - عراة غرلا بهما، قلنا: ما
بُهْماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم ربهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه من قَرُب: أنا
الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا أحد من أهل النار عنده
مطلمة حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قلنا كيف وإنما نأتي الله عراة غُزْلا بهما، قال بالحسنات
والسيئات(٣). واستدل البيهقي أيضاً برحلة موسى إلى الخضر، وقصته في الصحيح.
(١) مسلم ٤٢٨/١ .
(٢) الحلية ١١٩/٩، وجامع بيان العلم ٩٨/١، والمحدث الفاصل ص (٢٠٢).
(٣) البخاري في: الأنبياء (٨)، ومسلم في: الجنة (٥٦)، وأحمد ٢٢٣/١.

٨٥
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث
وَلاَ يَحْمَلَنَّهُ الشَّرَهُ عَلَى النَّسَاهُلِ فِي التَّحَمُّلِ فَيُخِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ شُرُوحِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمَلَ مَا
يَسْمَعُهُ مِنْ أَحَادِيثِ العِبَادَاتِ وَالآدَابِ، فَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَدِيثِ وَسَبَبُ حِفْظِهِ.
وروى أيضاً من طريق عياش بن عباس عن واهب بن عبد الله المعافري قال: قدم رجل من
أصحاب النبي وَّر من الأنصار على مسلمة بن مخلد، فألفاه نائماً، فقال: أيقظوه، قالوا: بل
نتركه حتى يستيقظ، قال: لست فاعلاً، فأيقظوا مسلمة له فرحب به وقال: انزل، قال: لا، حتى
ترسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي إليه، فأرسل إلى عقبة فأتاه، فقال: هل سمعت رسول الله وَ ل
يقول: ((من وجد مسلماً على عورة فستره، فكأنما أحيا موءودة من قبرها))؟ فقال عقبة: قد
سمعت رسول الله ◌َّله يقول ذلك(١).
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عمن طلب العلم، ترى له أن يلزم رجلاً عنده علم فيكتب
عنه، أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال: يرحل يكتب عن
الكوفيين والبصريين، وأهل المدينة ومكة، يسأم الناس لسماعه منهم(٢).
وقال ابن معين: أربعة لا تأنس منهم رشداً، وذكر منهم، رجلاً يكتب في بلد ولا يرحل في
طلب الحديث(٣).
وقال إبراهيم بن أدهم: إن الله يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث (٤) (ولا
يحملنه الشره) والحرص (على التساهل في التحمل فيخل بشيء من شروطه) السابقة، فإن شهوة
السماع لا تنتهي، ونهمة الطلب لا تنقضي، والعلم كالبحار التي يتعذر كيلها، والمعادن التي لا
ينقطع نيلها، أخرج المروزي في كتاب العلم، قال: ثنا ابن شعيب بن الحبحاب، حدثني عمي
صالح بن عبد الكبير، حدثني عمي أبو بكر بن شعيب عن قتادة قال: قلت لشعيب بن الحبحاب:
نزل عليّ أبو العالية الرِّياحى، فأقللت عنه الحديث، فقال شعيب: السماع من الرجال أرزاق
(وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب) وفضائل الأعمال (فذلك زكاة
الحديث وسبب حفظه) فقد قال بشر الحافي: يا أصحاب الحديث: أدوا زكاة هذا الحديث،
اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث(٥).
وقال عمرو بن قيس المُلائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة، تكن من
أهله(٦). وقال وكيع: إذا أردت أن تخفظ الحديث الحديث فاعمل به. وقال إبراهيم بن
إسماعيل بن مجمّع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به (٧). وقال أحمد بن حنبل: ما
(١) البخاري في: مناقب الأنصار (٢٤)، وأحمد ١٤٧/٤.
(٢) الرحلة ٨٨/ ١٢.
(٣) الرحلة ١٤/٨٩، والجامع ٢٢٥/٢.
(٤) الرحلة ٩٠/ ١٥، وشرف أصحاب الحديث ص (٥٩).
(٥) الجامع ١٤٥/١، وأدب الإملاء ص (١١٠).
(٦) الجامع ١٤٤/١.
(٧) جامع بيان العلم ١١/٢، والجامع ١٤٣/١.