النص المفهرس
صفحات 201-220
٦ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله لا خِلاَفَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا لِلسَّامِعِ أَنْ يَقُولَ في رِوَايَتِهِ: حَدّثْنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ فُلَاناً وَقَالَ لَنَا وَذَكَرَ لَنَا قَالَ الْخَطِيبُ: أَزْفَعُهَا سَمِعْتُ ثمَّ حَدَّثَنَا وَحَدَثَنِي ثُمَّ أَخْبَرَنَا، وَهُوَ كَثِير في الاسْتِعْمَالِ، (لا خلاف أنه يجوز في هذا للسامع) من الشيخ (أن يقول في روايته) عنه (حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت فلاناً) يقول (وقال لنا) فلان (وذكر لنا) فلان، قال ابن الصلاح(١): وفي هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصاً بما سمع من غير لفظ الشيخ أن لا يطلق فيما سمع من لفظه، لما فيه من الإيهام والإلباس. وقال العراقي(٢): ما ذكره عياض وحكى عليه الإجماع متجه، ولا شك أنه لا يجب على السامع أن يبين هل كان السماع إملاء أو عرضاً، قال: نعم إطلاق أنبأنا بعد أن اشتهر استعمالها في الإجازة يؤدي إلى أن نظن بما أداه بها أنه إجازة، فيسقطه من لا يحتج بها، فينبغي أن لا يستعمل في السماع لما حدث من الاصطلاح (قال الخطيب: ارفعها) أي العبارات في ذلك (سمعت) في الإجازة (ثم حدثنا وحدثني) فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه، بخلاف حدثنا فإن بعض أهل العلم كان يستعملها في الإجازة. وروي عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة، وتأول حدّث أهل المدينة، والحسن بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئاً. قال ابن الصلاح: ومنهم من أثبت له سماعا منه (٣). قال ابن دقيق العيد: وهذا إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع منه، لم يجز أن يصار إليه، قال العراقي (٤): قال أبو زرعة وأبو حاتم من قال عن الحسن البصري حدثنا أبو هريرة فقد أخطأ، قال: والذي عليه العمل أنه لم يسمع منه، قاله غيرهما أيوب وبهز بن أسد ويونس بن عبيد والنسائي والخطيب وغيرهم، وقال ابن القطان: ليست حدثنا بنص في أن قائلها سمع. ففي صحيح مسلم(٥) في حديث الذي يقتله الدجال فيقول: أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله وَير ، قال: ومعلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات، أي فيكون المراد حدث أمته، وهو منهم، لكن قال مَعْمَر: إِنه الخضر، فحينئذ لا مانع من سماعه، قال الخطيب: (ثم) يتلو حدثنا (أخبرنا وهو كثير في الاستعمال) حتى إن جماعة لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيرها، منهم إحماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك وهيشم بن بشير وعبيد الله بن موسى وعبد الرزاق ويزيد بنُ هُرون وعمرو بن عوف ويحيى بن يحيى التميمي وإسحق بن راهويه وأبو مسعود أحمد بن الفرات ومحمد بن أيوب الرازيان وغيرهم. (١) علوم الحديث ص (١٦٦). (٢) فتح المغيث ٢/ ٤٧ . (٣) علوم الحديث ص (١٦٦). (٤) فتح المغيث ٤٨/٢ . (٥) في: الفتن (١١٢). ٧ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَشِيع تَخْصِيصُ أَخْبَرَنَا بالقَرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ. قَالَ: ثُمَّ أَنْبَأَنَا وَنَبَأَنَا وَهُوَ قَلِيلٌ في الاسْتِعْمَالِ. قَالَ الشَّيْخُ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا أَزْفَعُ مِنْ سَمِعْتُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، إذْ لَيْسَ في سَمِعْتُ دَلاَلَةَ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَّاهُ إِيَّاهْ بِخَلَافِهِمَا. وَأَمَّا قَالَ لَنَا فُلَانُ أَوْ ذَكَرَ لَنَا، فَكَحَدَّثَنَا. غَيْرَ أَنَّهُ لاَئِقٌ بِسَمَاعِ المُذَاكَرَةٍ وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ حَدَّثَنَا، وَأَوْضَعُ الْعِبَارَاتِ: قَالَ: أَوْ ذَكَرَ مِنْ غَيْرِ لِي، أَوْ لَنَا، وَهُوَ أَيْضاً مَحْمُولٌ عَلَى السَّماعِ إِذَا عُرِفَ اللَّقَاءُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ في نَوْعِ المُعْضَلِ، لاَ سِيمًا إِنْ عُرِفَ أَنَّهُ لاَ يَقُولَ قَالَ إِلاّ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، وَخَصّ الْخَطِيبُ حَمْلَهُ عَلَى السَّمَاعِ بِهِ وَالمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ . وقال أحمد: أخبرنا أسهل من حدثنا، حدثنا شديد، قال ابن الصلاح (١): (وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بالقراءة على الشيخ قال) الخطيب: (ثم) بعد أخبرنا (أنبأنا ونبأنا وهو قليل في الاستعمال. قال الشيخ) ابن الصلاح(٢): (حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى إذ ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ روّاه) بالتشديد (إياه) وخاطبه به (بخلافهما) فإن فيهما دلالة على ذلك، وقد سأل الخطيب شيخه الحافظ أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأنْبَدوني سمعت، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا، فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسراً في الرواية، فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم، ولا يعلم بحضوره فيسمع منه ما يحدث به الشخصَ الداخل، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا، لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. قال الزركشي: والصحيح التفصيل، وهو أن حدثنا أرفع إن حدثه على العموم، وسمعت إن حدثه على الخصوص، وكذا قال القسطلاني في المنهج (وأما قال لنا فلان) أو قال لي (أو ذكر لنا) أو ذكر لي (فكحدثنا) في أنه متصل (غير أنه لائق بسماع المذاكرة وهو به أشبه من حدثنا. وأوضع العبارات قال أو ذكر من غير لي أو لنا وهو) مع ذلك (أيضاً محمول على السماع إذا عرف اللقاء) وسلم من التدليس (على ما تقدم في نوع المعضل) في الكلام على العنعة (لا سيما إن عرف) من حاله (أنه لا يقول: قال إلا فيما سمعه منه) كحجاج بن محمد الأعور روى كتب ابن جريج عنه بلفظ قال ابن جريج فحملها الناس عنه واحتجوا بها (وخص الخطيب حمله على السماع به) أي من عرف منه ذلك بخلاف من لا يعرف منه ذلك فلا يحمله على السماع (والمعروف أنه ليس بشرط) وأفرط ابن منده فقال: حيث قال البخاري ((قال لنا)) فهو إجازة، وحيث قال ((قال فلان)) فهو تدليس، ورد العلماء عليه ذلك ولم يقبلوه. (١) علوم الحديث ص (١٦٧). (٢) علوم الحديث ص (١٦٧). ٠,٠٠ ٨ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله الْقِسْمُ الثَّانِ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ، وَيُسَمِّيهَا أَكْثَرُ المُحَدِّثِينَ عَرْضاً. سَوَاءٌ قَرَأْتَ أَوْ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ حِفْظِ، حَفِظَ الشَّيْخُ أَمْ لاَ إِذَا أَمْسَكَ أَصْلَه هُوَ أَوْ ثِقَةٌ، وَهِيَ رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ بِلَ خِلاَفٍ فِي جَمِيعٍ ذَلِكَ إِلاّ ما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَنْ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ، (القسم الثاني) من أقسام التحمل (القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين عرضاً) من حيث إن القارىء يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرىء، لكن قال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري: بين القراءة والعرض عموم وخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض وغيره، ولا يقع العرض إلا بالقراءة، لأن العرض عبارة عما يعرف به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته. فهو أخص من القراءة، انتهى. (سواء قرأت) عليه بنفسك (أو قرأ غيرك) عليه (وأنت تسمع) وسواء كانت القراءة منك أو من غيرك (من كتاب أو حفظ) وسواء في الصور الأربع (حفظ الشيخ ما قرىء عليه أم لا إذا أمسك أصله هو أو ثقة) غيره كما سيأتي، قال العراقي: وكذا إن كان ثقة من السامعين يحفظ ما قرىء وهو مستمع غير غافل، فذلك كاف أيضاً. قال ولم يذكر ابن الصلاح هذه المسألة. والحكم فيها متجه ولا فرق بين إمساك لثقة لأصل الشيخ وبين حفظ الثقة لما يقرأ، وقد رأيت غير واحد من أهل الحديث وغيرهم اكتفى بذلك، انتهى. وقال شيخ الإسلام: ينبغي ترجيح الإمساك في الصور كلها على الحفظ لأنه خوّان، وشرط الإمام أحمد في القارىء أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيث لو فرض من القارىء تحريف أو تصحيف لرده، وإلا فلا يصح التحمل بها (وهي) أي الرواية بالقراءة بشرطها (رواية صحيحة بلا خلاف في جميع ذلك إلا ما حكى عن بعض من لا يعتد به) إن ثبت عنه، وهو أبو عاصم النبيل، رواه الرامهرمزي عنه، وروى الخطيب(١) عن وكيع قال: ما أخذت حديثاً قط عرضاً، وعن(٢) محمد بن سلام أنه أدرك مالكاً والناس يقرؤون عليه فلم يسمع منه لذلك، وكذلك عبد الرحمن بن سلام الجمحي لم يكتف بذلك، فقال مالك: أخرجوه عني(٣)، وممن قال بصحتها من الصحابة فيما رواه البيهقي في المدخل: أنس، وابن عباس، وأبو هريرة. ومن التابعين ابن المسيب، وأبو سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وابن هرمز، وعطاء، ونافع، وعروة، والشعبي، والزهري، ومكحول، والحسن، ومنصور، وأيوب. ومن الأئمة ابن جريج، والثوري، وابن أبي ذئب، وشعبة، والأئمة الأربعة، وابن مهدي، وشريك، والليث، وأبو عبيد، والبخاري في خلق لا يحصون كثرة. (١) ص (٣٩٥): باب ذكر الرواية عمن كان يختار السماع من لفظ المحدث على القراءة عليه. (٢) نفس المصدر ص (٣٩٦). (٣) نفس المصدر ص (٣٩٧). ٩ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَاخْتَلَفُوا فِي مُسَاوَاتِهَا لِلسَّمَاعِ مِنْ لَفِظِ الشَّيْخِ وَرُجْحَانِهِ عَلَيْهَا وَرُجْحَانِهَا عَلَيْهِ، فَحُكِيَ الأوّلُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَشْيَاخِهِ وَمُعْظَمٍ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ وِالْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ المَشْرِقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالثَّالِثُ: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِك، وروى الخطيب(١) عن إبراهيم بن سعد أنه قال: لا تدَعون تنطعكم يا أهل العراق! العرض مثل السماع. واستدل الحُميدي ثم البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة: لما أتى النبي ◌َّ فقال له: إني سائلك فمشدد عليك، ثم قال: أسألك بربك ورب من قبلك، الله أرسلك. الحديثَ في سؤاله عن شرائع الدين، فلما فرغ قال: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي، فلما رجع إلى قومه اجتمعوا إليه فأبلغهم فأجازوه(٢)، أي قبلوه منه وأسلموا، وأسند البيهقي في المدخل عن البخاري قال: قال أبو سعيد الحذاء: وعندي خبر عن النبي ◌َّر في القراءة على العالم؛ فقيل له: قال قصة ضمام، الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. (واختلفوا في مساواتها للسماع من لفظ الشيخ) في المرتبة (ورجحانه عليها ورجحانها عليه) على ثلاثة مذاهب (فحكى الأول) وهو المساواة (عن مالك وأصحابه وأشياخه) من علماء المدينة (ومعظم علماء الحجاز والكوفة والبخاري وغيرهم) وحكاه الرامهرمزي عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ثم روي عن عليّ: القراءة على العالم بمنزلة السماع منه (٣). وعن ابن عباس قال: ((اقرؤوا عليّ فإن قراءتكم عليّ كقراءتي عليكم)) (٤) رواه البيهقي في المدخل، وحكاه أبو بكر الصيرفي عن الشافعي، قلت: وعندي أن هؤلاء إنما ذكروا المساواة في صحة الأخذ بها ردًّا على من كان أنكرها لا في اتحاد المرتبة. أسند الخطيب في الكفاية من طريق ابن وهب قال: سمعت مالكاً وسئل عن الكتب التي تعرض عليه، أيقول الرجل حدثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن أليس الرجل يقرأ على الرجل فيقول: أقرأني فلان. وأسند الحاكم في علوم الحديث(٥) عن مطرف قال: سمعت مالكاً يأبى أشد الإباء على من يقول: لا يجزيه إلا السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزئك هذا في الحديث ويجزئك في القرآن والقرآن أعظم (و) حكى (الثاني) وهو ترجيح السماع عليها (عن جمهور أهل المشرق وهو الصحيح، و) حكى (الثالث) وهو ترجيحها عليه (عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما و) هو (رواية عن مالك) حكاها عنه الدار قطني (١) ص (٣٨٨): باب ذكر الرواية عمن قال: إن القراءة على المحدث بمنزلة السماع عنه. (٢) البخاري في: العلم (٧). (٣) الكفاية ص (٣٨٣): الباب السابق. (٤) نفس المصدر ص (٣٨٥). (٥) ص (٢٥٩): ذكر النوع الثاني والخمسين. ١٠٠ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَالأَحْوَطُ فِي الرِّوَايَةَ بِهَا: قَرَأْتُ عَلَى فُلاَنٍ أَوْ قُرِىءَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فَقَرَّ بِهِ، ثُمَّ عِبَارَاتُ السَّمَاعِ مُقَيَّدَةً: كَحَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا فِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَنَا فِي الشِّعْرِ قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ إِطْلَاَقَ حَدَّثَنَا. وَأَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالنِّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَجَوَّزَهَا طَائِفَةٌ. قِيلَ: إِنَّهُ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكِ، وَابْنِ عُبَيْنَةَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَالْبُخَارِيِّ، وَجَمَاعَاتٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَمُعْظَمِ الْحِجَازِّينَ وَالْكُوفِينَ. وابن فارس والخطيب، وحكاه الدارقطني أيضاً عن الليث بن سعد، وشعبة، وابن لهيعة، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن عبد الله بن بكير، والعباس بن الوليد بن يزيد، وأبي الوليد موسى بن داود الضبي، وأبي عبيد، وأبي حاتم. وحكاه ابن فارس عن ابن جريح، والحسن بن عمارة. وروى البيهقي في المدخل عن مكى بن إبراهيم قال: كان ابن جريح، وعثمان بن الأسود، وحنظلة بن أبي سفيان، وطلحة بن عمرو، ومالك، ومحمد بن إسحاق، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وهشام، وابن أبي ذئب، وسعيد بن أبي عَروبة، والمثنّى بن الصباح يقولون: قراءتك على العالم خير من قراءة العالم عليك، واعتلُّوا بأن الشيخ لو غلط لم يتهيأ للطالب الرد عليه. وعن أبي عبيد: القراءة عليّ أثبت من أن أتولى القراءة أنا. وقال صاحب البديع بعد اختياره التسوية: محل الخلاف ما إذا قرأ الشيخ في كتابهِ لأنه قد يسهو، فلا فرق بينه وبين القراءة عليه، أما إذا قرأ الشيخ من حفظه فهو أعلى بالاتفاق. واختار شيخ الإسلام أن محل ترجيح السماع ما إذا استوى الشيخ والطالب، أو كان الطالب أعلم، لأنه أوعى لما يسمع، فإن كان مفضولاً فقراءته أولى، لأنها أضبط له، قال: ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات، لما يلزم منه تحرير الشيخ والطالب. وصرح كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع بقراءة غيره. وقال الزركشي: القارىء والمستمع سواء. (والأحوط) الأجود (في الرواية بها) أن يقول (قرأت على فلان) إن قرأ بنفسه (أو قرىء عليه وأنا أسمع فأقر به ثم) يلي ذلك (عبارات السماع مقيدة) بالقراءة لا مطلقة (كحدثنا) بقراءتي أو قراءة عليه وأنا أسمع (أو أخبرنا) بقراءتي أو (قراءة عليه) وأنا أسمع أو أنبأنا أو نبّأنا أو قال لنا كذلك (وأنشدنا في الشعر قراءة عليه، ومنع إطلاق حدثنا وأخبرنا) هنا عبد الله (ابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وغيرهم) قال الخطيب: وهو مذهب خلق كثير من أصحاب الحديث (وجوزها طائفة قيل إنه مذهب الزهري ومالك) وسفيان (ابن عيينة ويحيى)بن سعيد (القطان والبخاري وجماعات من المحدثين ومعظم الحجازيين والكوفيين) كالثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وأبي عاصم النبيل، ووهب بن جرير، وثعلب، والطحاوي، وألف فيه جزءاً، وأبي نعيم الأصبهاني، وحكاه عياض ١١ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ فِيهَا سَمِعْتُ، وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ حَدَّثَنَا وَأَجَازَتْ أَخْبَرَنَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافعيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُسْلِم بْنِ الحجَّاجِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ المَشْرِقِ. وَقِيلَ إِنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثِرِ المُحَدِّثينَ وَرُوِيَ عَنِ أَبْنِ جُرَيج وَالأوُزَاعِي وَأَبْنِ وَهْبٍ وَرُوِيَ عَنِ النّسائِيِّ أَيْضاً وَصَارَ هُوَ الشَّائعُ الغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الحديثِ . عن الأكثرين، وهو رواية عن أحمد. (ومنهم من أجاز فيها سمعت) أيضاً وروي عن مالك والسفيانين. والصحيح لا يجوز، وممن صححه أحمد بن صالح والقاضي أبو بكر الباقلاني وغيرهما، ويقع في عبارة السِّلفى في كتابه ((التسميع)) سمعت بقراءتي، وهو إما تسامح في الكتابة لا يستعمل في الرواية، أو رأي مفَصِّل بين التقييد والإطلاق. (ومنعت طائفة) إطلاق (حدثنا وأجازت) إطلاق (أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق، وقيل: إنه مذهب أكثر المحدثين) عزاه لهم محمد بن الحسن التميمي الجوهري في كتاب الإنصاف قال: فإن أخبرنا علم يقوم مقام قائله أنا قرأته عليه لا أنه لَفَظ به لي (وروي عن ابن جريج والأوزاعي وابن وهب). قال ابن الصلاح: وقيل إنه أول من أحدث الفرق بين اللفظين بمصر، وهذا يدفعه النقل عن ابن جريج والأوزاعي، إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك بمصر (وروي عن النسائي أيضاً) حكاه الجوهري المذكور. قال ابن الصلاح(١): (وصار) الفرق بينهما (هو الشائع الغالب على أهل الحديث) وهو اصطلاح منهم، أرادوا به التمييز بين النوعين، والاحتجاج له من حيث اللغة فيه عناد وتكلف. قال: ومن أحسن ما حكى عمن ذهب هذا المذهب ما حكاه البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي أحد رؤساء الحديث بخراسان أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري صحيح البخاري وكان يقول له في كل حديث: حدثكم الفربري، فلما فرغ الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه إنما سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاد قراءة الكتاب كله وقال في جميعه أخبركم الفربري. قال العراقي: وكأنه كان يرى إعادة السند في كل حديث، وهو تشديد، والصحيح أنه لا يحتاج إليه كما سيأتي .. فائدة : قول الراوي أخبرنا سماعاً أو قراءة: هو من باب قولهم أتيته سعياً وكلمته مشافهة. والنحاة فيه مذاهب: أحدها وهو رأي سيبويه: أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالا. كما وقع. المصدر موقعه (١) علوم الحديث ص (١٧٠). ١٢ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله فروع : الأوَّلُ: إذا كَانَ أَصْلُ الشّيْخِ حَالَ القِرَاءَةِ بِيَدِ مَوْتُوقٍ بِهِ مُرَاعٍ لما يَقْرَأُ أَهْلٍ لَهُ فَإِنْ حَفِظَ الشيخُ مَا يَقْرَأُ فَهُوَ كَإِمْسَاكِهِ أَضْلَهُ وَأَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ فَقِيلَ: لا يَصِغُ السَّمَاعُ، وَالصَّحِيحُ المختارُ الّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ أَنَّهُ صحيحٌ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ القَارِىءِ المَوْثُوقِ بِدِينِهِ ومَعْرِفَتِهِ فَأَوْلَى بالتَّصْحِيحِ، وَمَتَّى كانَ الأصْلُ بِيَدٍ غَيْرِ مَوْتُوقٍ بِهِ لَمْ يَصِحَّ السَّمَاعُ إِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ الشَّيْخُ. الثَّاني: إِذَا قَرَأَ عَلَى الشيخ قَائِلاً أَخْبَرَكَ فُلَانٌ أَو نحْوَهُ والشيخُ مُصْغٍ إِلَيْهِ فاهِمٌّ لَهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ، صَحَّ السَّمَاعُ وَجَازَتِ الرِّوَايَةُ بِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ نُطْقُ الشيخ عَلَى الصَّحيح الذي قَطَعَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَصحَابِ الفُنُونِ، وَشَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِينَ نعتاً في زيد عدل. وأنه لا يستعمل منها إلا ما سمع. ولا يقاس، فعلى هذا استعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع، لعدم نطق العرب بذلك. الثاني: وهو للمبرد، أنها ليست أحوالاً بل مفعولات لفعل مضمر من لفظها وذلك المضمر هو الحال، وأنه يقاس في كل ما دل عليه الفعل المتقدم، وعلى هذا تخرّج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في تذكرته يقتضي أن أخبرنا سماعاً مسموع، وأخبرنا قراءة لم يسمع، وأنه يقاس على الأول على هذا القول. الثالث: وهو للزجاج قال، يقول سيبويه: فلا يضمر لكنه مقيس. الرابع: وهو للسيرافي قال: هو من باب جلست قعوداً، منصوب بالظاهر مصدراً معنوياً. (فروع: الأول: إذا كان أصل الشيخ حال القراءة) عليه (بيد) شخص (موثوق به) غير الشيخ (مراع لما يقرأ أهل له فإن حفظ الشيخ ما يقرأ) عليه (فهو كإمساكه أصله) بيده (وأولى) لتعاضد ذهني شخصين عليه (وإن لم يحفظ) الشيخ ما يقرأ عليه (فقيل لا يصح السماع) حكاه القاضي عياض عن الباقلاني، وإمام الحرمين (والصحيح المختار الذي عليه العمل) بين الشيوخ وأهل الحديث كافة (أنه صحيح). قال السلفي: على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم (فإن كان) أصل الشيخ (بيد القارىء الموثوق بدينه ومعرفته) يقرأ فيه والشيخ لا يحفظه (فأولى بالتصحيح) خلافاً لبعض أهل التشديد (ومتى كان الأصل بيد غير موثوق به) القارىء أو غيره ولا يؤمن إهماله (لم يصح السماع إن لم يحفظه الشيخ. الثاني: إذا قرأ على الشيخ قائلاً أخبرك فلان أو نحوه) كقلت أخبرنا فلان (والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر) ولا مقر لفظاً (صح السماع وجازت الرواية به) اكتفاء بالقرائن الظاهرة (ولا يشترط نطق الشيخ) بالإقرار كقوله نعم (على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون) الحديث والفقه والأصول (وشرط بعض الشافعيين) كالشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ ١٣ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَالظّاهِرِيِّينَ نُطْقَهُ، وَقَالَ أَبْنُ الصَّبَّاغِ الشافعيُّ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يقولَ حَدَّثْنِي وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَأَنْ يَرْوِيَهُ قائلاً: قُرِىءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ. الثَّالثُ: قالَ الحَاكِمُ: الذي أَخْتَارُهُ وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايخِي وَأَثْمّةِ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِيما سَمِعَهُ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشيخِ: حَدَّثْنِي وَمَعَ غَيْرِهِ حَدَّثَنَا. وَمَا قَرَأَعَلَيْهِ أَخْبَرَنِي. وَمَا قِرِىءَ بحَضْرَتِهِ أَخْبَرَنا وَروِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنٍ وَهْبٍ وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِنْ شَكَّ فالأظْهَرُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِ، لاَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا، وسليم الرازي (و) بعض (الظاهريين) المقلدين لداود الظاهري (نطقه) به (وقال ابن الصباغ الشافعي) من المشترطين (ليس له) إذا رواه عنه (أن يقول حدثني) ولا أخبرني (وله أن يعمل به) أي بما قرىء عليه (وأن يرويه قائلاً) قرأت عليه أو (قرىء عليه وهو يسمع) وصححه الغزالي والآمدي، وحكاه عن المتكلمين، وحكى تجويز ذلك عن الفقهاء والمحدثين، وحكاه الحاكم عن الأئمة الأربعة وصححه ابن الحاجب. وقال الزركشي: يشترط أن يكون سكوته لا عن غفلة أو إكراه وفيه نظر، ولو أشار الشيخ برأسه أو أصبعه للإقرار ولم يتلفظ فجزم في المحصول بأنه لا يقول حدثني ولا أخبرني، قال العراقي: وفيه نظر. (الثالث: قال الحاكم(١) الذي اختاره) أنا في الرواية (وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول) الراوي (فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثني) بالإفراد (و) فيما سمعه منه (مع غيره حدثنا) بالجمع (وما قرأ عليه) بنفسه (أخبرني وما قرىء) على المحدث (بحضرته أخبرنا وروي نحوه عن)عبد الله (بن وهب) صاحب مالك. روى الترمذي عنه في العلل قال: ما قلت حدثنا فهو ما سمعت مع الناس. وما قلت حدثني هو ما سمعت وحدي، وما قلت أخبرنا فهو ما قرىء على العالم وأنا شاهد، وما قلت أخبرني فهو ما قرأت على العالم، ورواه البيهقي في المدخل عن سعيد بن أبي مريم وقال: عليه أدركت مشايخنا، وهو قول الشافعي وأحمد، قال ابن الصلاح(٢) (وهو حسن) رائق، قال العراقي(٣): وفي كلامهما أن القارىء يقول أخبرني سواء سمعه معه غيره أم لا، وقال ابن دقيق العيد في الاقتراح: إن كان معه غيره قال أخبرنا، فسوى بين مسألتي التحديث والإخبار، قلت الأول أولى، ليتميز ما قرأه بنفسه وما سمعه بقراءة غيره (فإن شك) الراوي هل كان وحده حالة التحمل (فالأظهر أن يقول حدثني أو يقول أخبرني لا حدثنا وأخبرنا) لأن الأصل عدم غيره، أما إذا شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقراءة غيره، قال العراقي: قد جمعهما ابن الصلاح مع المسألة الأولى(٤)، وأنه يقول أخبرني، لأن عدم غيره هو الأصل. (١) معرفة علوم الحديث ص (٢٦٠): ذكر النوع الثاني والخمسين. (٢) علوم الحديث ص (١٧٢). (٣) فتح المغيث ٢/ ٥٧ . (٤) علوم الحديث ص (١٧٢). ١٤ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَكُلُّ هَذَا مُسْتَحَبٌّ بِتِّفَاقِ العُلَمَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ إِبْدَالُ حَدَّثَنَا بِأَخْبَرَنَا أَوْ عَكْسُهُ فِي الْكُتُبِ المُؤَلّفَةِ، وَمَا سَمِعْتُهُ مِنْ لَفْظِ المُحَدِّثِ فَهُوَ عَلَى الْخِلَفِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى إِنْ كَانَ قَائِلُهُ يُجَوِّزُ إِطْلَاق كِلَيْهِمَا وَإِلاّ فَلاَ يَجُوزُ. الرَّابعُ: إِذَا نَسَخَ السَّامِعُ أَوِ المُسْمِعُ حَالَ الْقِرَاءَةِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَزْبِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَالأُسْنَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفَرَايِنِي الشَّافِعِيُّ: لَ يَصِحُ السَّمَاعُ. وَصَخَّحَهُ الْحَافِظُ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ وَآخَرُونَ وفيه نظر، لأنه يحقق سماع نفسه ويشك هل قرأ بنفسه، والأصل أنه لم يقرأ، وقد حكى الخطيب في الكفاية عن البرقاني أنه كان يشك في ذلك، فيقول قرأنا على فلان، قال وهذا حسن، لأن ذلك يستعمل فيما قرأه غيره أيضاً، كما قاله أحمد بن صالح والنفيلي، وقد اختار يحيى بن سعيد القطان في شبه المسألة الأولى الإتيان بحدثنا، وذلك إذا شك في لفظ شيخه، هل قال حدثني أو حدثنا، ووجهه أن حدثني أكمل مرتبة فيقتصر في حالة الشك على الناقص، ومقتضاه قول ذلك أيضاً في المسألة الأولى، إلا أن البيهقي اختار في مسألة القطان أن يوحّد (وكل هذا مستحب باتفاق العلماء) لا واجب (ولا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا أو عكسه في الكتب المؤلفة) وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف، لا في نفس ذلك التصنيف، بأن يغير ولا فيما ينقل منه إلى الأجزاء والتخاريج (وما سمعته من لفظ المحدث فهو) أي إبداله (على الخلاف في الرواية بالمعنى) فإن جوّزناها جاز الإبدال (إن كان قائله) يرى التسوية بينهما و (يجوز إطلاق كليهما) بمعنى (وإلا فلا يجوز) إبدال ما وقع منه، ومنع ابن حنبل الإبدال جزماً. فائدة : عقد الرامهرمزي أبواباً في تنويع الألفاظ السابقة، منها الإتيان بلفظ الشهادة، كقول أبي سعيد: أشهد على رسول الله وَّر أنه نهى عن الجَرّ أن ينتبذ فيه، وقول عبد الله بن طاوس أشهد على والدي أنه قال أشهد على جابر بن عبد الله أنه قال: أشهد على رسول الله وَله أنه قال أُمرت أن أقاتل الناس، الحديث، وقول ابن عباس شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر، الحديث في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح، ومنها تقديم الاسم، فيقول فلان حدثنا أو أخبرنا، ومنها سمعت فلاناً يأثر عن فلان، ومنها قلت لفلان أحدثك فلان أو اكتتبت عن فلان؟ ومنها زعم لنا فلان عن فلان، ومنها حدثني فلان ورد ذلك إلى فلان، ومنها دلني فلان على ما دل عليه فلان، ومنها سألت فلاناً فألجأ الحديث إلى فلان، ومنها خذعني كما أخذته عن فلان، وساق لكل لفظة من هذه أمثلة . (الرابع إذا نسخ السامع أو المسمع حال القراءة فقال إبراهيم) بن إسحق بن بشير (الحربي الشافعي و) الحافظ أبو أحمد (بن عديّ والأستاذ أبو إسحق الإسفرايني الشافعي) وغير واحد من الأئمة (لا يصح السماع) مطلقاً، نقله الخطيب في الكفاية عنه، وزاد عن أبي الحسن بن سمعون (وصححه) أي السماع (الحافظ موسى بن هرون الحمال وآخرون) مطلقاً، وقد كتب أبو حاتم ١٥ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّبْغِيُّ الشَّافِعِيُّ: يَقُولُ حَضَرْتُ وَلاَ يَقولُ أَخْبَرَنَا، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ فَهِمَ المَقْرُوءَ صَحَّ وَإِلّ لَمْ يَصِحّ. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا تَحَدَّثَ الشَّيْخُ أَوْ السَّامِعُ أَوْ أَفْرَطَ الْقَارِىءُ في الإِسْرَاعِ أَوْ هَيْنَمَ الْقَارِىءُ أَوْ بَعُدَ بحَيْثُ لاَ يَفْهَمُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ نَحْوِ الْكَلمَتَيْنِ وَيُسْتَحَبُّ لِلشَّيْخِ أَنْ يُجيزَ لِلسَّامِعِينَ رِوَايَةَ ذَلِكَ الكِتَابِ وَإِنْ كَتَبَ لأَحَدهِم: كَتَبَ، سَمِعَهُ مِنِّي وَأَجَزْتُ لَهُ رِوَايَتَهُ، كَذَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ حالة السماع عند عارم وكتب عبد الله بن المبارك وهو يقرأ عليه (وقال أبو بكر) أحمد بن إسحق (الصِّبْغِي الشافعي يقول) في الأداء (حضرت ولا يقول) حدثنا ولا (أخبرنا والصحيح التفصيل فإن فهم) الناسخ (المقروء صح) السماع (وإلا) أي وإن لم يفهمه (لم يصح) وقد حضر الدارقطني بمجلس إسماعيل الصفار فجلس ينسخ جزءاً كان معه وإسماعيل يملي. فقال له بعض الحاضرين لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال فهمي للإملاء خلاف فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن، فقال لا، فقال الدارقطني أملي ثمانية عشر حديثاً، فعدت الأحديث فوجدت كما قال، ثم قال: الحديث الأول عن فلان عن فلان ومتنه كذا. والحديث الثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فعجب الناس منه. قلت ويشبه هذا ما روي عنه أيضاً أنه كان يصلي والقارىء يقرأ عليه، فمرّ حديث فيه نُسَير بن ذُغْلُوق فقال القارىء بسير، فسبح، فقال يُسير فتلا الدار قطني نَ والقلم، وقال حمزة بن محمد بن طاهر: كنت عند الدارقطني، وهو قائم بتنفل، فقرأ عليه القارىء عمرو بن شعيب، فقال عمرو بن سعيد فسبح الدارقطني، فأعاده ووقف، فتلا الدارقطني ((يا شعيب أصلواتك تأمرك)) (١) (ويجري هذا الخلاف) والتفصيل (فيما إذا تحدّث الشيخ أو السامع أَو أفرط القارىء في الإسراع) بحيث يخفي بعض الكلام (أو هينم القارىء) أي أخفى صوته (أو بعد) السامع (بحيث لا يفهم) المقروء (والظاهر أنه يعفى) في ذلك (عن) القدر اليسير الذي لا يخل عدم سماعه بفهم الباقي (نحو) الكلمة و (الكلمتين، ويستحب للشيخ أن يجيز للسامعين رواية ذلك الكتاب) أو الجزء الذي سمعوه وإن شمله السماع، لاحتمال وقوع شيء مما تقدم من الحديث، والعجلة والهينمة، فينجبر بذلك (وإن كتب) الشيخ (لأحدهم كتب سَمِعَه مني وأجزت له روايته كذا فعل بعضهم) قال ابن عتاب الأندلسي. لا غنى في السماع عن الإجازة، لأنه قد يغلط القارىء ويغفل الشيخ أو السامعون فينجبر ذلك بالإجازة، وينبغي لكاتب الطباق أن يكتب إجازة الشيخ عقب كتابة السماع، قال العراقي: ويقال إن أول من فعل ذلك أبو طاهر إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي، فجزاه الله خيراً في سنة ذلك لأهل الحديث، فلقد حصل به نفع كبير، ولقد انقطع بسبب ترك ذلك وإهماله اتصال بعض الكتب في بعض البلاد، بسبب كون بعضهم كان له قوت ولم يذكر في طبقة السماع إجازة الشيخ لهم، فاتفق ان كان بعض المفوتين (١) آية (٨٧) سورة هود. تدريب الراوي / ج ٢/ م ١٤ ١٦ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَلَوْ عَظُمَ مَجْلِسُ المُعْلِي فَبَلْغَ عَنْهُ المُسْتَمْلِي فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَ المُسْتَمْلِيَ أَنْ يَروِي ذَلِكَ عَنِ المُمْلِي، وَالصَّوَابُ الّذِي قَالَهُ المُحَقّقُونَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَحْمَدْ فِي الْحَرْفِ يُدُغِمُهُ الشَّيْخُ فَلاَ يُفْهَمُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ: أَرْجُو أَنُ لاَ تَضِيقَ رِوَايَتُهُ عَنْهُ، وَقَالَ فِي الْكَلِمَةِ تُسْتَفْهَمُ مِنَ المُسْتَمْلِي: إِنْ كَانَتْ مُجْتَمَعاً عَلَيْهَا فَلاَ بَأْسَ، وَعَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ مَنْعُ ذلِكَ. آخر من بقى ممن سمع بعض ذلك الكتاب، فتعذر قراءة جميع الكتاب عليه، كأبي الحسن بن الصواف الشاطبي راوي غالب النسائي عن ابن باقا (ولو عظم مجلس المملي فبلغ عنه المستملي فذهب جماعة من المتقدمين وغيرهم إلى أنه يجوز لمن سمع المستملي أن يروى ذلك عن المملي) فعن ابن عيينة أنه قال له أبو مسلم المستملي: إن الناس كثير لا يسمعون، قال أسمعهم أنت، وقال الأعمش: كنا نجلس إلى إبراهيم النخعي. مع الحلقة فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه. فيسأل بعضهم بعضاً عما قال. ثم يروونه وما سمعوه منه. وعن حماد بن زيد أنه قال لمن استفهمه كيف قلتَ؟ قال: استفهم مَنْ يليك(١)، قال ابن الصلاح(٢) وهذا تساهل ممن فعله (والصواب الذي قاله المحققون أنه لا يجوز ذلك) وقال العراقي: الأول هو الذي عليه العمل، لأن المستملي في حكم من يقرأ على الشيخ، ويعرض حديثه عليه، ولكن يشترط أن يسمع الشيخ المملي لفظ المستلمي، كالقارىء عليه، والأحوط أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الألفاظ من المستملي، كما فعله ابن خزيمة وغيره، بأن يقول أنا بتبليغ فلان. وقد ثبت في الصحيحن(٣) عن جابر بن سمرة: سمعت النبي ◌َّ﴾ يقول: ((يكون اثنا عشر أميراً)) فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي فقال: ((كلهم من قريش))، وقد أخرجه مسلم عنه كاملاً من غير أن يفصل جابر الكلمة التي استفهمها من أبيه. (وقال أحمد) بن حنبل (في الحرف الذي يدغمه الشيخ فلا يفهم) عنه (وهو معروف: أرجو أن لا تضيق روايته عنه، وقال في الكلمة تُسْتفهم من المستملي إن كانت مجتمعاً عَليها فلا بأس) بروايتها عنه (وعن خلف بن سالم) المُخَرمِّي (منع ذلك) فإنه قال: سمعت ابن عيينة يقول: نا عمرو بن دينار، يريد حدثنا، فإذا قيل له: قل حدثنا، قال: لا أقول، لأني لم أسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف لکثرة الزحام وهي ح د ث. (١) علوم الحديث ص (١٧٧). (٢) علوم الحديث ص (١٧٩). (٣) البخاري ٩/ ١٠١. ١٧ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله الْخَامِسُ: يَصِحُ السَّمَاعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ إِذَا عُرِفَ صَوْتُهُ إِنْ حَدَّثَ بِلَفْظِهِ أَوْ حُضُورهِ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ إِنْ قُرِىءَ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي المَعْرِفَةِ خَبَرُ ثِقَةٍ، وَشَرَطَ شُعْبَةُ رُؤْيَّتَهُ وَهُوَ خِلَفُ الصَّوَابِ وَقَوْلِ الْجَمْهُورِ . السَّادِسُ: إِذَا قَالَ المَسْمِعُ عِنْدَ السَّمَاعِ: لاَ تَزْرِ عَنِّي أَوْ رَجَعْتُ عَنْ إِخْبَارِكَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْنِدٍ ذَلِكَ إِلَى خَطَأْ أَو شَكٍّ وَنَحْوِهِ لَّمْ تَمْتَنِعْ رِوَايَتُهُ، وَلَوْ خَصَّ بِالسَّمَاعِ قَوْماً فَسَمِعَ غَيْرُهُمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ جَازَ لَهُمْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ، وَلَوْ قَالَ أُخْبِرُكُمْ وَلاَ أُخْبِرُ فُلاَنَاً لَمْ يَضُرَ، قَالَهُ الأُسْتَاذُ أبُو إِسْحَاقَ. الْقِسْمُ الثَّالثُ: الإِجَازَةُ وَهِيَ أَضْرُبٌ؛ الأَوَّلُ: أَنْ يُجِيزُ مُعَيَّناً لِمُعَيَّنٍ كَأَجَزْتُكَ البُخَارِيَّ أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرستِي، وقال خلف بن تميم: سمعت من الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها، فكنت أستفهم جليسي، فقلت الزائدة، فقال: لا تحدث منها إلا بما حفظ قلبك وسمع أذنك، فألقيتها. (الخامس: يصح السماع ممن) هو (وراء حجاب إذا عرف صوته إن حدث بلفظه أو) عرف (حضوره بمسمع) أي مكان يسمع (منه إن قرىء عليه ويكفى في المعرفة) بذلك (خبر ثقة) من أهل الخبرة بالشيخ (وشرط شعبة رؤيته) وقال: إذا حدثك المحدث فلم تره فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول: حدثنا وأخبرنا (وهو خلاف الصواب وقول الجمهور) فقد أمر النبي ◌َّ بالاعتماد على سماع صوت ابن أم مكتوم المؤذن، في حديث ((إن بلالا يؤذن بليل)) الحديث، مع غيبة شخصه عمن يسمعه، وكان السلف يسمعون من عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين، وهن يحدثن من وراء حجاب. (السادس: إذا قال المسمع بعد السماع لا تَرْوِ عني أو رجعت عن إخبارك) أو ما أذنت لك في روايته عني (ونحو ذلك غير مسند ذلك إلى خطأ) منه فيما حدث به (أو شك) فيه (ونحوه لم تمتنع روايته) فإن أسنده إلى نحو ما ذكر امتنعت (ولو خص بالسماع قوماً فسمع غيرهم بغير علمه جاز لهم الرواية عنه، ولو قال: أخبركم ولا أخبر فلاناً لم يضر) ذلك فلاناً في صحة سماعه (قاله الأستاذ أبو إسحاق) الإسفرايني، جواباً لسؤال الحافظ أبي سعيد النيسابوري عن ذلك. فائدة: قال الماوردي: يشترط كون المتحمل بالسماع سميعاً، ويجوز أن يقرأ الأصم بنفسه. (القسم الثالث) من أقسام التحمل (الإجازة، وهي أضرب) تسعة وذكرها المصنف كابن الصلاح سبعة (الأول: أن يجيز معيناً لمعين: كأجزتك) أو أجزتكم أو أجزت فلاناً الفلاني (البخاري أو ما اشتملت عليه فهرستي) أي جملة عدد مروياتي. قال صاحب تثقيف اللسان: ١٨ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وَهُذَا أَعْلَى أَضْرُبها المُجَرُّدَةِ عَنِ المَنَاوَلَةِ، وَالصَّحِيحُ الّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ جَوَازُ الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا . وَأَبْطَلَهَا جَمَاعَاتٌ مِنَ الطَّوَائِفِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيّةِ وَمُتَابِعِيهِمْ: لاَ يُعْمَلُ بِهَا، كَالمُرْسَلِ وَهْذَا بَاطِلٌ. الصواب أنها - بالمثناة الفوقية وقوفاً وإدماجاً - وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ قال ومعناها جملة العدد للكتب: لفظة فارسية (وهذا أعلى أضربها) أي الإجازة (المجردة عن المناولة، والصحيح الذي قاله الجمهور من الطوائف) أهل الحديث وغيرهم (واستقر عليه العمل جواز الرواية والعمل بها) وادعى أبو الوليد الباجي وعياض الإجماع عليها، وقصر أبو مروان الطبني الصحة عليها . (وأبطلها جماعات من الطوائف) من المحدثين كشعبة، قال: لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة، وإبراهيم الحربي، وأبو نصر الوائلي، وأبي الشيخ الأصبهاني، والفقهاء: كالقاضي حسين، والماوردي وأبي بكر الخُجَنْدي الشافعي، وأبي طاهر الدباس الحنفي، وعنهم أن من قال لغيره: أجزت لك أن تروى عني ما لم تسمع، فكأنه قال: أجزت لك أن تكذب عليّ، لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع. (وهو إحدى الروايتين عن الشافعي) وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك. وقال ابن حزم: إنها بدعة غير جائزة، وقيل: إن كان المجيز والمجاز عالمين بالكتاب جاز وإلا فلا، واختاره أبو بكر الرازي من الحنفية. (وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم لا يعمل بها) أي بالمروى بها (كالمرسل) مع جواز التحديث بها (وهذا باطل) لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة بها، وعن الأوزاعي عكس ذلك، وهو العمل بها دون التحديث. قال ابن الصلاح: وفي الاحتجاج لتجويزها غموض، ويتجه أن يقال: إذا جاز له أن يروى عنه مروياته فقد أخبره بها جملة، فهو كما لو أخبره بها تفصيلاً، وإخباره بها غير متوقف على التصريح قطعاً كما في القراءة، وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم، وذلك حاصل بالإجازة المفهمة . وقال الخطيب في الكفاية: احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث أن النبي وَل كتب سورة براءة في صحيفة ودفعها لأبي بكر، ثم بعث عليّ بن أبي طالب فأخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضاً حتى وصل إلى مكة ففتحها وقَرَأَهَا على الناس. وقد أسند الرامهرمزي عن الشافعي أن الكرابيسي أراد أن يقرأ عليه كتبه فأبى، وقال: خذ كتب الزعفراني فانسخها فقد أجزت لك، فأخذها إجازة. أما الإجازة المقترنة بالمناولة فستأتي في القسم الرابع . ١٩ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله الضّرْبُ الثّانِي: يُجِيزُ مُعَيَّناً فَيْرَهُ كأجَزْتُكَ مَسْمُوعَاتِي فَالْخِلاَفُ فِيهِ أَقْوَى وَأَكْثِرُ، والجمهُورُ مِنَ الطّوَائِفِ جَوَّرُوا الرِّوَايَةَ وَأَوْجَبُوا العَمَلَ بها. الثالثُ: يُجِيزُ غيْرَ مُعَيّنٍ بِوَصْفِ العُمُومِ كأَجَزْتُ المُسْلِمِينَ أَو كلَّ أَحَدٍ أَو أَهْلَ زَمَانِي، وَفِيهِ خِلاَفٌ للمتَأَخِّرِينَ، فَإِنْ قَيَّدَها بِوَصْفِ حاصِرٍ فَأَقْرَبُ إلى الْجَوَازِ، وَمِن المجوِّزِينَ القَاضِي أَبو الطَّيِّبِ وَالْخَطِيبُ وَأَبُو عبدِ اللَّهِ بْن مَنْدَهْ وَأَبْنُ عتّابٍ وَالحافِظُ أَبُّو العَلَاءِ. وَآخَرُونَ . تنبيه: ٠٥٠٠. إذا قلنا بصحة الإجازة فالمتبادر إلى الأذهان أنها دون العرض، وهو الحق، وحكى الزركشي في ذلك مذاهب. ثانيها - ونسبه لأحمد بن ميسرة المالكي -: أنها على وجهها خير من السماع الرديء. قال: واختار بعض المحققين تفضيل الإجازة على السَّماع مطلقاً. ثالثها: أنهما سواء. حكى ابن عات في ريحانة التنفس عن عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بن مخلد أنه كان يقول: الإجازة عندي وعند أبي وَجدي كالسَّماع. وقال الطوفي: الحق التفصيل، ففي عصر السلف السَّماع أولى، وأما بعد أن دونت الدواوين وجمعت السنن واشتهرت فلا فرق بينهما . (الضرب الثاني يجيز معيناً غيره) أي غير معين (كأجزتك) أو أخبرتكم جميع (مسموعاتي) أو مروياتي (فالخلاف فيه) أي في جوازها (أقوى وأكثر) من الضرب الأول (والجمهور من الطوائف جوزوا الرواية) بها (فأوجبوا العمل) بما روي (بها) بشرطه. (الثالث يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت) جميع (المسلمين أو كل أحد أو أهل زماني وفيه خلاف للمتأخرين، فإن قيدها) أي الإجازة العامة (بوصف حاصر) كأجزت طلبة العلم ببلد كذا أو من قرأ عليَّ قبل هذا (فأقرب إلى الجواز) من غير المقيدة بذلك، بل قال القاضي عياض: ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك ولا رأيت منعه لأحد، لأنه محصور موصوف كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان، واحترز بقوله حاصر ما لا حصر فيه كأهل بلد كذا فهو كالعامة المطلقة، وأفرد القسطلاني هذه بنوع مستقل، ومثله بأهل بلد معين أو إقليم أو مذهب معين. (ومن المجوزين) للعامة المطلقة (القاضي أبو الطيب) الطبري (والخطيب) البغدادي (وأبو عبد الله بن منده و) أبو عبد الله (بن عتاب والحافظ أبو العلاء) الحسن بن أحمد العطار الهمداني (وآخرون) كأبي الفضل بن خيرون، وأبي الوليد بن رشد، والسلفي، وخلائق جمعهم بعضهم في مجلد ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم .. ٢٠ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله قَالَ الشَّيْخُ: وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ يُقْتَدَى بِهِ الرِّوَايَةُ بِهُذِهِ . قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامٍ مُصَحِّحِهَا جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِهَا، وَهُذَا يَقْتَضِي صِخَتَهَا، وَأَيُّ فَائِدَةٍ لَهَا غَيْرُ الرِّوايَةِ بِهَا . الرَّابِعُ: إِجَازَةٌ بِمَجْهُولٍ أَوْ لَهُ كأَجزْتُكَ كِتَابَ السُّنَنَ وَهُوَ يَرْوى كُتُبَافِي السُّنَنِ، أَوْ (قال الشيخ) ابن الصلاح ميلا إلى المنع (ولم يسمع عن أحد يقتدي به الرواية بهذه) قال: والإجازة في أصلها ضعف، وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفاً كثيراً. قال المصنف: (قلت: الظاهر من كلام مصححها جواز الرواية بها، وهذا يقتضي صحتها وأي فائدة لها غير الرواية بها) وكذا صرح في الروضة بتصحيح صحتها. قال العراقي: وقد روى بها من المتقدمين الحافظ أبو بكر بن خير، ومن المتأخرين الشرف الدمياطي وغيره، وصححها أيضاً ابن الحاجب قال: وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والأحوط ترك الرواية بها قال: إلا المقيدة بنوع حصر فإن الصحيح جوازها، انتهى. وكذا قال شيخ الإسلام في العامة المطلقة قال: إلا أن الرواية بها في الجملة أولى من إيراد الحديث معضلاً، قال البلقيني: وما قيل من أن أصل الإجازة العامة ما ذكره ابن سعد في الطبقات، ثنا عفان ثنا حماد ثنا علي بن زيد عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: من أدرك وفاتي من سبى العرب فهو حر، ليس فيه دلالة، لأن العتق النافذ لا يحتاج إلى ضبط وتحديث وعمل، بخلاف الإجازة ففيها تحديث وعمل وضبط فلا يصح أن يكون ذلك دليلاً لهذا، ولو جعل دليله ما صح من قول النبي قال: «بلغوا عني)) الحديث لکان له وجه قوي، انتھی. فائدة: قال شيخ الإسلام في معجمه: كان محمد بن أحمد بن عرام الإسكندري يقول: إذا سمعت الحديث من شيخ وأجازنيه شيخ آخر سمعه من شيخ رواه الأول عنه بالإجازة، فشيخ السماع يروي عن شيخ بالإجازة وشيخ الإجازة يرويه عن ذلك الشيخ بعينه بالسماع، كان ذلك في حكم السماع على السماع، انتهى. وشيخ الإسلام يصنع ذلك كثيراً في أماليه وتخاريجه. قلت: فظهر لي من هذا أن يقال: إذا رويت عن شيخ بالإجازة الخاصة عن شيخ بالإجازة العامة وعن آخر بالإجازة العامة عن ذلك الشيخ بعينه بالإجازة الخاصة، كان ذلك في حكم الإجازة الخاصة عن الإجازة الخاصة، مثال ذلك أن أروى عن شيخنا أبي عبد الله محمد بن محمد التنكزي، وقد سمعت عليه وأجاز لي خاصة، عن الشيخ جمال الدين الأسنوي فإنه أدرك حياته ولم يجزه خاصة، وأروى عن الشيخ أبي الفتح المراغي بالإجازة العامة عن الأسنوي بالخاصة. (الرابع إجازة) لمعين (بمجهول) من الكتب (أو) إجازة بمعين من الكتب (له) أي لمجهول من الناس (كأجزتك كتاب السنن وهو يروى كتباً في السنن) أو أجزتك بعض مسموعاتي (أو ٢١ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله أَجَزْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ الدِّمَشْقِيِّ، وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الاسْمِ فَهِي بَاطِلةٌ، فَإِنْ أَجَازَ لِجَمَاعَةٍ مُسَمّيْنَ فِي الإِجَازَة أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَعْرِفْهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَلاَ أَنْسَابِهِمْ وَلاَ عَدَدِهِمْ وَلاَ تَصَفْحِهِمْ صَخَّتْ الإِجَازَةُ كَسَمَاعِهِمْ مِنْهُ في مجلسه فِي هَذَا الْحَالِ، وَأَمَّا أَجَزْتُ لِمَنْ يَشَاءُ فُلَانٌ أَوْ نَحْو هَذَا فَفِيهِ جَهَالَةٌ وَتَعْلِيقٌ فَالأَظْهَرُ بُطْلَانُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ الْفَرَّاءِ الْحَنْبَيِّ، وَابْنُ عُمْرُوس المَالِكِيُّ، وَلَوْ قَالَ أَجَزْتُ لِمَنْ يَشَاء الإِجَازَةَ فَهُوَ كأجَزْتُ لِمَنْ يَشَاءُ فُلَانٌ وَأَكْثَرُ جَهَالَةً، وَلَوْ قَالَ أَجَزْتُ لِمَنْ يَشَاءُ الرَّوَايَةَ عَنِّي فَأَوْلَى بِالجِوازِ، لأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُفْتَضی الْحَالِ، أجزت محمد بن خالد الدمشقي وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم) ولا يتضح مراده في المسألتين (فهي باطلة) فإن اتضح بقرينة فصحيحة (فإن أجاز لجماعة مسمين في الإجازة أو غيرها ولم يعرفهم بأعيانهم ولا أنسابهم ولا عددهم ولا تصفحهم) وكذا إذا سمى المسؤول له ولم يعرف عينه (صحت الإجازة كسماعهم منه في مجلسه في هذا الحال) أي وهو لا يعرف أعيانهم ولا أسماءهم ولا عددهم (وأما أجزت لمن يشاء فلان أو نحو هذا ففيه جهالة وتعليق) بشرط، ولذلك أدخل في ضرب الإجازة المجهولة، والعراقي أفرده كالقسطلاني بضرب مستقل لأن الإجازة المعلقة قد لا يكون فيها جهالة، كما سيأتي (فالأظهر بطلانه) للجهل، كقوله أجزت لبعض الناس (وبه قطع القاضي أبو الطيب الشافعي) قال الخطيب: وحجتهم القياس على تعليق الوكالة (وصحح) أي هذا الضرب من الإجازة أبو يعلى (ابن الفراء الحنبلي و) أبو الفضل محمد بن عبيد الله (بن عمروس: المالكي) وقال: إن الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة، ويتعين المجاز له عندها، قال الخطيب: وسمعت ابن الفراء يحتج لذلك بقوله وقال: لما أمّر زيداً على غزوة مؤتة: فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فابن رواحة، فعلق التأمير. قال: وسمعت أبا عبد الله الدامغاني يفرق بينها وبين الوكالة بأن الوكيل ينعزل بعزل الموكل له، بخلاف المجاز، قال العراقي: وقد استعمل ذلك من المتقدمين الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة صاحب التاريخ وحفيد يعقوب بن شيبة. فإن علقت بمشيئة مبهم بطلت قطعاً (ولو قال أجزت لمن يشاء الإجازة فهو كأجزت لمن يشاء فلان) في البطلان بل (وأكثر جهالة) وانتشاراً من حيث إنها معلقة بمشيئة من لا يحصر عددهم (ولو قال أجزت لمن يشاء الرواية عني فأولى بالجواز لأنه تصريح بمقتضى الحال) من حيث إن مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له، لا تعليق في الإجازة، وقاسه ابن الصلاح على: بعتك إن شيئت، قال العراقي: لكن الفرق بينهما تعيين المبتاع، بخلافه في الإجازة، فإنه مبهم، قال: والصحيح فيه عدم الصحة، قال: نعم وزانه هنا أجزت لك أن تروى عني إن شئت الرواية عني، قال والأظهر الأقوى هنا الجواز، لانتفاء الجهالة، وحقيقة التعليق انتهى. وكذا قال البلقيني في محاسن الاصطلاح، وأيد البطلان في المسألة الأولى ببطلان الوصية والوكالة فيما لو قال: وصيت بهذه لمن يشاء، أو وكلت في بيعها ٢٢ النوع الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله وَلَوْ قَالَ أَجَزْتُ لِفُلاَنٍ كَذَا إِنْ شَاءَ رِوَايَتَهُ عَنِّي، أَوْ لَكَ إِنْ شِئْتَ أَوْ أَحْبَيْتَ أَوْ أَرَدْتَ، فَالأَظْهَرُ جَوَازُهُ . .5 الْخَامِسُ: الإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ كأجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلاَنٍ. وَاخْتَلَفَ المُتَأَخِّرُونَ فِي صِخَّتِهَا فَإِنْ عَطَفَهُ عَلَى مَوجُودٍ كأجَزْتْ لِفُلاَنٍ وَمَنْ يُولَد لَهُ أَوْ لَكَ وَلِعقبكَ مَا تَنَاسَلُوا فَأَوْلِى بِالْجَوازِ، وَفَعَلَ الثَّانِيَ مِنَ المُحَدِّثِينَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَأَجَازَ الْخَطِيبُ الأَوَّلَ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الْفَرَّاءِ، وَابْنِ عُمْرُوسٍ، وَأَبْطَلَهَا الْقَاضِي أَبُو الطّيِّبِ، وَابْنُ الصَّغِ: الشَّافِعِيَّانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الّذِي لاَ يَنْبَغِي غَيْرُهُ، وَأَمَّ الإِجَازَةُ لِلطَّفْلِ الَّذِي لاَ يُمَيِّرُ فَصَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالْخَطِيب خِلاَفاً لِبَعْضِهِمْ. من شاء أن يبيعها، قال: وإذا بطل في الوصية مع احتمالها ما لا يحتمله غيرها فهنا أولى (ولو قال أجزت لفلان كذا إن شاء روايته عني أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت فالأظهر جوازه) كما تقدم . (الخامس الإجازة للمعدوم كأجزت لمن يولد لفلان، واختلف المتأخرون في صحتها فإن عطفه على موجود كأجزت لفلان ومن يوله له أو لك) ولولدك (ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز) مما إذا أفرده بالإجازة قياساً على الوقف (وفعل الثاني من المحدثين) الإمام (أبو بكر) عبد الله (ابن أبي داود) السجساتي فقال: وقد سئل الإجازة، قد أجزت لك ولأولادك ولحبَل الحبلة، يعني الذين لم يولدوا بعدُ، قال البلقيني: ويحتمل أنْ يكون ذلك على سبيل المبالغة وتأكيد الإجازة، وصرح بتصحيح هذا القسم القسطلاني في المنهج (وأجاز الخطيب الأول) أيضاً، وألف فيها جزءاً وقال: إن أصحاب مالك وأبي حنيفة أجازوا الوقف على المعدوم، وإن لم يكن أصله موجوداً، قال: وإن قيل كيف يصح أن يقول أجازني فلان ومولده بعد موته؟ يقال كما يصح أن يقول وقف على فلان ومولده بعد موته، قال: ولأنّ بعد أحد الزمانين من الآخر كبعد أحدا الوطنين من الآخر (وحكاه) أي الصحة فيما ذكر (عن ابن الفراء) الحنبلي (وابن عمروس) المالكي، ونسبه عياض لمعظم الشيوخ (وأبطلها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ الشافعيان وهو الصحيح الذي لا ينبغي غيره) لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له، أما إجازة من يوجد مطلقاً فلا يجوز إجماعاً (وأما الإجازة للطفل الذي لا يميز فصحيحة على الصحيح الذي قطع بِهِ القاضي أبو الطيب والخطيب) ولا يعتبر فيه سن ولا غيره (خلافاً لبعضهم) حيث قال: لا يصح كما لا يصح سماعه، ولما ذكر ذلك لأبي الطيب قال يصح أن يجيز للغائب ولا يصح سماعه، قال الخطيب: وعلى الجواز كافلا شيوخنا، واحتج له بأنها إباحة المجيز للمجاز له أن يروى عنه، والإباحة تصح للعاقل ولغيره، قال ابن الصلاح: كأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع ليؤدي به بعد حصول الأهلية لبقاء الإسناد، وأما المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له. ٢٣ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله السَّادِسُ: إِجَازَةُ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْهُ المُجَيزُ بوَجْهِ لِيَزْوِيَهُ المُجَازُ إِذَا تَحَمّلُهُ المُجيزُ قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: لَمْ أَرَ مَنْ تَكلّمَ فِيهِ، وَرَأَيْتُ بَعْضَ المُتَأَخُرِينَ يَصْنَعُونَهُ، ثمَّ حَكَىَ عَنْ قَاضِي قُرْطُبَةَ أَبِي الْوَلِيدِ مَنْعَ ذَلِكَ، قَالَ عِيَاضٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، تنبيه : أدمج المصنف كابن الصلاح مسألة الطفل في ضرب الإجازة للمعدوم، وأفردها القسطلاني بنوع، وكذا العراقي وضم إليها الإجازة للمجنون والكافر والحمل فأَما المجنون فالإجازة له صحيحة وقد تقدم ذلك في كلام الخطيب، وأما الكافر فقال لم أجد فيه نقلاً، وقد تقدم أن سماعه صحيح، قال ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر، إلا أن شخصاً من الأطباء يقال له محمد بن عبد السيد سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله الصوري، وكتب اسمه في الطبقة مع السامعين، وأَجَاز الصوري لهم، وهو من جملتهم، وكان ذلك بحضور المزّي، فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقرّ عليه، ثم هدى الله هذا اليهودي إلى الإسلام وحدّث، وسمع منه أصحابنا. قال: والفاسق والمبتدع أولى بالإجازة من الكافر، ويؤديان إذا زال المانع، قال: وأَما الحمل فلم أجد فيه نقلاً إلا أن الخطيب قال: لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال، ولم يتعرض لكونه إذا وقع يصح أولا، قال: ولا شك أنه أولى بالصحة من المعدوم، قال: وقد رأيت شيخنا العلائي سئل لحمل مع أبويه فأجاز واحترز أبو الثناء المنبجي فكتب: أجزت للمسلمين فيه، قال: ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلى وأحفظ وأنقن: إلا أنه قد يقال: لعله ما تصفح أسماء الاستدعاء حتى يعلم هل فيه حمل أم لا، إلا أن الغالب أن أهل الحديث لا يجيزون إلا بعد تصفحهم، قال وينبغي بناء الحكم فيه على الخلاف في أن الحمل هل يُعلم أولا، فإن قلنا يعلم وهو الأصح صحت الإجازة للمعدوم انتهى. وذكر ولده الحافظ ولي الدين أبو زرعة في فتاويه المكية وهي أجوبة أسئلة سأله عنها شيخنا الحافظ أبو الفضل الهاشمي، أن الجواز فيها بعد نفخ الروح أولى، وأنها قبل نفخ الروح مرتبة متوسطة بينها وبين الإجازة للمعدوم، فهي أولى بالمنع من الأولى، وبالجواز من الثانية. (السادس إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه) من سماع أو إجازة (ليرويه المجاز) له (إذا تحمله المجيز قال القاضي عياض) في كتابه الإلماع هذا (لم أر من تكلم فيه) من المشايخ، (ورأيت بعض المتأخرين) والعصريين (يصنعونه ثم حكى عن قاضي قرطبة أبي الوليد) يونس بن مغيث (منع ذلك) لما سُئله وقال: يعطيك ما لم يأخذ؟ هذا محال (قال عياض و) هذا (هو الصحيح) فإنه يجيز ما لا خبر عنده منه، ويأذن له بالتحديث بما لم يحدث به ويبيح ما لم يعلم، هل يصح له الإذن فيه، قال المصنف (وهذا هو الصواب) قال ابن الصلاح: وسواء قلنا إن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز جملة، أو إذن إذ لا يجيز بما لا خبر عنده منه، ولا يؤذن فيما لم يملكه الآذن بعد، كالإذن في بيع ما لم يملكه. وكذا قال القسطلاني الأصح البطلان، فإن ما رواه داخل في دائرة حصر العلم بأصله، بخلاف ما لم يروه فإنه لم ينحصر، قال المصنف كابن ٢٤ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله فَعَلَى هَذَا يَتَعَيْنُ عَلَى مَنْ أَرَادِ أَنْ يَزْوِيَ عَنْ شَيْخِ أَجَازَ لَهُ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِهِ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ أنَّ هَذَا مِمَّا تَحمّلُهُ شَيْخُ قَبْلَ الإِجَازَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَجَزْتُ لَكَ مَا صَحَّ أَوْ يَصِغُ عِنْدَكَ مِنْ مَسْمُوعَاتِي فَصَحِيحٌ تَجُوزُ الرّوَايَةُ بِهِ، لما صَحَّ عِنْدَهُ سَماعُهُ لَهُ قَبْلَ الإِجَازَةِ وَفَعَلَهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ. الشَّابِعُ: إِجَازَةُ المُجَازَ: كأَجَزْتُكَ مُجَازَاتِي، فَمَنَعَهُ بَعْضُ مَنْ لاَ يُعْتَدُ بِهِ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهُ العَمَلُ جَوَازُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْحَفّاظ: الدّارَقُطِيُّ، وَابْنُ عُقْدَةَ، وَأَبُو نُعَيمٍ، وَأَبُو الْفَتْحِ نَصْرِ المَقْدِسِيُّ. وَكَانَ أَبُو الْفَتْحِ يَزْوِى بِالإِجَازَةِ عَنِ الإِجَازَةِ، وَرُبَّمَا وَالَى بَيْنَ ثَلاَثٍ، وَيَنْبَغِي لِلرّاوِي بِهَا تَأَُّلَهَا لِثَلاَ يَزْوِىَ مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهَا، فَإِنْ كَانَتْ إِجَازَةُ شَيْخِ شَيْخِهِ: أَجَزْتُ لَهُ مَا صَحّ عِنْدَهُ مِنْ سَمَاعِي فَرَأَى سَمَاعَ شَيْخِ شَيْخِهِ فَلَيْسَ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنْ شَيْخِهِ عَنْهُ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّهُ صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ كَوْنُهُ مِنْ مَسْمُوعَاتِ شَيْخِهِ . الصلاح (فعلى هذا يتعين على من أراد أن يروى عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قيل الإجازة) له (وأما قوله: أجزت لك ما صح أو يصح عندك من مسموعاتي فصحيح تجوز الرواية به لما صح عنده) بعد الإجازة (سماعه له قبل الإجازة وفعله الدارقطني وغيره) قال العراقي: وكذا لو لم يقل، ويصح، فإن المراد بقوله ما صح حال الرواية لا الإجازة . (السابع إجازة المجاز كأجزتك مجازاتي) أو جميع ما أجيز روايته (فمنعه بعض من لا يعتد به) وهو الحافظ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي شيخ ابن الجوزي وصنف في ذلك جزءاً لأن الإجازة ضعيفة فيقوى الضعف باجتماع إجازتين (والصحيح الذي عليه العمل جوازه وبه قطع الخفاظ) أبو الحسن (الدارقطني و) أبو العباس (بن عُقْدَة وأبو نعيم) الأصبهاني، (وأبو الفتح) نصر المقدسي (يروي بالإجازة عن الإجازة وربما والى بين ثلاث) إجازات، وكذلك الحافظ أبو الفتح بن أبي الفوارس والى بين ثلاث إجازات، ووالى الرافع في أماليه بين أربع أجائز، والحافظ قطب الدين الحلبي بين خمس أجائز في تاريخ مصر، وشيخ الإسلام في أماليه بين ست (وينبغي للراوي بها) أي بالإجازة عن الإجازة (تأملها) أي تأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه ومقتضاها (لئلا يروى) بها (ما لم يدخل تحتها) فربما قيدها بعضهم بما صح عند المجاز له، أو بما سمعه المجيز، ونحو ذلك (فإن كانت إجازة شيخ شيخه: أجزت له ما صح عنده من سماعي، فرأى سماع شيخ شيخه فليس له روايته عن شيخه عنه، حتى يعرف أنه صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه) وكذا إن قيدها بما سمعه لم يتعد إلى مجازاته، وقد زل غير واحد من الأئمة بسبب ذلك، قال العراقي: وكان ابن دقيق العيد لا يجيز رواية سماعه كله، بل يقيده بما حدث به من مسموعاته، هكذا رأيته بخطه، ولم أر له إجازة تشمل مسموعه، وذلك أنه كان شك في بعض سماعاته فلم يحدث به، ولم يجزه، وهو سماعه على ابن المقير، فمن حدث عنه ٢٥ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله فرع : قَالَ أَبُو الْحَسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ: الإِجَازَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ جَوَازِ المَاءِ الّذِي تُسْقَاهُ المَاشِيَةُ وَالْحَرْثُ يُقَالَ: اسْتَجَزْتُهُ فَأَجَازِي إِذَا أَسْقَاكَ مَاءٌ لِمَا شِيَتِكِ وَأَرْضِكِ كَذَا طَالِبُ الْعِلْمِ يَسْتَجِيزُ الْعَالِمَ عِلمَهِ فِيُجِيزُهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَجَزْتُ فُلَاناً مَسْمُوعَاتِي، وَمَنْ جَعَلَ الإِجَازَةَ إِذْناً وَهُوَ المَعْرُوفُ يَقُولُ: أَجَزْتُ لَهُ رِاوَيَةُ مَسْمُوعَاتِي، وَمَتِى قَالَ: أَجَزْتُ لَّهُ مَسْمُوعَاتِي فَعَلَى الْحَذْفِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ، قَالُوا: إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَازَةُ إِذَا عَلِمَ المُجِيزُ مَا يُجِيزُ وَكَانَ المُجَازُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاسْتَرَطَهُ بَعْضُهُمْ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ إِلاَّ لِمَاهِرٍ بِالصُّنَاعَةِ في مُعَيْنٍ لاَ يُشْكِلُ إِسْنادُهُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُجِزُ كِتَابَةً أَنْ يَتَلَفّظَ بِهَا فَإِنِ أُقْتَصَرَ عَلَى الْكِتابَةِ مَعَ قَصْدِ الإِجَازَةِ صَحّتْ. بإجازته منه بشيء مما حدث به من مسموعاته فهو غير صحيح، قلت: لكنه كان يجيز مع ذلك جميع ما أجيز له، كما رأيته بخط أبي حيان، في النضار، فعلى هذا لا تتقيد الرواية عنه، بما حدث به من مسموعاته فقط إذ يدخل الباقي فيما أجيز له . (فرع قال أبو الحسين) أحمد (بن فارس) اللغوي (الإجازة) في كلام العرب (مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث يقال) منه (استجزته فأجازني إذا أسقاك ماء لماشيتك وأرضك) قال (كذا) لك (طالب العلم يستجيز العالم) أي يسأله أن يجيزه (علمه فيجيزه) إياه قال ابن الصلاح (فعلى هذا يجوز أن يقال أجزت فلاناً مسموعاتي) أو مروياتي متعديا بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية (ومن جعل الإجازة إذناً) وإباحة وتسويغاً (وهو المعروف يقول أجزت له رواية مسموعاتي، ومتى قال أجزت له مسموعاتي فعلى الحذف كما في نظائره) وعبارة القسطلاني في المنهج: الإجازة مشتقة من التجوز وهو التعدي، فكأنه عدى روايته حتى أوصلها الراوي عنه (قالوا إنما تستحسن الإجازة إذا علم المجيز ما يجيزه وكان المجاز) له (من أهل العلم) أيضاً لأنها توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها، قال عيسى بن مسكين: الإجازة رأس مال كبير (واشترطه بعضهم) في صحتها فبالغ (وحكى عن مالك) حكاه عنه الوليد بن بكر من أصحابه (وقال ابن عبد البر الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة في) شيء (معين لا يشكل إسناده وينبغي للمجيز كتابة) أي بالكتابة (أن يتلفظ بها) أي بالإجازة أيضاً (فإن اقتصر على الكتابة) ولم يتلفظ (مع قصد الإجازة صحت) لأن الكتابة كناية، وتكون حينئذ دون الملفوظ بها في الرتبة وإن لم يقصد الإجازة، قال العراقي: فالظاهر عدم الصحة، قال ابن الصلاح: وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية، التي جعلت فيه القراءة على الشيخ، مع أنه لم يتلفظ بما قرىء عليه إخباراً منه بذلك. .4. تنبيه : لا يشترط القبول في الإجازة كما صرح به البلقيني، قلت فلو ردّ فالذي ينقدح في النفيس ؟