النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦٠
النوع الثاني والعشرون: المقلوب
أبي الحسن الساحلي أنا أحمد بن حسن الرازي سمعت أبا أحمد بن عديّ يقول: سمعت عدة
مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا
وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا
المتن لمتن آخر، ودفعوه إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة وأمروهم إذا حضروا المجلس
يلقون ذلك على البخاري، وأخذوا الوعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث
من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل
من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال:
لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: لا أعرفه،
فكان الفهماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن كان
منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم، ثم انتدب إليه رجل آخر من
العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال البخاري: لا أعرفه، فلم يزل يلقى إليه
واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث والرابع
إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه،
فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فهو كذا
وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن
إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها
وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل(١).
تنبيهات :
الأول: قال العراقي: في جواز هذا الفعل نظر، لأنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر
حديثاً. وقد أنكر حَرَمِيّ على شعبة لما قلب أحاديث على أبان بن أبي عياش وقال: يا بئس ما
صنع، وهذا يحل؟
الثاني: قد يقع القلب غلطاً لا قصداً، كما يقع الوضع كذلك، وقد مثله ابن الصلاح
بحديث رواه جرير بن حازم عن ثابت عن أنس مرفوعاً إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني،
فهذا حديث انقلب إسناده على جرير، وهو ليحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن
أبيه عن النبي ◌َّر، هكذا رواه الأئمة الخمسة، وهو عند مسلم والنسائي من رواية حجاج بن
أبي عثمان الصواف عن يحيى، وجرير إنما سمعه من حجاج فانقلب عليه، وقد بيّن ذلك
حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في المراسيل، عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عنه،
قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدث حجاج عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة
عن أبيه فظن جرير أنه إنما حدث ثابت عن أنس.
الثالث: هذا آخر ما أورده المصنف من أنواع الضعيف، وبقي عليه ((المتروك)) ذكره شيخ
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء)) ٤٠٨/١٢ و٤٠٩، ووفيات الأعيان ١٨٩/٤ - ١٩٠.

١٦١
النوع الثاني والعشرون: المقلوب
فرع :
إِذَا رَأَيْتَ حَدِيثاً بِإِسْنَادٍ ضَعِيف فَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هُوَ ضَعِيفٌ بِهِذَا الإِسْنَادِ ولاَ تَقُلْ ضَعِيفُ
المَتْنِ لِمُجَرَّدِ ضَعْفِ ذَلِكَ الإسْنَادِ إِلَّ أَنْ يَقُولَ إِمَامٌ إِنّهُ لَمْ يُرْوَ مِنْ وَجْهِ صَحِيحٍ أَوْ إِنَّهُ حَدِيثٌ
ضَعِيفٌ مُفَسِّراً ضَعْفَهُ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ كَلَامٌ يَأَتِي قريباً.
الإسلام في النخبة، وفسره بأن يرويه من يتهم بالكذب ولا يُعرف ذلك الحديث إلا من جهته
ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة، قال: وكذا من عرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه
وقوعه في الحديث، وهو دون الأول انتهى، وتقدمت الإشارة إليه عقب الشاذ والمنكر.
الرابع: تقدم أن شر الضعيف الموضوع، وهذا أمر متفق عليه، ولم يذكر المصنف ترتيب
أنواعه بعد ذلك، ويليه المتروك، ثم المنكر ثم المعلل ثم المدرج، ثم المقلوب ثم المضطرب،
كذا رتبه شيخ الإسلام، وقال الخطابي: شرها الموضوع ثم المقلوب، ثم المجهول، وقال
الزركشي في مختصره: ما ضعفه لا لعدم اتصاله سبعة أصناف شرها الموضوع ثم المدرج، ثم
المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المضطرب انتهى، قلت: وهذا ترتيب حسن، وينبغي جعل
المتروك قبل المدرج، وأن يقال فيما ضعفه لعدم اتصال: شره المعضل ثم المنقطع ثم المدلس
ثم المرسل، وهذا واضح: ثم رأيت شيخنا الإمام الشمني نقل قول الجوزقاني: المعضل أسوأ
حالاً من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالاً من المرسل، وتعقبه بأن ذلك إذا كان الانقطاع في
موضوع واحد وإلا فهو يساوي المعضل.
فرع: فيه مسائل تتعلق بالضعيف (إذا رأيت حديثاً بإسناد ضعيف فلك أن تقول هو ضعيف
بهذا الإسناد ولا تقل ضعيف المتن) ولا ضعيف، وتطلق (بمجرد ضعف ذلك الإسناد) فقد يكون
له إسناد آخر صحيح (إلا أن يقول إمام إنه لم يرو من وجه صحيح) أو ليس له إسناد يثبت به (أو
إنه حديث ضعيف مفسراً ضعفه فإن أطلق) الضعيف ولم يبين سببه (ففيه كلام يأتي قريباً) في
النوع الآتي.
فوائد:
الأولى: إذا قال الحافظ المطلع الناقد في حديث لا أعرفه، اعتمد ذلك في نفيه، كما ذكر
شيخ الإسلام، فإن قيل يعارض هذا ما حكي عن أبي حازم: أنه روى حديثاً بحضرة الزهري
فأنكره وقال لا أعرف هذا، فقيل له أحفظت حديث رسول الله وَ لير كله قال لا، قال فنصفه، قال
أرجو، قال: اجعل هذا من النصف الذي لم تعرفه، هذا وهو الزهري، فما ظنك بغيره، وقريب
منه ما أسنده ابن النجار في تاريخه عن ابن أبي عائشة، قال: تكلم شاب يوماً عند الشعبي،
فقال الشعبي ما سمعنا بهذا، فقال الشاب كل العلم سمعت؟ قال لا، قال فشطره قال لا، قال
فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه، فأفحم الشعبي، قلنا أجيب عن ذلك: بأنه كان قبل
تدوين الأخبار في الكتب، فكان إذ ذاك عند بعض الرواة ما ليس عند الحفاظ، وأما بعد التدوين
والرجوع إلى الكتب المصنفة فيبعد عدم الاطلاع من الحافظ الجهبذ على ما يورده غيره "فالظاهر
تدريب الراوي / ج ١/ م ١١

١٦٢
النوع الثاني والعشرون: المقلوب
وإِذَا أَرَدْتَ رِوَايَةَ الضّعِيفِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ فَلاَ تَقَلْ قَالَ رَسُولِ اللهِوَّهَ كَذَا ومَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْجَزْمِ،
بَلْ قُلْ: رُوِي كَذَا أَوْ بَلَغَنَا كَذَا أَوْ وَرَدَ أَوْ جَاءَ أَوْ نُقِلَ ومَا أَشْبَهَهُ، وَكَذَا مَا تَشْكُّ فِي صِخَّتِهِ،
وَيَجُوزُ عِنْدَ أَهْلِ الحديثِ وَغَيْرِهِم التّسَاهُلُ في الأسَانِيدِ وَرِوَايَةُ مَا سِوَى المَوْضوعِ مِنَ
الضَّعِيفِ وَالعَمَلُ بِهِ مِنْ غِيرِ بَيَانِ ضَعْفِهِ في غيرِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالى وَالأحكام كالحلَاَلِ
وَالْحَرَامِ وَممَّا لا تعلقَ لهُ بالْعَقَائِدِ وَالأحْكَامِ.
عدمه. الثانية: ألف عمر بن بدر الموصلي - وليس من الحفاظ - كتاباً في قولهم ((لم يصح شيء
في هذا الباب)) وعليه في كثير مما ذكره انتقاد. الثالث: قولهم هذا الحديث ليس له أصل أو لا
أصل له، قال ابن تيمية: معناه ليس له إسناد (وإذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقل: قال
رسول الله ◌َ و كذا وما أشبهه من صيغ الجزم) بأن رسول الله و ◌َلّ قاله (بل قل روي) عنه (كذا أو
بلغنا) عنه (كذا أو ورد) عنه (أو جاء) عنه (أو نقل) عنه (وما أشبهه) من صيغ التمريض كروى
بعضهم (وكذا) تقول في (ما تشك في صحته) وضعفه، أما الصحيح فاذكره بصيغة الجزم، ويقبح
فيه صيغة التمريض، كما يقبح في الضعيف صيغة الجزم.
(ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد) الضعيفة (ورواية ما سوى
الموضوع من الضعيف والعمل به من غير بيان ضعفه في غير صفات الله تعالى) وما يجوز
ويستحيل عليه وتفسير كلامه (والأحكام كالحلال والحرام و) غيرهما وذلك كالقصص وفضائل
الأعمال والمواعظ وغيرها (مما لا تعلق له بالعقائد والأحكام) ومن نقل عنه ذلك: ابن حنبل
وابن مهدي وابن المبارك، قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روينا في الفضائل
ونحوها تساهلنا .
تنبيه :
لم يذكر ابن الصلاح والمصنف هنا وفي سائر كتبه لما ذكر سوى هذا الشرط وهو كونه في
الفضائل ونحوها، وذكر شيخ الإسلام له ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب
ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه.
الثاني: أن یندرج تحت أصل معمول به.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.
وقال: هذان ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد، وقيل: لا يجوز العمل به مطلقاً،
قاله أبو بكر بن العربي، وقيل: يعمل به مطلقاً، وتقدم عزو ذلك إلى أبي داود وأحمد وأنهما
یریان ذلك أقوى من رأي الرجال.
وعبارة الزركشي: الضعيف مردود ما لم يقتضي ترغيباً أو ترهيباً أو تتعدد طرقه ولم يكن

١٦٣
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
النوع الثالث والعشرون: صِفَةُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَا يَتَعَلّقُ بِهِ، وَفيهِ مَسَائِلُ
إِحْدَاهَا: أَجْمَعَ الجماهِيرُ مِنْ أَئمةِ الحديثِ وَالفِقْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فيهِ أَنْ يَكون عَدْلاً ضَابِطاً
بأَنْ يَكُونَ مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً سَلِيماً مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المَرُوءة
المتابع منحطاً عنه، وقيل لا يقبل مطلقاً، وقيل يقبل إن شهد له أصل واندرج تحت عموم،
انتهى. ويعمل بالضعيف أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياط.
(النوع الثالث العشرون: صفة من تقبل روايته) ومن ترد (وما يتعلق به) ومن الجرح
والتعديل (وفيه مسائل: إحداها: أجمع الجماهير من إئمة الحديث والفقه) على (أنه يشترط فيه)
أي من يحتج بروايته (أن يكون عدلاً ضابطاً) لما يرويه وفسر العدل (بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً)
فلا(١) يقبل كافر ومجنون مطبق بالإجماع، ومن تقطع جنونه وأثر في زمن إفاقته، وإن لم يؤثر
قبل، قاله ابن السمعاني، ولا (٢) صغير على الأصح، وقيل يقبل المميز إن لم يجرب عليه الكذب
(سليماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة)(٣) على ما حرر في الشهادات من كتب الفقه،
وتخالفها في عدم اشتراط الحرية والذكورة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِن جَآءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَنُواْ﴾(٤)
وقال: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُمْ﴾(٥) وفي الحديث: لا تأخذوا العلم إلا ممن تقبلون شهادته، رواه
البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً (٦)، وروي أيضاً من طريق الشعبي عن
ابن عمر عن عمر قال: كان يأمرنا أن لا نأخذ إلا عن ثقة، وروى الشافعي وغيره عن يحيى بن
(١) فلا يقبل كافر: بالإجماع سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم يعلم، ولا يعقل أن تقبل روايته
لأن في قبولها تنفيذاً لقوله على المسلمين، وكيف تقبل رواية من يكيد للإسلام؟
ثم إن الله عز وجل أمرنا أن نتوقف في خبر الفاسق فإذا كان هذا موقفنا من الفاسق فمن الأولى أن
نرد رواية الكافر. («أصول الحديث)) ص (٢٣٠).
(٢) ولا صغيراً على الأصح: عملاً بقوله وَّي: ((رفع القلم عن ثلاثة :.... وعن الصبي حتى يحتلم))
والبلوغ مظنة الإدراك وفهم أحكام الشريعة؛ لذلك نيط التكليف به، وقد احترز العلماء في قبول الرواية
من الصغير خشية الكذب، فقد يكذب لأنه لا يقدر أثر الكذب ولا عقوبته؛ ولأنه لا رادع له عنه، ثم إن
الشرع لم يجعل الصبي ولياً في أمر دنياه، ففي أمر الدين أولى؛ لما في قبول خبره من تنفيذ أو ولاية
على جميع المسلمين. ((أصول الحديث)) ص (٢٣٠ - ٢٣١).
(٣) المُرُوءَة: بضم الميم والراء بعدها واو ساكنة ثم همزة، وقد تبدل وتدغم: وهو كمال الإنسان من صدق
اللسان.
وفي المفاتيح: خوارم المروءة كالدباغة والحياكة والحجامة ممن لا يليق به من غير ضرورة،
وكالبول في الطريق وصحبة الأرذال، واللعب الحمام، ونحو ذلك، ومجملها الاحتراز عما يذم به
عرفاً. ((توضيح الأفكار)) ١١٨/٢ .
(٤) آية (٦) سورة الحجرات.
(٥) آية (٢) سورة الطلاق.
(٦) ابن عدي ١٥٩/١ .

١٦٤
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
مُنَقِّظاً: حَافِظاً إِنْ حَدّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطاً لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْهُ، عَالِماً بِمَا يُحِيلُ المَعْنَى إِنْ
رَوَى بِهِ .
الثَّانِيَةُ: تَثْبُتُّ الْعَدَالَةُ بِتَنْصِيصِ عَذْلَيْنِ عَلَيْهَا أَوْ بِالاسْتِفَاضَةِ فَمَنْ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ
أَهْلِ الْعِلْمِ وَشَاعَ الثّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا كَفَى فِيهَا، كَمَالِكٍ، وَالسُّفْيَاتَيَّنِ، وَالأوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ،
وأَحْمَدَ، وأَشْبَاهِهِمْ
سعيد قال: سألت ابناً لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئاً، فقيل له: إنا لنعظم أن
يكون مثلك ابن إمامي هدى تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم، فقال: أعظم والله من ذلك عند
الله وعند عن عرف الله وعند من عقل عن الله أن أقول بما ليس لي فيه علم أو أخبر عن غير ثقة.
قال الشافعي: وقال سعيد بن إبراهيم لا يحدثُ عن النبي وَل إلا الثقات، أسنده مسلم في
مقدمة الصحيح(١)، وأسند(٢) عن ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم،
وروى البيهقي عن النخعي قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته
وإلى حاله ثم يأخذون عنه، وفسر الضبط بأن يكون (متيقظاً) غير مغفل (حافظاً إن حدث من
حفظه ضابطاً لكتابه) من التبديل والتغيير (إن حدث منه) ويشترط فيه مع ذلك أن يكون، (عالماً
بما یحیل المعنی إن روی به).
(الثانية: تثبت العدالة) للراوي (بتنصيص عالمين عليها) وعبارة ابن الصلاح معدّلين(٣)،
وعدل عنه لما سيأتي: أن التعديل إنما يقبل من عالم (أو بالاستفاضة) والشهرة (فمن اشتهرت
عدالته بين أهل العلم) من أهل الحديث أو غيرهم (وشاع الثناء عليه بها كفى فيها) أي في عدالته
ولا يحتاج مع ذلك إلى معدّل ينص عليها (كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد) بن
حنبل (وأشباههم).
قال ابن الصلاح(٤): هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه،
وممن ذكره من أهل الحديث: الخطيب، ومثله بمن ذكر وضمّ إليهم الليث وشعبة وابن المبارك
ووكيعاً وابن معين وابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن
عدالة هؤلاء وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره، وقد سئل ابن حنبل عن إسحاق بن راهويه
فقال: مثل إسحاق يسأل عنه؟ وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟
أبو عبيد يسأل عن الناس.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية إذا لم يكونا
(١) ١٥/١: ب (٥).
(٢) ١٤/١ : ب (٥).
(٣) علوم الحديث ص (١٣٧).
(٤) المصدر السابق.

١٦٥
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وتَوَسَّعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ فَقَالَ: كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْروفِ الْعِنَايَةِ بِهِ مَحْمُولٌ أَبَداً عَلَى الْعَدَالَةِ
حَتَّى يَتْبَيْنُ جَرْحُهُ، وقَوْلُهُ هَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ.
مشهورين بالعدالة والرِّضى، وكان أمرهما مشكلاً ملتبساً ومجوّزاً فيهما العدالة وغيرها، قال:
والدليل على ذلك أن العلم بظهور سيرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد
واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة (وتوسع) الحافظ أبو عمر (ابن عبد البر فيه فقال: كل
حامل علم معروف العناية به) فهو عدل (محمول) في أمره (أبداً على العدالة حتى يتبين جرحه)
ووافقه على ذلك ابن الموّاق من المتأخرين، لقوله ◌َّله: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،
ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، رواه من طريق العقيلي (١) من
رواية معان بن رفاعة السلامي عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مرفوعاً (وقوله هذا غير مرضي)
والحديث من الطريق الذي أورده مرسل أو معضل، وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان:
لا نعرفه البتة، ومعان أيضاً ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي والجوزجاني، نعم
وثقه ابن المديني وأحمد، وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له كأنه
موضوع، فقال: لا هو صحيح، فقيل له ممن سمعته فقال: من غير واحد، قيل من هم؟ قال
حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، ومعان لا بأس به انتهى.
قال ابن القطان: وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره، قال العراقي: وقد ورد هذا
الحديث متصلاً من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة،
وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوّي المرسل.
قال ابن عديّ: ورواه الثقات عن الوليد بن مسلم عن إبراهيم العذري، ثنا الثقة من
أصحابنا أن رسول الله وَّ فذكره، ثم على تقدير ثبوته إنما يصح الاستدلال به لو كان خبراً، ولا
يصح حمله على الخبر، لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة، فلم يبق له محمل إلا
على الأمر، ومعناه أنه أمر للثقات بحمل العلم لأن العلم إنما يقبل عنهم، والدليل على ذلك أن
في بعض طرقه عند ابن أبي حاتم: ليحمل هذا العلم، بلام الأمر.
وذكر ابن الصلاح في فوائد رحلته أن بعضهم ضبطه بضم الياء وفتح الميم مبنياً للمفعول
ورفع العلم، وفتح العين واللام من عدوله، وآخره تاء فوقية، فعولة بمعنى فاعل، أي كامل في
عدالته، أي إن الخلف هو العدولة، والمعنى إن هذا العلم يحمل أي يؤخذ عن كل خلف عدل،
فهو أمر بأخذ العلم عن العدول، والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل أي يؤخذ عن كل خلف
عدل، فهو أمر بأخذ العلم عن العدول، والمعروف في ضبطه فتح ياء يحمل مبنياً للفاعل ونصب
العلم مفعوله، والفاعل عدولهُ جمع عدل.
(١) العقيلي ٩/١ و١٠، والموضوعات ٣١/١، وابن عدي ١/ ١٥٢.

١٦٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته
الثَّالِثَةُ: يُعُرَفُ ضَبْطُهُ بِمُوافَقَتِهِ الثَّقَاتِ المُثْقِنِينَ غَالِباً وَلاَ تَضُرُّ مُخَالَفَتُه النَّادِرَةُ فِإِنْ
كَثُرَتْ اخْتَلَّ ضَبْطُهُ وَلَمْ يُخْتَتَّ بِهِ.
الرَّابِعَةُ: يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ، وَلاَ يُقْبَلُ الْجَرْحُ إِلّ
مُبَيَّنَ السَّبَبِ،
(الثالثة: يعرف ضبطه) أي الراوي (بموافقة الثقات المتقنين) الضابطين إذا اعتبر حديثه
بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم (غالباً) ولو من حيث المعنى فضابط (ولا تضرّ مخالفته) لهم
(النادرة فإن كثرت) مخالفته لهم وندرت الموافقة (اختل ضبطه ولم يحتجّ به) في حديثه .
فائدة :
ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف: أن الوهم تارة يكون في الحفظ وتارة يكون
في القول وتارة في الكتابة، قال: وقد روى مسلم حديث: لا تسبوا أصحابي(١): عن يحيى بن
يحيى، وأبي بكر، وأبي كريب ثلاثتهم، عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي هريرة، ووهم عليهم في ذلك، إنما رووه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن
أبي سعيد، كذلك رواه عنهم الناس كما رواه ابن ماجه(٢) عن أبي كريب أحد شيوخ مسلم فيه،
قال: والدليل على أن ذلك وَهم وقع منه في حال كتابته لا في حفظه: أنه ذَكَرَ أولاً حديث
أبي معاوية، ثم ثنّى بحديث جرير، وذكر المتن وبقية الإسناد، ثم ثلّث بحديث وكيع، ثم ربّع
بحديث شعبة، ولم يذكر المتن ولا بقية الإسناد عنهما، بل قال عن الأعمش بإسناد جرير،
وأبي معاوية بمثل حديثهما، فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما في
الحوالة عليهما .
(الرابعة: يقبل التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور)، لأن أسبابه كثيرة فيثقل
ويشق ذكرها، لأن ذلك يحوج المعدل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا
وكذا، فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه، وذلك شاق جداً (ولا يقبل الجرح إلا مبين السبب)
لأنه يحصل بأمر واحد ولا يشق ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم
الجرح بناء على ما اعتقده جرحاً وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه لينظر هل هو
قادح أو لا؟
قال ابن الصلاح (٣): وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله، وذكر الخطيب أنه مذهب الأئمة
من حفاظ الحديث كالشيخين وغيرهما .
٦٫٠٠
(١) في: فضائل الصحابة (٢٢٢).
(٢) رقم (١٦١).
(٣) علوم الحديث ص (١٤٠).

١٦٧
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
ءِ
وأَمَّا كُتُبُ الجزح وَالتَّعْدِيلُ التي لا يُذْكَرُ فِيهَا سَبَبُ الجرحِ فَفَائِدَتُهَا التَّوَقِفُ فِيمَنْ جَرّحُوهُ فِإِنْ
بَحَثْنَا عَنْ حَالِهِ، وَانْزَاحَتْ عِنْهُ الرِّبَةُ وَحَصَلَتْ الثَّقَةُ بِهِ قَبِلْنَا حَدِيثَهُ كجماعَةٍ في الصَّحِيحِيْنِ
بهذه المَثَابَةِ .
ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم، كعكرمة، وعمرو بن مرزوق،
واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم.
وهكذا فعل أبو داود، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه،
ويدل على ذلك أيضاً أنه ربما استفسر الجارح فذكر ما ليس بجرح، وقد عقد الخطيب لذلك
باباً، روى فيه عن محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة: لِمَ تركت حديث فلان؟ قال: رأيته
يركض على برذون فتركت حديثه، وروى عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث صالح
المرّي، فقال: وما تصنع بصالح؟ ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط حماد.
وروى عن وهب بن جرير قال: قال شعبة: أتيت منزل المنهال بن عمرو، فسمعت صوت
الطنبور فرجعت، فقيل له: فهلا سألت عنه؟ إذ لا يعلم هو. وروينا عن شعبة قال: قلت
للحكم بن عتيبة: لِمَ لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام، وأشباه ذلك.
قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: فلان كذاب لا بد من بيانه، لأن الكذب يحتمل الغلط،
كقوله: كذب أبو محمد، ولما صحح ابن الصلاح هذا القول أورد على نفسه سؤالاً فقال: ولقائل
أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في
الجرح والتعديل، وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرد قولهم: فلان
ضعيف، وفلان ليس بشيء، وهذا حديث ضعيف، أو حديث غير ثابت، ونحو ذلك، واشتراط
بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر.
ثم أجاب عن ذلك بما ذكره المصنف في قوله (وأما كتب الجرح والتعديل التي لا يذكر
فيها سبب الجرح) فإنا وإن لم نعتمدها في إثبات الجرح والحكم به (ففائدتها التوقف فيمن
جرحوه) عن قبول حديثه، لما أوقع ذلك عندنا من الريبة القوية فيهم (فإن بحثنا عن حاله
وانزاحت عنه الريبة وحصلت الثقة به قبلنا حديثه كجماعة في الصحيحين بهذه المثابة) كما تقدمت
الإشارة إليه .
ومقابل الصحيح أقوال:
أحدها: قبول الجرح غير مفسر، ولا يقبل التعديل إلا بذكر سببه، لأن أسباب العدالة يكثر
التصنع فيها فيبني المعدل على الظاهر، نقله إمام الحرمين والغزالي والرازي في المحصول.
الثاني: لا يقبلان إلا مفسرين، حكاه الخطيب والأصوليون، لأنه كما قد يجرح الجارح بما
لا يقدح، كذلك يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة، كما روى يعقوب الفسوي في تاريخه قال:
سعت إنساناً يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف؛ قال: إنما يضعفه رافضي مبغض

١٦٨
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الخامسةُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْجَرْعَ وَالتَّعْدِيلَ يَثْتَانِ بِوَاحِدٍ، وَقِيلَ لاَ بُدَّ مِنَ أثنين وَإِذَا اجْتَمَعَ
فيِهِ جَرٌْ فَالْجَرْعُ مُقَدَّم،
لآبائه، لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنه ثقة. فاستدل على ثقته بما ليس بحجة، لأن حسن الهيئة
يشترك في العدل وغيره.
الثالث: لا يجب ذكر السيب في واحد منهما إذا كان الجارح والمعدل عالمين بأسباب
الجرح والتعديل، والخلاف في ذلك، بصيراً مرضياً في اعتقاده وأفعاله وهذا اختيار القاضي
أبي بكر ونقله عن الجمهور، واختاره إمام الحرمين والغزالي والرازي والخطيب، وصححه
الحافظ أبو الفضل العراقي والبلقيني في محاسن الاصطلاح.
واختار شيخ الإسلام تفصيلاً حسناً، فإن كان من جُرِّح مجملاً قد وثقه أحد من أئمة هذا
الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائناً من كان إلا مفسراً لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح
عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه،
ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن
التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول،
وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله.
وقال الذهبي - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال -: لم يجتمع اثنان من علماء
هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي: أن
لا یترك حدیث الرجل حتی یُجمعوا علی ترکه.
(الخامسة: الصحيح أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد) لأن العدد لم يشترط في قبول
الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، ولأن التزكية بمنزلة الحكم وهو أيضاً لا يشترط فيه
العدد (وقيل لا بد من اثنين) كما في الشهادة، وقد تقدم الفرق. قال شيخ الإسلام: ولو قيل
يفصل بين ما إذا كانت التزكية مسندة من المزكى إلى اجتهاده أو إلى النقل عن غيره لكان متجهاً،
لأنه إن كان الأول فلا يشترط العدد أصلاً لأنه بمنزلة الحكم، وإن كان الثاني فيجري فيه الخلاف
ويتبين أيضاً أنه لا يشترط العدد لأن أصل النقل لا يشترط فيه، فكذا ما تفرع منه، انتهى.
وليس لهذا التفصيل الذي ذكره فائدة إلا نفى الخلاف في القسم الأول، وشمل الواحد
العبد والمرأة وسيذكره المصنف من زوائده.
(وإذا اجتمع فيه) أي الراوي (جرح) مفسر (وتعديل فالجرح مقدم) ولو زاد عدد المعدل،
هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء لأن مع الجارح زيادة
علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن
أمر باطن خفي عنه، وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح
ولكنه تاب وحسنت حاله، فإنه حينئذ يقدم المعدل.

١٦٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته
وَقِيلَ إِنْ زادَ المُعَدِّلُونَ قُدِّمَ التَّعْدِيلُ، وَإِذَا قَالَ حَدَّثْنِي الثَّقَةُ أَوْ نحْوُهُ لَمْ يُكْتَفَ بِهِ عَلَى
الصحِيحِ، وَقيلَ يُكْتَفَى فَإِن كَانَ القَائِلُ عَالِماً كَفَى فِي حَقّ مُوَافِهِ فِي المَذْهَبِ عِنْدَ بَعْضٍ
المُحَقِّقِین
قال البلقيني: ويأتي ذلك أيضاً هنا إلا في الكذب، كما سيأتي، وقيده ابن دقيق العيد بأن
يبني على أمر مجزوم به لا بطريق اجتهادي، كما اصطلح عليه أهل الحديث في الاعتماد في
الجرح على اعتبار حديث الراوي بحديث غيره والنظر إلى كثرة الموافقة والمخالفة، ورد بأن أهل
الحديث لم يعتمدوا ذلك في معرفة الضبط والنقل، واستثنى أيضاً ما إذا عين سبباً فنفاه المعدل
بطريق معتبر، كأن قال قتل غلاماً ظلماً يوم كذا، فقال المعدل رأيته حيًّا بعد ذلك، أو كان القاتل
في ذلك الوقت عندي، فإنهما يتعارضان، وتقييد الجرح بكونه مفسراً جار على ما صححه
المصنف وغيره، كما صرح به ابن دقيق العيد وغيره.
(وقيل إن زاد المعدلون) في العدد على المجرحين (قدم التعديل) لأن كثرتهم تقوّي حالهم
وتوجب العمل بخبرهم وقلة المجرحين تضعف خبرهم، قال الخطيب: وهذا خطأ وبعد ممن
توهمه، لأن المعدلين وإن كثروا لم يخبروا عن عدم ما أخبره به الجارحون، ولو أخبروا بذلك
لكانت شهادة باطلة على نفي، وقيل: يرجح بالأحفظ، حكاه البلقيني في محاسن الاصطلاح،
وقيل: يتعارضان فلا يترجح أحدهما إلا بمرجح، حكاه ابن الحاجب وغيره عن ابن شعبان من
المالكية .
قال العراقي: وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا القول. فإنه قال: اتفق أهل العلم على أن
من جرحه الواحد والاثنان وعدله مثل عدد من جرحه فإن الجرح به أولى، ففي هذه الصورة
حكاية الإجماع على تقديم الجرح خلاف ما حكاه ابن الحاجب.
(وإذا قال حدثني الثقة، أو نحوه) من غير أن يسميه (لم يكتف به) في التعديل (على
الصحيح) حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح،
بل إضرابه عن تسميته ريبة توقع تردداً في القلب، بل زاد الخطيب أنه لو صرح بأن كل شيوخه
ثقات ثم روى عمن لم يسمه لم يعمل بتزكيته، لجواز أن يعرف إذا ذكره بغير العدالة.
(وقيل يكتفى) بذلك مطلقاً كما لو عينه لأنه مأمون في الحالتين معاً (فإن كان القائل عالماً)
أي مجتهداً كمالك والشافعي وكثيراً ما يفعلان ذلك (كفى في حق موافقه في المذهب) لا غيره
(عند بعض المحقفين) قال ابن الصباغ لأنه لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره، بل يذكر
لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عرف هو من روى عنه ذلك، واختاره إمام
الحرمين، ورجحه الرافعي في شرح المسند، وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل، وقيل: لا
یکفي أيضاً حتی یقول: کل من أروي لكم عنه ولم أسمه فهو عدل.
قال الخطيب: وقد يوجد في بعض من أبهموه الضعف لخلفاء حاله، كرواية مالك عن عبد
الكريم بن أبي المخارق.

١٧٠
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
فائدتان :
الأولى: لو قال نحو الشافعي أخبرني من لا أتهم فهو كقوله أخبرني الثقة.
وقال الذهبي: ليس بتوثيق لأنه نفي للتهمة وليس فيه تعرض لإتقانه ولا لأنه حجة.
قال ابن السبكي: وهذا صحيح غير أن هذا إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي
والتوثيق سواء في أصل الحجة، وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي، فمن ثم
خالفناه في مثل الشافعي، أما من ليس مثله فالأمر كما قال، انتهى.
قال الزركشي: والعجب من اقتصاره على نقله عن الذهبي مع أن طوائف من فحول
أصحابنا صرحوا به، منهم السيرافي والماوردي والروياني.
الثانية: قال ابن عبد البر: إذا قال مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله الأشج، فالثقة
مخرمة بن بكير، وإذا قال عن الثقة عن عمرو بن شعيب فهو عبد الله بن وهب، وقيل الزهري،
وقال النسائي: الذي يقول مالك في كتابه ((الثقة عن بكير)) يشبه أن يكون عمرو بن الحارث،
وقال غيره: قال ابن وهب: كل ما في كتاب مالك أخبرني من لا أتهم من أهل العلم فهو
الليث بن سعد. وقال أبو الحسن الآبُري: سمعت بعض أهل الحديث يقول: إذا قال الشافعي
أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذؤيب فهو ابن أبي فُديْك، وإذا قال أخبرنا الثقة عن الليث بن سعد فهو
يحيى بن حسان، وإذا قال أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير فهو أبو أسامة، وإذا قال أخبرنا الثقة
عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن
أبي سلمة، وإذا قال: أخبرنا الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد، وإذا قال أخبرنا الثقة عن
صالح مولى التوأمة فهو إبراهيم بن يحيى، انتهى. ونقله غيره عن أبي حاتم الرازي.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر في رجال الأربعة: إذا قال مالك عن الثقة عن عمرو بن
شعيب فقيل: هو عمرو بن الحارث أو ابن لهيعة، وعن الثقة عن بكير بن الأشج قيل: هو
مخرمة بن بكير، وعن الثقة عن ابن عمر هو نافع، كما في موطأ ابن القاسم. وإذا قال الشافعي :
عن الثقة عن ليث بن سعد، قال الربيع: هو يحيى بن حسان، وعن الثقة عن أسامة بن زيد هو
إبراهيم بن يحيى، وعن الثقة عن حميد وابن عُليّة، وعن الثقة عن معمر هو مطرِّف بن مازن،
وعن الثقة عن الوليد بن كثير هو أبو أسامة، وعن الثقة عن يحيى بن أبي كثير لعله ابنه
عبد الله بن يحيى، وعن الثقة عن يونس بن عبيد عن الحسن هو ابن علية، وعن الثقة عن
الزهري هو سفيان بن عيينة انتهى.
وروينا في مسند الشافعي عن الأصمّ: قال: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي إذا قال
أخبرني من لا أتهم يريد به إبراهيم بن يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة يريد به يحيى بن حسان،
وقد روى الشافعي قال: أخبرنا الثقة عن عبد الله بن الحارث إن لم أكن سمعته من عبد الله بن
الحارث عن مالك بن أنس عن يزيد بن قسيط عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قضيا في
الملطاة بنصف دية الموضحة، قال الحافظ أبو الفضل الفلكي: الرجل الذي لم يسمّ الشافعي هو

١٧٠
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَإِذَا رَوَى الْعَذْلُ عَمّنْ سَمَّاهُ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلاً عِنْدَ الأكثَرِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وقِيلَ هُوَ تَعْدِيلٌ.
وَعَمَلُ الْعَالِمِ وَقْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثِ رَوَاهُ لَيْسَ حُكْماً بِصِخَّتِهِ وَلاَ مُخَالَفَتُهُ قَدْعٌ فِي صَخَّتِهِ
وَلاَ فِي رُوَاتِهِ .
أحمد بن حنبل، وفي تاريخ ابن عساكر قال عبد الله بن أحمد: كل شيء في كتاب الشافعي أخبرنا
الثقة عن أبي.
وقال شيخ الإسلام: يوجد في كلام الشافعي أخبرني الثقة عن يحيى بن أبي كثير.
والشافعي لم يأخذ عن أحد ممن أدرك يحيى بن أبي كثير فيحتمل أنه أراد بسنده عن يحيى،
قال: وذكر عبد الله بن أحمد أن الشافعي إذا قال أخبرنا الثقة وذكر أحداً من العراقيين فهو يعني
أباه .
(وإذا روى العدل عمن سماه لم يكن تعديلاً عند الأكثرين) من أهل الحديث وغيرهم (وهو
الصحيح) لجواز رواية العدل عن غير العدل فلم تتضمن روايته عنه تعديله، وقد روينا عن
الشعبي أنه قال: حدثنا الحارث وأشهد بالله أنه كان كذاباً. وروى الحاكم وغيره عن أحمد بن
حنبل أنه رأى يحيى بن معين وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان
كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك
قائل أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه، فقال: يا أبا عبد الله أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها
وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً ويرويها عن معمر عن ثابت عن
أنس، فأقول له كذبت إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت (وقيل هو تعديل) إذ لو علم فيه
جرحاً لذكره، ولو لم يذكره لكان غاشا في الدين، قال الصيرفي: وهذا خطأ، لأن الرواية تعريف
له والعدالة بالخبرة، وأجاب الخطيب بأنه قد لا يعرف عدالته ولا جرحه، وقيل: إن كان العدل
الذي روى عنه لا يروى إلا عن عدل كانت روايته تعديلاً، وإلا فلا، واختاره الأصوليون،
کالآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
(وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكماً) منه (بصحته) ولا بتعديل رواته
لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطاً أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر، وصحح الآمدي وغيره من
الأصوليين أنه حكم بذلك، وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق ابن
تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره (ولا مخالفته) له (قدح) منه (في صحته ولا في رواته)
لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به
لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحاً في نافع راويه .
وقال ابن كثير: في القسم الأول نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، وتعرض
للاحتجاج به في فتیاه، أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.
قال العراقي: والجواب أنه يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون
ثم دليل آخر من قياس أو إجماع ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها،

١٧٢
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
السَّادِسَةُ: رِاوايَةُ مَجْهُولِ الْعَدَالةِ ظَاهِراً وبَاطِناً لاَ تُقْبَلُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، ورِاويَةُ المَسْتُورِ
وهُوَ عَدْلُ الظَّاهِرِ خَفِيُّ الْبَاطِنِ يَخْتَُ بِهَا بَعْضُ مَنْ ردَّ الأوَّلَ وهُوَ قَوْلُ بَعْض الشّافِعِيِّينَ، قَالَ
الشّيخُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ عَلَى هَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْحَديثِ فِي جَمَاعَة مِنْ الرُّواِ تَقَادَمُ
العَهْدُ بِهِمْ وتَعَذّرَتْ خِبْرَتُهِمْ بَاطِناً، وأَّمَا مَجْهُولُ العَيْنِ فَقَدْ لاَ يَقْبَلُهُ بَعْضُ مَنْ يَقْبَلُ مَجْهُولَ
العَدَالَةِ، ثمَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ عَدْلاَنِ عَيَّنَاهُ ارْتَفَعَتْ جَهَالَة عَيْنِهِ، قَالَ الْخَطِيبُ : المَجْهُولُ عِنْدَ أَهْلِ
الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ العُلَمَاءُ،
ولعل له دليلاً آخر واستأنس بالحديث الوارد في الباب، وربما كان يرى العمل بالضعيف وتقديمه
على القياس كما تقدم.
تنبيه :
مما لا يدل على صحة الحديث أيضاً كما ذكره أهل الأصول، موافقة الإجماع له على
الأصح، لجواز أن يكون المستند غيره، وقيل: يدل وكذلك بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله،
وقال الزيدية: يدل، وافتراق العلماء بين متأول للحديث ومحتج به، قال ابن السمعاني وقوم
يدل، لتضمنه تلقيهم له بالقبول، وأجيب باحتمال أنه تأوله على تقدير صحته فرضاً، لا على
ثبوتها عنده .
(السادسة: رواية مجهولة العدالة ظاهراً وباطناً) مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه (لا
تقبل عند الجماهير) وقيل تقبل مطلقاً، وقيل إن كان من روى عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل
قبل وإلا فلا (ورواية المستور وهو عدل الظاهر خفي الباطن) أي مجهول العدالة باطناً (يحتج بها
بعض من رد الأول وهو قول بعض الشافعيين) كسليم الرازي، قال: لأن الإخبار مبني على حسن
الظن بالراوي، ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن، فاقتصر
فيها على معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحكام فلا يتعذر عليهم ذلك
(قال الشيخ) ابن الصلاح (ويشبهه أن يكون العمل على هذا) الرأي (في كثير من كتب الحديث)
المشهورة (في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذرت خبرتهم باطناً) وكذا صححه المصنف
في شرح المهذب (وأما مجهول العين) وهو القسم الثالث من أقسام المجهول (فقد لا يقبله بعض
من يقبل مجهول العدالة) ورده هو الصحيح الذي عليه أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم،
وقيل يقبل مطلقاً، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيداً على الإسلام، وقيل إن تفرد بالرواية
عنه من لا يروي إلا عن عدل كابن مهدي ويحيى بن سعيد، واكتفينا في التعديل بواحد قبل وإلا
فلا، وقيل إن كان مشهوراً في غير العلم بالزهد أو النجدة قبل وإلا فلا، واختاره ابن عبد البر،
وقيل إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل وإلا فلا، واختاره أبو
الحسن بن القطان وصححه شيخ الإسلام (ثم من روى عنه عدلان عيناه ارتفعت جهالة عينه قال
الخطيب) في الكفاية وغيرها (المجهول عند أهل الحديث من لم تعرفه العلماء) ولم يشتهر بطلب

١٧٣
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
ولاَ يُعْرَفُ حَدِيثُهُ إِلَّ مِنْ جِهَةٍ واحِدٍ، وَأَقَلُّ مَا يَرْفَعُ الْجَهَالَةَ رِوَايَةُ اثْنَيْنِ مَشْهُورَيْنٍ، ونَقَلَ ابْنُ
عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَهْلِ الْحَديثِ نَحْوَهُ، قَالَ الشّيْخُ رَدًّا عَلَى الْخَطِيب: وقدْ رَوى البُخَارِيُّ عَنْ
مِرْدَاسِ الأسْلمِيِّ، ومُسْلمٌ عَنْ رَبِيعَة بْنِ كَعْبِ الأسْلَمِيِّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا غَيْرُ واحِدٍ. والخِلَفُ
فِي ذَلِكَ مُتَّجِهٌ كَالاكْتِفَاء بِتَعديلِ واحِدٍ والصَّوَابُ نقْلُ الْخِطِيبِ ولاَ يَصِحُ الرَّدُ عَليْهِ بِمِرْدَاسٍ
ورَبِيعَةَ فَإِنْهِمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ والصَّحَابَهُ كُلِهِمْ عُدُولٌ.
العلم في نفسه (ولا يعرف حديثه، إلا من جهة) راو (واحد، وأقل ما يرفع الجهالة) عنه (رواية
اثنين مشهورين) فأكثر عنه، وإن لم يثبت له بذلك حكم العدالة (ونقل ابن عبد البر عن أهل
الحديث نحوه) ولفظه كما نقله ابن الصلاح في النوع السابع والأربعين: كل من لم يرو عنه إلا
رجل واحد فهو عندهم مجهول إلا أن يكون رجلاً مشهوراً في غير حمل العلم، كاشتهار مالك بن
دينار بالزهد وعمرو بن معد يكرب بالنجدة (قال الشيخ) ابن الصلاح (رداً على الخطيب) في ذلك
(وقد روى البخاري) في صحيحه (عن مرداس) بن مالك (الأسلمي و) (مسلم) في صحيحه (عن
ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنهما غير واحد) وهو قيس بن أبي حازم عن الأول؛ وأبر
سلمة بن عبد الرحمن عن الثاني، وذلك مصير منهما إلى أن الراوي يخرج عن كونه مجهولاً
مردوداً برواية واحد عنه قال، (والخلاف في ذلك متجه كالاكتفاء بتعديل واحد) قال المصنف رداً
على ابن الصلاح (والصواب نقل الخطيب) وقد نقله أيضاً أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي
وغيره (ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة فإنهما صحابيان مشهوران والصحابة كلهم عدول) فلا
يحتاج إلى رفع الجهالة عنهم بتعدد الرواة، قال العراقي: هذا الذي قاله النووي متجه إذا ثبتت
الصحبة، ولكن بقي الكلام في أنه هل تثبت الصحبة برواية واحد عنه أو لا تثبت إلا برواية اثنين
عنه، وهو محل نظر واختلاف بين أهل العلم، والحق أنه إن كان معروفاً بذكره في الغزوات أو
في من وفد من الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا راو واحد، ومرداس
من أهل الشجرة، وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد رَاو واحد عن كل منهما، على أن
ذلك ليس بصواب بالنسبة إلى ربيعة، فقد روى عنه أيضاً نعيم المجمر وحنظلة بن علي وأبو
عمران الجوني، قال: وذكر المزي والذهبي أن مرداساً روى عنه أيضاً زياد بن علاقة وهو وهم
إنما ذاك مرداس بن عروة صحابي آخر كما ذكره البخاري، وابن أبي حاتم وابن حبان وابن منده
وابن عبد البر والطبراني وابن قانع وغيرهم، ولا أعلم فيه خلافاً.
تنبيه :
قال العراقي: إذا مشينا على ما قاله النووي أن هذا لا يؤثر في الصحابة، ورد عليه من
خرج له البخاري أو مسلم من غيرهم ولم يرو عنهم إلا واحد، قال وقد جمعتهم في جزء مفرد
منهم عند البخاري، جويرية بن قدامة، تفرد عنه أبو جمرة نصر بن عمران الضُّبَعي وزيد بن رباح
المدني، تفرد عنه مالك، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابن المنذر، وعند مسلم

١٧٤
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
اسـ
فَرْعٌ:
يُقْبَلُ تَعْدِيلُ العَبْدِ وَالمَزْأَةِ الْعَارِفِينَ، وَمَنْ عُرِفَتْ عينِه وعَدَالَتُهُ وَجُهلَ اسْمُهُ اخْتُجَّ بِهِ،
جابر بن إسماعيل الحضرمي، تفرد عنه عامر بن سعد اهـ.
قال شيخ الإسلام: أما جويرية، فالأرجح أنه جارية عم الأحنف، صرح بذلك بن أبي شيبة
في مصنفه، وجارية بن قدامة صحابي شهير روى عنه الأحنف بن قيس والحسن البصري، وأما
زيد بن رباح، فقال فيه أبو حاتم ما أرى بحديثه بأساً، وقال الدارقطني وغيره ثقة، وقال ابن
عبد البر ثقة مأمون، وذكره ابن حبان في الثقات، فانتفت عنه الجهالة بتوثيق هؤلاء، وأما الوليد
فوثقه أيضاً الدارقطني وابن حبان، وأما جابر فوثقه ابن حبان وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه،
وقال إنه ممن يحتج به، وأما خبّاب فذكره جماعة في الصحابة .
فائدتان:
الأولى: جهل جماعة من الحفاظ قوماً من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم معروفون بالعدالة
عند غيرهم، وأنا أسرد ما في الصحيحين: من ذلك أحمد بن عاصم البلخي جهله أبو حاتم لأنه
لم يخبر بحاله ووثقه ابن حبان، وقال روى عنه أهل بلده. إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي
جهله ابن القطان وعرفه غيره. فوثقه ابن حبان وروى عنه جماعة. أسامة بن حفص المدني جهله
الساجي وأبو القاسم اللالكائي. قال الذهبي ليس بمجهول روى عنه أربعة. أسباط أبو اليسع
جهله أبو حاتم وعرفه البخاري. بيان بن عمر وجهله أبو حاتم ووثقه ابن المديني وابن حبان وابن
عدي وروى عنه البخاري وأبو زرعة وعبيد الله بن واصل. الحسين بن الحسن بن يسار جهله أبو
حاتم وَوثقه أحمد وغيره. الحكم بن عبد الله البصري جهله أبو حاتم وَوَثقه الذهلي وروى عنه
أربعة ثقات. عباس بن الحسين القنطري جهله أبو حاتم ووثقه أحمد وابنه وروى عنه البخاري
والحسن بن علي المعمري وموسى بن هارون الحمال وغيرهم. محمد بن الحكم المروزوي جهله
أبوحاتم ووثقه ابن حبان وروى عنه البخاري.
الثانية: قال الذهبي في الميزان: ما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها، وجميعُ
من ضعف منهن إنما هو للجهالة.
فرع :
في مسائل زادها المصنف على ابن الصلاح (يقبل تعديل العبد والمرأة العارفين) لقبول
خبرهما، وبذلك جزم الخطيب في الكفاية والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر
الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم أنه لا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية ولا في الشهادة،
واستدل الخطيب على القبول بسؤال النبي ◌َّهِ، بَريرة عن عائشة في قصة الإفك، قال بخلاف
الصبي المراهق فلا يقبل تعديله إجماعاً (ومن عرفت عينه وعدالته وجهل اسمه) ونسبه (احتج به)

١٧٥
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَإِذَا قَالَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ، وَهُمَا عَذْلانِ احْتُجَ بِهِ فَإِنْ جَهِلَ عَدَالَةَ أَحَدِهِمَا أَوْ قَالَ فُلَانٌ أَوْ
غَيْرُهُ لَمْ يَخْتَجّ بِهِ .
وفي الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم ابن فلان أو والد فلان، وقد جزم بذلك الخطيب في
الكفاية ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يُخل بالعلم بعدالته.
ومثله بحديث ثمامة بن حزن القشيري: سألت عائشة عن النبيذ فقالت: هذه خادم رسول الله وله
الجارية حبشية فسلها، الحديث.
(وإذا قال أخبرني فلان أو فلان) على الشك (وهما عدلان احتج به) لأنه قد عينهما وتحقق
سماعه بذلك الحديث من أحدهما وكلاهما مقبول، قاله الخطيب، ومثله بحديث شعبة عن
سلمة بن كهيل عن أبي الزغراء أو عن زيد بن وهب أن سويد بن غَفَلة دخل علي بن أبي طالب
فقال: يا أمير المؤمنين: إني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر، الحديث (فإن جهل عدالة
أحدهما أو قال فلان أو غيره) ولم يسمه (لم يحتج به) لاحتمال أن يكون المخبر المجهول.
فائدة :
وقع في صحيح مسلم أحاديث أبهم بعض رجالها، كقوله في كتاب الصلاة حدثنا صاحب
لنا عن إسماعيل بن زكريا عن الأعمش، وهذا في رواية ابن ماهان، أما رواية الجُلودي ففيها:
حدثنا محمد بن بكار حدثنا إسماعيل، وفيه أيضاً: وحدثت عن يحيى بن حسان ويونس
المؤدب، فذكر حديث أبي هريرة: كان رسول الله بَّه إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة
بالحمد رب العالمين، وقد رواه أبو نعيم في المستخرج من طريق محمد بن سهل بن عسكر عن
يحيى بن حسان ومحمد بن سهل من شيوخ مسلم في صحيحه، ورواه البزار عن أبي الحسن بن
مسكين وهو ثقة عن يحيى بن حسان، وفي الجنائز: حدثني من سمع حجاجاً الأعور بحديث
خروجه 18َّ إلى البقيع، وقد رواه عن حجاج غير واحد منهم الإمام أحمد ويوسف بن سعيد
المِصِّيصي، وعنه أخرجه النسائي ووثقه، وفي الجوائح: حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا:
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس بحديث عائشة في الصوم، وقد رواه البخاري عن إسماعيل، فهو
أحد شيوخ مسلم فيه، وفي الاحتكار: حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن عون ثنا خالد بن
عبد الله، وقد أخرجه أبو داود عن وهب بن بقية عن خالد، ووهب من شيوخ مسلم في صحيحه،
وفي المناقب: حدثت عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا
أبو أسامة بحديث أبي موسى: إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها، الحديث، وقد
رواه عن إبراهيم الجوهري عن أبي أسامة جماعة منهم أبو بكر البزار ومحمد بن المسيب
الأَرْغِياني وأحمد بن فيل البَالِسي ورواه عن الأرغياني ابن خزيمة وإبراهيم المزَكيّ وأبو أحمد
الجلودي وغيرهم، وفي القدر: حدثني عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم بحديث
أبي سعيد، لتركبن سَنن من قبلكم، وقد وصله إبراهيم بن سفيان عن محمد بن يحيى عن ابن
أبي مريم، وأخرج في الجنائز حديث الزهري: حدثني رجال عن أبي هريرة بمثل حديث من

١٧٦
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
السَّابِعَةُ: مَنْ كُفْرَ بِدْعَتِهِ لَمْ يُحْتَجِ بِهِ بالاتفَاقِ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرُ قِيلَ لاَ يُخْتَجُ بِهِ مُطْلَقاً،
وَقِيلَ يُخْتُ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمّنْ يَسْتَحْلُّ الْكَذِبَ فِي نُصْرَةِ مَذَهَبِهِ أَوْ لِهْلِ مَذْهَبِهِ وَحَكِيَ عَنِ
الشَّافِعِيِّ.
شهد الجنازة، وقد وصله قبل ذلك من حديث الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديثه
عن سعيد بن المسيب عنه، وأخرج في الجهاد حديث الزهري قال: بلغني عن ابن عمر: نفّل
رسول الله وَّليل سرية، وقد وصله قبل ذلك عن الزهري عن سالم عن أبيه، ومن طريق نافع عن
ابن عمر، وأخرج فيه حديث هشام عن أبيه، قال: أخبرت أن رسول الله وَّ قال: لقد حكمت
فيهم بحكم الله(١)، وقد وصله من رواية أبي سعيد، وأخرج في الصلاة حديث أيوب عن ابن
سيرين عن أبي هريرة في السهو، وفي آخره قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال وسلم،
والقائل ذلك ابن سيرين عن أبي هريرة كما رجحه الدارقطني، وقد وصل لفظ السلام من طريق
أبي المهلب عن عمران في حديث آخر، وأخرج في اللعان(٢) حديث ابن شهاب: بلغنا أبا هريرة
كان يحدث، الحديث: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وهو متصل عنده من حديث الزهري عن
أبي سلمة عن أبي هريرة، وعنده وعند البخاري(٣) من حديث ابن المسيب عنه، فهذا ما وقع
فيه من هذا النوع وقد تبين اتصاله.
(السابعة: من كفر ببدعته) وهو كما في شرح المهذب للمصنف: المجسم، ومنكر علم
الجزئيات، قيل: وقائل خلق القرآن، فقد نص عليه الشافعي واختاره البلقيني، ومنع تأويل
البيهقي له بكفران النعمة، بأن الشافعي قال ذلك في حق حفص، القرد لما أفتى بضرب عنقه،
وهذا راد للتأويل (لم يحتج به بالاتفاق) قيل دعوى الاتفاق ممنوعة، فقد قيل إنه يقبل مطلقاً،
وقيل يقبل إن اعتقد حرمة الكذب، وصححه صاحب المحصول، وقال شيخ الإسلام: التحقيق
أنه لا يردّ كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفّر
مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، والمعتمد أن الذي ترد
بدعته روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، وأما
من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله (من لم
يكفّر) فيه خلاف (قيل لا يحتج به مطلقاً) ونسبه الخطيب لمالك، لأن في الرواية عنه ترويجاً
لأمره وتنويهاً لذكره، ولأنه فاسق ببدعته، وإن كان متأولاً يرد كالفاسق بلا تأويل، كما استوى
الكافر المتأول وغيره (وقيل يحتج به إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل
مذهبه) سواء كان داعية أم لا، ولا يقبل إن استحل ذلك (وحكي) هذا القول (عن الشافعي) حكاه
(١) مسلم في: الجهاد (٦٥).
(٢) رقم (١٨ - ٢٠).
(٣) في: الاعتصام: ب (١٢).

١٧٧
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
وَقِيلَ يُحْتُ بِهِ إِنْ لَمْ يَكُمْ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَتِهِ وَلاَ يُحْتَجُ بِهِ إِنْ كَانَ دَاعِيَةً، وَهَذَا هُوَ الأَظْهَرُ
الأعْدَلُ، وِقَوْلُ الكَثِيرِ أَوْ الأكثَرِ، وَضُعَّفَ الأوّلُ بِاحْتِجَاجِ صَاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِكَثِيرٍ
مِنَ المُبْتَدِعةَ غَيْرِ الدُّعَاةِ.
عنه الخطيب في الكفاية (١)، لأنه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة
بالزور لموافقيهم، قال وحكي هذا أيضاً عن ابن أبي ليلى والثوري والقاضي أبي يوسف (وقيل
يحتج به إن لم يكن داعية إلى بدعته ولا يحتج به إن كان داعية) إليه لأن تزيين بدعته قد تحمله
على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه (وهذا) القول (هو الأظهر الأعدل وقول
الكثير أو الأكثر) من العلماء (وضعف) القول (الأول باحتجاج صاحبي الصحيحين وغيرهما بكثير
من المبتدعة غير الدّعاة) كعمران بن حِطّان وداود بن الحصين، قال الحاكم وكتاب مسلم ملآن من
الشيعة، وقد ادعى ابن حبان الاتفاق على ردّ الداعية وقبول غيره بلا تفصيل.
تنبيهات :
الأول: قيد جماعة قبول الداعية بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، صرح بذلك الحافظ أبو
إسحاق الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي، فقال في كتابه معرفة الرجال: ومنهم زائغ عن
الحق، أي عن السنة، صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكراً
إذا لم يقوّ به بدعته، وبه جزم شيخ الإسلام في النخبة، وقال في شرحها: ما قاله الجوزجاني
متجه، لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب
المبتدع ولو لم يكن داعية.
الثاني: قال العراقي اعترض عليه بأن الشيخين أيضاً احتجا بالدعاة، فاحتج البخاري
بعمران بن حطان وهو من الدعاة، واحتجا بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى
الإرجاء، وأجاب بأن أبا داود قال ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج، ثم ذكر
عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج، قال: ولم يحتج مسلم بعبد الحميد بل أخرج له في المقدمة
وقد وثقه ابن معين.
الثالث: الصواب أنه لا يقبل رواية الرافضة وساب السلف، كما ذكره المصنف في الروضة
في باب القضاء في مسائل الإفتاء، وإن سكت في باب الشهادات عن التصريح باستثنائهم إحالة
على ما تقدم، لأن سباب المسلم فسوق، فالصحابة والسلف من باب أولى، وقد صرح بذلك
الذهبي في الميزان، فقال: البدعة على ضربين صغرى كالتشيع بلا غلو، أو بغلو، كمن تكلم
في حق من حارب علياً، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والغلو فيه، والحط
على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضاً فما استحضر
(١) ص (٢٠٢): باب ذكر بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء
والبدع.
تدريب الراوي / ج ١/ م ١٢

١٧٨
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم انتهى،
وهذا الذي قاله هو الصواب الذي لا يحل لمسلم أن يعتقد خلافه، وقال في موضع آخر: اختلف
الناس في الاحتجاج برواية الرافضة على ثلاثة أقوال، المنع مطلقاً والترخص مطلقاً إلا من يكذب
ويضع، والثالث التفصيل بين العارف بما يحدث وغيره، وقال أشهب سئل مالك عن الرافضة
فقال: لا تكلموهم ولا ترووا عنهم، وقال الشافعي: لم أر أشهد بالزور من الرافضة، وقال
يزيد بن هارون يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة، وقال شريك: احمل
العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، وقال ابن المبارك لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان
يسب السلف .
الرابع: من الملحق بالمبتدع من دأبه الاشتغال بعلوم الأوائل كالفلسفة والمنطق، صرح
بذلك السِّلفي في معجم السفر، والحافظ أبو عبد الله بن رُشيد في رحلته، فإن انضم إلى ذلك
اعتقاده بما في علم الفلسفة من قِدَم العالم ونحوه فكافر، أو لما فيها مما ورد الشرع بخلافه
وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم فلا نأمن ميله إليهم، وقد صرح بالحط على من ذُكر وعدم
قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح في فتاويه، والمصنف في طبقاته، وخلائق من الشافعية وابن
عبد البرّ وغيره من المالكية خصوصاً أهل المغرب، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من
الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة والذهبي لهج بذلك في جميع تصانيفه.
فائدة :
أردت أن أسرد هنا من رمى ببدعته ممن أخرج لهم البخاري ومسلم أو أحدهما وهم:
إبراهيم بن طهمان، أيوب بن عائذ الطائي، ذرّ بن عبد الله المرهبي، شبابة بن سوار، عبد
الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الحماني، عبد المجيد بن عبد العزيز، ابن أبي روّاد،
عثمان بن غياث البصري، عمر بن ذر، عمر بن مرة، محمد بن حازم، أبو معاوية الضرير،
ورقاء بن عمر اليَشْكري، يحيى بن صالح الوُحاظي، يونس بن بكير، هؤلاء رموا بالإرجاء، وهو
تأخير القول الحكم على مرتكب الكبائر بالنار، إسحاق بن سويد العدوي، بَهَز بن أسد، حَریز بن
عثمان، حصين بن نمير الواسطي، خالد بن سلمة الفأفاء، عبد الله بن سالم الأشعري، قيس بن
أبي حازم، هؤلاء رمُوا بالنّصْب، وهو بغض عليّ رضي الله عنه وتقديم غيره عليه، إسماعيل بن
أبان، إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، جرير بن عبد الحميد، أبان بن تغلب الكوفي، خالد بن مخلد
الفطواني، سعيد بن فيروز، أبو البَخْتري، سعيد بن أشوع، سعيد بن عفير، عبَّاد بن العوّام،
عباد بن يعقوب، عبد الله بن عيسى، ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عبد الرزاق بن همام، عبد
الملك بن أعين، عبيد الله بن موسى العبسي، عدي بن ثابت الأنصاري، علي بن الجعد، علي بن
هاشم بن البَريد، الفضل بن دكين؛ فضيل بن مرزوق الكوفي، فطر بن خليفة، محمد بن جحادة
الكوفي، محمد بن فضيل بن غزوان، مالك بن إسماعيل أبو غسان، يحيى بن الخراز، هؤلاء
رموا بالتشيّع وهو تقديم علي على الصحابة، ثور بن زيد المدني، ثور بن يزيد الحمصي،
حسان بن عطية المحاربي، الحسن بن ذكوان، داود بن الحصين، زكريا بن إسحاق، سالم بن

١٧٩
النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته
الثّامِنَةُ: تُقْبَلُ رِوايَةُ التَّائِبِ مِنَ الفِسْقِ إِلَّ الكَذِبَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللّهِوََّ فَلاَ يُقْبَلُ
أَبَداً وَإِنْ حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُ، كَذَا قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ البُخَارِيِّ وَالصَّيْرَفِيّ
الشّافِعِيُّ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ بِكَذِبٍ لَمْ نُعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ، وَمَنْ ضَعْفْنَاهُ لَمْ نُقَوِّهِ
بَعْدَهُ بِخَلَفِ الشَّهَادَةِ، وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ: مَنْ كَذَبَ في خبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إِسْقَاطُ مَا تَقَدّمَ مِنْ
حَدِيثِهِ، قُلْتُ هَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةٍ مِذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ غَيْرِنَا، وَلاَ نُقَوِّي الفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الشَّهَادَةِ .
عجلان، سلام بن مسكين، سيف بن سليمان بن المكي، شبل بن عبّاد، شريك بن أبي نمر،
صالح بن كيسان، عبد الله بن عمرو، أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد، عبد الله بن أبي نُجيح، عبد
الأعلى بن عبد الأعلى، عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عبد الوارث بن سعيد الثوري، عطاء بن
أبي ميمونة، العلاء بن الحارث، عمرو بن زائدة، عمران بن مسلم القصير، عمير بن هانیء،
عوف الأعرابي، كَهْمَس بن المنهال، محمد بن سواء البصري، هارون بن موسى الأعور النحوي،
هشام الدستوائي، وهب بن منبه يحيى بن حمزة الحضرمي، هؤلاء رموا بالقدر، وهو زعم أن
الشر من خلق العبد، بشر بن السري، رمى برأي أبي جهم وهو نفي صفات الله تعالى والقول
بخلق القرآن عكرمة مولى ابن عباس، الوليد بن كثير، هؤلاء الحرورية، وهم الخوارج الذين
أنكروا على عَليّ التحكيم وتبرؤوا منه ومن عثمان وذويه: وقاتلوهم، علي بن هشام رمى بالوقف،
وهو أن لا يقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق، عمران بن حطان من القعدية الذين يرون الخروج
على الأئمة ولا يباشرون ذلك، فهؤلاء المبتدعة ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما.
(الثامنة: تقبل رواية التائب من الفسق) ومن الكذب في غير الحديث النبوي كشهادته،
للآيات والأحاديث الدالة على ذلك (إلا الكذب في أحاديث رسول الله وَلل فلا تقبل) رواية التائب
منه (أبداً وإن حسنت طريقته كذا قاله أحمد بن حنبل و) أبو بكر (الحميدي شيخ البخاري و) أبو
بكر (الصيرفي الشافعي) بل (قال الصيرفي) زيادة على ذلك في شرح الرسالة (كل من أسقطنا
خبره) من أهل النقل (بكذب) وجدناه عليه (لم نعد لقبوله بتوبة) تظهر (ومن ضعفناه لم نقوه بعده
بخلاف الشهادة) قال المصنف: ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظاً عليه وزجراً بليغاً عن
الكذب عليه وَّة، لعظم مفسدته فإنه يصير شرعاً مستمراً إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على
غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة (وقال) أبو المظفر (السمعاني من كذب في خبر
واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه) قال ابن الصلاح: وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره
الصيرفي قال المصنف (قلت هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا ولا نقوي الفرق بينه
وبين الشهادة) وكذا قال في شرح مسلم: المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته،
كالكافر إذا أسلم، وأنا أقول: إن كانت الإشارة في قوله هذا كله لقول أحمد والصيرفي
والسمعاني فلا والله ما هو بمخالف ولا بعيد، والحق ما قاله الإمام أحمد تغليظاً وزجراً، وإن