النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠٠
النوع السابع: الموقوف
أَهْل الْعِلْمِ وَإِذَا قِيلَ عِنْدَ النَّبِعِيِّ، يَزْفَعُهُ فَمَرفُوعٌ مُرْسَلٌ، وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ، تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ
مَرْفُوعٌ فَذَاكَ في تَفْسِيرٍ يَتَعلقُ بِسَبَبِ نُزُولِ آيَةٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَغَيْرُهُ مَوْقُوفٌ.
التابعي يرفعه) أو سائر الألفاظ المذكورة (فمرفوع مرسل) قال شيخ الإسلام: ولم يذكروا ما حكم
ذلك لو قيل عن النبي ◌َّار، قال شيخ الإسلام: ولم يذكروا ما حكم ذلك لو قيل عن النبي ◌َلآ ،
قال: وقد ظفرت لذلك بمثال في مسند البزار عن النبي ◌َّر يرويه، أي عن ربه عز وجل، فهو
حينئذ من الأحاديث القدسية .
تكملة :
ومن ذلك الاقتصاد على القول مع حذف القائل. كقول ابن سيرين عن أبي هريرة قال:
قال أسلم وغفار وشيء من مزينة الحديث(١). قال الخطيب إلا أن ذلك اصطلاح خاص بأهل
البصرة. لكن روي عن ابن سيرين أنه قال كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع.
فائدة :
أخرج القاضي أبو بكر المروزي في كتاب العلم قال: حدثنا القواريري ثنا بشر بن منصور
ثنا ابن أبي رواد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز كان يكره أن يقول في الحديث رواية، ويقول
إنما الرواية الشعر، وبه إلى ابن أبي رواد قال: كان نافع ينهاني أن أقول رواية؛ قال فربما نسيت
فقلت رواية فينظر إلي فأقول نسيت (وأما قول من قال تفسير الصحابي مرفوع) وهو الحاكم قال
في المستدرك، ليعلم طالب الحديث أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند
الشيخين حديث مسند (فذاك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية) كقول جابر: كانت اليهود تقول من
أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية(٢). رواه
مسلم(٣) (أو نحوه) مما لا يمكن أن يؤخذ إلا عن النبي ◌َّ ولا مدخل للرأي فيه (وغيره
موقوف) قلت: وكذا يقال في التابعي إلا أن المرفوع من جهته مرسل.
فوائد:
الأولى: ما خصص به المصنف كابن الصلاح ومن تبعهما قول الحاكم، قد صرح به
الحاكم في علوم الحديث، فإنه قال: ومن الموقوفات ما حدثنا أحمد بن كامل بسنده عن
أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿لَوَّاعَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٤) قال تلقاهم جهنم يوم القيامة فتلفحهم لفحة فلا تترك
لحماً على عظم، قال فهذا وأشباهه يعد في تفسير الصحابة من الموقوفات، فأما ما نقول: إن
تفسير الصحابة مسند فإنما نقوله في غير هذا النوع، ثم أورد حديث جابر في قصة اليهود، وقال
(١) مسلم في: فضائل الصحابة (١٩٠ و١٩٤)، والترمذي (٣٩٥٢)، وأحمد ٤٦٨/٢.
(٢) آية (٦٥) سورة النساء.
(٣) رقم (١٤٣٥).
(٤) آية (٢٩) سورة المدثر.
٠ ٠٪

١٠١
النوع الثامن: المقطوع
النوع الثامن: المَقْطُوعُ
وَجَمْعُهُ المَقَاطِعُ وَالمَقَاطِيعُ، وَهُوَ المَوْقُوفُ عَلَى التَّابِعِيِّ قَوْلاً لَهُ أَوْ فِعْلاً وَاسْتَعْمَلَهُ
الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ الطَّبَرَانِيُّ في المِنْقَطعِ.
فهذا وأشباهه مسند ليس بموقوف، فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من
القرآن أنها نزلت في كذا، فإنه حديث مسند اهـ فالحاكم أطلق في المستدرك وخصص في علوم
الحديث(١) فاعتمد الناس تخصيصه، وأظن أن ما حمله في المستدرك على التعميم الحرص
على جمع الصحيح، حتى أورد ما ليس من شرط المرفوع، وإلا ففيه من الضرب الأول الجم
الغفير، على أني أقول ليس ما ذكره عن أبي هريرة من الموقوف، لما تقدم من أن ما يتعلق بذكر
الآخرة وما لا مدخل للرأي فيه من قبيل المرفوع.
الثانية: ما ذكروه من أن سبب النزول مرفوع قال شيخ الإسلام: يعكر على إطلاقه ما إذا
أسقط الراوي السبب: كما في حديث زيد بن ثابت أن الوسطى الظهر، نقلته من خطه.
الثالثة: قد اعتنيت بما ورد عن النبي وَ ﴿ في التفسير وعن أصحابه فجمعت في ذلك كتاباً
حافلاً فيه أكثر من عشرة آلاف حدیث.
الرابعة: قد تقرر أن السنة قول وفعل وتقرير، وقسمها شيخ الإسلام إلى صريح وحكم،
فمثال المرفوع قولاً صريحاً قول الصحابي: قال رسول الله وفض له، وحدثنا وسمعت. وحكماً قوله
ما لا يدخل الرأي فيه، فالمرفوع من الفعل صريحاً قوله: فعل أو رأيته يفعل، قال شيخنا الإمام
الشمني: ولا يتأتى فعل مرفوع حكماً، ومثله شيخ الإسلام بما تقدم عن علي في صلاة
الكسوف، قال شيخنا ولا يلزم من كونه عنده عن النبي ◌َّر أن يكون عنده من فعله، لجواز أن
يكون عنده من قوله، والتقرير صريحاً قول الصحابي: فعلت أو فعل بحضرته وَّر، وحكماً
حديث المغيرة السابق.
(النوع الثامن: المقطوع وجمعه المقاطع والمقاطيع وهو الموقوف على التابعي قولاً له أو
فعلاً، واستعمله الشافعي ثم الطبراني في المنقطع) الذي لم يتصل إسناده وكذا في كلام أبي بكر
الحميدي والدارقطني، إلا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح، كما قال في بعض
الأحاديث: ((حسن وهو على شرط الشيخين)).
فائدة :
جمع أبو حفص بن بدر الموصلي كتاباً سماه ((معرفة الوقوف على الموقوف)) أورد فيه ما
أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي ◌َّ، إما عن صحابي
أو تابعي فمن بعده، وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق، ومن
(١) ص (٢٠).

٠٢
النوع التاسع: المرسل
النوع التاسع : المُرْسَلُ
اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ النَّابِيِّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَه كَذَا أَوْ فَعَلَهُ يُسَمَّى
مُرْسَلاً، فَإِن انْقَطَعَ قَبْلَ التَّابِعِيِّ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنَ المَحَدِّثِينَ: لاَ يُسَمَّى
مُرْسلاً بَلْ يَخْتَصُّ المُرسَلُ بِالتَّابِعِيِّ عَنِ النَّبِيِّوَِّ، فَإِنْ سَقَطَ قَبْلَهُ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ
فَمُعْضَلٌ وَمْنْقَطِعٌ، وَالمَشْهُورُ فِي الْفِقْهِ وَالأصُولِ أَنَّ الْكُلّ مُرْسَلٌ وَبِهِ قَطعَ الْخَطِيبُ. وَهذَا
اخْتِلاَفٌ في الاصْطِلاَحِ وَالعِبَارَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ. قَالَ النّبِي وَلـ
فَالمَشْهُورُ، عِنْدَ مَنْ خَصَّهُ بِالتَّابِعِيِّ أَنَّهُ مُرْسَلٌ كَالكَبِيرِ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِمُرْسَلٍ بَلْ مُنْقَطِعٌ،
مظان الموقف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير وابن أبي
حاتم وابن المنذر وغيرهم.
(النوع التاسع: المرسل اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي(١) الكبير) كعبيد الله بن
عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب (قال رسول الله وَله كذا أو فعله يسمى
مرسلاً فإن انقطع قبل التابعي) هكذا عبر ابن الصلاح(٢) تبعاً للحاكم(٣)، والصواب قبل الصحابي
(واحد أو أكثر قال الحاكم وغيره من المحدثين لا يسمى مرسلاً بل يختص المرسل بالتابعي عن
النبي ◌َّ فإن سقط قبله) تقدم ما فيه (واحد ومنقطع وإن كان) الساقط (أكثر) من واحد (فمعضل
ومنقطع) أيضاً (والمشهور في الفقه والأصول أن الكل مرسل وبه قطع الخطيب) وقال: إلا أن
أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي ◌َّ، قال المصنف (وهذا
اختلاف في الاصطلاح والعبارة) وفي المعنى، لأن الكل لا يحتج به عند هؤلاء ولا هؤلاء،
والمحدثون خصوا اسم المرسل بالأول دون غيره، والفقهاء والأصوليون عمموا (وأما قول
الزهري وغيره من صغار التابعين قال رسول الله وير فالمشهور عند من خصه بالتابعي أنه مرسل،
كالكبير وقيل ليس بمرسل بل منقطع) لأن أكثر رواياتهم عن التابعي.
تنبيه :
يرد على تخصيص المرسل بالتابعي من سمع من النبي ◌َّ وهو كافر ثم أسلم بعد موته،
فهو تابعي اتفاقاً وحديثه ليس بمرسل بل موصول لا خلاف في الاحتجاج به كالتنوخي رسول
هرقل، وفي رواية قيصر، فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى، في مسنديهما وساقاه مساق
الأحاديث المسندة. ومن رأي النبي ◌َليل غير مميز كمحمد بن أبي بكر الصديق فإنه صحابي،
(١) التابعي الكبير: هو الذي لقي جمعاً كبيراً من الصحابة فمعظم روايته عن الصحابة.
. أما التابعي الصغير: فهو الذي لم يلق من الصحابة إلاّ الواحد والاثنين، فمعظم روايته عن التابعين.
(٢) علوم الحديث ص (٧٠ - ٧١).
(٣) معرفة علوم الحديث ص (٢٥).

١٠٣
النوع التاسع: المرسل
وَإِذَا قَالَ: فُلَانٌ عَنْ رَجُلٍ عَنُ فُلانٍ. فَقَالَ الْحَاكِمُ: مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مُرْسَلاً، وَقَالَ غَيْرُهُ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ المرسَلُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ المُحَدِّثِينَ وَالشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الفُقَهَاءِ
وَأَصْحَابِ الأُصُولِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَة فِي طَائِفَةٍ : صَحِيحٌ،
وحكم روايته حكم المرسل لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل في مراسيل الصحابة، لأن أكثر
رواية هذا وشبهه عن التابعي، بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع، فإن احتمال روايته عن
التابعي بعيد جداً.
فائدة :
قال العراقي: قال ابن القطان إن الإرسال رواية الرجل عمن لم يسمع منه قال: فعلى هذا
هو قول رابع في حد المرسل (وإذا قال) الراوي في الإسناد (فلان عن رجل) أو شيخ (عن فلان
فقال الحاكم) هو (منقطع ليس مرسلاً وقال غيره) حكاه ابن الصلاح عن بعض كتب الأصول
(مرسل) قال العراقي(١) وكل من القولين خلاف ما عليه الأكثرون، فإنهم ذهبوا إلى أنه متصل في
سند مجهول، حكاه الرشيد العطار واختاره العلائي، قال: وما حكاه ابن الصلاح عن بعض كتب
الأصول أراد به البرهان لإمام الحرمين، فإنه ذكر ذلك فيه، وزاد كتب النبي ◌َّر التي لم يسم
حاملها، وزاد في المحصول من سمي باسم لا يعرف، قال: وعلى ذلك مشى أبو داود في كتاب
المراسيل، فإنه يروى فيه ما أبهم فيه الرجل، قال، بل زاد البيهقي على هذا في سننه فجعل ما
رواه التابعي عن رجل من الصحابة لم يسم مرسلاً، وليس بجيد اللهم إلا إن كان يسميه مرسلاً
ويجعله حجة كمراسيل الصحابة فهو قريب. وقد روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح
الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة، وإن لم يسم ذلك الرجل، قال الأثرم قلت
لأحمد بن حنبل إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمه فالحديث صحيح؟
قال وفرق الصيرفي من الشافعية بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعناً أو مصرحاً بالسماع،
قال وهو حسن متجه وكلام من أطلق قبوله محمول على هذا التفصيل اهـ.
(ثم المرسل حديث ضعيف) لا يحتج به (عند جماهير المحدثين والشافعي) كما حكاه عنهم
مسلم في صدر صحيحه وابن عبد البر في التمهيد وحكاه الحاكم عن ابن المسيب ومالك (وكثير
من الفقهاء وأصحاب الأصول) والنظر للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون غير
صحابي. وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون ضعيفاً، وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن
ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كاف كما سيأتي، ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل فالمجهول
عيناً وحالاً أولى (وقال مالك) في المشهور عنه (وأبو حنيفة في طائفة) منهم أحمد في المشهور
عنه (صحيح) قال المصنف في شرح المهذب: وقيد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا لم يكن
(١) النكت ص (٧٤).

١٠٤
النوع التاسع: المرسل
فإِنْ صَحَّ مَخْرَجُ المُرسَلِ بِمَجِيثِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُسْنَداً أَوْ مُرْسَلا أَرْسَلَهُ مَنْ أَخَذَ عَنْ غَيْرِ رِجَالٍ
الأوَّلِ كَانَ صَحِيحاً، وَيَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ صِحَّةُ المَرْسَلِ وَأَنَّهُمَا صَحِيحَانِ لَوْ عَارَضَهُمَا صَحِيحٌ مِنْ
طَرِيقٌ رَجَّحْنَاهُمَا عَلَيْهِ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ،
مرسله ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات، فإن كان فلا خلاف في رده. وقال غيره: محل
قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، فإن كان غيرها فلا (١)،
لحديث ((ثم يفشوا الكذب))(٢) صححه النسائي. وقال ابن جرير: أجمع التابعون بأسرهم على
قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المائتين، قال ابن
عبد البر: كأنه يعني أن الشافعي أول من رده، وبالغ بعضهم فقواه على المسند، وقال من أسند
فقد أحالك ومن أرسل فقد تكفل لك (فإن صح مخرج المرسل بمجيئه) أو نحوه (من وجه آخر
مسنداً أو مرسلاً أرسله من أخذ) العلم (عن غير رجال) المرسل (الأول كان صحيحاً) هكذا نص
عليه الشافعي في الرسالة، مقيداً له بمرسل، كبار التابعين، ومن إذا سمى من أرسل عنه سمي
ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وزاد في الاعتضاد أن يوافق قول صحابي أو
يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، فإن فقد شرط مما ذكر لم يقبل مرسله، فإن وجدت قبل (ويتبين
بذلك صحة المرسل) وما عضده (وأنهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق) واحدة
(رجحناهما عليه) بتعدد الطرق (وإذا تعذر الجمع) بينهما.
فوائد:
الأولى: اشتهر عن الشافعي أنه لا يحتج بالمرسل إلا مراسيل سعيد بن المسيب، قال
المصنف في شرح المهذب وفي الإرشاد: والإطلاق في النفي والإثبات غلط، بل هو يحتج
بالمرسل بالشروط المذكورة، ولا يحتج بمراسيل سعيد إلا بها أيضاً، قال: وأصل ذلك أن
الشافعي قال في مختصر المزني: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن
رسول الله وَية، نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وعن ابن عباس أن جزوراً نحرت على عهد
أبي بكر فجاء رجل بعناق فقال أعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر لا يصلح هذا، قال
الشافعي: وكان القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن
يحرمون بيع اللحم بالحيوان، قال: وبهذا نأخذ ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله وَلّر خالف
أبا بكر الصديق وإرسال ابن المسيب عندنا حسن اهـ فاختلف أصحابنا في معنى قوله: وإرسال
ابن المسيب عندنا حسن، على وجهين حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع، والخطيب
البغدادي وغيرهما.
أحدهما: معناه أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل، قالوا لأنها فتشت فوجدت
مسندة .
(١) ويشترط في المرسِل أن يكون ثقة، ولا يرسل إلاَّ عن ثقة.
(٢) الترمذي في: الفتن (٧)، وابن ماجه في: الأحكام (٢٧)، وأحمد (١٨/١).

١٠٥
النوع التاسع: المرسل
.
والثاني: أنها ليست بحجة عنده بل هي كغيرها، قالوا وإنما رجح الشافعي بمرسله،
والترجيح بالمرسل جائز، قال الخطيب وهو الصواب.
والأول: ليس بشيء لأن في مراسيله ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح، وكذا قال
البيهقي: قال وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ،
قال المصنف: فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان متضلعان من الحديث والفقه والأصول
والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه، قال: وأما قول القفال: مرسل ابن المسيب حجة
عندنا، فهو محمول على التفصيل المتقدم، قال: ولا يصح تعلق من قال إنه حجة بقوله إرساله
حسن، لأن الشافعي لم يعتمد عليه وحده، بل لما انضم إليه من قول أبي بكر ومن حضره من
الصحابة، وقول أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم وهم أربعة من فقهاء المدينة السبعة، وقد نقل
ابن الصباغ وغيره هذا الحكم عن تمام السبعة، وهو مذهب مالك وغيره، فهذا عاضد ثان
للمرسل اهـ.
وقال البلقيني: ذكر الماوردي في الحاوي أن الشافعي اختلف قوله في مراسيل سعيد،
فكان في القديم يحتج بها بانفرادها لأنه لا يرسل حديثاً إلا يوجد مسنداً، ولأنه لا يروي إلا ما
سمعه من جماعة أو من أكابر الصحابة، أو عضده قولهم، أو رآه منتشراً عند الكافة، أو وافقه
فعل أهل العصر، وأيضاً فإن مراسيله سبرت، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة، لما بينهما من
الوصلة والصهارة فصار إرساله كإسناده عنه، ومذهب الشافعي في الجديد أنه كغيره، ثم هذا
الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلح مثالاً لأقسام المرسل المقبول، فإنه عضده
قول صحابي وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه، وله شاهد مرسل آخر أرسله من أخذ العلم عن غير
رجال الأول، وشاهد آخر مسند، فروى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي عن مسلم بن
خالد عن ابن جريج عن القاسم بن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزوراً قد جزرت
فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءاً فقال لي الرجل من أهل
المدينة: إن رسول الله ◌َلل نهى أن يباع حي بميت(١)، فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيراً،
قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب ورواه القاسم بن أبي بَزَّة عن رجل من أهل
المدينة مرسلاً، والظاهر أنه غير سعيد فإنه أشهر من أن لا يعرفه القاسم بن أبي بزة المكي حتى
يسأل عنه، قال وقد رويناه من حديث الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي وَلّ، إلا أن الحفاظ
اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته فيكون مثالاً للفصل
الأول يعني ما له شاهد مسند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضاً مرسلاً انضم إلى مرسل سعيد
انتھی .
الثانية: صور الرازي وغيره من أهل الأصول المسند العاضد بأن لا يكون منتهض الإسناد،
ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلا فالاحتجاج حينئذ بالمسند فقط وليس بمخصوص بذلك كما
(١) رواه الشافعي في «المسند» (٢٥٠).

١٠٦
النوع التاسع: المرسل
تقدم الإشارة إليه في كلام المصنف.
الثالث: زاد الأصوليون في الاعتضاد أن يوافقه قياس أو انتشار من غير إنكار، أو عمل
أهل العصر به. وتقدم في كلام الماوردي ذكر الصورتين الأخيرتين، والظاهر أنهما داخلان في
قول الشافعي: وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه.
الرابعة: قال القاضي أبو بكر لا أقبل المرسل ولا في الأماكن التي قبلها الشافعي حسماً
للباب، بل ولا مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، قال: والشافعي لا يوجب
الاحتجاج به في هذه الأماكن بل يستحبه، كما قال: أستحب قبوله ولا أستطيع أن أقول الحجة
تثبت به ثبوتها بالمتصل. وقال غيره: فائدة ذلك أنه لو عارضه متصل قدم عليه، ولو كان حجة
مطلقاً تعارضاً، لكن قال البيهقي: مراد الشافعي بقوله أستحب أختار، وكذا قال المصنف في
شرح المهذب.
الخامسة: إن لم يكن في الباب دليل سوى المرسل فثلاثة أقوال للشافعي: ثالثها وهو
الأظهر يجب الانکفاف لأجله.
السادس: تلخص في الاحتجاج بالمرسل عشرة أقوال: حجة مطلقاً، لا يحتج به مطلقاً،
يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة، يحتج به إن لم يرو إلا عن عدل، يحتج به إن أرسله
سعيد فقط، يحتج به إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، يحتج به ندباً لا وجوباً،
يحتج به إن أرسله صحابي.
السابعة: تقدم في قول ابن جرير: إن التابعين أجمعوا على قبول المرسل، وإن الشافعي
أول من أباه، وقد تنبه البيهقي لذلك فقال في المدخل: باب ما يستدل به على ضعف المراسيل
بعد تغير الناس وظهور الكذب والبدع، وأورد فيه ما أخرجه مسلم(١) عن ابن سيرين قال: لقد
أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث، فلما وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحديث،
فينظر من كان من أهل السنة يؤخذ من حديثه، ومن كان من أهل البدع ترك حديثه.
الثامنة: قال الحاكم في علوم الحديث(٢): أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن
المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن
أهل الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل
الشام عن مكحول، قال: وأصحها كما قال ابن معين مراسيل ابن المسيب، لأنه من أولاد
الصحابة وأدرك العشرة وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد مالك
بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله فودوها بأسانيد صحيحة،
وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره قال: والدليل على عدم الاحتجاج بالمرسل غير
(١) ١٤/١: ب (٥).
(٢) معرفة علوم الحديث ص (٢٥).

١٠٧
النوع التاسع: المرسل
المسموع من الكتاب، قوله تعالى: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَتِهِمْ﴾ (١) ومن السنة
حديث (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم))(٢).
التاسعة: تكلم الحاكم على مراسيل سعيد فقط دون سائر من ذكر معه، ونحن نذكر ذلك،
فمراسيل عطاء، قال ابن المديني: كان عطاء يأخذ عن كل ضرب، مرسلات مجاهد أحب إلي
من مرسلاته بكثير، وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات،
ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن،
وعطاء بن أبي رباح، فإنهما كانا يأخذان عن كل واحد، ومراسيل الحسن تقدم القول فيها عن
أحمد، وقال ابن المديني: مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما
يسقط منها، وقال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن قال رسول الله وَ لهل وجدت له أصلاً ثابتاً ما
خلا أربعة أحاديث، وقال يحيى بن سعيد القطان: ما قال الحسن في حديثه قال رسول الله وَلـ
إلا وجدنا له أصلاً إلا حديثاً أو حديثين.
قال شيخ الإسلام: ولعله أراد ما جزم به الحسن، وقال غيره: قال رجل للحسن يا أبا
سعيد إنك تحدثنا فتقول قال رسول الله وَطهور، فلو كنت تسنده لنا إلى من حدثك؟ فقال الحسن:
أيها الرجل ما كذبنا ولا كُذُّبنا ولقد غزونا غزوة إلى خراسان ومعنا فيها ثلاثمائة من أصحاب
محمد علي، وقال يونس بن عبيد سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله وَظآر،
وإنك لم تدركه؟ فقال يا ابن أخي: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ولولا منزلتك
مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى؟ وكان في زمن الحجاج، كل شيء سمعتني أقوله قال
رسول الله وَّة فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً، وقال
محمد بن سعيد: كل ما أسند من حديثه أو روى عمن سمع منه فهو حسن حجة، وما أرسل من
الحدیث فليس بحجة.
وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح، وأما مراسيل النخعي فقال ابن معين
مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي، وعنه أيضاً أعجب إلي من مرسلات سالم بن
عبد الله والقاسم وسعيد بن المسيب، وقال أحمد: لا بأس بها، وقال الأعمش: قلت لإبراهيم
النخعي أسند لي عن ابن مسعود فقال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا
قلت قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله.
العاشرة: في مراسيل أخر ذكرها الترمذي في جامعه وابن أبي حاتم وغيرهما مراسيل
الزهري: قال ابن معين ويحيى بن سعيد القطان: ليس بشيء، وكذا قال: الشافعي: قال لأنا
نجده يروي عن سليمان بن أرقم.
وروى البيهقي عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره، لأنه حافظ
(١) آية (١٢٢) سورة التوبة.
(٢) أبو داود (٣٦٥٩)، وأحمد (٣٢١/١)، والصحيحة (١٧٨٤).

١٠٨
النوع التاسع: المرسل
وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه، وكان يحيى بن سعيد لا يرى
إرسال قتادة شيئاً، ويقول هو بمنزلة الريح.
وقال يحيى بن سعيد: مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء قيل:
فمرسلات مجاهد أحب إليك أو مرسلات طاوس؟ قال ما أقربهما.
وقال أيضاً: مالك عن سعيد بن المسيب أحب إلي من سفيان عن إبراهيم، وكل ضعيف،
وقال أيضاً: سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء، لأنه لو كان فيه إسناد صاح وقال: مرسلات
أبي إسحاق الهمداني والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير شبه لا شيء، ومرسلات
إسماعيل بن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي ومرسلات معاوية بن قرة
أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح، وسفيان بن سعيد،
ومرسلات مالك بن أنس أحب إلي، وليس في القوم أصح حديثاً منه.
الحادية عشرة: وقع في صحيح مسلم أحاديث مرسلة فانتقدت عليه وفيها ما وقع الإرسال
في بعضه، فأما هذا النوع فعذره فيه أنه يورده محتجاً بالمسند منه لا بالمرسل، ولم يقتصر عليه
للخلاف تقطيع في الحديث، على أن المرسل منه قد تبين اتصاله من وجه آخر، كقوله في كتاب
البيوع(١): حدثني محمد بن رافع ثنا حجين ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن
المسيب أن رسول الله وَّ نهى عن المزابنة. الحديث. قال(٢): وأخبرني سالم بن عبد الله عن
رسول الله وَ يُ قال: لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبتاعوا الثمر بالتمر، وقال سالم:
أخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت عن رسول الله وَل قول أنه رخص في العرية. الحديث. وحديث
سعيد وصله من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: ومن حديث سعيد بن مينا
وأبي الزبير عن جابر، وأخرجه هو والبخاري(٣) من حديث عطاء عن جابر، وحديث سالم وصله
من حديث الزهري عن سالم عن أبيه. وأخرج في الأضاحي(٤) حديث مالك عن عبد الله بن
أبي بكر عن عبد الله بن أبي واقد: نهى رسول الله وَّر عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث: قال
عبد الله بن أبي بكر. فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة تقول الحديث، فالأول
مرسل والآخر مسند، وبه احتج، وقد وصل الأول من حديث ابن عمر وفيه من هذا النمط نحو
عشرة أحاديث، والحكمة في إيراد ما أورده مرسلاً بعد إيراده متصلاً إفادة الاختلاف الواقع فيه،
ومما أورده مرسلاً ولم يصله في موضع آخر حديث أبي العلاء بن الشخير: كان حديث
رسول الله وَيه ينسخ بعضه بعضاً. الحديث لم يرو موصولاً عن الصحابة من وجه يصح.
الثانية عشرة: صنف في المراسيل أبو داود ثم أبو حاتم ثم الحافظ أبو سعيد العلائي من
(١) رقم (٥٩).
(٢) الحديث السابق.
(٣) في: البيوع (٧٥).
(٤) رقم (٢٨ و٢٩).

١٠٩
النوع العاشر: المنقطع
هَذَا كُلُّه في غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ، أَمَّا مُرْسَلَهُ فَمَحْكُومٌ بِصِخَّتِهِ عَلَى المَذْهَبِ الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَمُرْسَلٍ غَيْرِهِ إِلاَّ أَنْ يُبَيِّنَ الرِّوَايَةَ عَنْ صَحَابِيٍّ.
النوع العاشر: المُنْقَطِعُ
الصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الفُقَهَاءُ وَالْخَطِيبُ وَابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وَعَيْرُهُمْ مِنَ المُحَدِّثِينَ أَنَّ
المُنْقَطِعَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَاده عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْقِطَاعُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي رِوَايَةٍ مَنْ دُونَ
التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِي، كَمَالِكِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقِيلَ: هُوَ مَا اخْتَلَّ مَنْهُ رَجُلٌ قَبْلَ التَّابِعِيِّ
مَحْذوفاً كانَ أَوْ مُبْهَماً، كَرَجُل. وَقِيلَ: هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ تَابِعِيٍّ أَوْ مَنْ دُونَهُ قَوْلاً لَهُ أَوْ فِعْلاً،
وَهْذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ.
المتأخرين (هذا كله في غير مرسل الصحابي أما مرسله) كإخباره عن شيء فعله النبي وليد أو
نحوه مما يعلم أنه لم يحضره لصغر سنه أو تأخر إسلامه (فمحكوم بصحته على المذهب
الصحيح) الذي قطع به الجمهور من أصحابنا وغيرهم وأطبق عليه المحدثون المشترطون للصحيح
القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى، لأن أكثر رواياتهم عن
الصحابة وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه
الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات (وقيل إنه
كمرسل غيره) لا يحتج به (إلا أن يبين الرواية عن صحابي) زاده المصنف على ابن الصلاح
وحكاه في شرح المهذب عن أبي إسحاق الإسفراييني وقال الصواب الأول.
(النوع العاشر: المنقطع، الصحيح الذي ذهب إليه الفقهاء والخطيب وابن عبد البر وغيرهم
من المحدثين أن المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه) سواء كان الساقط منه
الصحابي أو غيره، والمرسل واحد (و) لكن (أكثر ما يستعمل في رواية من دون التابعي عن
لصحبي، كمالك عن ابن عمر وقيل هو ما اختل) أي سقط (منه رجل قبل التابعي) هكذا عبر ابن
الصلاح تبعاً للحاكم والصواب قبل الصحابي (محذوفاً كان) الرجل (أو مبهماً كرجل) هذا بناء
على ما تقدم أن فلاناً عن رجل يسمى منقطعاً، وتقدم أن الأكثرين على خلافه، ثم إن هذا القول
هو المشهور بشرط أن يكون الساقط واحد فقط أو اثنين لا على التوالي كما جزم؟ العراقي وشيخ
الإسلام (وقيل هو ما روي عن تابعي أو من دونه قولاً له أو فعلاً وهذا غريب ضعيف) والمعروف
أن ذلك مقطوع لا منقطع كما تقدم ثم إن الانقطاع قد يكون ظاهراً وقد يخفى فلا يدركه إلا أهل
المعرفة وقد يعرف بمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر.
فائدة :
ذكر الرشيد العطار أن في صحيح مسلم بضعة عشر حديثاً في إسنادها انقطاع، وأجيب عنها
بتبين اتصالها، إلا من وجه آخر عنده. أو من ذلك الوجه عند غيره. وهي حديث حميد الطويل

١١٠
النوع العاشر: المنقطع
عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه لقي النبي ◌َّالر في بعض طرق المدينة، الحديث، صوابه حميد
عن أبي بكر المزني عن أبي رافع، كما أخرجه الخمسة وأحمد وابن أبي شيبة في مسنديهما،
وحديث السائب بن يزيد عن عبد الله بن السعدي عن عمر في العطاء، صوابه: السائب عن
حويطب بن عبد العزى، كذا ذكره الحفاظ.
قال النسائي: لم يسمعه السائب من ابن السعدي إنما رواه عن حويطب عنه كما أخرجه
البخاري والنسائي، وحديث يعلى بن الحارث المحاربي عن غيلان عن علقمة في قصة ماعز،
صوابه: يعلى عن أبيه عن غيلان كذا أخرجه النسائي وأبو داود، وحديث عبد الكريم بن
المستورد بن شداد مرفوعاً: تقوم الساعة والروم أكثر الناس(١).
قال الرشيد: عبد الكريم لم يدرك المستورد، ولا أبوه الحارث لم يدركه كما قال
الدار قطني. قال: وإنما أورده هكذا في الشواهد، وإلا فقد وصله من وجه آخر عن الليث عن
موسى بن علي عن المستورد، وحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي عمرو بن حفص في
الطلاق، قال في سماع عبيد الله من أبي عمرو نظر، وقد وصله من جهة أخرى عن الشعبي
سلمة عن فاطمة .
وحديث منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الذي وَقَصَته ناقته. قال
الدار قطني: إنما سمعه منصور من الحكم بن عتبة عن سعيد كما أخرجه البخاري وأبو داود
والنسائي وهو الصواب، ووصله مسلم من طريق جعفر بن أبي وحشية وعمرو بن دينار عن
سعيد، وحديث مكحول عن شرحبيل بن السمط عن سلمان ((رباط يوم)) (٢) في سماع مكحول منه
نظر، فإنه معدود في الصحابة المتقدمين الوفاة والأصح أن مكحولاً إنما سمع أنساً وأبا مرة وواثلة
وأم الدرداء، وحديث أيوب عن عائشة ((إن الله أرسلني مبلّغاً ولم يرسلني متعنًّ(٣)؛ فإن أيوب لم
يدرك عائشة إلا أن أورد ذلك زيادة في آخر حديث مسند، ولم يرد اختصارهما وله عادة بذلك
في عدة أحاديث، وهي متصلة في حديث التخيير من رواية أبي الزبير عن جابر، وحديث
أبي سلام الحبشي عن حذيفة ((إنا كنا بشرّ فجاء الله بخير)).
٢٠٠١
قال الدارقطني: أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا نظرائه الذين نزلوا العراق، وهو متصل
في كتابه من وجه آخر عن حذيفة، وحديث مطر عن زهدم عن أبي موسى في الدجاج.
قال الدار قطني: لم يسمع مطر من زهدم إنما رواه عن القاسم بن عاصم عنه. وقد وصله
مسلم من طرق أخرى عن زهدم، وحديث قتادة عن سنان بن سلمة عن ابن عباس في قصة
البُدن .
قال ابن معين ويحيى بن سعيد: قتادة لم يسمع هذا من سنان، إلا أنه أخرجه في
(١) ومسلم في: الفتن: ب (١٠).
(٢) البخاري ٤٣/٤، وأحمد ٦٢/١
(٣) مسلم في: الطلاق (٢٩).

١١١
النوع الحادي عشر: المعضل
النوع الحادي عشر: المُعْضَلُ
هُو بِفَتْحِ الضّادِ. يَقُولُونَ: أَعْضَلَهُ فَهُوَ مُعْضَلٌ وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ اثْنَانٍ فَأَكْثَرُ،
وَيُسَمَّى مُنْقَطِعاً، وَيُسَمَّى مُرْسَلاً عِنْدَ الفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمِّ تَقَدَّمَ، وَقِيلَ: إِنّ قَوْلَ الرَّاوِي:
بَلَغَنِي، كَقَوْلِ مَالِكِ بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((للْممِلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَنُهُ))
يُسَمَّى مُعْضَلاً عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ .
الشواهد، وقد وصله قبل ذلك من طريق أبي التّاح عن موسى بن سلمة عن ابن عباس، وحديث
عِرَاك بن مالك عن عائشة ((جاءتني مسكينة تحمل ابنتين)) الحديث.
قال أحمد: عراك عن عائشة مرسل. وقال موسى بن هارون: لا نعلم له سماع منها، وإنما
يروى عن عائشة. وقال الرشيد: لا يبعد سماعه منها وهما في عصر واحد وبلد واحد. ومذهب
مسلم أن هذا محمول على السماع حتى يتبين خلافه، وحديث يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن
عمرو بن عطاء قال: ((سمعت ابنتي برة)) الحديث. سقط بين يزيد ومحمد محمدُ بن إسحاق، كذا
رواه المصريون عن الليث، وأخرجه هكذا أبو داود، إلا أنّ مسلماً وصله من طريق الوليد بن كثير
عن محمد بن عمرو بن عطاء.
(النوع الحادي عشر: المعضل هو بفتح الضاد) وأهل الحديث (يقولون أعضله فهو معضل)
قال ابن الصلاح(١): وهو اصطلاح مشكل المأخذ من حيث اللغة، أي لأن معضلاً بفتح العين لا
يكون إلا من ثلاثي لازم، عدّي بالهمزة وهذا لازم معها قال: وبحثت فوجدت له قولهم: أمر
عضيل أي مستغلَق شديد، وفعيل بمعنى فاعل يدل على الثلاثي، فعلى هذا يكون لنا عضل
قاصراً، وأعضل متعدياً، كما قالوا: ظلم الليل وأظلم، (وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر)
بشرط التوالي، أما إذا لم يتوال فهو منقطع من موضعين، قال العراقي(٢): ولم أجد في كلامهم
إطلاق المعضل عليه (ويسمى) المعضل (منقطعاً) أيضاً (ويسمى مرسلاً عند الفقهاء وغيرهم كما
تقدم) في نوع المرسل، (وقيل إن قول الراوي بلغني كقول مالك) في الموطأ(٣) (بلغني عن
أبي هريرة أن رسول الله وَالر قال: للمملوك طعامه وكسوته) (٤) بالمعروف ولا يَكلَّف من العمل إلا
ما يطيق (يسمى معضلاً عند أصحاب الحديث) نقله ابن الصلاح عن الحافظ أبي نصر
السِّجزي(٥).
قال العراقي(٦): وقد استشكل، لجواز أن يكون الساقط واحداً، فقد سمع مالك من جماعة
(١) علوم الحديث ص (٨١).
(٢) فتح المغيث ٧٥/١ ...
(٣) في: الاستئذان: ب (١٦): حديث (٤٠).
(٤) ورواه أيضاً مسلم في: الأيمان: ب (١٠): حديث (٤١).
(٥) علوم الحديث ص (٨٢).
(٦) النكت ص (٨٢) ...
٠٠.

١١٢
النوع الحادي عشر: المعضل
وَإِذَا رَوَى تَابِعُ التَّبِيِّ عَنِ تَابِعِيٍّ حَدِيثاً وَقَفَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ ذَلِكَ التَّابِعِي مَرْفُوعٌ مُتَّصِلٌ
فَهُوَ مُعْضَلٌ.
من أصحاب أبي هريرة كسعيد المقبري ونعيم المجمر ومحمد بن المنكدر.
والجواب: أن مالكاً وصله خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة
فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه، قلت بل ذكر النسائي في التمييز أن محمد بن عجلان لم يسمعه من
أبيه، بل رواه عن بكير عن عجلان، قال ابن الصلاح(١): وقول المصنفين قال رسول الله وجل اله
كذا، من قبيل المعضل.
فائدة :
صنف ابن عبد البر كتاباً في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل، قال:
وجميع ما فيه من قوله بلغني ومن قوله عن الثقة عنده مما لم يسنده، أحد وستون حديثاً، كلها
مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف، أحدها: إني لا أنسى ولكن أنسىّ لأسُنّ(٢)،
والثاني: أن رسول الله وَل أرى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله تعالى من ذلك فكأنه تقاصر أعمار
أمته (٣)، والثالث: قول معاذ: آخر ما أوصاني به رسول الله وَّر وقد وضعت رجلي في الغَرْزِ أنْ
قال: حسّن خلقك للناس (٤)، والرابع: إذا (٥) أنشأتْ بَحريّة ثم(٦) تَشَاءَمَتْ فتلك عين غديقة(٧).
(وإذا روى تابع التابعي عن تابعي حديثاً وقفة عليه وهو عند ذلك التابعي مرفوع متصل فهو
معضل) نقله ابن الصلاح(٨) عن الحاكم، ومثله بما روي عن الأعمش عن الشعبي قال: يقال
للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا فيقول: ما عملته. فيختم على فيه، الحديث، أعضله(٩)
الأعمش ووصله فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس قال: كنا عند النبي ◌َّ، فذكر
الحديث(١٠). قال ابن الصلاح: وهذا جيد (١١) حسن لأن هذا الانقطاع بواحد (١٢) مضموماً إلى
(١) علوم الحديث ص (٨٢ - ٨٣).
(٢) مالك في: السهو: ب (١): حديث (٢).
(٣) مالك في: الاعتكاف (١٥).
(٤) مالك في: حسن الخلق (١).
(٥) إذا أنشأت بحرية: أي ظهرت سحابة من ناحية البحر. ((تنوير الحوالك)) ١٩٩/١.
(٦) (ثمَّ تشاءمت)) أي أخذت نحو الشام. ((نفس المصدر)).
(٧) مالك في: الاستسقاء: ب (٤): حديث (٥).
(٨) علوم الحديث ص (٨٣).
(٩) أعضله الأعمش: أي هو الذي حذف الصحابي والنبي وَلّ. ((حاشية الأجهوري)) ص (٥٩).
(١٠) مسلم في: الزهد (١٦).
(١١) جيد حسن: الجيد ضد الرديء، فهما لفظان بمعنى واحد. ((حاشية الأجهوري)) ص (٥٩).
(١٢) بواحد مضموماً إلى الوقف: أي الكائن بواحد وهو الصحابي المحذوف.
وقوله: ((مضموماً ... الخ)) أي من حيث عدم ذكر النبي ◌َّر. ((نفس المصدر)).

١١٣
النوع الحادي عشر: المعضل
فروع :
أَحَدُهَا: الإِسْنَادُ المُعَنْعَنُ وَهُوَ فُلاَنٌ عَنْ فُلانٍ، قِيلَ: إِنَّهُ مُرَسَلٌ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ
الْعَمَلُ وَقَالَهُ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالفِقْهِ وَالأُصولِ، أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ
المُعَنْعِنُ مُدَلّساً وَبِشَرْطِ إِمْكَانٍ لِقَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً، وَفي اشْتِرَاطِ ثُبُوتِ اللَّقَاءِ وَطُولِ الصُّحْبَةِ
ومَعْرِفَتِهِ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ خِلَاَفٌ،
الوقف يشتمل على الانقطاع باثنين، الصحابيِّ ورسول الله وَّ، فذلك باستحقاق (١) اسم
الإعضال أولى اهـ. قال ابن جماعة: وفيه نظر، أي لأن مثل ذلك لا يقال من قبيل الرأي،
فحكمه حكم المرسل، وذلك ظاهر لا شك فيه. ثم رأيت عن شيخ الإسلام أن لما ذكره ابن
الصلاح شرطين: أحدهما أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النبي ◌َّ- فإن لم يكن فمرسل،
الثاني أن يروى مسنداً من طريق ذلك الذي وقف عليه، فإن لم يكن فموقوف لا معضل لاحتمال
أنه قاله من طريق عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين.
فائدتان:
الأولى: قال شيخنا الإمام الشمنيّ: خص التبريزي المنقطع والمعضل بما ليس في أول
الإسناد، وأما ما كان في أوله فمعلق، وكلام ابن الصلاح أعم (٢).
الثانية: من مظانّ المعضل والمنقطع والمرسل، كتاب السنن لسعيد بن منصور ومؤلفات ابن
أبي الدنيا.
(فروع: أحدها الإسناد المعنعن وهو) قول الراوي: (فلان عن فلان) بلفظ عن من غير بيان
للتحديث والإخبار والسماع (قيل: إنه مرسل) حتى يتبين اتصاله (والصحيح الذي عليه العمل
وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل).
قال ابن الصلاح(٣): ولذلك أودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وادعى أبو عمرو
الدَّاني إجماع أهل النقل عليه، وكان ابن عبد البر يدعي إجماع أئمة الحديث عليه، قال
العراقي(٤): بل صرح بادعائه في مقدمة التمهيد (بشرط أن لا يكون المعنعن) بكسر العين (مدلساً
وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً) أي لقاء المعنعن من روى عنه بلفظ عن، فحينئذ يحكم
بالاتصال إلا أن يتبين خلاف ذلك. (وفي اشتراط ثبوت اللقاء) وعدم الاكتفاء بإمكانه (وطول
الصحبة) وعدم الاكتفاء بثبوت اللقاء (ومعرفته بالرواية عنه) وعدم الاكتفاء بالصحبة (خلاف،
(١) باستحقاق اسم الأعضال أولى: أي بالنسبة لما سقط من سنده اثنان غير الصحابي والرسول. ((نفس
المصدر)).
(٢) علوم الحديث ص (٨٢).
(٣) علوم الحديث ص (٨٣).
(٤) النكت ص (٨٣).
تدريب الراوي / ج ١/ م ٨

١١٤
النوع الحادي عشر: المعضل
مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَادعَى الإِجْمَاعَ فِيهِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ اللَّقَاءَ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيّ، وَابْنِ المَدِينِيِّ، وَالمحقِّقِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ
شَرَطَ طُولَ الصُّحْبَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ مَعْرِفَتَهُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَكَثُرَ فِي هَذِهِ الأعْصَارِ اسْتِعْمَالُ
عَنْ في الإِجَازَةِ، فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: قرأْتُ عَلَى فُلان عَنْ، فَمُرادُهُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ بِالإِجَازَةِ.
الثاني: إِذَا قَال حدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ أَنْ ابْنُ المُسَيّبِ حَدَّثْهُ بِكَذَا، أَوْ قَالَ: قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ
كَذَا أَوْ فَعَلِ كَذَا، أَوْ كَانَ ابْنِ المُسيَّبِ يَفْعِلُ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَقَالَ
منهم من لم يشترط شيئاً من ذلك) واكتفى بإمكان اللقاء وعبر عنه بالمعاصرة (وهو مذهب
مسلم بن الحجاج وادعى الإجماع فيه) في خطبة صحيحه، وقال إن اشتراط ثبوت اللقاء قول
مخترع لم يسبق قائله إليه، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديماً وحديثاً
أنه يكفي أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها.
قال ابن الصلاح: وفيما قاله مسلم نظر، قال ولا أرى هذا الحكم يستمر بعد المتقدمين
فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه ذكر فلان أو قال فلان،
أي فليس له حكم الاتصال ما لم يكن له من شيخه إجازة (ومنهم من شرط اللقاء وحده وهو قول
البخاري وابن المديني والمحققين) من أئمة هذا العلم، قيل: إلا أن البخاري لا يشترط ذلك في
أصل الصحة بل التزمه في جامعه، وابن المديني يشترطه فيهما، ونص على ذلك الشافعي في
الرسالة (ومنهم من شرط طول الصحبة) بينهما ولم يكتف بثبوت اللقاء وهو أبو المظفر السمعاني
(ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه) وهو أبو عمرو الدّاني، واشترط أبو الحسن القابسي أن
يدركه إدراكاً بيناً حكاه ابن الصلاح، قال العراقي: وهذا داخل فيما تقدم من الشروط، فلذلك
أسقطه المصنف. قال شيخ الإسلام: من حكم بالانقطاع مطلقاً شدّد ويليه من شرط طول الصحبة
ومن اكتفى بالمعاصرة سهّل والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه، وما
أورده مسلم عليهم، من لزوم رد المعنعن دائماً، لاحتمال عدم السماع ليس بوارد لأن المسألة
مفروضة في غير المدلس، ومن عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس، قال وقد وجدت في بعض
الأخبار ورود عن فيما لم يكن سماعه من الشيخ وإن كان الراوي سمع منه الكثير، كما رواه أبو
إسحاق السَّبيعي عن عبد الله بن خبّاب بن الأرت أنه خرج عليه الحرورية فقتلوه حتى جرى دمه في
النهر، فهذا لا يمكن أن يكون أبو إسحاق سمعه من ابن خباب كما هو ظاهر العبارة لأنه هو
المقتول، قلت السماع إنما يكون معتبراً في القول وأما الفعل فالمعتبر فيه المشاهدة وهذا واضح.
(وكثر في هذه الأعصار استعمال عن في الإجازة فإذا قال أحدهم) مثلاً (قرأت على فلان عن فلان
فمراده أنه رواه عنه بالإجازة) وذلك لا يخرجه عن الاتصال.
(الثاني: إذا قال) الراوي كمالك مثلاً (حدثنا الزهري أن ابن المسيب حدّثه بكذا أو قال)
الزهري (قال ابن المسيب كذا أو فعل كذا أو) قال (كان ابن المسيب يفعل وشبه ذلك فقال

١١٥
النوع الحادي عشر: المعضل
أَحْمَدُ بْنُ حنْبَلٍ وَجَمَاعةٌ: لا تَلْتَحِقُ أَنّ وَشِبْهُهَا بِعَنْ بَلْ يَكُونُ مُنْقَطِعاً حَتَّى يَتَبِينَ السَّمَاعُ،
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ كَعنْ، وَمُطْلقهُ محمولٌ عَلَى السَّمَاعِ بالشّرْطِ المُتَقَدِّمِ.
أحمد بن حنبل وجماعة) منهم فيما حكاه ابن عبد البر عن البَرْديجي (لا تلتحق أن وشبهها بعن)
في الاتصال (بل يكون منقطعاً حتى يتبين السماع) في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى (وقال
الجمهور) فيما حكاه عنهم ابن عبد البر منهم مالك (أنّ كعن) في الاتصال (ومطلقه محمول على
السماع بالشرط المتقدم) من اللقاء والبراءة من التدليس، قال ابن عبد البر ولا اعتبار بالحروف
والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، قال: ولا معنى لاشتراط تبين السماع
لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء أتى فيه بعن أو بأن أو بقال أو بسمعت فكله
متصل، قال العراقي: ولقائل أن يفرق بأن للصحابي مزية حيث يعمل بإرساله بخلاف غيره، قال
ابن الصلاح: ووجدت مثل ما حكي عن البرديجي للحافظ يعقوب بن أبي شيبة في مسنده، فإنه
ذكر ما رواه أبو الزبير عن محمد ابن الحنفية عن عمار قال: أتيت النبي وَطير وهو يصلي فسلمت
عليه فرد عليّ السلام، وجعله مسنداً موصولاً، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك عن عطاء بن
أبي رباح عن ابن الحنفية أن عماراً مرّ بالنبي وَله وهو يصلي، فجعله مرسلاً من حيث كونه
قال: إن عماراً فعل ولم يقل عن عمار انتهى. قال العراقي: ولم يقع على مقصود يعقوب، وبيان
ذلك: أن ما فعله يعقوب هو صواب من العمل وهو الذي عليه عمل الناس وهو لم يجعله مرسلاً
من حيث لفظ أنّ، بل من حيث إنه لم يسند حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال إن عماراً قال
مررت لما جعله مرسلاً فلما أتى بلفظ أن عماراً مرّ كان محمد هو الحاكي لقصة لم يدركها لأنه
.لم يدرك مرور عمار بالنبي 18ّ فكان نقله لذلك مرسلاً، قال: والقاعدة أنّ الراوي إذا روى
حديثاً في قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي وَل وبين بعض
الصحابة والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يعلم أنه
شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعياً فهو منقطع،
وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن
أسندها له وإلا فمنقطعة قال: وقد حكي اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابن الموّاق
قال: وما حكاه ابن الصلاح: قيل عن أحمد بن حنبل من أن عن وأن ليسا سواء منزل أيضاً على
هذه القاعدة، فإن الخطيب رواه في الكفاية بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن
رجلاً قال: قال عروة إنّ عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة سواء قال: كيف هذا
سواء ليس هذا بسواء فإنما فرق أحمد بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى
عائشة ولا أدرك القصة فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة فكانت متصلة
انتھی .
تنبيه :
كثر استعمال أنّ أيضاً في هذه الأعصار في الإجازة. وهذا وما تقدم في عن في المشارقة،
أما المغاربة فيستعملونها في السماع والإجازة معاً. وهذان الفرعان حقهما أن يفردا بنوع يسمى

١١٦
النوع الحادي عشر: المعضل
الثّالِثُ: التَّعْلِيقُ الّذِي يَذْكُرُهُ الْحُمِيْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي أَحَادِيثَ مِنْ كِتَابِ البُخَارِيِّ وَسَبَقَهُمْ
بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ، صُورَتُهُ أَنْ يُحْذَفْ مِنْ أَوَّلِ الإِسْنَادِ وَاحِدٌ فَأَكْثرُ، وكأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ
تَعْلِيقِ الْجِدَارِ لِقَطْعِ الاتِّصَالِ، وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي حَذْفِ كُلِّ الإسْنَادِ كَقَوْلِهِ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَوْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوْ عَطَاءٌ أَوْ غَيْرُهُ كَذَا، وَهْذَا التَّعْلِيقُ لَهُ حُكم الصَّحِيحِ كَمَا
تَقَدَّمَ فِي نَوْعِ الصَّحِيحِ وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوا التَّعْلِيقَ فِي غَيْرِ صِيغَةِ الْجَزْمِ كَيُرْوَى عَنْ فُلاَنٍ كَذَا، أَوْ
يُقَالُ عَنْهُ، وَيُذْكَرُ، وَيُحكَى وَشِبْهِهَا بَلْ خَصُّوا بِهِ صِيغَةَ الْجَزْمِ، كَقَالَ، وَفَعَلَ، وَأَمَرَ وَنَهَى،
وَذَكَرٍ، وَحَكَى، وَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا سَقَطَ وَسَطُ إِسْنَادِهِ .
المعنعن كما صنع ابن جماعة وغيره .
(الثالث: التعليق الذي يذكره الحميدي وغيره) من المغاربة (في أحاديث من كتاب البخاري
وسبقهم باستعمال الدارقطني صورته أن يحذف من أول الإسناد واحد فأكثر) على التوالي بصيغة
الجزم، ويعزى الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته وبينه وبين المعضل عموم وخصوص
من وجه، فيجامعه في حذف اثنين فصاعداً، ويفارقه في حذف واحد، وفي اختصاصه بأول السند
(وكأنه من تعليق الجدار لقطع الاتصال) فيهما (واستعمله بعضهم في حذف كل الإسناد كقوله:
قال رسول الله ( ، أو قال ابن عباس أو عطاء أو غيره كذا) وإن لم يذكره أصحاب الأطراف لأن
موضوع كتبهم بيان ما في الأسانيد من اختلاف أو غيره (وهذا التعليق له حكم الصحيح) إذا وقع
في كتاب التزمت صحته (كما تقدم في) المسألة الرابعة من (نوع الصحيح ولم يستعملوا التعليق
في غير صيغة الجزم، كيروى عن فلان كذا، أو يقال عنه ويذكر ويحكى وشبهها، بل خصوا به
صيغة الجزم كقال وفعل وأمر ونهى وذكر وحكى) كذا قال ابن الصلاح.
قال العراقي(١): وقد استعمله غير واحد من المتأخرين في غير المجزوم به، منهم الحافظ
أبو الحجاج المزي حيث أورد في الأطراف ما في البخاري من ذلك معلماً عليه علامة التعليق،
بل المصنف نفسه أورد في الرياض حديث عائشة أمرنا أن ننزل الناس منازلهم وقال ذكره مسلم
في صحيحه تعليقاً، فقال وذكر عن عائشة (ولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده) لأن له اسماً
يخصه من الانقطاع والإرسال والإعضال، أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه. قال فلان وزاد
فلان ونحو ذلك فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم، بل حكمه حكم
العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم به ابن الصلاح قال: وبلغني
عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسماً من التعليق ثانياً وأضاف إليه قول البخاري وقال
لي فلان وزادنا فلان فوسم كل ذلك بالتعليق.
قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح ههنا هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع
(١) النكت ص (٩٣) . ..

١١٧
النوع الحادي عشر: المعضل
الرَّابِعُ: إِذَا رَوَى بَعْضُ الثقَاتِ الضابِطِينَ الْحَدِيثَ مُرْسلاً وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلاً، أَوْ بَعْضُهُمْ
مَوْقُوفاً، وَبَعْضُهُمُ مَزْفُوعاً، أَوْ وَصَلَهُ هُوَ أَوْ رَفَعَهُ فِي وَقْتٍ أَوْ أَرْسَلَهُ وَوَقَفَهُ فِي وَقْتٍ
فالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكم لِمَنْ وَصَلَهُ أَوْ رَفَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَالِفُ لَهُ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ؛ لأنّ ذَلِكَ زِيَادَةُ
ثِقَةٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ
الصحيح، فجعل من أمثلة التعليق قول البخاري: قال عفان كذا وقال القعنبي كذا وهما من
شيوخ البخاري؛ والذي عليه عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد والمزي أن لذلك
حكم العنعنة، قال ابن الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري وهو أعرف
بالبخاري: كل ما قال البخاري: قال لي فلان أو قال لنا فهو عرض ومناولة، وقال غيره:
المعتمد في ذلك ما حققه الخطيب من أن قال ليست كعن فإن الاصطلاح فيها مختلف، فبعضهم
يستعملها في السماع دائماً كحجاج بن موسى المصيصي الأعور وبعضهم بالعكس لا يستعملها إلا
فيما لم يسمعه دائماً، وبعضهم تارة كذا وتارة كذا كالبخاري، فلا يحكم عليها بحكم مطرد،
ومثل قال: ((ذكر)) استعملها أبو قرة في سننه في السماع، لم يذكر سواها فيما سمعه من شيوخه
في جمع الكتاب.
تنبيه :
فرّق ابن الصلاح والمصنف أحكام المعلق فذكرا بعضه هنا وهو حقيقته وبعضه في نوع
الصحيح وهو حكمه، وأحسن من صنيعهما صنيع العراقي حيث جمعهما في مكان واحد في نوع
الصحيح، وأحسن من ذلك صنيع ابن جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا.
(الرابع: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلاً وبعضهم متصلاً أو بعضهم موقوفاً
وبعضهم مرفوعاً أو وصله هو أو رفعه في وقت أو أرسله ووقفه في وقت) آخر (فالصحيح) عن
أهل الحديث والفقه والأصول (أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله) في
الحفظ والإتقان (أو أكثر) منه (لأن ذلك) أي الرفع والوصل (زيادة ثقة وهي مقبولة) على ما
سيأتي، وقد سئل البخاري عن حديث لا نكاح إلا بولي(١)، وهو حديث اختلف فيه على
أبي إسحاق السبيعي فرواه شعبة والثوري عنه عن أبي بردة عن النبي وَالر مرسلاً، ورواه
إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق عن أبي بردة عن موسى متصلاً فحكم
البخاري لمن وصله، وقال الزيادة من الثقة مقبولة، هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما
جبلان في الحفظ والإتقان، وقيل لم يحكم البخاري بذلك لمجرد الزيادة بل لأن لحذاق
المحدثين نظراً آخر وهو الرجوع في ذلك إلى القرائن دون الحكم بحكم مطرد، وإنما حكم
البخاري لهذا الحديث بالوصل لأن الذي وصله عن أبي إسحاق سبعة: منهم إسرائيل حفيده وهو
أثبت الناس في حديثه لكثرة ممارسته له، ولأن شعبة وسفيان سمعه منه في مجلس واحد ((بدليل
,(١) أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١ و ١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٨٠ و١٨٨١)، وأحمد ٣٩٤/٤.

١١٨
النوع الثاني عشر: التدليس
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ لِمَنْ أَزْسَلَهُ، أَوْ وَقَفَهُ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ المُحَدِّثِينَ، وَعِنْدَ
بَعْضِهِمِ الْحُكم لِلْأَكْثَرِ، وَبَعْضِهِمْ لِلْأحْفَظِ، وَعَلَى هذَا لَوْ أَرْسَلَهُ أَزْ وَقَفَهُ الأحْفَظُ لاَ يَقْدَحُ
الْوَصْلُ وَالرَّفْعُ فِي عَدَالَةِ رَاوِيِهِ؛ وَقِيلَ يَقْدَحُ فِيهِ وَصْلُهُ مَا أَرْسَلَهُ الحُفّاظُ .
النوع الثاني عشر : التَّدْلِيسُ وَهُوَ قِسْمَانِ
الأوَّل: تَدْلِيسُ الإسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَ عَمَّنْ عَاصَرَهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ مُوهِماً سَمَاعَهُ قَائِلاً:
قَالَ فُلاَنٌ، أَوْ عَنْ فُلاَنٍ وَنَحْوَهُ؛
رواية الطيالسي في مسنده، قال حدثنا شعبة قال سمعت سفيان الثوري يقول لأبي إسحاق
أحدَّثك أبو بردة عن النبي وَل 9، فذكر الحديث، فرجعا كأنهما واحد، فإن شعبة إنما رواه
بالسماع على أبي إسحاق بقراءة سفيان، وحكم الترمذي في جامعه بأن رواية الذين وصلوه
أصح، قال لأن سماعهم منه في أوقات مختلفة، وشعبة وسفيان سمعاه في مجلس واحد، وأيضاً
فسفيان لم يقل له: ولم يحدثك به أبو بردة إلا مرسلاً، وكان سفيان قال له أسمعت الحديث منه
فقصده إنما هو السؤال عن سماعه له لا كيفية روايته له (ومنهم من قال الحكم لمن أرسله أو
وقفه، قال الخطيب وهو قول أكثر المحدثين وعن بعضهم الحكم للأكثرو) عن (بعضهم) الحكم
(للأحفظ وعلى هذا) القول (لو أرسله أو وقفه الأحفظ لا يقدح الوصل والرفع في عدالة راويه)
ومسند من الحديث غير الذي أرسله (وقيل يقدح فيه وصله ما أرسله) أو رفعه ما وقفه (الحفاظ)
وصحح الأصوليون في تعارض ذلك من واحد في أوقات أن الحكم لما وقع منه أكثر، فإن كان
الوصل أو الرفع أكثر قدم، أو ضدهما فكذلك، قلت بقي عليهم ما إذا استويا، بأن وقع كل
منهما في وقت فقط أو وقتين فقط، قال الماوردي: لا تعارض بين ما ورد مرفوعاً مرة وموقوفاً
على الصحابي أخرى، لأنه يكون قد رواه وأفتى به.
(النوع الثاني عشر: التدليس(١) وهو قسمان) بل ثلاثة أو أكثر كما سيأتي (الأول تدليس
الإسناد بأن يروي عمن عاصره) زاد ابن الصلاح(٢) أو لقيه (ما لم يسمعه عنه) بل سمعه من رجل
عنه (موهماً سماعه) حيث أورده بلفظ يوهم الاتصال ولا يقتضيه (قائلاً قال فلان أو عن فلان
ونحوه) كأن فلاناً، فإن لم يكن عاصره فليس الرواية عنه بذلك تدليساً على المشهور، وقال قوم
إنه تدليس، فحدوه بأن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحاً
بالسماع، قال ابن عبد البر: وعلى هذا فما أحد من التدليس لا مالك ولا غيره، وقال الحافظ أبو
بكر البزار وأبو الحسن بن القطان: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر
(١) التدليس: في اللغة: مأخوذ من الدَّلَس - بفتح اللام - وهو: اختلاط الظلام بالنور، وأطلقه المحدثون
على الأنواع الآتية؛ لاشتراكها في الخفاء وعدم الوضوح. ((الوسيط)) ص (٢٩٥).
(٢) علوم الحديث ص (٩٥).

١١٩
النوع الثاني عشر: التدليس
وَرَبَّمَا لَمْ يُسْقِطْ شَيْخَهُ أَوْ أَسْقَطَ غَيْرَهُ ضَعِيفاً أَوْ صَغِيراً تَحْسِيناً لِلْحَدِيثِ.
أنه سمعه منه، قال: والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه.
قال العراقي: والقول الأول هو المشهور، وقيده شيخ الإسلام بقسم اللقاء وجعل قسم
المعاصرة إرسالاً خفياً، ومثل قال وعن وأنّ ما لو أسقط أداة الرواية وسمي الشيخ فقط فيقول
فلان، قال علي بن خَشْرَم كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له حدثكم الزهري فسكت ثم
قال: الزهري فقيل له سمعته من الزهري فقال لا ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق
عن معمر عن الزهري، لكن سمي شيخ الإسلام هذا تدليس القطع (وربما لم يسقط شيخه أو
أسقط غيره) أي شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه (ضعيفاً) وشيخه ثقة (أو صغيراً) وأتى فيه بلفظ
محتمل عن الثقة الثاني (تحسيناً للحديث) وهذا من زوائد المصنف على ابن الصلاح، وهو قسم
آخر من التدليس يسمى تدليس التسوية سماه بذلك ابن القطان وهو شر أقسامه، لأن الثقة الأول
قد لا يكون معروفاً بالتدليس ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر
فيحكم له بالصحة، وفيه غرور شديد، وممن اشتهر بفعل ذلك بقية بن الوليد، قال ابن أبي حاتم
في العلل: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية: حدثني أبو وهب
الأسدي عن نافع عن ابن عمر حديث: لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه، فقال أبي
هذا الحديث له أمر قل من يفهمه، روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة
عن نافع عن ابن عمر، وعبيد الله كنيته أبو وهب، وهو أسدي، فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد كي
لا يفطن له حتى إذا ترك إسحاق لا يهتدي له، قال: وكان بقية من أفعل الناس لهذا، وممن
عرف به أيضاً الوليد بن مسلم.
قال أبو مسهر كان يحدث بأحاديث الأوزاعي من الكذابين ثم يدلسها عنهم، وقال صالح
جزرة سمعت الهيثم بن خارجة يقول. قلت للوليد قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال كيف، قلت
تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد،
وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري أبا الهيثم بن
مرة قال: أنبل الأوزاعي أن تروي عن مثل هؤلاء، قلت فإذا روى هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث
مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضعف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى
قولي. قال الخطيب وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا، قال العلائي: وبالجملة
فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرهاً.
قال العراقي وهو قادح فيمن تعمد فعله، وقال شيخ الإسلام لا شك أنه جرح وإن وصف
به الثوري والأعمش، فلا اعتذار أنهما لا يفعلانه إلا في حق من يكون ثقة عندما ضعيفاً عند
غيرهما، قال: ثم ابن القطان إنما سماه تسوية بدون لفظ التدليس فيقول سواه فلان وهذه تسوية
والقدماء يسمونه تجويداً فيقولون جوده فلان، أي ذكر من فيه من الأجواد وحذف غيرهم، قال:
والتحقيق أن يقال متى قيل تدليس التسوية فلا بد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم