النص المفهرس
صفحات 1-20
أَدْرِ يُ الروى شَرح ◌َقْرِبِ النَّاوي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السَّيُ فيهِ الترث سنة ٩١١ هـ شرع ألفاظه وحنّج عليه أبو عبد الرحمن مثل بن محمد بن عريضة ١ - ٢ دار الكتب شمـ جيرى تَدِيرُ الَراوى يف شَرِح ◌َقِرِيبِ النََّاوي للإمام جلال الدّين عبدالرحمن بن أبي بكر السَّيُوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ شرح ألفاظه وعلق عليه أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة إ مصاري الجُزءُ الأوّل دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved Exclusive rights by DAR al-KOTOB al- ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. الطّبعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت العنوان تلفون وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٢٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١ ) .. صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان DAR al-KOTOB al-ILMIYAH Beirut - Lebanon Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore. Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon إِلّهِالرَّمنِ الرَّحْمِ مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أسانید الدین. أما بعد : فهذا كتاب ((تدريب الراوي)) أقدمه لإخواننا المشتغلين بعلم الحديث النبوي، وأسأل الله تعالى أن يتقبل عملي فيه وأن يغفر لي ويرحمني. روايتنا لهذا الكتاب : أروي هذا الكتاب عن شيخنا العلامة محمد حبيب الله الرباني عن شيخه أبي الفيض محمد ياسين الفاراني عن الشيخ عمر بن حمدان المحرسي عن محمد أبي النصر بن عبد القادر الخطيب الدّمشقي عن المعمَّر عبد الله بن محمد التّي الشامي عن العارف عبد الغني النابلسي عن التقي عبد الباقي الحنبلي عن المعمّر عبد الرحمن البهوتي الحنبلي عن الشمس محمد بن عبد الرحمن العلقمي عن المؤلف الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله ورضي عنه . کتبه أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة .... i ٦ ترجمة المؤلف اسمه ولقبه : هو عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق بن همام الدين الخضيري الأسيوطي. مولده : ولد في القاهرة بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة (٨٤٩هـ) في الجانب الغربي من النيل من نواحي الصعيد. شيوخه : لزم الشيخ علم الدين البلقيني في الفقه حتى مات وشيخ الإسلام شرف الدين المناوي ولزم الشيخ تقي الدين الحنفي والشيخ محيي الدين الكافيجي، وأخذ عنه التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك. تبحره في العلوم: رزق التبحر في سبعة علوم: التفسير والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان والبديع على طريقة العرب البلغاء. مؤلفاته : للسيوطي مؤلفات كثيرة نذكر منها: ١ - آداب الفتيا. ٢ - آكام المرجان في أخبار الجان. ٣ - الأحاديث المشتهرة على الألسنة. ٦ ترجمة المؤلف ٤ - تجريد أحاديث الموطأ. ٥ - تدريب الراوي (وهو هذا الكتاب). ٦ - الجامع الصغير من حديث البشير النذير. ٧ - الخصائص الكبرى. ٨ - الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج. ٩ - الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة. فرحمه الله رحمة واسعة، وأسبغ عليه من رضوانه. کتبه أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضه ٠٫٠٠ بشـ ◌َُّهِلَّمَنِ الرَّحــ مقدمة المؤلف الحمد لله الذي جعل أنساب من انقطع إليه موصولة، ورفع مقام الواقف ببابه، وآتاه مناه وسُولَه، وأدرج في زمرة أحبابه من لم تكن نفسه بزخارف المبطلين معلولة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة برداء الإخلاص مشمولة، وللملكوت الأعلى صاعدة مقبولة، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الذي بلغ به من إكمال الدين مأموله، وآتاه جوامع الكلم، فنطق بجواهر الحكم، وفاح من حدائق أحاديثه في الخافقَيْنِ شذا أزهارها المطولة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ذوي الأصول الكريمة والأمجاد المأثولة. أما بعد: فإن علم الحديث رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر، لا يعتني به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غَمر، ولا تفنى محاسنه على ممر الدهر، وكنت ممن عبر إلى لجة قاموسه، حيث وقف غيري بشاطئه، ولم أكتف بورود مجاريه، حتى بَقَرْت عن منبعه ومناشئه، وقلت لمن على الراحة عوَّل، متمثلاً بقول الأوّل: يَوْماً على الأحساب نتكل لسنا وإن كُنَّا ذوي حسب تبني ونفعل مثل ما فعلوا نبني كما كانت أوائلنا مع ما أمدني الله تعالى به من العلوم، كالتفسير الذي به يُطلع على فهم الكتاب العزيز، وعلومه التي دونتها ولم أسبق إلى تحريرها الوجيز، والفقه الذي من جهله فأنى له الرفعة والتمييز، واللغة التي عليها مدار فهم السنة والقرآن، والنحو الذي يفتضح فاقده بكثرة الزلل ٨ مقدمة المؤلف ولا يصلح الحديث لِلحَان، إلى غير ذلك من علوم المعاني والبيان، التي لبلاغة الكتاب والحديث تبيان، وقد ألّفت في كل ذلك مؤلفاتٍ، وحررت فيها قواعد ومهمات، ولم أكن كغيري ممن يدعي الحديث بغير علم، وقصارى أمره كثرة السماع على كل شيخ وعجوز، غير متلفت إلى معرفة ما يحتاج المحدث إليه أن يجوز، ولا مكترث بالبحث عما يمتنع أو يجوز، ثم ظن الانفراد بجمع الكتب والضن بها على طلابها، فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً عارياً عن الانتفاع بخطابها، إن سئل عن مسألة في المصطلح لم يهتد إلى جوابها، أو عرضت له مسألة في دينه لم يعرف خطأها من صوابها، أو تلفظ بكلمة من الحديث لم يأمن أن يزل في إعرابها، فصار بذلك ضحكة للناظرين، وهزأة للساخرين، والله تعالى حسبي وهو خير الناصرین. هذا، وقد طالما قَيّدْتُ فى هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوادر، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب، ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب، فرأيت كتاب ((التقريب والتيسير)) لشيخ الإسلام الحافظ، ولى الله تعالى أبي زكريا النواوي، كتاباً جل نفعه، وعلا قدره، وكثرت فوائده، وغزرت للطالبين موائده، وهو مع جلالته وجلالة صاحبه وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه لم يتصدّ أحد إلى وضع شرح عليه، ولا الإنابة إليه. فقلت لعل ذلك فضل ذَخَره الله تعالى لمن يشاء من العبيد، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، فقوي العزم على كتابة شرح عليه كافل بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه ومبانيه، مع ذكْرِ ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد أو اعتراض، مع الجواب عنه إن كان، مضافاً إليه زوائد عليّة، وفوائد جليّة، لا توجد مجموعة في غيره، ولا سار أحد قبله کسیره، فشرعت في ذلك مستعيناً بالله تعالى، ومتوكلاً عليه، وحبذا ذاك اتكالاً؛ وسميته ((تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)» وجعلته شرحاً لهذا الكتاب خصوصاً، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عموماً. والله تعالى أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه، فهو بإجابة السائل أحرى، وينفع به مؤلفه وقارئه في الدنيا والأخرى. وهذه مقدمة فيها فوائد: الأولى: في حد علم الحديث وما يتبعه: قال ابن الأكفاني في كتاب إرشاد القاصد(١)، الذي تكلم فيه على أنواع العلوم: علم الحديث الخاص بالرواية ((علم يشتمل على أقوال النبي وَّر وأفعاله، وروايتها، وضبطها، وتحرير ألفاظها)). وعلم الحديث الخاص بالدراية ((علم يعرف منه حقيقة الرواية، وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال (١) تمامه: ((إلى أسنى المطالب)). ٩ مقدمة المؤلف الرواة، وشروطهم، وأصناف المرويات، وما يتعلق بها)). فحقيقة الرواية: نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث أو إخبار وغير ذلك، وشروطها: تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل، من سماع أو عرض أو إجازة ونحوها، وأنواعها: الاتصال والانقطاع ونحوهما، وأحكامها: القبول والرد. وحال الرواة: العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل وفي الأداء كما سيأتي، وأصناف المرويات: المصنفات من المسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، أحاديث وآثاراً وغيرهما، وما يتعلق بها: هو معرفة اصطلاح أهلها. وقال الشيخ عز الدين(١) بن جماعة: علم الحديث ((علم (٢) بقوانين يعرف(٣) بها أحوال السند والمتن)) وموضوعه السند والمتن. وغايته معرفة الصحيح من غيره. وقال شيخ الإسلام أبو الفضل(٤) بن حجر: أولى التعاريف له أن يقال: ((معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي)) وإن شئت حذفت لفظ ((معرفة)) فقلت القواعد الخ. وقال الكرماني في شرح البخاري: واعلم أن الحديث موضوعه ذات رسول الله وَّر من حيث إنه رسول الله. وحدّه هو ((علم يعرف به أقوال رسول الله وَ لهل وأفعاله وأحواله)) وغايته: هو الفوز بسعادة الدارين. وهذا الحد مع شموله لعلم الاستنباط غير محرر، ولم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجب من قوله: إن موضوع علم الحديث ذات الرسول؟ ويقول: ((هذا موضوع الطب لا موضوع الحديث)). وأما السند فقال البدر بن جماعة والطّيبي: هو الإخبار عن طريق(٥) المتن، قال ابن جماعة(٦): وأخذه إما من السند، وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو (٧) من قولهم: فلان سند، أي معتمد، فسمى الإخبار عن طريق المتن سنداً (١) عز الدين بن جماعة هو: محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي الحموي. حدث بالكثير، وتفرد في وقته، وقصد بالفتوى من الأقصار. مات سنة (٧٣٣هـ). له ترجمة في: البداية والنهاية ١٦٣/١٤، والرسالة المستطرفة (٢١٤)، ومرآة الجنان ٢٨٧/٤ . (٢) علم بقوانين: أي بقواعد وضوابط، كقولك: ((الصحيح ما احتوى على اتصال السند والعدالة والضبط، وخلا من الشذوذ والعلة القادمة، والحسن كذلك، والضعيف: ما خلا عنها، أو عن بعضها. ((نيل الأماني)) ص (١٥). (٣) يعرف بها أحوال ... الخ: أي سواء العامة للسند والمتن والخاصة بأحدهما، فالصحة والحسن والضعف عامة لهما، والعلو والنزول مثلاً خاصة بالسند. ((حاشية الأجهوري)) ص (٩) بتصرف. (٤) أبو الفضل بن حجر هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي. كان إمام الحفاظ في زمانه. مات سنة (٨٥٢). له ترجمة في شذرات الذهب ٧/ ٢٧٠، والضوء اللامع ٣٦/٢. (٥) طريق المتن: أي سلسلة الرواة الناقلين عن الرسول وَلايه، سموا طريقاً على سبيل المجاز؛ لأنهم يوصلون إلى المتن كما يوصل الطريق إلى المكان المقصود. ((المصباح)) ص (٩). (٦) المنهل الروي ص (٨٠). (٧) أو من قولهم فلان سند: أي مأخوذ. ١٠ مقدمة المؤلف لاعتماد (١) الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه. وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطّيبي: وهما متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليهما. وقال ابن جماعة(٢): المحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد، وأما المسند بفتح النون فله اعتبارات: أحدها: الحديث الآتي تعريفه في النوع الرابع من كلام المصنف، الثاني: الكتاب الذي جمع فيه ما أسنده الصحابة، أي رووه، فهو اسم مفعول، الثالث: أن يطلق ويراد به الإسناد، فيكون مصدراً، كمسند(٣) الشهاب ومسند (٤) الفردوس: أي أسانيد أحاديثهما. وأما المتن فهو ((ألفاظ الحديث التي تتقوم بها المعاني))، قاله الطيبي، وقال ابن جماعة(٥)، هو ما ينتهي إليه غاية السند من الكلام، من(٦) المماتنة وهي: المباعدة(٧) في الغاية، لأنه غاية السند، أو من مَتَنْت الكبش: إذا شققت (٨) جلدة بيضته واستخرجتها(٩)، فكأن المسند استخرج المتن بسنده، أو من المتن(١٠) وهو: ما صلُب وارتفع من الأرض، لأن المسند يقويه بالسند ويرفعه إلى قائله، أو من تمتين القوس أي شدها بالعصب، لأن المسند يقوي الحدیث بسنده . وأما الحديث فأصله: ضد القديم وقد استعمل في قليل الخبر وكثيره، لأنه يحدث شيئاً فشيئاً، وقال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري: المراد بالحديث في عرف الشرع ((ما يضاف إلى النبي (وَ ل#)). وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم، وقال الطيبي: الحديث أعم (١) لاعتماد الحفاظ: علة لمقدر مأخوذ مما قبله، أي إنما أخذ من ذلك؛ لاعتماد ... الخ. فهو بيان للمناسبة بين المنقول والمنقول عنه اللغوي والاصطلاحي. ((حاشية الأجهوري)) ص (١٠). (٢) المنهل ص (٨١). (٣) الشهاب: كتاب للقضاعي، وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن سلامة ذكر فيه أحاديث غير مسنده ثم ذكر أسانيدها في كتاب سماه ((مسند الشهاب)). ((حاشية الوسيط)) ص (١٨). (٤) الفردوس: اسم كتاب للديلمي ذكر فيه أحاديث غير مسندة، فجاء ولده وألف كتاباً جمع فيه أسانيد تلك الأحاديث، وسماه مسند الفردوس. ((نيل الأماني)) ص (١٧). (٥) المنهل ص (٨٠). (٦) من المماتنة: ففعله ((ماتن)) كما في ((الخلاصة)). ((حاشية الأجهوري)) ص (١٠) .. (٧) المباعدة: أي البعد، والمراد بالغاية: جميع المسافة. ((نفس المصدر)). (٨) شققت ... الخ: أي فرجتها من غير انفصال بخلاف القطع، فإنه الفرج مع الفصل، كما في اللغة. ((نفس المصدر)). (٩) واستخرجتها: أي مع عروقها كما في ((القاموس)) و((الصحاح))، فكان عليه أن يزيد بعروقها، وجلدة البيضة: وعاء الخصية، كما في كتب اللغة. ((نفس المصدر)). (١٠) المتن: قال في ((المختار)): متن الشيء صلب، وبابه ((خراف)). ((نفس المصدر)). " ١ ١١ مقدمة المؤلف من أن يكون قول النبي لة والصحابي والتابعي وفعلهم وتقريرهم. وقال شيخ الإسلام في شرح النخبة (١): الخبر عند علماء الفن مرادف للحديث، فيطلقان على المرفوع وعلى الموقوف والمقطوع، وقيل الحديث ما جاء عن النبي ◌ّر، والخبر (٢) ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالسنة محدث، وبالتواريخ (٣) ونحوها أخباري، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر ولا عكس، وقيل: لا يطلق الحديث على غير المرفوع إلا بشرط التقييد. وقد ذكر المصنف في النوع السابع: أن المحدثين يسمون المرفوع والموقوف بالأثر، وأن فقهاء خراسان (٤) يسمون الموقوف بالأثر والمرفوع بالخبر(٥). ويقال: أثّرْت الحديث بمعنى رويته، ويسمى المحدّث أثريا نسبة للأثر. الثانية: في حد الحافظ والمحدث والمسند. اعلم أن أدنى درجات الثلاثة، المسند بكسر النون، وهو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد رواية، وأما المحدّث فهو أرفع منه. قال الرافعي وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا علم لهم بطرقه ولا بأسماء الرواة والمتون، لأن السماع المجرد ليس بعلم. وقال التاج بن يونس في ((شرح التعجيز)): إذا أوصى للمحدث تناول مَنْ علم طرق إثبات الحديث وعدالة رجاله، لأن من اقتصر على السماع فقط ليس بعالم. وكذا قال السبكي في ((شرح المنهاج)). وقال القاضي عبد الوهاب: ذكر عيسى بن أَبان عن مالك أنه قال: لا يؤخذ العلم عن (١) ص (١٨). (٢) والخبر ما جاء عن غيره: يعني من أخبار الملوك والسلاطين والأيام الماضية. (٣) التواريخ: جمع تاريخ، وللتاريخ معنيان: أحدهما: لغوي، وهو الإعلام بالوقت. يقال: أرخت الكتاب وورخته، أي: بينت وقت كتابته. وقال الجوهري: التاريخ تعريف الوقت، والتوريخ مثله. يقال: أرخت وورّخت. وقيل: اشتقاقه من الإِرَخ يعني: بفتح الهمزة وكسرها، وهو صغار الأنثى من بقر الوحش؛ لأنه شيء حدث كما يحدث الولد. والثاني: اصطلاحي، وهو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال: من مولد الرواة، والأئمة، ووفاة، وصحة وعقل، ورحله ... الخ. ((الإعلان بالتوبيخ)) ص (١٩ - ٢٠). (٤) خُراسان: بضم الخاء المعجمة. (٥) قال أبو القاسم الفوراني منهم: الفقهاء يقولون الخبر ما يروى عن النبي ◌َّر، والأثر ما يروى عن الصحابة . وفي ((النخبة)) لشيخ الإسلام: ويقال للموقوف والمقطوع الأثر. ((الوسيط)) ص (١٧) . . ١٢ مقدمة المؤلف أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: لا يؤخذ عن مبتدع يدعو إلى بدعته، ولا عن سفيه يعلن بالسفه، ولا عمن يكذب في أحاديث الناس، وإن كان يصدق في أحاديث النبي وَّ، ولا عمن لا يعرف هذا الشأن(١)، قال القاضي: فقوله ولا عمن لا يعرف هذا الشأن، مراده إذا لم يكن ممن يعرف الرجال من الرواة، ولا يعرف هل زِيدَ في الحديث شيء أو نقص؟ (٢). وقال الزركشي: أما الفقهاء فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ سند الحديث، وعلم عدالة رجاله وجَزْحها، دون المقتصر على السماع. وأخرج ابن السَّمْعاني في تاريخه بسنده عن أبي نصر حسين بن عبد الواحد الشيرازي قال: العالم الذي يعلم المتن والإسناد جميعاً، والفقيه الذي عرف المتن ولا يعرف الإسناد، والحافظ الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد. وقال الإمام الحافظ أبو شامة(٣): علوم الحديث الآن ثلاثة، أشرفها حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني حفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، وهذا كان مهمًّا وقد كُفيه المشتغل بالعلم بما صنف فيه وألّف فيه من الكتب، فلا فائدة إلى تحصيل ما هو حاصل. والثالث جمعه وكتابته وسماعه وتَطْريقه وطلب العلوّ فيه، والرحلة إلى البلدان، والمشتغل بهذا مُشتغل عما هو الأهم من العلوم النافعة، فضلاً عن العمل به الذي هو المطلوب الأصلي، إلا أنه لا بأس به لأهل البطالة لما فيه من بقاء سلسلة الإسناد المتصلة بأشرف البشر. قال: ومما يزهد في ذلك أن فيه يتشارك الكبير والصغير، والفدْم والفاهم، والجاهل والعالم. وقد قال الأعمش (٤): حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ، ولاَمَ (١) وروي بنحوه عن يحيى بن معين. ((الرحلة في طلب الحديث)) ص (٨٩). (٢) وقال الخطيب: أراد من عرفت مجالسته للعلماء، أو أخذه عنهم أغنى ظهور ذلك من أمره عن أن يسأل عن حاله. نقله السخاوي ٢٩٥/١ - ٢٩٦. (٣) أبو شامة هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي الشافعي. برع في علم اللسان والقراءات، وولى مشيخة الحديث بالدار الأشرفية. مات سنة خمس وستين وستمائة. له ترجمة في: البداية والنهاية ٢٥٠/١٣، وشذرات الذهب ٣١٨/٥، والنجوم الزاهرة ٢٢٤/٧. (٤) الأعمش هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي. رأى أنساً وأبا بكرة. قال ابن المديني: حفظ العلم على أمة محمد ◌ً بالكوفة أبو إسحاق السبيعي، والأعمش. مات سنة (١٤٨ هـ). له ترجمة في: تاريخ بغداد ٣/٩، وشذرات الذهب ٢٢٠/١، ووفيات الأعيان ٢١٣/١. ١٣ مقدمة المؤلف إنسان أحمد في حضور مجلس الشافعي وتركِه مجلسَ سفيان بن عيينة، فقال له أحمد: اسكت فإن فاتك حديث بعلوّ تجده بنزول ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده اهـ. . قال شيخ الإسلام: وفي بعض كلامه نظر، لأن قوله: وهذا قد كُفيه المشتغل بما صنف فيه قد أنكره العلامة أبو جعفر بن الزبير وغيره، ويقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال على ذلك وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفن الأول، فإن فقه الحديث وغريبه لا يحصى كم صُنف فيه، بل لو ادعى مدعٍ أن التصانيف فيه أكثر من التصانيف في تمييز الرجال، والصحيح من السقيم لما أَبْعَد، بل ذلك هو الواقع. فإن كان الاشتغال بالأول مهمًّا فالاشتغال بالثاني أهم، لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخلّ به خلط السقيم بالصحيح، والمعدّل بالمجرح، وهو لا يشعر. قال: فالحق أن كلاً منهما في علم الحديث مهمّ، ولا شك أن من جمعهما حاز القدح المعلّى مع قصور فيه إن أخلّ بالثالث، ومن أخلّ بهما فلا حظّ له في اسم الحفاظ، ومن أحرز الأول وأخلّ بالثاني كان بعيداً من اسم المحدّث عرفاً، ومن يحرز الثاني وأخلّ بالأول لم يبعد عنه اسم المحدّث، ولكن فيه نقص بالنسبة إلى الأول، وبقي الكلام في الفن الثالث، ولا شك أن من جمع ذلك من الأوّلين كان أوفر سهماً وأحظّ قِسماً، ومن اقتصر عليه كان أخس حظًّا وأبعد حفظاً، ومن جمع الثلاث كان فقيهاً محدثاً كاملاً، ومن انفرد باثنين منهما كان دونه، إلا أن من اقتصر على الثاني والثالث فهو محدّث صِرْف، لا حظ له في اسم الفقيه، كما أن من انفرد بالأول فلا حظ له في اسم المحدّث، ومن انفرد بالأول والثاني فهل یسمی محدثاً؟ فیه بحث اهـ. وفي غضون كلامه ما يشعر باستواء المحدث والحافظ، وقد كان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى، كما روى أبو سعد السّمْعَاني بسنده إلى أبي زُرعة الرازي: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول: من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاءً لم يعدّ صاحب حدیث. وفي الكامل لابن عديّ من جهة النّفَيلي، قال. سمعت هشيماً يقول: من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث. والحق أن الحافظ أخص، وقال التاج السبكي في كتابه معيد النعم. من الناس فرقة ادّعت الحديث فكان قصارى أمرها النظر في مشارق الأنوار للصاغاني، فإن ترفعت إلى مصابيح البغوي، ظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا بجهلها ١٤ مقدمة المؤلف بالحديث، فلو حفظ من ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب وضم إليهما، من المتون مثليهما لم يكن محدّثاً، ولا يصير بذلك محدّثاً حتى يلج الجمل في سمّ الخياط فإن رامت بلوغ الغاية في الحديث على زعمها اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير، فإن ضمت إليه كتاب ((علوم الحديث)) لابن الصلاح أو مختصره المسمى ((بالتقريب والتيسير للنووي)) ونحو ذلك، وحينئذٍ ينادَى من انتهى إلى هذا المقام: محدّث المحدثين وبخاريّ العصر، وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإن من ذكرناه لا يعد محدّثاً بهذا القدر، وإنما المحدث من عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية. هذا أقل درجاته، فإذا سمع ما ذكرناه وكتب الطّباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوَفَيَات والمسانيد كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من يشاء ما يشاء. وقال في موضع آخر منه: ومن أهل العلم طائفة طلبت الحديث وجعلت دأبها السماع على المشايخ ومعرفة العالي من المسموع والنازل، وهؤلاء هم المحدِّثون على الحقيقة، إلا أن كثيراً منهم يجهد نفسه في تهجي الأسماء والمتون وكثرة السماع من غير فهم لما يقرؤونه، ولا تتعلق فكرته بأكثر من أني حصّلت جزء ابن عرفة عن سبعين شيخاً، وجزء الأنصاري عن كذا كذا شيخاً، وجزء البطاقة، ونسخة أبي مسهر وأنحاء ذلك، وإنما كان السلف يستمعون فيقرؤون فيرحلون فيفسرون، ويحفظون فيعملون، ورأيت من كلام شيخنا الذهبي في وصية لبعض المحدِّثين في هذه الطائفة: ما حظّ واحد من هؤلاء إلا أن يسمع ليروي فقط، فليعاقبنّ بنقيض قصده ولَيُشْهرنَّه الله بعد ستره مرات، وليبقين مضغة في الألسن، وعِبرة بين المحدثين ثم ◌َيَطبعن الله على قلبه، ثم قال: فهل يكون طالب من طلّب السنّة يتهاون بالصلوات أو يتعانى تلك العادات؟. وأنحس منه محدّث يكذب في حديثه ويختلق الفُشار(١)، فإن ترقّت همته المفتنّة إلى الكذب في النقل والتزوير في الطباق فقد استراح، وإن تعانى سرقة الأجزاء وكشط الأوقاف فهذا لصّ بسمْت محدّث، فإن كمّل نفسه بتلوّط أو قيادة، فقد تمت له الإفادة! وإن استعمل في العلوم فقد ازداد مهانة وخبطاً، إلى أن قال: فهل في مثل هذا الضرب خير؟ لا أكثر الله منهم اهـ. ولبعضهم: يجهل ما يروى وما يكتب إن الذي يروى ولكنه (١) في القاموس: الفشار - بالضم - الذي يستعمله العامة بمعنى الهذيان، ليس من كلام العرب. ١٥ مقدمة المؤلف تسقي الأراضي وهي لا تشرب كصخرة تنبع أمواهُهــا · وقال بعض الظرفاء في الواحد من هذه الطائفة : إنه قليل المعرفة والمخبّرة، يمشي ومعه أوراق ومحبرة، معه أجزاء يدور بها على شيخ وعجوز، لا يعرف ما يجوز مما لا يجوز: أجزاء يرويها عن الدّمياطي ومحدّث قد صار غاية علمه وفلانُ يروي ذاك عن أسباط وفلانة تروي حديثاً عالياً وافصح عن الخيّاط والحنّاط والفرق بين غريبهم وعزيزهم بين الأنام ملقب بسَناط وأبو فلان ما اسمه ومن الذي هذا زمان فيه طيّ بساطي وعلوم دين الله نادت جهرة وقال الشيخ تقي الدين السبكي: إنه سأل الحافظ جمال الدين المِزّي(١) عن حدّ الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال: يرجع إلى أهل العرف، فقلت وأين أهل العرف؟ قليل جداً، قال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب، فقلت له هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحداً كذلك؟ فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدّمياطي، ثم قال: وابنُ دقيق العيد كان له في هذا مشاركة جيدة، ولكن أين السُّها من الثرى، فقلت: كان يصل إلى هذا الحد؟ قال ما هو إلا كان يشارك مشاركة جيدة في هذا، أعني في الأسانيد، وكان في المتون أكثر لأجل الفقه والأصول. وقال الشيخ فتح الدين(٢) بن سيد الناس: وأما المحدث في عصرنا فهو: من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرَف شيوخه، وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ (وأما) ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء، فذلك بحسب أزمنتهم. (١) المزي هو: الإمام العالم الحبر أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي الكلبي الشافعي. صنف ((تهذيب الكمال)) وغيره، ورحل وسمع الكثير، ولم تر العيون مثله في معرفة الرجال. مات سنة (٧٤٢). له ترجمة في: النجوم الزاهرة ٧٦/١٠، وشذرات الذهب ١٣٦/٦ . (٢) فتح الدين بن سيد الناس هو: الإمام العلامة المحدث محمد بن محمد بن أحمد الأندلسي الأصل المصري. كان أحد الأعلام الحفاظ، إماماً في الحديث. مات سنة (٧٣٤). له ترجمة في: شذرات الذهب ١٠٨/٦ ومرآة الجنان ٢٩١/٤. ١٦ مقدمة المؤلف انتهى. وسأل شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر شيخه أبا الفضل(١) العراقي فقال: ما يقول سيدي في الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان استحق أن يسمى حافظاً؟ وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها المِزي وأبو الفتح في ذلك لنقص زمانه أم لا؟ فأجاب: الاجتهاد في ذلك يختلف باختلاف غلبة الظن في وقتٍ ببلوغ بعضهم للحفظ وغلبته في وقت آخر، وباختلاف من يكون كثير المخالطة للذي يصفه بذلك. وكلام المزي فيه ضيق، بحيث لم يسمِّ ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأما كلام أبي الفتح فهو أسهل، بأن ينشط بعد معرفة شيوخه إلى شيوخ شيوخه، وما فوق، ولا شك أن جماعة من الحفاظ المتقدمين كان شيوخهم التابعين أو أتباع التابعين، وشيوخ شيوخهم الصحابة أو التابعين،، فكان الأمر في هذا الزمان أسهل باعتبار تأخر الزمان، فإن اكتفى بكون الحافظ يعرف شيوخه وشيوخ شيوخه، أو طبقة أخرى، فهو سهل لمن جعل فنه ذلك دون غيره من حفظ المتون والأسانيد، ومعرفة أنواع علوم الحديث كلها ومعرفة الصحيح من السقيم، والمعمول به من غيره، واختلاف العلماء واستنباط الأحكام فهو أمر ممكن بخلاف ما ذكر من جميع ما ذكر، فإنه يحتاج إلى فراغ وطول عمر، وانتفاء الموانع. وقد روي عن الزهري أنه قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة، فإن صح كان المراد رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمانه من يوصف بالحفظ. وكم من حافظ غيره أحفظُ منه. انتهى. ومن ألفاظ الناس في معنى الحفظ، قال ابن مهدي: الحفظ الإتقان، وقال أبو زرعة: الإتقان أكثر من حفظ السرد، وقال غيره: الحفظ المعرفة، قال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمد قلت: يحيى بن معين هل يحفظ؟ قال: لا، إنما كان عنده معرفة، قال: قلت: فعلي بن المديني كان يحفظ؟ قال: نعم ويعرف. ومما روي في قدر حفظ الحفاظ، قال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث، وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، قيل له وما يدريك؟ قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب (٢). وقال يحيى بن معين: كتبت بيدي ألف ألف حديث (٣). وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلثمائة ألف حديث مسموعة (٤). وقال (٣) أبو الفضل العراقي هو: الإمام الكبير زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي. حافظ عصره. مات سنة (٨٠٦). له ترجمة في: شذرات الذهب ٥٥/٧، والضوء اللامع ١٧١/٤ . (١) الحث على حفظ العلم ص (٤٢ - ٤٣). (٢) أورده ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) ص (٢٧). (٣) الحث على حفظ العلم ص (٨٤). ١٧ مقدمة المؤلف أبو داود: كتبت عن رسول الله وَله خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن(١). وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث، سمعت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت أبا عبد الله بن وارة يقول: كُنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى، يعني أبا زرعة، قد حفظ سبعمائة ألف، قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث، وأقاويل الصحابة والتابعين. . وقال غيره: سئل أبو زرعة عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث، هل يحنث؟ قال: لا، ثم قال: أحفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة ﴿قل هو الله أحد﴾، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث(٢)، وقال أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان يحفظ مائة وأربعين ألفاً في التفسير والقرآن. قال الحاكم: وسمعت أبا بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن سعيد يقول: أحفظ لأهل البيت ثلاثمائة ألف حديث، قال: وسمعت أبا بكر يقول: كتبت بأصابعي عن مطّين مائة ألف حديث، وسمعت أبا بكر المزني يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت علي بن خَشْرَم. يقول: كان إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث حفظاً(٣). وأسند ابن عدي عن ابن شُبرمة عن الشعبي قال: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته(٤)، فحدثت بهذا الحديث إسحاق بن راهويه فقال: تعجب من هذا؟ قلت نعم. قال ما كُنت لأسمع شيئاً إلا حفظته، وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث، أو قال أكثر من سبعين ألف حديث في كُتبي. وأسند عن أبي داود الخفّاف قال سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كُتبي، وثلاثين ألفاً أسردها(٥)، وأسند الخطيب عن محمد بن (١) نفس المصدر ص (٥٦ - ٥٧). (٢) الحث على حفظ العلم ص (٦٣). (٣) الحث على حفظ العلم ص (٤٨). (٤) نفس المصدر ص (٦٨). (٥) نفس المصدر ص (٤٩). تدريب الراوي / ج ١/م ٢ ١٨ مقدمة المؤلف يحيى بن خالد قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزوّرة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي لداود بن عمرو الضبّي وأنا أسمع: كان يحدثكم إسماعيل بن عياش هذه الأحاديث بحفظه؟ قال: نعم، ما رأيت معه كتاباً قط، قال له لقد كان حافظاً؟ كم كان يحفظ؟ قال شيئاً كثيراً، قال أكان يحفظ عشرة آلاف؟ قال عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف، فقال أبي هذا كان مثل وکیع. وقال يزيد بن هارون: أحفظ خمسة وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث. وقال يعقوب الدَّوْرَقي كان عند هُشيم عشرون ألف حديث. وقال الآجرِّي: كان عبيد الله بن معاذ العنبري يحفظ عشرة آلاف حديث. الفائدة الثالثة: قال شيخ الإسلام: أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد الرَّامَهُزْ مُزي(١)، فعمل كتابه «المحدّث(٢) الفاصل))(٣) لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لم(٤) يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل على كتابه(٥) مستخرجاً، وأبقى فيه أشياء للمتعقب، ثم جاء بعدهم الخطيب البغدادي فعمل في قوانين الرواية كتاباً سماه ((الكفاية))(٦) وفي آدابها كتاباً سماه ((الجامع. لآداب الشيخ والسامع))(٧) وقلّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر ابن(٨) نُقطة ((كل من أنصف علم أن المحدثين بعده عيال على كُتبه)) ثم جمع ممن تأخر (١) الرَّامَهُزْمُزي: بتشديد الراء وفتح الميم الأولى وضم الثانية مع الهاء، وإسكان الراء وكسر الزاي. أصله مركب من ((رام)) و((هرمز)). قال ياقوت في ((المعجم)): ((الرام)) بالفارسية معناه المراد والمقصود. و((هرمز)): أحد الأكاسرة، فمعنى هذه اللفظة: مقصود هرمز. ((نيل الأماني)) ص (١٧). (٢) المحدِّث: بكسر الدال المهملة، كما قاله الهروي. ((نيل الأماني)) ص (١٧). (٣) الفاصل: بالصاد المهملة اسم لكتابه؛ لفصله بين الحق والباطل. ((نفس المصدر)). (٤) لم يهذب ولم يرتب: أي الأبحاث، فلم يهذبها، ولم يرتبها الترتيب الفني المناسب. ((التيسير)) ص (١٠). (٥) كتابه: أي كتاب الحاكم مستخرجاً استدرك فيه على الحاكم ما فاته في كتابه - معرفة علوم الحديث - من قواعد هذا الفن، لكنه ترك أشياء يمكن للمتعقب أن يستدركها عليه. ((نفس المصدر)). (٦) تمامه: في علم الرواية. (٧) هذا الكتاب يبحث في آداب الرواية كما هو واضح من تسميته، وهو فريد في بابه، قيم في أبحاثه ومحتوياته. ((نفس المصدر)). (٨) أبو بكر ابن نقطة هو: محمد بن عبد الغني البغدادي الحنبلي. حافظ دين ثقة، مفيد متقن محقق. ونقطة جارية جدًّ أبيه. مات سنة (٦٢٩). له ترجمة في: النجوم الزاهرة ٢٧٩/٦، ووفيات الأعيان ٥٢٠/١. ١٩ مقدمة المؤلف عنه. القاضي عياض كتابه ((الإلماع))(١) وأبو حفص الميَانَجي (٢) جزء ((ما لا يسع المحدث جهله» وغير ذلك. إلى أن جاء الحافظ الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري (٣) نزيل دمشق فجمع لما وَلِيَ تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور، فهذب فنونه وأملاه(٤) شيئاً فشيئاً، واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها، وضم إليها من غيرها نخب (٥) فوائد، فاجتمع في كتابه ما تفَرَّق في غيره، فلهذا عكف الناس عليه، فلا يحصى كم ناظم له، ومختصر ومستدرك عليه، ومقتصر، ومعارض له، ومنتصر. قال: ((إلا أنه لم يحصل ترتيبه على الوضع المناسب: بأن يذكُر ما يتعلق بالمتن وحده، وما يتعلق بالسند وحده، وما يشتركان فيه معاً، وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده، وما يختص بصفات الرواة وحده، لأنه جمع متفرقات هذا الفن من كُتب مطولة في هذا الحجم اللطيف، ورأى أن تحصيله وإلْقَاءه إلى طالبيه أهم من تأخير ذلك، إلى أن تحصل العناية التامة بحسن ترتيبه. وقد تبعه على هذا الترتيب جماعة منهم المصنف وابن كثير (٦) والعراقي والبلقيني(٧) وغيره جماعة كابن جماعة والتبريزي والطيبي والزركشي. الرابعة: اعلم أن أنواع علوم الحديث كثيرة لا تعد، قال الحازمي في كتاب (العجالة)): علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل لو (١) تمامه: ((إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع)). (٢) الميانجي: بميم فتحتية فنون مفتوحات. قال ابن أبي شريف: وجيمه بين الجيم والشين، نسبة إلى ((ميانة)) بلد بقرب أذربيجان. ((نيل الأماني)) ص (١٧). (٣) الشَّهْرُزُوري: بفتح الشين وسكون الهاء وضم الراء والزاي وسكون الواو مدينة بناها زور بن الضحاك، فنسبت إليه . (٤) وأملاه شيئاً فشيئاً: أي حرره وقرره لما مست الحاجة إليه، وحملت الداعية عليه، فلا يرد أنَّ كل إملاء يكون شيئاً فشيئاً. (٥) نخب: كصرد، جمع ((نخبة)) كنقطة، وهي خيار الشيء وضمير فوائدها راجع إلى تصانيف الخطيب. (٦) ابن كثير هو: الإمام المحدث الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القيسي البُصْرَوِيّ. قال الذهبي: إمام ثقة، محدث متقن. مات سنة (٧٧٤). له ترجمة في: النجوم الزاهرة ١٢٣/١١ وشذرات الذهب ٢٣١/٦، والبدر الطالع ١٥٣/١. (٧) البلقيني هو: الإمام العلامة شيخ الإسلام أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير الكناني الشافعي. ولي قضاء الشام، وتدريس الخشابية. مات سنة (٨٠٥). له ترجمة في: شذرات الذهب ٥١/٧، وطبقات المفسرین للداودي ٣/٢.