النص المفهرس

صفحات 121-140

السنن الأبين
ص : 121
وهَذا يَقْتَضِي أَنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَسانيدِ المُعنعنَةِ مُرسَلَّةٌ .
الثالث :
أَنَّهم إِنَّا كَانَ تَفقُّدُ مَن تَفقَّدَ مِنهم سَماعَ رَاويةٍ (١) الحديثِ مِّن رَوىَ
عَنْهُمْ إِذا كَانَ الرَّاوِي مَمَّنْ عُرِفَ بالتدليسِ .
وهَذانِ الفصلانِ مُشْكلانَ، فإِنَّك قُلتَ: إِنَّهم يُرسِلُون كَثِيرًا وأَنَّ هَذا
فِي الرِّواياتِ كَثِيرٌ يَكْتُرُ تَعْدَادُهُ (٢) .
وقُلتَ: ((إِنَّ المُعنعَنَ يُحمَلُ عَلى الاتصالِ حَتَّى يَتبيَّن الانفصالُ)) (٣).
وذلك ■ بِبَادي الرأيٍ مُتناقِضٌ .
[ق٢٨/ب]
وقَدْ كُنتُ أَرَى قديمًا - أَّانَ كُنتُ مُقَلِّدًا لَّك فِي دَعوَى الإجماعِ فَي
أَن ((عن)) مُحمولةٌ عَلى الاتصالِ مِمَّن ثَتَتْ مُعَاصرتُهُ لِمَنْ رَوَى عَنُه - أَنَّ
مَنْ عَنعَنَ عَمَّن سَمِعَ منهُ مَا لَم يَسمع مُدلِّسٌ، وكُنتُ أَرَى أَنّ دَليلَكَ عَلى
(١) كَتب في الأصلِ: ((رواية)) وضَبَّبَ عليها وصَححها - أيضًا -، وكتب في
الهامش: ((راوية)) وصححها، فأثبت التي في الهامش لتلائمها مع السياقٍ جدًّا .
(٢) هذا ذكرهُ ابنُ رُشَيْدٍ بالمعنى، وهو مأخوذٌ مِّن قَولِ الإِمامِ مُسلمٍ: ((فَلَمَّا رَأيْتُهُم
اسْتجازُوا رِوايةَ الحديثِ بَينَهُم هَكذا عَلى الإِرسالِ مِن غَيرِ سَماع ... )) ((المقدمة))
(ص: ٢٤) ومِن قَولِهِ: ((فجائزٌ لَّكُلِّ واحدٍ مِّنْهُم أَن يَنزِلَ في بعضِ الروايةِ
. ومَا قُلنا مِن هَذا مَوجودٌ
فيَسمعَ مِن غَيرِهِ عنهُ بَعضَ أَحادِثِهِ ثُمَّ يُرسِلَهُ عنه ......
فِي الحديث مُستَفِيضٌ ... )) ومن قوله (ص: ٢٥): ((الأئمةُ الذين نقلوا الأخبارَ
أَنَّهُم كَانِتْ لَهم تَاراتٌ يُرسِلُون فِيها الحديثَ إِرسالًا ... )).
(٣) وهذا - أيضًا - مَذكورٌ بالمعنى مِن قَولِ الإِمامِ مُسلم بَعدَ أَن ذَكَرَ شَرطَهُ: ((فَأَمَّا
والأَمرُ مُبهَمٌ عَلى الإِمكانِ الذي فَسَّرِنَا فَالروايةُ عَلَى السماع أبدًا حتى تكونَ
الدِّلالةُ التي بَيًَّّا)). ((المقدمة)) (ص: ٢٣).

ص : 122
السنن الأبين
صِحّةٍ مَذْهِكَ إِنّما يَنتَهِضُ بِهَذا، وأُوَافِقُ فِي ذَلكَ الإِمامَ أَبَا عَمرو بنَ
الصلاحِ حَيثُ احتجَّ لِصِحَّةٍ هذا المذهبِ بأنهُ لَو لَم يَكَنْ قَد سَمِعَهُ مِنْهُ
لَكانَ بِطلاقِهِ الروايةَ عنهُ مِنْ غَيرِ ذِكرِ الوَاسطِةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مُدَلِّسًا وَكانَ
ذَلكَ عِندي دَليلاً رَّاحًا .
وَأُضيفُ إِلى ذلك مَا استدلَّ بِهِ - أَيْضًا - الإِمامُ الحافظُ أَبُو عُمرَ بْنُ
عَبدِ البَرِّ حَيثُ قالَ: ومِنَ الدَّليل عَلى أَنَّ ((عَن)) مَّحمُولٌ عِندَ أهلِ العِلم
بِالحديثِ عَلى الاتصالِ حَتَّى يَتَبيَّنَ الانقطاعُ فِيها: مَا حَكَاهُ أبو بَكرِ الأَثْرَمُ
عَن أحمدَ بنِ حَنبلٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَن حَديثِ الْمُغيرةِ بنِ شُعبةً: ((أَنَّ النبيَّ عَلَه
مَسحَ أَعلى الخُفِّ وَأَسفلَهُ)). فقالَ: هذا الحديثُ ذَكرتُهُ لِعَبدِ الرَّحمنِ بنِ
مَهديٍّ فَقالَ: عَنِ ابنِ المباركِ أَنَّهُ قَال: عَن ثَورٍ: حُدِّثْتُ عَن رَجاءَ بنِ
حَيوةً(١)، عَن كَاتبِ المغيرةِ. ولَيْسَ فيهِ المغيرةُ. قال أحمدُ: وَأَمَّا الوَليدُ
فَزَادَ عَنِ (٢) المغيرةِ، وجَعلَهُ: ثَورٌ، عَن رَّجاءِ، ولَم يَسمعْهُ ثَورٌ مِّن رَّجاءَ؛
لَأَنَّ ابنَ المباركِ قال فيهِ: عَن ثَورِ حُدِّثْتُ، عَن رَّجاءَ. قَال أَبُو عُمرَ بنُ
[ق١/٢٩] عَبدِ البرِّ ألا تَرَى ■ أَنَّ أَحمدَ بنَ حَنبلِ عَابَ عَلى الوَليدِ بنِ مُسلمٍ قَولَهُ
((عن)) في منقطع لُيُدخِلهُ فِي الاتّصالِ؟ - قال -: فَهذَا بَيَانٌ أَنَّ ((عن))
ظَاهِرَها (٣) الاتّصالُ حَتَّى يَئْبُتَ فِيها غَيرُ ذَلك - قال - : وَمِثلُ هَذا عَنِ
(١) ضبَّبَ في الأُصلِ على قوله: ((ابن حيوة))، ثم صححها بعد أنّ تبيَّنَ لَه أنه
صَوابٌ، وكتب في الهامش: ((بيان: ابن حيوة)).
(٢) كذا بالأصلِ، وفي ((التمهيد)): ((فزاد فيه)).
(٣) كتبَ في الأصلِ: ((ظاهرها في الاتصال)) وضرب على ((في))، وليستْ هي في
((التمهيد)) - أيضًا .

السنن الأبين
ص : 123
العُلماءِ كَثِيرٌ (١) .
قُلتُ: وهَذا الدليلُ الذي استدَلَّ بهِ أَبُو عُمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ - كَما تَراهُ -
فِي غَايةِ الضَّعفِ ، فإِنّهُ استدلالٌ بِمَسألةٍ جُزئيةٍ. والوَليدُ بنُ مُسلم مَّعروفَّ
بِالتدليسِ؛ بَل بالتسوية وهي شَرُ أَنواعِ التدليسِ. فَعَتَبَ أَحْمِدٌ (٢) على
الوليدِ لِمَا عُرِفَ مِنهُ.
وكَأَنَّ أَبَا عَمرو ابنَ الصَّلاحِ إِّما انتزعَ دَليلَهُ مِن هَذا؛ ولَكِن أَتَّى بِهِ كُلِيًّا
فَكَانَ أَنْهِضَ شَيئًا .
فلمَّا تَتََّّعْتُ أَيُّها الإِمامُ كَلامَكَ وَتَبِنْتُ مَا ذَكَرتَ فيهِ عَنِ الأئمةِ
الَاضِينَ مِنْ أَنَّهُم يُرسِلُونَ كَثِيرًا بِلَفظِ العَنعنَةِ ولَيسوا مُدَلِّسينَ؛ انْتَقَضَ عليَّ
ذلك الدليلُ وضَعُفَ اسْتْدلالُكَ أَيُّهَا الإِمامُ بِمُجردِ العَنعنةِ منَ الْمُعَاصِرِ ،
فَاحْتَجتُ إلى أَن أَزِيدَ فِي ذَلِكَ فَئِدَ اللقاءِ، أَوِ السماعِ فِي الجُملِةِ ، إِذْ لَا
أَقَلَّ مِنْهُ، وأَنْ أَشترطَ فِي حَدِّ التدليسِ مَا قَدَّمتُهُ مِن أن يُعَنعِنَ عَمَّن سَمِعَ
مَا لَم يَسمَعْ مُوهِمًا أَنَّهُ سَمِعَهُ ولَا يَفعلِ ذَلِكَ حَيثُ يُوهِمُ. ولَولَا مَا فَهِمَ
العُلماءُ ذلك مِن قَوم جلَّة مَا عَدُّوهُم ◌ُدَلِّسينَ، وعَدُّوا مِثْلَهُم فِي الرُتبةِ أَو
دُونَهُم مُرْسِلِينَ كَمَا اقتضَاهُ كَلامُكَ هُنا؛ عَلى أَنْكَ اسْتعمَلْتَ الإرسال
اسْتِعمالَ ■ الفقهاءِ بِمَعَنِى مَا لَيسَ يِمُتَّصلٍ، والمعروفُ مِن عُرْفِ المحَدِّثِينَ: [ق٢٩/ب]
(١) ((التمهيد)) (١٣/١-١٤).
(٢) كذا ضبطها في الأصل: ((فَعَتْبُ أَحْمَدُ)) بِفتح المثناةِ الفوقيةِ وسُكونِهَا معًا، ثُم
بِموحدةٍ تَحَت مَضمومةٍ ومَفتوحةٍ معًا، ويِفَتحَ الدالِ المهملةِ وضَمِّها معًا في
أحمد .

ص : 124
السنن الأبين
هُو مَا أَرسلَهُ التابعِيُّ عَنِ رَّسُولِ اللَّهِ عَ لِّ مُسقِطًا ذِكَرَ الصَّحابِيِّ(١). وقَد
وَجَدتُّ مَعنَى مَا قُلْتُهُ، بَعدما قَرَّرْتُهُ هَذا التقريرَ، للإِمام أبِي عُمرَ ابنِ
عَبدِ البَرِّ. قَالَ رَحمَهُ اللَّهُ:
وجُملةُ تَلخيصِ القَولِ في التدليسِ الذي أُجازَهُ مَنْ أَجازَهُ مِنَ العُلماءِ
بِالحَديثِ هُوَ: أَنْ يُحَدِّثَ الرَّجلُ عَن شَيخِ قَد لَقِيَهُ وسَمِعَ مِنْهُ؛ بِمَا لَم
يَسمَعْ مِنْهُ وسَمِعُهُ مِن غَيرِهِ عنهُ؛ فَيُرِي(٢) أَنَّهُ سَمِعُهُ مِن شَيخِهِ ذَلكَ ، وإنّما
سَمِعَهُ مِن غَيْرِهِ أَوْ مِن بَعضِ أَصحابِهِ عَنْهُ، ولَا يَكونُ ذَلكَ إِلّ عَنْ ثِقةٍ ،
فإِن دَلَّسَ عَن غَيرِ ثِقةٍ فَهُوَ تَدليسٌ مَّذمومٌ عِندَ جَماعةِ أهلِ الحديثِ،
وكَذلكَ إِن دَلَّسَ عَمَّن لَّم يَسمَعْ مِنهُ فقد جَاوزَ حَدَّ التدليسِ الذي رَخَّصَ
فيهِ مَن رَّخّصَ مِنَ العُلماءِ إِلى مَا يُنكرُونَهُ ويَذُمُونَهُ ولَا يَحمَدُونَهُ، وبِاللَّه
العِصمَةُ لا شريك لَهُ (٣). انتَهَى كَلامُهُ.
وقَد يَحسِنُ أَن يُظَرَّ بِمَنْ فَعَلَ ذَلكَ مِنَ الأَئمةِ أَنَّهُمْ كَانتْ لَهُم مِّن مَّشَيَخَتِهِم
(١) هذا الذي ذكرهُ ابنُ رُشَيْدٍ - رحمه الله - إَّا هُو أَشهرُ صُورِ المُرسَلِ، وإِلَّ
فَالأَئِمَةُ يُطلِقُونَ الإِرِسالَ عَلى الحديثِ المُنْقطعِ بِعُمومِهِ سَواءٍ كَانَ مَن سَقْطَ مِنْهُ
صَحابيٍّ أو مَن دَونَهُ .
وقَد تَكلمَ عَلى هَذا الخطيب البغداديُّ في ((الكفاية)) (ص: ٣٨٤)، وانظر
((شرح علل الترمذي)) (٥٢٩/١) في مَبحثِ المُرُسَلِ، وكُتُبٍ ((المراسيل)) كما
في ((مراسيل الرازي)) - مثلاً - (ص: ١١) قال أَبُو زُرعةَ: إبراهيمُ بَنُ جَريرٍ ،
عن عليٍّ، مُرسَلٌ. وانظر (ص: ١٣، ١٧، ١٨) وغير ذلك.
(٢) كذا بالأصلِ، وفي ((التمهيد)): ((فَيُؤْهِمُ)) وذكر مُحققُّهُ في الهامشِ أَنَّ في
نسخةٍ: ((فَيُرِي)) كما هُو مُثبتٌ عِندَنا.
(٣) ((التمهيد)) (٢٨/١).

السنن الأبين
ص : 125
إِجازةٌ فَعَنعنُوا مُعتمِدِينَ عَلِيهَا؛ فَلَمَّا اسْتُفْسِرُوا عَنِ السَّماعِ بَيَّنُوهُ (١) .
والمسألةُ مَعَ هَذا لَا تَخْلُو مِن كَدَرِ الإِشكالِ. وَقَد أَصْفَيْنَا لَكُم مِّنْهَا مَا
اسْتطِعْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَرَوَّقْناهُ لِوُرَّادِهِ .
[ق ١/٣٠]
والكَلامُ فِي التدليسِ وأَنواعِهِ وَأَحوالٍ فَاعِلِيهِ يَستدعِي إِطالةٌ لَا يَحتمِلُها
إِيجازُ هذا المُخْتَصَرِ، وهَذا القَدْرُ هُنا كَافٍ إِن شَاءَ اللَّهُ .
الدليلُ الثالثُ مِن أَِلَّةٍ مُسلمٍ .
وهُو أَخصُّ مِنَ الأَوَّلِ؛ وكَأَنَّهُ مِنْ تَنِمَّةِ الثاني إِذْ عَرَضَهُ في مَعرضٍ
التَّمثيلِ .
تَحَرِيرُهُ: أَنَّ قَبَولَ أَحاديثِ الصحابةِ بَعضِهِم ◌َن بَعضٍ مُجمَعٌ عَليهِ
دُونَ طَلبٍ ولا بَحثٍ عَن لَّقَاءٍ أَوَ سَماعٍ؛ بَل مِن مُجرَّدِ المُعاصَرَةِ،
وأَبدَى مِن ذَلكَ مِثالاً أَشارَ فِيهِ إِلى حَدِيثَيْنِ ادَّعَى الإِجماعَ عَلى قَبُولِهِما ،
وذَلكَ قَوله (٢): ((فَمِن ذَلكَ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ يَزِيدَ الأنصاريَّ - وقَد رَأَى
(١) ذكرَ الإِمامُ مُسلمٌ في مقدمة كتابهِ مِنَ الدَّوافع لِهذا الأمرِ أَنهمُ تَارةً يَنْشَطُونَ
فَيُسْنِدُونَ الحديثَ كَما سَمِعوهُ، وتارةً يَكْسُلونَ فَيُرسِلونَ .
وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البَرّ في ((التمهيد)) (١٧/١) أمورًا أُخرى مِثلَ أَنْ يَكونَ
الرجلُ سَمِعَ ذَلكَ الخَبَرَ مِن جَماعةٍ عَنِ الْغْزَى إِليه الخَبَرُ، وصَحَّ عْدَهُ وَفَرَ في
نفسِهِ، فَأَرْسلَهُ عَنِ ذَلكِ المغزى إِليهِ، علمًا بصحةٍ ما أَرْسلَهُ.
وقَد يكونُ المُرسِلُ لِلحديثِ نَسِيَ مَن حَدَّثَهُ بِهِ .
أو تكونُ مُذاكرةً؛ فرًَّا ثَقلَ مَعهَا الإِسنادُ وخَفَّ مَعهَا الإِرِسِالُ؛ إِمَّا لِمعرفةٍ
المخاطَبِينِ بِذَلك الحديثِ واشْتِهارِهِ عِندَهُمْ، أَو لغَيرِ ذلكَ مِنَ الأَسبابِ.
(٢) ((المقدمة)) (ص: ٢٦).

ص : 126
السنن الأبين
النِبِيَّ عَ ◌ٍّ قَدْ رَوَى عَن حُذيفةَ، وعَن أَبِي مَسعودٍ الأنصاريِّ؛ عَن (١)
كُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهما حَديثًا يُسنِدُهُ إِلى النبيِّ عَ له؛ ولَيْسَ فِي رِوايِهِ عَنْهُمَا
ذَكَرُ السماعِ مِنهُما ولا حَفِظْنَا فِي شَيءٍ مِّنَ الرِّواياتِ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ
شافَةَ محُذيفَةً وأَبا مَسعودٍ بِحديثٍ قَطُّ، وَلَا وَجدْنا ذِكرَ رُؤْيتِهِ إِيَّهُما فِي
روايةٍ بِعَينِها، ولَم نَسمَعْ عَن أَحدٍ مِّن أَهلِ العلمِ مِّن مَضَى وَلَا مِمَّنْ أَدرِكْنَا
أَنَّهُ طَعَنِ فِي هذينِ الخَبَرِينِ - الفصلَ بِتمامِهِ - إِلَى قَولِهِ: تَكُونُ سِمَةٌ لِمَا
سَكَتْنَا عَنْهُ مِنهَا)) (٢) .
فَأَقُولُ - واللَّهُ المرشدُ - : الحَديثانِ اللَّانِ أَشَرْتَ إِليهِمَا:
أَمَّا حَديثُ عَبدِ اللَّهِ بنِ يَزِيدَ عَن محُذيفةً :
(١) كَذا بِالأصلِ، وفي ((المقدمة)): ((وعن))، ولم يذكر ((الواو)) القاضي عياض في
نقله ((مقدمة الصحيح)) في كتابه ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٥١)، ويقول
النوويُّ: (( كذا هو في الأصول ((وعن)) بالواو، والوجه حَذفُها فإنها تُغَيِّرُ
المعنى)) اهـ.
(٢) قَالَ القاضي عياضٌ في ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٤٩): ذكر ((مسلمٌ في
حُجَّتِهِ في صحِةٍ إِسنادٍ حَدِيثِ المتعاصِرَيْنِ آخرَ صَدرٍ كِتَابِهِ رِوايَةَ قَومٍ مِّنَ الصَّحابةِ
والمخَضْرَمِينَ وَأَتَمةِ التابعينَ، عَن أَصحاب النبيِّ عَّه ◌ِأَحاديثَ عَدَّهَا وَلَم يُعَيِّنْهَا،
ومِنِ حَقِّ الْبَاحِثِ المُفُتِّشِ لِفَوائدِ كِتابِهِ أَن يَجِدَّ في البحثِ ويُجِيدَ النظرَ حَتى
يَتَعيَّ لَهُ مَجهولُها ويَتَفسَّرَ مُنْهَمُها وتُتعرَّفَ نَكِرَّتُها، وقَد بَحِثْنَا عَن ذَلكَ حَتى
وَقَفنَا عَلى حَقيقةٍ مِّنهَا، ورَحمَ اللَّهُ شَيخَنا القاضي الشهيدَ أَبَا عَلي الحافظَ فَقَدْ
كَفَّنَا في ذلك تَعِبًا طويلًا، وأَوضِحَ لَنَا هُنالِكَ سبيلاً، وقَد رَأَيْنَا أَن نُبِيِّن هَذهِ
الأحاديثَ بِذِكرٍ أَطرافِهَا لِيَعْلَمَ أَعْيانَهَا مَن لَّم ◌َمْهَرْ فِي هَذِهِ الصَّنعةِ ، ولِأجعلَ
شُغْلَهُ حِفظَ أُصولِهَا اهـ. وساقَ الأحاديثَ - رَحِمَه اللَّهُ -، ويَبْدُو أنَّ ابنَ رُشَيْدٍ
قَد أَخذَها مِنْهُ)). واللَّهُ أعلمُ .

السنن الأبين
ص :127
فَقَد خَرَّجْتَهُ فِي بَابِ الفِتَنِ مِن كِتَابِكَ وهُو قَولُ حذيفةً - رضي الله عنه - :
((أَخْبِرِي رَسولُ اللَّه عَلَّهِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلى أَنَ تَقَومَ الساعةُ)) (١).
وَلَيسَ فِيهِ ذِكرُ سَماعٍ ولا نعلمُ الآنَ مَن ذَكرَ فِيهِ ■ سَماعًا (٢). [ق٣٠/ب]
وَأَمَّا حَديثُهُ عَنْ أَبِي مَسعودٍ :
وهُو حَديثُ: ((نَفَقَةُ الرجلِ عَلى أَهلِهِ صَدقةٌ )) .
فَخَرَّجْتَهُ - أيضًا - في كتابِكَ في بابِ النفقةِ عَلى الأَهلِ صَدقةٌ، في
(١) مسلم (١٧٢/٨) متابعةً، وفي ((المسند)) (٣٨٦/٥)، و((المستدرك)) (٤٢٦/٤) -
كُلِّهِم - مِن حَديثِ شُعبةَ، وقال الحاكمُ: وقَد اتفقَ الشيخانِ - رَضِيَ اللَّهُ
عنهُما - عَلى حَديثِ شُعبةَ، عَن عَدي بنٍ ثَابثٍ، عَن عبدِ اللهِ بن يَزِيدَ ، عَن
حُذيفةً. اهـ. وليس كَما قَالَ؛ بَلِ الحديثُ انفردَ بهِ مُسلمٌ دُونَ البخاريِّ .
(٢) يَقولُ ابنُ رَجِبٍ - رحِمهُ اللَّهُ - في ((شرحٍ علل الترمذي)) (٥٩٨/٢): ((ويَرِدُ
على مُسلمٍ أَنْهُ يَلزمُهُ أَن يَحِكُمَ بِاتصالٍ كُلِّ حَديثٍ رَواهُ مَنْ ثَبتَ لَهُ رُؤْيَةٌ مِّنَ
النبيِّ عَّهِ؛ بَلْ هَذا أَوْلَى؛ لَأَنَ هؤلاءِ ثَبَتَ لَهُم اللُّغَيّ وهُو يَكْتَفِي بِمُجردٍ إِمكانٍ
السماع، ويلزمُهُ - أيضًا - الحُكُمُ بِاتصالٍ حَديثٍ كُلِّ مَن عَاصرَ النبيَّ عَله
وأَمكنَ لُقْيُّهُ لَهُ إِذَا رَوى عنهُ شَيْئًا وإِن لَّمِ يَبُتْ سَماعُهُ، وِلَا يَكونُ حَديثُهُ عَنِ
النبيِّ عَِّ مُرسَلًا، وهَذا خِلافُ إِجماعٍ أَئمةِ الحديثِ، واللَّهُ أعلمُ، ثم إِنَّ بَعضَ
٥٠٠٠. اهـ.
مَا مَثَّلَ بِهِ مُسلمٌ لَيسَ كَما ذَكرَهُ .
وَيَقولُ العَلَّامةُ المُعلِّمِيُّ - رحمهُ اللَّهُ -: ((أَخرِجَ أَوَلًا مَعناهُ مُطَوَّلًا مِن
طَريقِ أَبِي إِدريسَ، عَن حُذيفةً، ومِن طَريقِ أَبِي وَائلٍ، عَن ◌ُذيفةَ، ثُم ذَكرَهُ،
فَهُو مُتابعةٌ. والحديثُ مَشهورٌ عَن حذيفةَ، فإِن صِحَّ قَولُ مُسلمٍ فِي عَدمِ العِلِمِ
بلقاءِ عبدِ اللَّهِ بنِ تَزِيدَ لِحُذَيفةَ؛ فالجوابُ: أَنَّه لَّ لَم يَكُن لَّهُ عِنْهُ إِلَّ حَديثَ
واحدٌ؛ والحديثُ مَشهورٌ مِّنَ غيرِ طَريقِهِ عَن محذيفةَ لَم يَحْتَجْ أَهلُ العِلمِ إِلى
الكَلامِ فيهِ؛ بَلْ رَوَوْا الحديثَ عَلى أَنْه مُتابعةٌ ، فَهُو مَقبولٌ في مثلٍ ذَلكَ وإِنَ كَانَ
محکومًا عَلیه بالانقطاع)). اهـ.

السنن الأبين
ص : 128
كِتابِ الزكاةِ مُعَنعنًا ، ولَيس فِيهِ ذِكرُ سَماعٍ(١).
وخَرَّجَهُ البُخَارِيُّ، وفيهِ عِندَهُ ذِكرُ السَّماع مَنصوصًا مُثبِتًا ما أَنْكَوْتَ
ذِكرَهُ؛ في المَغَازِي في البابِ الذي يَلِي شُهود المَلائِكَةِ بَدَرا: فقال: نَا
مُسلمٌ قال : نا شُعبةُ، عن عديٍّ، عَن عَبدِ اللهِ بن يَزِيدَ : سَمِعَ أَبَا مَشْعودٍ
البَدريَّ، عن النِّ عَّه قال: ((نَفَقُ الرجلِ على أهلِهِ صَدَقةٌ)) (٢).
وأَخرجَهُ - أيضًا - في الإِيمانِ (٣) وفِي النَّفقاتِ (٤) ، ولَيسَ فيهِ ذِكرُ سَماع
ففي هذا الحديثِ - كَما تَرَى - إثباتُ ما غَابَ عَن مُسلم - رحمه الله -
مِن سَماعِ عبدِ اللّهِ بنِ يَزِيدَ مِن أَبِي مَسعودٍ البَدْرِيِّ، وَلَنَا عَن هذا الدليلِ
جوابَانِ :
أحدُهُما : عَامّ ، والثاني : خاصٌّ .
أما العامُ: فَمَا ادَّعَيْتَ مِنَ الإِجماعِ صَحيحٌ؛ لَّكِن لَّ يَتناولُ مَحِلَّ
النِّاعِ، فَنحنُ نَقولُ بِجُوجِبِه ولا يَلزمُنَا بِحَمدِ اللَّهِ مَحذورٌ.
فَإِنَّكَ أَتَيْتَ بِمِثالٍ فِيهِ رِوايَةُ صَاحبٍ ، عَن صَاحبٍ، وهُو عَبدُ اللهِ بنُ
يَزِيدَ الأنصاريُّ، عَن حذيفةَ وأَبِي مَسعودٍ، وهُو مَعدودٌ عِندَكَ فِي كِتابِ
((الطبقات)) من تَأليفِكَ فِي الكُوفِينَ مِنَ الصَّحابةِ - رَضيَ اللَّهُ عنهُم - حيثُ
قلتَ: وعَبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الأَنصاريُّ أَدرِكَ النبيَّ عَ لّهِ وَلَمْ يَحفظْ مِنْهُ شَيْئًا (٥).
(١) مسلم (٨١/٣) في الشواهِدِ.
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٠٧/٥).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣١/١).
((صحيح البخاري)) (٨٠/٧).
(٤)
(٥) ((الطبقات)) (١٧٦/١) مختصر جدًّا.

السنن الأبين
ص : 129
وكَذَلِكَ ذَكرَهُ البخاريُّ. وقَال فِيهِ: قِيلَ: إِنَّهُ رَأَى النبيَّ عَِّ(١).
وذَكرَهُ أَبُو عُمرَ بنُ عَبدِ البَّرِّ ■ وقَالَ: إِنَّهُ شَهِدَ الحُديبيَّةَ وهُو ابنُ سَبعَ [ق١/٣١]
عَشرةَ سَنة (٢) .
قُلتُ : ومَن كَانَ فِي هَذا السّنِّ زَمَنَ الحُديبيَّةِ فَكيفَ يُنكَرُ سَماعُهُ مِنَ
النَّبِيِّ عَلَّهِ (٣) .
(١) في ((التاريخ الكبير)) (١٣/٥): ((قال زُهيرٌ عَن أبي إسحاقَ: رأى عبدُ اللَّهِ النبيَّ
عٍَّ))، وكذا في ((التاريخ الصغير)) (١٩٣/١) من طريق أبي نُعيم: ثنا زُهِيرٌ به.
(٢)
((الاستيعاب)) (١٠٠١/٣).
(٣) عبدُ اللَّه بنُ يَزِيدَ: ذكرَهُ في الصحابة: العجليُّ في ((ثقاته)) (٦٧/٢)، وابنُ
حِبانَ في ((الثقات)) (٢٢٥/٣)، وكذا الدارقطنيُّ والسمعانيُّ والمزيُّ والحافظُ ابنُ
حَجٍ، والصحيحُ: أَنَّ لَهُ إِدراكًا كما ذكرَ عبدُ اللَّهِ بنُ أَحمدَ عَن أَبيِهِ قال:
حَدثنا يحيى بنُ آدَمَ: حدثنا سُفيانُ الثوريُّ، عَن أَبِي إِسحاقَ، عَن عبدِ اللَّهِ بنِ
يَزِيدَ الأَنصارِيِّ - وكانَ قَدْ أَدِرِكَ النبيَّ عَِّ - قَالٍ: وحدَّثْنَا أَبُوِ كَامِلٍ والحسنُ
ابنُ مُوسَى قالا: ثنا زُهيرٌ: ثنا أبو إسحاقَ: أن عبدَ اللَّه بنّ يَزِيدَ الأَنصاريُّ قَد رَأى
النبيَّ عَ ◌ّهِ اهـ من ((العلل)) (٥٨٧١، ٥٨٧٣)، والثوريُّ مُقَدَّمٌ في أبي إِسحاقَ
عَلَى زُهيرٍ - كما لا يَخْفَى -، فالقولُ قولُهُ، وقَد أَشارَ البخاريُّ في ((تاريخه))
(١٣/٥) إِلى خطٍ زُهيرٍ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا دَاوَدَ قَالِ: سَمعتُ أَحمدَ يَقولُ: كَانَ
عبدُ اللَّهِ بن يَزِيدَ - يَعني: الخَطميَّ - وَالِي الكُوفِةِ؛ فَقِيلَ لأحمدَ : أَسَمِعَ مِنَ
النبيِّ عَ ◌ّهِ؟ قَال: رُؤْيَةٌ يَقُولُونَ. اهـ مِن ((المسائل)) (ص: ٣٢٤).
وفي ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص: ١٦٠) قَالَ الأَثْرِمُ: قِيلَ لأَبِي عبدِ اللَّهِ
أحمدَ بنِ حَنبلٍ : لَيسَتْ لِعَبِدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ صُحبةٌ صَحيحةٌ؟ فقالَ: أمَّا صحيحةٌ
فَلا، ثمّ قالَ: شَيءٌ يَرويِهِ أَبو بكرٍ بِنُ عيَّاشٍ، عن أَبي حِصينٍ، عَن أَبِي بُردةَ،
عَن عَبدِ اللهِ بنِ تَزِيدَ قال: سَمعتُ النبيَّ عَّله. وضَعَفَهُ أَبو عبدِ اللهِ، وقالَ: مَا
أَرى ذاكَ بِشيءٍ. اهـ.
ورَحِمَ اللَّهُ أَبا حاتم الرازيَّ إِذْ يَقولُ: ((كَانَ صَغِيرًا على عهدِ النبيِّ عَِّ، =

ص : 130
السنن الأبين
قالَ أَبُو عُمرَ: ((وهُو عبدُ اللَّهِ بِنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ الأَنصاريُّ مِنَ الأَوسِ؛
كُوفِيٌّ؛ يَروِي عنهُ عَدِيُّ بنُ ثَابتٍ عَنِ البَراءِ بنِ عَازبٍ وعَن (١) النبيّ
عَّهِ، وهُو جَدُّ عَدِيٍّ بنِ ثَابتٍ - يَعِنِي أَنَّه : أَبُو أمّه - وهُو عَبدُ اللَّهِ بنُ
يَزِيدَ بنِ زَيدِ بنِ حِصنٍ بِنِ عَمرِو بنِ الحَارثِ بنِ خَطْمَةً - وخَطْمةُ هُو
عَبدُ اللَّهِ بِنُ جُشَمٍ بنِ مَالكِ بنِ الأَوسِ، وكَان أَمِيرًا عَلى الكُوفِةِ عَلى
عَهدِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ، وَشَهِدَ مَعَ عَليٍّ - رضوانُ اللَّهِ عليهِ - صِفِّينَ
والجَمَلَ والنَّهروانَ، وصَلى عليهِ يومَ ماتَ الحارثُ الأعورُ))(٢).
= فإِن صََّّتْ رُؤيْتُهُ فَذَاكَ)) كما في ((الجرح)) (١٩٧/٥) وقال - أيضًا - في
((العلل)) (٣٠٤) : سَمعتُ إِسحاقَ بنَ مُوسَى الأنصاريَّ وسَألْتُهُ عَن جَدِّهِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ يَزِيدَ الأنصاريِّ الخطميّ: هَل لَهُ صُحبةٌ؟ فَجعَلَ يُصَغِّرُهُ - وقَالَ أَبُو حاتم :
عبدُ اللَّهِ بِنْ يَزِيدَ كَانَ صَغِيرًا على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ عَ لَّه؛ وإِنما يُحدِّثُ عبدُ اللَّهِ
ابنُ يَزِيدَ عَنِ البَراءِ، وعَن أَبِي أَيوبَ، وعَن زَيدِ بنِ ثَابتٍ ، فَهذا يَدلَّ عَلى صِغَرِهِ. اهـ.
ثُم سَاقَ حَديثَ ابنِ عَياشٍ - وقَد سَبقَ ذِكرُهُ - فالصوابُ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ
لَهُ إِدراكٌ، وفي الرؤيةِ نَظرٌ، والروايةُ عنهُ عَلِ مُباشَرةً لَّا تَصحُ، وَقَد نَقْلَ الخَطِيبُ
في ((الكفاية)) (ص: ٥٠) بسندِهِ إِلى أبي داودَ السِّجستانيّ في ((سؤالاته
لأَحمد)) قَال: ولَيستْ لِلخطميِّ صُحبةٌ، كَانَ صَغِيرًا حِينَ مَاتَ النبيُّ عَّه.
وانظرها في ((سؤالات الآجري لأبي داود)) (ص: ٢٠٠ - ٢٠١).
(١) كذا بالأصلِ: ((وعن))، ووضع علامة (صح)) على حرف الواوٍ، وقد سقطَ في
المطبوع من ((الاستيعاب))، وإثباتُهُ لَازمٌ، فَبِدُونِهِ يتغيَّرُ السياقُ .
(٢) ((الاستيعاب)) (١٠٠١/٣)، وقوله: ((وصلى عليه يَومَ مَاتَ الحارثُ الأعورُ))
كذا وقعتْ هنا بالأصل، وهي خطأً، وليستْ في ((الاستيعاب))، وأَمَا ذَكرَها
البخاريُّ في ((التاريخ)) (١٣/٥) وفيه: أنَّ عبدَ اللهِ بنَ يَزِيدَ صلَّى عَلى الحارثِ
الأعورِ، لَا العَكس، وقالَ في ((التاريخ الصغير)) (١٨٣/١): حدثنا مُسلمٌ: ثنا
شُعبةُ، عن أَبي إِسحاقَ: أن الحارثَ أَوصى أن يُصلِّيَ عَليهِ عبدُ اللَّه بنُ يَزِيدَ. اهـ =

السنن الأبين
ص :131
قَالَ الحافظُ أَبو عَبدِ اللَّهِ مُحمَّدُ بنُ يَحتَى بنِ الحَذَّاءِ - رَحمهُ اللَّهُ - :
وذُكِرَ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ يَزِيدَ شَهِدَ بَيعةَ الرضوانِ ومَا بعدَهَا وَفَتَحَ العِراقِ ،
وهُو رَسولُ القَومِ يَوْمَ جِشْرٍ أَبِي عُبيدٍ ، يُعَدُّ فِي أَهلِ الكُوفِةِ، - قال ابنُ
الحَذَّاءِ - : وكانتْ لأَتَيْهِ صُحبةٌ، شَهِدَ أُحُدًا، وهَلكَ قَبلَ فَتحِ مَكَّةً .
قَالَ أَبُو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ: وَيَزِيدُ وَالدُ عبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ الخَطْميِّ رَوَى:
(أَّمَا الرَّقُوبُ الذي لا يعيشُ لهَ وَلَدٌ)) الحديث - قال - : فِيهِ نَظرٌ لأَنِّي
أَخْشَى أَنْ يَكونَ هَذا الحديثُ مِن حَديثِ بُرَيدةَ الأَسلميّ (١) .
انتهَى مَا حَضَرَنَا فِي عَبدِ اللَّهِ بنِ يَزِيدَ فَلنرَجِعْ إِلَى مَا كُنَّا بِسَبِيلِهِ مِن
قَولِهِ: إِنَّهُ لَم يُحفَظْ عَنِ الَّبِيِّ عَلِ (٢).
بإجماع [ق٣١/ب]
فنقولُ : الصحابةُ - رِضوانُ اللَّه عليهم - عُدُولٌ بِأَجْمَعِهِم
أهلِ السنةِ عَلى ذَلكَ (٣)، فَلَو قَدَّرِنَا إِرِسالَ بَعضِهِم عَن بَعضٍ لَم يَضُرنا
وفي ((التاريخ)) للفسوي (٢١٦/١) ما يؤكدُ هذَا، وكذا في ((طبقات ابن سعد)) (٦/
١٦٨ - ١٦٩)، وآخر ترجمة الحارثِ مِنَ ((التهذيب)) للمزي (٢٥٢/٥).
(١) ((الاستيعاب)) (١٥٨١/٤)، و((أَسد الغابة)) (٥٠٠/٥)، وانظر ((الإصابة)) (٦)
٧٢١)، وقال أبو عُبيد في الرّقُوبِ: إِنَّمَا هُو عَلى فَقْدِ الأولادِ. (١٠٨/٣)
(( غريب الحديث)).
والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ (٣٠/٨) وغيره من طريقِ الحارثِ بنِ سويدٍ، عن ابنٍ
مسعودٍ .
(٢) راجع ((المقدمة)) (ص: ٢٦).
(٣) قال ابنُ عبدِ البَرِّ في ((التمهيد)) (٤٧/٢٢): ((الصحابةُ كُلُّهُم عُدُولٌ مِرْضِيُونَ؛
ثقاتٌ؛ أَثَبَاتٌ، وهَذا أَمْرٌ مُجتَمَعٌ عَليهِ عندَ أَهِلِ العَلمِ بِالحديثِ)) اهـ.
وذكرَ ابنُ حَزمٍ في ((المحلى)) (٤٤/١) أَنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيعَهُم في الجنةِ،
واستدلَّ بِقولهِ تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ إِلى قَولِهِ =

ص : 132
السنن الأبين
ذَلِكَ شَيْئًا، ولَم يَكُنْ قَادِحًا، ولا يدخُلَ هُنا قَولُكَ: ((إِنَّ المُرُسَلَ مِنَ
الرِّواياتِ فِي أَصلِ قَولِنَا وقَول أَهلِ العِلمِ بالأخبارِ لَيس بِحُجَّةٍ))(١) لِمَا قُلْنَاهُ
مِنَ الاتفاقِ عَلى عَدالةِ الجَميع، ولِذلكَ قَبِلَ الجُمهورُ مَرَاسِلَ الصَّحابةِ -
رِضوانُ اللَّهِ عليهِم - عَنِ النبيِّ عَ له؛ كابنِ عباسٍ، وَغَيرِهِ مِن صِغَارٍ
الصَّحابةِ مَّن هُوَ أصغرُ سِنَّا منهُ.
وِبَقَّيْنِ نعَلمُ أَنَّ ابنَ عَباسٍ لَم يَسمعْ مِنَ النَّبِيِّ عَلَّهِ كُلَّ مَا رَواهُ مِمَّا قَالَ
فِيهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ - أَو - عَن رَّسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ(٢).
وقَد بَيَّنَ ذَلكَ أَبُو عُمارةَ البَراءُ بنُ عَازبٍ الأنصاريُّ الحارثيّ الكوفيُّ -
رَضِي اللَّه عنه .
= ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وراجع (ص: ٤٦) من ((الكفاية)).
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٤).
(٢) قال أبو الوليدِ الباجيُّ: وجَميعُ مَا قالَ فيهِ عبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ وَغَيرُهُ مِنَ الصحابةِ :
قَالَ رَسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ وَلَم يَذْكُرْ بَيْنِهُمَّا أَحدًا فَهُو مُسنَدٌ ، وإِن كُنَّا نَعلمُ أنَّ أَكثرَ
ذلك لَمْ يَسِمعْهُ عبدُ اللَّهِ مِن النبيِّ عَُّلِ اهــ ((التعديل والتجريح)) (٨٠٥/٢).
ولَا أَدلَّ عَلَى ذَلكَ مِن حَديثِ جَابٍ بِنِ زَيدٍ، عَنِ ابن عَباسٍ ((أَنَّ النبيَّ عَلَّه
ومَيمونةَ كَانَا يَغتسلانِ مِن إِناءٍ وَاحدٍ ))، الذي أخرجهُ البخاريُّ في (( كتاب
((الغسل)) (٧٣/١) من طريق أَبِي نُعَيم، عن ابنِ عُيينةً.
وهذا مِمَّا يُعْلَمُ جَزْمًا أَنَّ ابْنَ عَباسٍ لَم يَطِّعْ عَليَهِ، وإَمَا أُخْبِرَ بِهِ، ولعلَّ هذا مّاً
دفع إلى ترجيحِ روايةٍ مَن رواه عنِ ابنِ عبينةَ، فَقالَ فيهِ : عَنِ ابنِ عَباسٍ، عَنْ
مَیمونةَ ، مَعَ گثرتِهِم .
وقد صَحَّحَ البخاريُّ رِوايةَ أَبِي نُعَيمِ - كما في «صحيحه)) - لِقِدَم سَماعِهِ
مِنَ ابنِ عُيِينَةَ؛ لِمَ ثَبِتَ عَنِ ابنِ عُينةَ نَّفْسِهِ أَنْهُ ذَكرَ حَديثًا خِلافًا لما حَكَى قَبْلُ،
فَسُئِلَ؛ فَأَجابَ : عَليكُم بَالسَّمَاعِ الأَوَّلِ، واللَّهُ أعلمُ .

صص : 133
السنن الأبين
((أنا محمَّدُ بنُ عَبدِ الخَالِقِ: أنا أَحمدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بنِ الحُسينِ: أنا
أحمدُ ابنُ محمَّدٍ بن أحمدَ : أنا المباركُ بنُ عَبدِ الجَارِ: أَنا عَليُّ بنُ أحمدَ
ابنِ عليٍّ: أنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ بنِ خَرْبَانَ : أنا الحَسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ
خَلَّادٍ : نا عبدُ الوهابِ بنُ رَواحَةَ العدويُّ: نا أبو كُرَيبٍ: نا إسحاقُ بنُ
مَنصورٍ، عَن إبراهيمَ بنِ يُوسُفَ، عن أبيهِ عَن أَبِي إِسحاقَ قال : سَمِعتُ
البَرَاءَ يقولُ: لَيسَ كُلُّنَا كَانَ يَسمعُ حَدِيثَ رَسولِ اللَّهِ عِلَّهِ، كانتْ لَنَا
ضَيعةٌ وأَشْغَالٌ ولَكِنَّ الناسَ لَم يَكُونوا يَكَذِبُونَ يَومَئذٍ فَيَحَدِّثُ الشَّاهِدُ
الغَائِبَ )) (١) .
وقَد قَدَّمنَا نَحوًّا مِّن ذَلكَ عن أَنْسِ بنِ مَالكِ (٢).
قَالَ أَبُو جَعفرٍ ■ مُحمدُ بنُ الحُسينِ البغداديُّ: وسَمعتُ محمَّدَ بنَ [ق٣٢/أ]
نَصرِ يَقولُ : سَألتُ أَبا عَبدِ اللَّهِ كَم رَوَى ابنُ عَباسٍ عَنِ النبيِّ علِّمُ
صِّلى الله
سَمَاعًا؟ قَالَ : عَشرةَ أَحاديثَ. وقَال يَحيىَ بنُ سَعيدٍ القطانُ: تِسعةً
أَحاديثَ (٣) .
فانظُرْ مِقدارَ مَا سَمِعَ مِمَّا رُوِىَ عنهُ، فَهُو مِن أَصحابِ الأُلوفِ، رُوِي لَه
(١) لَم أَقِفْ عليهِ في كتاب ((المحدِّث الفاصل))، وِحَديثُ البَرَاءِ: انظره في ((المعرفة
والتاريخ)) (٦٣٤/٢) للفَسويِّ من حديثِ الأعمشِ، عَن أَبِي إِسحاقَ، وفي
((الكامل)) (١٥٧/١).
(٢) (ص: ٦٣) رقم (٢).
(٣) ذكر الحافظُ في ((التهذيب)) (٢٧٩/٥) فائدةً: رُوِي عَن غُندرٍ أَنَّ ابنَ عباسٍ لَّم
يَسمِعْ مِنَ النبيِّ عَِّلِّ إلَّا تِسعةَ أَحادِيثَ، وعَن يَحتَى القطَّانِ: عَشرةً، وقال
الغزاليُّ في ((المستصفى)): أَربعةً. وفِيه نظرٌ، ففي ((الصحيحين)) عَنِ ابنٍ عباسٍ
◌ِمَّا صرَّح فيهِ بِسماعِهِ مِنَ النبيِّ عَ لَّلِ أكثرُ مِن عَشرةٍ. اهـ.

السنن الأبيض
ص : 134
أَلَفُ حَديثٍ وسِتُمائة حَديثٍ وسِتونَ حَديثًا، فِيمَا قَال أبو محمَّدٍ بنُ
خزم(١) .
وقال البرقيُّ : الذي حُفِظَ عَنْهُ مِنَ الحَديثِ نَحوٌ مِّن أربعِمِائة حَديثٍ -
يَعني البَرقِيُّ - واللهُ أعلمُ - ما صَعَّ؛ عَلى أَنَّ البرقيَّ لَيسَ فِي الحِفِظِ مِن
رِجالِ ابنِ حَزمٍ، وقَد خُرِّجَ لَه فِي ((الصحيحين)) مِائَة حَديثٍ وَأَربعةٌ
وَثَلاثُونَ حَديثًا، اتَّفَقَا مِنهَا عَلى خَمسةٍ وسَبعِينَ، وانفردَ البخاريُّ بِمائةٍ
وعَشرةٍ، ومُسلمٌ بِتسعةٍ وأَربعينَ، فِيمَا ذَكرَ أَبو الفَرجِ بنُ الجَوزيِّ -
رَحمهُ اللَّهُ (٢) .
وقال الإِمامُ الحافظُ الأَوحدُ أَبُو حَاتم مُحمَّدُ بنُ حِبَّانَ البُستيُّ -
رَحمهُ اللَّهُ -: ((وإِنََّا قَبِلْنَا أَخبارَ أَصحابٍ رَسولِ اللَّهِ مَ ◌ّه مَا رَوَوْهَا عَنٍ
النبيِّ عَّهِ وإِن لَّم يُبْنُوا السماعَ فِي كُلِّ مَا رَوَوْا، ويتَقينٍ يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُم
رُبَّمَا سَمِعَ الخَرَ عَنِ صَحابِيٍّ آخَرَ، وَرَوَاهُ عَنِ النّبِيِّ يَ ◌ّه مِن غَيرِ ذِكرِ ذَلكَ
الذي سَمعهُ منهُ لأَنَّهُم صلواتُ اللَّهِ عَليهِم ورَحمُتُه ورِضوانُهُ - وَقَدْ فَعَلَ
كلُّهم - أَتَمَةٌ سَادةٌ قَادَةٌ عُدولٌ ، نَزََّ اللَّهُ - جَلَّ وعَلَا - أَقدارَ أَصحابٍ
(١) ذكرها الذهبيُّ في ((السير)) (٣٥٩/٣) وذُكِرَ لابنِ عباسٍ في ((تحفة الأشراف))
(١٢٢١) حديثًا سوى الزياداتِ عَليها؛ والتي تُقَدَّرُ بقُرابةِ (٢٢) حديثًا .
(٢) راجع ((السير)) (٣٥٩/٣)، وانظرها في ((السنة قبل التدوين)) لمحمد عجاج
(ص: ٤٧٧)، وقال أبو الوليدِ الباجيُّ: وقَد رَوَى البخاريُّ حديثًا واحدًا عن
سَعيد بنِ جُبَيْرٍ : سمَعتُ ابنَ عَباسٍ: سَمعتُ النبيَّ عَ ◌ّهِ يَقولُ: ((إِنَّكُم مُلَاقُو اللَّه
حُفاةً عُراة)) قال سفيانُ - ابنُ عُيينةَ - : هذا مِمَّا يُعَدُّ أَنَّ ابنَ عباسٍ سَمِعَهُ مِنَ النبيِّ
عَ ◌ّله. اهـ ((التعديل والتجريح)) (٨٠٥/٢) والحديثُ رَواهُ البخاريُّ في ((الرقاق))
(١٣٦/٨).

ص : 135
السنن الأبين
[ق٣٢/ب]
رَسُولِ اللَّهِ عَ لِّّ عَن أَن يَزَقَ بِهِمُ الوَهرُ، وفي قولِهِ صلى اللَّه عليه !
وسلم: ((أَلَا لِيُبلِّغِ الشاهدُ مِنكُمُ الغائبَ)) أَعظمُ الدليلِ عَلى أَنَّ الصحابة
كُلَّهُم عُدولٌ لَّيسَ فِيهِم مَّجروحٍ وَلا ضَعِيفٌ، إِذْ لَو كَانَ فِيهِم أَحدٌ غَيرُ
عَدلٍ لَاسْتُثْنِيَ فِي قَولِهِ عَِّ وَقَالَ: ((أَلَا لِيُبلِّغْ فُلانٌ وفُلانٌ مِنْكُمُ
الغَائِبَ )». فَلَّا أَجمَلَهُم فِي الدِّْرِ بِالأَمرِ بِالتَبليغ مَن بَعدَهُمْ دَلَّ ذلكَ عَلى
أَنَّهُم كُلَّهُم عُدولٌ، وكَفَى بِمَن عَدَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَ لّهِ شَرَفًا. انتهَى مَا
أَوْرِدْنَاهُ مِمَّا أَردِنَاهُ مِن كَلامٍ أَيِي حَاتِمِ البُستيِّ (١).
واسْتِدلالُهُ بِهَذا الحَديثِ صَحيحٌ حَسنٌ والإِجماعُ شَاهِدٌ عَلى ذَلكَ .
ومَا أَحسنَ مَا قالهُ الإِمامُ أَبو عَمٍو النَّصريُّ فِي تَحريرِ هَذا المعنَى مِن :
أَنَّ الأَمَّةَ مُجمِعَةٌ عَلى تَعديلِ جَميع الصحابةِ، ومَن لَابَسَ الفِتنَ مِنْهُم
فكذلكَ، بإجماعِ العلماءِ الذينَ يُعْتَدُّ بِهم في الإجماعِ. إحسانًا للظَّرِّ
بِهِم، ونَظرًا إِلى مَا تَهَّدَ لَهُم مِّنَ المَآئِرِ، وكَأَنَّ اللَّهَ - سبحانه وتعالى -
أتَاعَ الإِجماعَ عَلى ذَلكَ لِكَوْنِهِم نَقَلَةَ الشَّريعةِ (٢).
وهَذا الذي قَالَهُ الإِمامُ أَبو عَمرِو النصريُّ - رَحمَهُ اللَّهِ - فَقَدَ سَبقَهُ إِلى
تحريرِهِ: إِمامُ الحَرَمَيْنِ أَبو المعالى عبدُ المَلَكِ بنُ عَبدِ اللَّهِ الْجُوَثِيُّ، وَإِّمَا جَمعَ
أَطرافَ كَلامِهِ وَأَتَّى بِمَعناهُ ومَا رَاقَ مِن أَلْفَاظِهِ الحرةِ الجَزِلَةِ .
فَإِنِ اعترضتَ - أَيْضًا - أَيُّها الإِمامُ بِإِمكانٍ احتمالِ الإِرسالِ عَن تَابعيِّ
إِذْ يُحتمَلُ أَن يَكونَ الصَّحابِيُّ رَواهُ عَن تَابِعِيٍّ، عَن صَحَابِيٍّ، عَن
(١) مقدمة ((صحيح ابن حبان)) (١٦١/١ -١٦٢/ إحسان).
(٢) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٢٨٧).

ص : 136
السنن الأبين
[ق١/٣٣] رَسولِ اللَّهُ عَّ له ولَكِن أَرْسلَهُ؛ ■ قُلْنَا: نادِرٌ بَعيدٌ فَلا عِبرةَ بِهِ، وغَايةُ ما
قَدَرَ عَليهِ الحُقَّاظُ الْمُعْتَنُونَ أَن يُرِزُوا مِن ذَلكَ أَمثلةٌ نَّزْرةٌ تَجري مَجرى المُلَحِ
في المُذَاكَرَاتِ وَالنَّوَادِرِ فِي النَّوَادِي.
فَمِنَّ ذَلِكَ مَا قُرِئٍّ وَأَنَا أَسمِعُ بِتَغْرِ الإِسكندريةِ المحروسِ عَلى أَيِي عبدِ اللَّهِ
محمَّدِ بنِ عبدِ الخالقِ بنِ طَرخانَ الأَمَويِّ قال: أنا أبو الحَسنِ عليّ بنُ أبي الكرمِ
نَصرِ بنِ المباركِ الأنصاريُّ سَماعًا عَليهِ قال: أنا أَبو الفتَح الكروخيُّ سَماعًا
عَليهِ قال: أنا أَبُو عَامٍ مَّحمودُ بنُ القاسمِ الأزديُّ وأبو بَكرٍ أَحمدُ بنُ
عبدِ الصمدِ الغُوْرَجِيُّ وأبو نصرٍ عَبدُ العزيزِ بنُ محمَّدِ التِّريَاقِيُّ سَماعًا
عَليهِم قالوا: أنا أبو محمَّدٍ عبدُ الجبارِ بنُ محمَّدٍ الجراحيُّ سَماعًا عَليهِ
قال: أنا أبو العباسِ محمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ مَحبُوبٍ المحبوبِيُّ سَماعًا عَليهِ
قال: أنا أبو عيسىَ الترمذيُّ سَماعًا عَليهِ قال: نا عَبدُ بنُ محُمَيدٍ قال :
حَدَّني يَعقوبُ بنُ إِبراهيمَ بنِ سَعدٍ ، عَن أبيهِ، عَن صَالح بنٍ كَيسانَ،
عن ابنِ شِهابٍ قال: حَدَّثَنِي سَهلُ بنُ سَعدِ الساعديُّ قال : رَأَيتُ مَروانَ
ابنّ الحكم جالسًا فِي المسجدِ فَأقبلتُ حَتَّى جَلستُ إِلى جَنبِهِ فَأَخْبَرَنَا أَن
زَيدَ بِنَ ثَابَتٍ أَخبرَهُ أَنَّ النبيَّ ◌َ ◌ِّ أَمْلَى عَليهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أَمِّ مَكتوم وهُو يُمِلُّهَا
[ق٣٣/ب] عَليَّ، فقال: يَا رَسولَ اللَّهِ ، واللَّهِ لَو أَستطيعُ الجِهادَ لَجاهدتُ ■ - وَكانَ
رَبّجُلًا أَعمَى - فَأَنزِلَ اللَّهُ عَلى رَسولِهِ مُحمَّدٍ عَ لّهِ وَفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي
فَتَقْلَتْ حَتَّى هَمَّتْ تَرضُّ فَخِذِي ثُمَّ سُرِّيَ عنْهُ؛ فأنزلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ
أولي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] هَذا حَديثٌ حَسنٌّ صَحيحٌ. وفي هذا الحديثِ

السنن الأبين
ص : 137
روايةُ رَجلِ مِّن أصحابِ النِيِّ عَُّلّهِ عَن رَّجُلٍ مِّنَ التابعينَ؛ رَوَى سَهلُ بنُ
سعدٍ الأنصاريُّ عَن مَروانَ بن الحكم. ومَروانُ لَم يسَمَعْ مِنَ السَّيِّ عَّ
وهُوَ مِن التابعينَ .
انتَهَى كَلامُ أَنِي عِيسى؛ خَرَّجَهُ فِي ((جامعه)) (١).
وهذا السندُ أَعلى سَندِ يُوجَدُ فِيهِ شَرقًا وغربًا والحمدُ للّهِ.
الجوابُ الثاني - وهُو خَاصِّ - أَن نَقولَ:
قَد اطّلَغْنَا - والحمدُ للَّهِ - أَيُّها الإِمامُ عَلى صِحةِ السماع لِعبدِ اللهِ بنِ
يَزِيدَ مِن أَبِي مَسعودٍ ، وأَحْضَرنَا مِنْهُ مَا غابَ عَنكَ الإِمامُ الكبيرُ أَبُو عَبدِ اللَّهِ
البخاريُّ - رحمهُ الله - في ((جامعه الصحيح)) حَسبَمَا ذَكَرِنَاهُ قَبْلُ مِنْ حَديثِهِ
الذي ذَكرَهُ فِي المَغَازِي منصوصًا فيهِ عَلى السماعِ بما أَغْنَى عَن إِعادتِّهِ (٢) .
فَمَنْ حَكَمَ بِصِحتِهِ وَبِلَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كِتابِهِ ؛ اطّلعَ عَلَى صِحةِ السماعِ
فيهِ وعَلِمَ منهُ مَا لَم تَعلَمْ ، هَذا إن قَدَّرْنَا منهُ مُراعاةَ هَذا الاحتمالِ النادرِ مِن
رِوَايةِ الصاحبِ عَن التابعِ؛ ومَا أَبعدَ مُراعاتهُ فَلا نَعلَمُ قَالَ بِهِ مَنَ يُعْتَمَدُ مِن
أَئِمةِ الحَديثِ (٣) .
(١) الترمذي (٣٠٣٣)، و((المنتخب من مسند عَبْدِ بن حُميدٍ)) (٢٤١) من طريقٍ
النَّضْرِ بنِ شُمَيلٍ: أنا شُعبةُ، عَن سَعدٍ ، بهِ، والحديثُ أَخرجهُ البخاريُّ (٣٠/٤)
من طريقِ عبدِ العزيزِ: ثنا إِبراهيمُ بهِ، وغيرُهُم .
(٢) (ص: ١١٢) رقم (١).
(٣) ذكرَ الخطيبُ في ((الكفاية)) (ص: ٣٨٥) الاختلافَ فِي قَبولِ مَراسيلِ الصحابةِ
فَقَالَ بَعضُهُم: لَا تُقَبلُ لَا لِلشَّكِّ فِي عَدَالَتِهِم ؛ ولَكِن لأنهُ قَد يَروِي الرَّاوِي مِنْهُم
عَن تابعيّ، وعَن أَعرابِيٌّ لَا تُعرَفُ صُحبتُهُ ولَا عَدالتُهُ، وَقَالَ آخرون :
=

السنن الأبين
ص : 138
وأَمَّا حَديثُ عبدِ اللَّهِ؛ عَن حُذيفةَ: فَقَد خَرَّجْتَهُ أَنتَ أَيها الإِمامُ جريًا
[ق١/٣٤] عَلَى شَرِكَ، ولَم يُخَرِّجْهُ هُو؛ إِمَّ لِعِلَّةٍ اطَّلَعَ ■ عَليهَا بِسَعةِ عِلمِهِ لَم
تَطِّعْ أَنْتَ عَليهَا، كَالْمَغْلومِ مِنْهُ فِيمَا اتفقَ لَك مَعهُ حَسبَمَا كُتِبَ إِلَيْنا مُخبرًا
بِهِ غَيرَ مَرَّةِ الشيخُ شهاب الدين أبو المَعَالي أحمدُ بنُ أبي حامدٍ محمَّدٍ
ابنِ أَبِي الحسنِ عليّ بنِ محمودٍ المحموديُّ الصابونيُّ المصريُّ .
ومِن أَصلِ سَماعِهِ نَقلتُ؛ بِحَقِّ سَماعِهِ عَلى الشَّيخِ الأَمينِ المُحدِّثِ
أبِي القَاسمِ عبدِ الرحيمِ بنِ يُوسفَ بنِ هِبةِ اللَّهِ بنِ مَحمودٍ بنِ الطَّفيل
الدمشقيّ قال: أنا الإِمامُ الحافظُ أَبُو طَاهرِ السِّلَفِيُّ الأصبهانيُّ سَماعًا عَليهِ
قال : سَمعتُ القَاضي أَبا الفتح إسماعيلَ بنَ عَبدِ الجبارِ المَاكِيَّ بِقَزْوِينَ من
أَصلِ كِتابِهِ العَتيقِ بِخَطَّهِ يَقولُ: سمعتُ أَبَا يَعلى الخَلَيلَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ
أَحمدَ الخَليليّ الحافظَ إِملاءً يَقولُ: أنا أَبو مُحمَدٍ الحسنُ بنُ أَحمدَ بنِ
مُحمَّدِ المَخَلديُّ فِي كِتَابِهِ : أنا أَبُو حَامدِ الأَعمشُ الحافظُ قال: كُنَّا عِندَ
مُحمَّدٍ بنِ إسماعيلَ البخاريُّ بِنَيسابُورَ، فَجاءَ مُسلمُ بنُ الحَجَّاجِ فَسألَهُ عَن
حَديثِ عُبيَدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، عن أبي الزُّبِيرِ، عن جَابٍ: ((بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّه
هِيَ مَقبولةٌ؛ والظاهرُ فِيمَا أَرْسلَهُ أَنْهُ سَمِعَهُ مِن صحابِيٌّ آخَرَ؛ - قال الخطيبُ - :
=
وأَمَّا مَن رَوَى مِنْهُم عَن غَيرِ الصِحابةِ فَقَد بَيَّنَ فِي روايتِهِ مَّن سَمِعَهُ، وهُو قَليلٌ
نادرٌ فَلا اعتبارَ بهِ؛ وهَذا هُو الأُشبهُ بِالصوابِ عندَنا . اهـ.
وهذا ممَّا يميلُ القلبُ إِليهِ؛ إذْ إن الأصلَ في روايةِ الصحابيِّ إِمَّا عَنِ النبيِّ
عَّلِ، وَإِمَّا عَن صِحَائِيٌّ آخَرَ؛ وذلكَ لِحَاجةِ غَيرِهِم إِليهِم لِسَماعِهِم مِنَ النبيِّ
عَ لَّه؛ وأمَّا مَا شَدَّ مِن رِوَايةِ الصحابِيِّ عَنِ التابعيِّ فَهَذا نادرٌ، والنادرُ لَا حُكْمَ
لَه ، وأَمَّا تَطبيقُ هَذا عَلى روايةِ عبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ فَمُستبعَدٌ لِلقولِ بِانتفاءِ صُحبتِهِ -
رَحمهُ اللَّه - ، وقَدْ سَبقَ الكلامُ عَليها .

ص : 139
السنن الأبين
في سَرِيةٍ ومَعنا أَبُو عُبيدةَ - فساقَ لهُ الحَديثَ بِطُولِهِ - فقالَ مُحمَّدُ بنُ
إِسماعيلَ : نا(١) ابنُ أَبِي أُوَيسٍ: نا(٢) أَخِي أبو بَكرٍ، عن سُليمانَ بنِ
بِلالٍ، عَن عُبيدِ اللَّهِ، عَن أبي الزبيرِ، عَن جابرٍ، - القِصةَ بطُولِهَا - فَقرأ
عَليهِ إِنسانٌ حَديثَ حَجاجٍ بنِ مُحمَّدٍ ، عَنِ ابنِ بجريجٍ، عَن مُوسَى بنِ
عُقبةَ: نا(٣) سُهيلُ بنُ أَبِي صَالحِ، عن أَبيِهِ، عَن أَبِي هُرِيرةَ، عَنِ النبيِّ
عَّ له قال: ((كفَارةُ المجلسِ واللَّغْوِ إِذَا قَام العبدُ ■ أن يقولَ: سُبحانَكَ [ق٣٤/ب]
اللَّهُمَّ وبِحَمدِكَ أَشْهِدُ أَن لَّا إِلهَ إِلا اللَّهُ أَستغفرُكَ وَأَتُوبُ إِليكَ)) (٤).
فَقالَ له مُسلمٌ : فِي الدنيا أَحسنُ مِن هذا الحَديثِ !!! ابنُ جريجٍ. عن
مُوسَى بِنِ عُقبةَ. عَن سُهَيلٍ؛ يُعرَفُ بهِذا الإِسنادِ حَديثٌ فِي الدنيا؟!
فقالَ محمدُ بنُ إِسماعيلَ : إلا أنه مَعْلُولٌ .
قال مُسلم: لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ - وارْتَعَدَ - أَخبرنِي بِهِ!
قَال: اسْتُرْ مَا سَترَ اللَّهُ، هذا حديثُ جَليلٌ؛ رُوِيَ عن الحَجَّاجِ، عَن
(٥)
ابنِ مُرَيج (٥) .
(١) كذا بالأصل، وفي ((الإرشاد)): ((حدثني)).
كذا بالأصل، وكتب في الهامشِ: ((ني)) وقال: ((معًا)) يريد بها: ((حدثنا))
(٢)
و( حدثني)) -، والأخيرةُ مُوافقةٌ لما جاء في ((الإرشاد)).
(٣) كذا بالأصل، وكتب فوقها: ((ني)) وقال: ((معًا)).
أراد أنها تقرأ: ((حدثنا)) - و- ((حدثني))، والأخيرةُ موافقةٌ لما جاء في
((الإرشاد)).
(٤) الحديثُ أخرجه أحمدُ في ((المسند)) (٢٩٤/٢)، والترمذي (٣٤٣٣) وغيرُهُما .
(٥) كذا بالأصل، وفي ((الإرشاد)): ((رَوى عَن حَجاجٍ بنِ مُحمدِ الخُلّقُ عن ابن جُرَيج)) .

السنن الأبين
ص : 140
فَأَلَ عَليهِ ، وقَبَل رَأْسَهُ، وكادَ أَن يَبْكِيَ!
فقالَ : اكْتُبْ إِن كَانَ وَلَا بُدَّ :
نا مُوسَى بنُ إِسماعيلَ: نا ؤُهَيبٌ: نا مُوسَى بنُ عُقبةَ، عَن عَونِ بنِ
عبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ: ((كَفَّارَةُ المَجْلِسِ)).
فقالَ مُسلمٌ: لَا يَبِغَضُكَ إِلَّ حَاسِدٌ، وَأَشهدُ أَن ◌َّيْسَ فِي الدنيا
مِثْلُكَ (١) .
قُلْتُ: وَقَد رَوِى هَذا الحَديثَ البخاريُّ فِي ((تاريخه الصغير)).
أَنَا غَيرٍ وَاحِدٍ مِّنْهُم الفَقيهُ الشَّريُّ الفَاضِلُ الجَليلُ أبو إسحاقَ إِبراهِيمُ ابنُ
القاضِي أَيِي الوليدِ بن الحَاجٌ فِيمَا أَذِنَ لِي فِيهِ عَنِ الراويةِ أبي الحَسنِ
الشَّارِيِّ، عَنِ الحافظِ أَبِي الحسنِ عليٍّ بنِ عَتِيقِ بنِ مُؤمنٍ الْخَرَرجِيّ
القُرطُبيِّ، عن أبي الحسنِ عليٍّ بنِ محمَّدِ بنِ مَوهبٍ قال: أنا العذريُّ
أَبو العباسِ - قُلتُ ومِن خَطِّهِ نَقلتُ ومِن أَصلِ سَماعِهِ عَلى أَبِي ذَرِّ -
قَالَ: أَنا الشيخُ أَبو ذرٍّ عبدُ بنُ أَحمدَ الهرويُّ قِراءَةً عَليهِ بِكّة - شَرَفَها اللَّهُ -
[ق١/٣٥] قال: أَنَا أَبُو عَليِّ زَاهرُ بنُ أَحمدَ الفقيهُ بِسَرِخَس ■ قَالَ: أنا أَبُو مُحمَّد
زَنْجُويَهْ بنُ مُحمَّدِ النَّيسابوريُّ قال: نا محمَّد بنُ إِسماعيلَ البخاريُّ قال :
نا محمَّدُ بنُ سَلام (٢) قال: أَنا مَخْلَدُ بنُ يَزِيدَ قال: أنا ابنُ مجرَيجٍ قال :
(١) ((الإرشاد)) للخليلي (ص: ٩٦٠)، وانظرها في ((معرفة علوم الحديث)) (ص:
١١٣-١١٥) بألفاظٍ فِيها بعض التَّغايُرِ، وانظرْهَا في ((تاريخ بغداد)) (٢٩/٢)
وغَيرِهِم ؛ فالقصةُ مَشهورةٌ .
(٢) كذا بالأصل ((سَلَام)) وكتبَ فوقَها: ((خف)) إشارةٌ مِنهُ إلى أَنَّ اللَّام لا تُشَدد، =