النص المفهرس
صفحات 101-120
ص : 101 السنن الأبين قال : أنا الليثُ ، عَنِ ابنِ شهابٍ ، عَن عُروةَ وعَمرَةَ بنةِ عبدِ الرَّحمن : أنَّ عائشةَ زَوجَ النبيِّ عَّهِ قالتْ: ((إِنْ كُنتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فِيهِ فَمَا أَسَأْلُ عَنْهُ إِلَّ وَأَنَا مَارَّةٌ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّه لِيَدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَجُلُهُ: وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا)). وقال ابن رُمْحٍ: ((إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ))(١). فَقَد بَيَّنَ الليثُ فِي حَديثِهِ عِنَدَكَ وعِندَ البُخاريِّ أَنَّهُ لَهُ عَنْهُمَا، وَقَد كَانَ يُمكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّهُ عِنَد ابنِ شِهابٍ عَن عُروَةَ وعَمْرةَ بِهَذا السِّيَاقِ الأَنَّمِّ، وعَن ◌ُروةَ فَقَط مُختصرًا لَولا مَا أَوردَهُ البُخَارِيُّ عَن ابنِ شِهابٍ، عَن عُروةَ وعَمرةَ مُختصرًا - أيضًا . وقَد كَفَى الإِمامُ أَبُو عَبدِ اللَّهِ البخاريُّ مَؤونةَ البَحثِ ، وَيَّنَ أَنَّه عِندَ عُروةَ مَسموٌ مِّن عَائشةَ، فَذكرَ رِوايَةَ هِشامٍ عَن أَبِيهِ بإسقاط عَمرةً من طَريقِ مَالكِ وابنٍ مجريجٍ، عَنِ هِشامٍ، عَن أبيهِ، عَن عَائشةً ، وَوَقعَ فِي رِوايةِ ابنِ مجريجٍ مِّن قَولِ مُروةَ: أَخبرتني عَائشةُ. وذَكرَ الحديثَ فِي كِتابِ الحَيْضِ مِن ((صحيحه)) فِي بَابٍ غَسلِ الحَائضِ رَأْسَ زَوْجِها وتَرجيلِهِ . فقال : نا إِبراهيمُ بنُ مُوسَى قال: نا هِشامُ بنُ يُوسفَ: أَنَّ ابنَ مُجرَيْجٍ أَخبرَهُم قال: أنا هِشامُ بنُ عُروةَ، عَن عَروةً أنه سُئِلَ: أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَو تَدْنُو مِنِّي المرأةُ وهِيَ ■ جُنُبٌ؟ فقالَ عُروةُ: كُلُّ ذَلكَ عَليَّ هَيِّنٌّ وكُلُّ ذَلِكَ [ق٢٤/ب] يَخْدُمُني (٢)، ولَيسَ عَلى أَحَدٍ فِي ذَلك بأسٌ: أَخبرتني عائشةُ، ((أَنَّها (١) مسلم (١٦٧/١). (٢) كذا بالأصلٍ، وفي الصحيح ((تخدمني)) بالمثناة الفوقية، ولم يُشِرِ العينيُّ = ص : 102 السنن الأبين كانت تُرَجِّلُ رَسولَ اللَّهِ عَ لَّه وَهِيَ خَائِضْ، وَرَسُولُ اللَّهِ عَ لَّهِ حِيَئِذٍ مُجَاوِرٌ ٥ في المسجدِ يُدْنِي لَها رَأْسَهُ وهِي فِي حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وهِيَ خَائِضٌ)) (١). فَهَذَا نَصِّ جَلِيٍّ عَلى سَماعٍ ◌ُروَةً مِن عائشةَ، وذلكَ بِخلافٍ ما اعتقدَهُ مُسلمٌ - رحمهُ الله - مِنَ انقطاع روايةٍ مَن أسقطَ عَمْرَةَ مِنَ الإِسنادِ فِيما بَيْنَ عُروةَ وعائشةً . ولَم يَقُلْ فيه أَحَدٌ عَن عُروةَ عَنِ عَمرةَ إِلَّ مالكٌ - رَحِمَهُ اللَّه -، وأَنْسُ ابنُ عِياضٍ، عَن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، عَنِ الزُّهريِّ فَتابعَ مَالِكًا . والجُمهورُ عَلى خَلافِهِمَا، بَّنَ ذَلكَ الإِمامُ أبو الحسنِ الدارقطنيُّ فِي مُزْءٍ لَهُ جَمَعَهُ في ((الأحاديثِ التي خُولِفَ فيها مَالكٌ)) - رضي الله عنه - فقال: ((رَوى مالكٌ فِي ((الموطأ)) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَن ◌ُروةَ، عَن عَمرةً، عَن عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ عَّهِ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِلُهُ)) . خَالَفَهُ عُقَيْلُ بنُ خَالِدٍ ، ويُونُسُ بنُ يَزِيدَ ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ ؛ فَروَوهُ عنٍ الزهريِّ، عن عُروةَ وعَمرةَ، عَن عَائشةً. وقِيلَ ذَلكَ عَن الأوزاعيِّ وتَابَعَهُم ابنُ جريج، والزُّبَيْدِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، ومَعمرٌ، وزِيادُ بنُ سَعدٍ ، وابنُ أخِي [ق ١/٢٥] الزهريِّ، وعبدُ الرحمنِ بنُ ثُمَيّر، ومحمدَ بنُ أبي حفصةً، وسفيانُ ■ بنُ مُحُسينٍ، وعبدُ اللَّهِ بنُ بُدَيْل وغيرُهُم، فَرَوَوْهُ عن الزهريِّ، عن عُروةَ ، عن عائشةَ لَم يَذْكُرُوا فيه عَمرةَ. ويُشبِهُ أَن يكونَ القولُ قولَهُم لِكَثْرةٍ = أو الحافظُ أَو القسطلانيُّ إلى ورودِهَا بالمثناةِ التحتيةِ كما هو مثبتٌ في أصلِنَا هذا . (١) البخاري (٨٢/١). السنن الأبين ص :103 عَددِهِم (١) واتِّفاقِهِم عَلى خِلافِ مَالكِ . وقَد رَواهُ أَنْسُ بنُ عِياضٍ أَبُو ضَمْرَةَ، عَن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، عَنِ الزهريِّ فَوافقَ مالكًا، ولا نعلمُ أُحدًا تابعَ أبا ضَمرةَ عَلى هذهِ الروايةِ عَن ◌ُبيدِ اللَّهِ، واللّهُ أعلمُ)) (٢). انتهى كلامُ الدَّار قطْنيّ - رَحمهُ اللَّهُ. (١) في الأصل: ((عدهِمْ)) وضع حرف ((دال)) فوق الكلمة وضبب عليه، والمعنى أنها بدال واحدة مشكلة والصواب بدالين، والله أعلم. (٢) وقد ساقَ الدارقطنيُّ في ((العلل)) [٥ب/ق٤١/ب] الخلافَ على الزهريِّ وعلى مالكٍ فانظره، وقَد ذكرَ الدارقطنيُّ أنَّ عُبيدَ اللَّهِ بنَ عُمر وأبا أَوَيْسٍ رَوياهُ عَن الزهريِّ، عَن ◌ُروةَ، عَن عَمرةَ، عَن عَائشَةَ، وكذلك رَواه مالكٌ في ((الموطأ)) واختُلفَ عنهُ ... )). ومِن الزِّياداتِ على ((تحفة الأشراف)) (٧٩/١٢) قال البخاريُّ: ((هُو صحيحٌ عَن ◌ُروةَ وعَمرةَ ، ولا أعلمُ أحدًا قال: عَن عُروةَ، عَن عَمرةَ غَيرِ مَالكِ وُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ. اهـ . فأمَّا حديثُ أبي أويسٍ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ : فَلا يَصلحُ للاعتمادِ عليهِ مَع مُخالفةِ كبارِ أصحابِ الزهريِّ، وهُو ضعيفٌ وفي الزهريِّ خَاصةً كما قالَ الدارقطني في ((سؤالات البرقاني)) (٥٧٠): ((في بعضٍ حديثه عن الزهريِّ شيءٌ)) وانظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (٧/١٠). وأما حديثُ أنسٍ بن عياضٍ، عن عُبيدِ اللَّه : فَلا يَتْبتُ - أيضًا - وقَد أَوْرَدهُ العبقريُّ الدارقطنيُّ في ((الأفراد)) وقال: تفردَ به: عليّ بنُ المدينيّ، عن أَبِي ضَمرةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، عن الزهريِّ، عن عُروَةَ، عَن عَمرةَ، عَن عائشةً. اهـ كما في ((أطراف الغرائب والأفراد)) لابن طاهر [ق١٥٤/ب]، وبمثلِهِ قالَ الطبرانيُ في ((الأوسط)) (٦٦٠٤) وكذا في ((الصغير)) (٩٠/٢)، وانظره في (( تاريخٍ بغداد)) (١٣٠/٢)؛ وأبو ضمرةَ قَد جُرِّبَ عليهِ الخطأَ؛ وفي رِوايتهِ عَن تُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمر - خاصَّةً -؛ فقَدْ رَوى الدوريُّ في ((تاريخه)) (٧٧٠) : سمعتُ يحيى يقولُ في حديثٍ أبي ضَمرةً ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عُمرَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ : = ص :104 السنن الأبين قُلتُ - واللَّهُ المُرْشِدُ -: والصحيحُ عِندي في هذا الحديثِ: أَنَّهُ عندَ ابنِ شِهابٍ عن عَروةَ وعَمرةً معًا، ولا شكَّ أنَّهُ عندَ عُروةَ مَسموعٌ مِّن عَائشةَ كما بيَّنَهُ البخاريُّ مِن طَريقِ ابنِ مجريج حَيثُ قَالَ: أَخبرتْني عائشةُ، ويُؤيد ذلك: أَن مَالِكًا - رِضُوانُ اللَّهِ عليهِ - قَدِ اخْتُلِفَ عَليهِ في = ((إِن جَيْشًا غَنمُوا طَعَامًا)) قال يحيى: قَرأَهُ عليَّ أبو ضَمرةَ مِن أَصلِ كِتابِهِ: عَن نَافعِ مرسلاً. اهـ. وقد رجح فيه الإرسال - أيضًا - الدارقطني في ((العلل)) [ ٤] ق ١٠٩/أ] قال: و((المرْسَلُ أشبهُ)). والذي يُسْتَشَفُّ مِن سِياقِ الدُّورِيِّ أَن أَبَا ضَمرةَ لَم يَكِنْ ضَابِطَ صَدٍ مِثلَ مَا هُو ضَابطَ كِتابٍ، فَعندَما حَدَّثَ مِن حِفظِهِ وَصَل الحديثَ، وعِندَمِا حَدَّثَ مِن كِتابِهِ، أَرْسلَهُ، وهُو المحفوظُ عنهُ، فما الذي يَمنعُ أَن يَكونَ هذا الحديث في أصولٍ أَبي ضَمرةً عَن عُروةَ وعَمرةً، عن عائشةً، وحَدَّثَ بهِ مِن حِفِظِهِ عَن عَمرةً عَن عَائشةً ؟! ولِذَا استغرَبَهُ الحقَّظُ مِنه - كما سَبقَ -، وأَنْهُ لَم يُتَابَعْ عَلِيهَا . وَأَضِفْ إِلَى هَذا تصريحاتٍ أَهلِ العلمِ بأَنَّ مَالِكًا لَم يُتَابَعْ عَليه كَأَبِي داود عَقبَ الحديثِ (٢٤٦٨) قال: ((ولَم يُتَابِغَ أحدٌ مَالكًا عَلى عُروةَ عَن عَمرةً)) . وبنحوِهِ قَال الترمذيُّ - وسيأتي - وغيرُهُما . ويقولُ ابنُ عبدِ البَرٌّ في ((التمهيد)) (٣٢٠/٨): ذكرَ محمدُ بنُ يَحِىَ الذُّهليُ في كتابهِ ((عِلل حديثِ الزهريِّ)) هَذينِ الحَديثِينِ ((مُرورٍ عائشةَ))، و((تَرجيل النبيِّ عَّهِ وَهُما مُعتكفانٍ)) عَن جماعةٍ مِن أصحابِ الزهريِّ مِنهمُ: يُونُسُ، والأَوزاعِيُّ، واللَّيْثُ، ومَعمرٌ، وسُفيانُ بنُ حُسينٍ، والزُّبيديُّ، ثم قالَ: اجْتمعَ هَؤلاءِ كُلُّهُم عَلى خِلافِ مَالكِ في ((ترجيلِ النبيِّ عَّهِ)) فَلمِ يُجَامِعْهُ عَليِهِ منهمٌ أَحَدٌ ، فَأَما يُونُسُ والليثُ: فَجَمعا ◌ُروةَ وعَمرةَ عَن عائشةً، وأَمَّا مَعمرٌ والأوزاعيُّ وسُفيانُ بنُ محُسينٍ: فاجْتَمعوا عَلى عُروةَ عن عائشةَ. قال: والمحفوظُ عِندَنا: حديثُ هَؤلاءِ)) . اهـ. قال ابنُ عبدِ البرّ: ((الذي أَنكَرُوا عَلى مالِكِ: ذِكرُهُ عَمرةً فِي حَديثِ عَائشةَ ((أنها كانتْ تُرجِّلُ رسول اللَّه عَظَلِّ وهو مُعتكفٌ)) هذا مَا أَنْكَرُوا عَليهِ لَا غَيرَ في هذا الحديثِ)). اهـ. السنن الأبين ص :105 هَذا الحديثِ كَما نُبِيِّنُهُ، فَرِوايَتُهُ فيهِ مُضطربةٌ . قَالَ الإِمامُ الحافظُ أَبُو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ: ((هَكَذَا قَالَ مَالكٌ فِي هَذا الحديثِ: عَن ابنِ شِهابٍ، عَن عُروة، عَن عَمرةً، عن عَائشةً، كذلكَ رَوَاهُ عنهُ جُمهورُ رُواةِ ((الموطأ)) - قَالَ -: ومَمَّنْ رَواهُ كَذَلَك فِيمًا ذكرَ الدار قطنيُّ : مَعنُ بنُ عِيسى، والقعنبيُّ، وابنُ القاسم، وأبو المُصعبِ، وابنُ بُكَيْرٍ، ويَحتَّى بنُ يَحتَى يَعني : النيسابوريَّ، وإِسحاقُ بنُ الطَّاعِ، وأبو سلمةً منصورُ بنُ سلمةَ الخُزَاعِيُّ، ورَوْحُ بنُ عُبادةَ، وأَحَمدُ بنُ إِسماعيلَ، وخالدُ بنُ خَالدٍ، وبِشرُ بنُ عُمرَ الزَّهرانيُ (١) . قُلْتُ: ■ وذَكرَ أَبو عيسى الترمذيُّ عَن مَالكِ خِلافَ ذَلَكَ فَإِذا كانَ [ق٢٥/ب] الأَمرُ هَكذا فترجع إِلىّ الاعتمادِ عَلى رِوايةِ الليثِ ؛ فإِنَّها - فِيمَا عَلِمت - لَم تَضطربْ ولَم يُختَلفْ عَليهِ، وقَد بَيَّن ذلكَ الإِمامُ أبو عيسى الترمذيُّ في ((جامعه)) فَشَفَى وكَفَى - يرحمهُ اللَّهُ: أَنَا مُحمّدُ بنُ طَرْخَانَ العَدْلُ سَماعًا عليهِ بثغرِ الإِسكندريةِ قال : أنا أَبُو الحَسنِ عَلَيُّ ابْنُ أَبِي الكَرمِ بنِ البنَّاءِ سَماًا عَليه قال: أنا أَبو الفتح عبدُ المَلَكِ بنُ أبي القاسم بنِ أبي سهلِ الكروخِيُّ الهرويُّ سَماعًا عليهِ قال (٢): أنا المَشَايخُ الثلاثةُ أَبُو عَامرِ الأزديُّ، وأبو نَصرِ التّرياقِيُّ، وأَبُو بَكرِ الغُوْرَجِيُ قالُوا: أنا أبو محمّدٍ الجرّاحيُّ قال: أنا أَبو العباسِ المحّبُوبِيُّ قال: أنا أبو عِيسَى الترمذيُّ: نا أَبُو مُصعَبِ المدنيُّ قِراءةً، عن مَالكِ بنِ أَنْسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عَن عُروةَ وعَمرةً، عن عائشةَ أَنَّها قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) ((التمهيد)) (٣١٦/٨). (٢) كتب بعد ((قال)) :- ((أنا أبو الفتح عبد الملك)) وضرب عليها. السنن الأبين ص :106 عَ لّهِ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَّ رَأْسَهُ فَأُرَجُلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةٍ الْإِنسَانِ )) . قَالَ أَبو عِيسَى : هَذا حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، هَكَذا رَوَى غَیرُ وَاحدٍ عَن مَالكِ بنِ أنسٍ، عَنِ ابنِ شِهابٍ، عَن عُروةَ وعَمرةَ، عَن عَائشةً ، وَرَوَى بَعضُهُم: عَن مَالكِ، عَنِ ابنِ شِهابٍ، عَن عُروةَ، عَن عَمرةً ، عَن عَائشةً والصَّحيحُ: عَن عَروةُ وعَمرةَ عَن عَائشةَ، وهَكذا رَوَى الليثُ بنُ سَعدٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ، عن عُروةً وعَمرةَ، عَن عَائشةً، نا بِذلك: قُتِيبةٌ عَنِ اللَّيثِ (١) . انتهَى كَلامُ أَبِي عِيسَى حَاكِمًا بِأَنَّ ■ الصَّحيحَ عَن عُروةً وعَمرةً، وقَاضِيًّا فِي ظَاهرِ الأمرِ بأنَّ قَولَ مَالكِ المَوافقَ لِلجماعةِ أَوْلَى مِن قَولِهِ المُخَالِفِ لَهُمْ - واللَّهُ الموفقُ . [ ق١/٢٦] وَذَلِكَ خِلافُ مَا ظَهَرَ مِن أَنِي عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ مِنْ أَنَّ الصَّحيحَ عن مَالكِ: مَا رَواهُ عنهُ الجَماعةُ مِن قَولِهِم: عَن عُروةَ، عَن عَمرةَ ، إِلَّا أَنَّ (١) الترمذي (٨٠٤، ٨٠٥)، وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّ ذِكِرَ عَمرةَ في حديثِ مَالكِ هِي مِنَ المَزِيدِ في مُتَّصِل الأسانيدِ، وأن الحديثَ بِدُونِها مُتصلٌ إِلَّا أَن تَكونَ مَقرونةً بِعُروةً - كما سَبقَ ذِكرُهُ -، وبِهِذَا جَزِمَ الحافظُ العَلائِيُّ في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٢٩)، والحافظُ في ((الفتح)) (٢٧٣/٤)، وكذا الشيخُ المعلميُّ فِي جِزئهِ الذي تعقَبَ فيهِ الإِمامَ مسلمًا؛ وبهِذَا يَتَّضحُ أَنَّ الروايةَ الصحيحةَ هِي التي رَواهَا اللَّيْثُ ومَنْ وَافقَهُ، وأَنَّ رِوايةَ مَالكِ قَد أُنكِرَتْ عَليهِ، ويَسقطُ بِهِذَا استِدلالُ الإمام مسلمٍ بهذا الحديثِ ، إِذْ إِنهُ اشترطَ أن يأتيَ بأحاديثَ هِي عِندَ ذَوِي المعرفةِ بالأخبارِ صَحيحةٌ وَأَنْهُم لَم يُوهِّنُوا منها شيئًا، وهَذا المثالُ لا يَنطبقُ عليهِ ما اشترط - رحمهُ اللَّهُ -، والله أعلمُ. ص :107 السنن الأبين أَبَا عُمر لَمْ يَتَعرَّضْ للصَّحيحِ فِي نَفسِ الأُمرِ مَا هُوَ؛ وفِيمَا ذَكرُه - أيضًا - أَبُو عُمرَ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ مَنْ أَنَّ رِوَايَةً أَبي المُصْعَبِ مِثلُ رِوَايةٍ مَن سَمَّى مَعهُ خِلافٌ لِما قَاله أَبُو عِيسَى الترمذيُّ عَنَ أَبِي المُصْعَبِ، وما قَالُه أَبُو عِيسى عنهُ أَوْلَى؛ فإنهُ سَمِعَ ذلكَ مِنْه قِراءةً . ثُم قُلْتَ (١) : (( وَرَوى الزُّهرِيُّ وصَالحُ بنُ أَبِي حَسَّانَ، عن أبي سَلَمَةً، عَن عائشةَ: ((كَانَ النَّبِيُّ عَلَّهِ يُقَبَّلُ وَهُوَ صَائِمٌ))(٢) . فقالَ يَحَيِى بِنُ أَنِي كَثِيرٍ في هذا الخَبَرِ في القُبْلَةِ: أخبرني أَبُو سَلمةً: أَنَّ عُمَرَ بنَّ عبدِ العزيزِ أخبرَهُ أنّ عُروةَ أخبرَهُ: أَنَّ عَائشةَ أخبرتْهُ: ((أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَِّ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ))(٣). (١) ((المقدمة)) (ص: ٢٥). (٢) أحمد في ((المسند)) (٢٥٦/٦) من طريق حمادٍ بن خالدٍ، والنسائيُّ في ((الكبرى)) (٢٠٠/٢) من طريق ابن وَهبٍ، كلَاهُما -، عَنِ ابنِ أَبِي ذِئبٍ به، وقد اختُلِفَ عَلى ابنِ أَبي ذِئبٍ فَرواهُ محُسينٌ المَروزيُّ عند أحمدَ (٢٢٣/٦) عن ابنِ أبي ذئبٍ عن الزهريِّ وَحدَهُ، وَقَد رَواهُ ابنُ أَبي فُدَيْكٍ في ((الكبرى)) للنسائي (٢٠٠/٢) عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عَنِ الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عَن أبي سَلمةً به. (٣) أخرجه مسلم (١٣٦/٣)، والنسائيُّ في ((الكبرى)) (٢٠٢/٢)، والباغنديُّ في (( مسند عمرَ)) (ص: ١٠٣) من طَرِيقٍ شَيبانَ ومعاويةَ بنِ سَلامٍ معًا عن يحبى به، وأخرجهُ أحمدُ في «المسند» (٢٧٩/٦ -٢٨٠) من طريق شيبانَ وَحْدهُ، وكذا الدارميُّ في «مسنده)) (١٢/٢). وابنُ حِيانَ (٣٥٣٩ - إحسان)، واختُلِفَ عَلى يحيى فيه؛ فروى الأوزاعيُّ مِن طريقِ الوليدِ بنِ مُسلمٍ عند النسائيِّ (٢٠١/٢)، والطحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) (٩١/٢) عَن الأوزاعيّ، عن يحبى : حدثني أبوٍ سَلمةَ: حدثني عائشةُ، وتابَعَ الوَليدَ : بشرُ بنُ بَكرٍ عند الطحاويِّ، وتَابعَ الأوزاعيَّ: هَشامٌ الدستوائيُّ واختُلِفَ عليه - أيضًا - ؛ فرَوَى = السنن الأبيع صص : 108 إِسحاقُ بنُ يُوسفَ الأَزَرِقُ، عن هِشامٍ، عَن يحيى، عَن أَبِي سَلمة ، عَن عَائشةً = أخرجَها النسائيُّ في ((الكبرى)) (٢٠١/٢) كذا رَواهُ عبدُ الرحمنِ الطَّرْسُوسيُّ، عن إسحاقَ، ورَواهُ الفَلَّاسُ عَن هِشامٍ: حدثني يحيى، عَن أَبي سلمةَ، عن عُروةَ، عَن عَائشةَ، وكذا رَواهُ الإِمام أحمدُ في ((المسند)) (٢٤١/٦) عَن إِسحاقَ ، والقَولُ قولُهُما عَن إِسحاقَ ؛ لِزيادةِ رَجلٍ في الإِسنادِ ، ولأَنَّهُما أَجَلُ مِن الطَّرسوسيِّ، وقَد تَابعَ إِسحاقَ على الروايةِ الأخيرةِ يَحْتَى القطانُ وعبدُ الملكِ بنُ عَمرٍو، عن هشامٍ بِزيادةٍ عُروةَ كما رواه أحمدُ في ((المسند)) (٢٥٢،١٩٣/٦) وكذا رواه النضرُ بنُ شُمَيلٍ، عن هِشامٍ كما في ((العلل الكبير)) للترمذي (ص: ١١٦). ورَواهُ عليّ بنُ المباركِ، عن يَحبِىَ بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةً، عن عُروةَ ، عَن عائشةً كما رواه النسائيُّ في ((الكبرى)) (٢٠١/٢-٢٠٢) وقد سقطَ من المطبوع ((عُروة)) وهو مُثبتٌ في ((تحفة الأشراف)) (٢٣٣/١٢) وفي النسخة الخطيةِ [ ق ٤٠/ب]. هَذا وقَدٍ سُئِلَ ابنُ مَعينٍ - كما في رواية ابن محرز (٥٦٤) -: اختلافُ يَحيى بنِ أَنِي كَثير هُو مِنْهُ؟ قالٍ : مِن أَصحابِهِ . وإِذَا مَا نظرْنَا في أصحابٍ يَحِى نجدُ أَن الأوزاعيَّ قَد تَكلمُوا في روايتِه عَن يَحيى، فقال أحمدُ: كَان لَا يُقيمُ حديثَ يَحبِى بنِ أبي كثيرٍ، ولم يَكُنْ عِندَهُ كتابٌ؛ إِنَّا كَان يُحدِّثُ بِهِ مِن حِفظِهِ، ويَهِمُ فيهِ اهـ وفي روايةٍ يَعقوبَ بنِ شيبةً: قال أحمدُ: حديثُ الأوزاعيّ عن يَحبِى مُضْطَرِبٌ. كما في ((مسند عمر)) (ص : ٧٦) . وكَذا حَديث عليّ بنِ المباركِ؛ قال يعقوبُ في ((مسند عمر)) (ص: ٦٦): روايةُ علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ فيها وَهي)). وروايةٌ شَيبانَ أَصُ؛ إذ إِنْهُ زَادَ عَلى هشامِ الدستوائيّ رجلًا في الإسنادِ وهُو عَمر بنُ عبدِ العزيزِ، وقد تَابعَهُ مِعَاوِيةُ بنُ سَلَامٍ - كما سبق، وقد ذكرَ أَبُو حاتم الرازيُّ في ((العلل)) (٧٣٩) أَنْه أَشبَهُ، وعَرضَ الترمذيُّ حديثَ هِشام الدستوائيِّ على البخاريِّ فقال: ((وكَانَ حديثُ شيبانَ عِندِي أحسنَ)) كما في ((العلل الكبير)) (ص: ١١٧). ص : 109 السنن الأبين فزادَ يَحتَى - كَما تَراهُ فِي الإِسنادِ - رَجُلَيْ نصَّا عَلى الإِخبارِ فَاعتمدتَّ في كِتَابِكَ عَلى حَديثِ يَحيى بنِ أبِي كَثِيرٍ لأَنْهُ زَادَ فِي الإِسنادِ، والحُكْمُ عِندَك لِمَن زَادَ (١)، ولَشْنَا نُسَلِّمُ ذلكَ، فإِنَّ أبا سلمةَ مُعلومُ الشَّماعِ مِن عَائشَةَ ، والزهريُّ ويَحتَى إِمامانِ، وِصَالحُ بنُ أبِي حَسَّانَ صَالِحٌ للمُتابعةِ والاعتبارِ؛ وهُو مَعلومُ السماع مِنْ أَبِي سَلمةً وسَعيدِ بنِ المُسيَّبِ. ذَكَرَ سَماعَهُ مِنهُمَا البخاريُّ فِيمَا حكاهُ القاضي أبو الفَضلِ (٢) ، وغَيرُهُ فَتَقَوَّى ■ بِهِ جَانبُ الزهريِّ (٣). [ق٢٦/ب] (١) قال العلائيُّ في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٣٠): وظَاهرُ كَلامٍ مُسلمٍ - رحمه اللَّه - تَرجيعُ الحُكمِ بالإِرسال عَلى الروايةِ الناقصةِ . (٢) ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٣٤) للقاضي عياضٍ، ونَصُّ البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٧٥/٤): ((صالح بن أبي حسَّان؛ سمع سعيد بن المسيب وأبا سلمة)) اهـ. (٣) ذُكِرَ لأبي حاتم الرازيِّ كما في ((العللِ)) لابنه (٧٣٩) روايةُ عُقيلٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةً أن عائشةً أخبرتهِ ... وذكر له حديث يحيى بن أبي كثيرٍ - فقال - : ((حديث يَحيى بنِ أبي كثيرٍ أَشبهُ مِنِ حَديث عُقِيلٍ، كانَ الزهريُّ أَضبطَ مِن أَن يَخفى عَليهِ مثلُ هَذا ولكن أخافُ أَن يكونَ لَم يَضِطْ عُقِيلٌ عنهُ)) اهـ. وحديثُ عُقيلٍ هَذا: قَدْ رواهُ الإِمامُ أحمدُ في ((المسند)) مِن طريقِ اللَّيْثِ عنه (٢٢٣/٦)، والنسائيُّ في ((الكبرى)) (٢٠٠/٢)، وتُقِيلٌ نَصَّ الأزديُّ أَنَّ له عن الزهريِّ منكراتٍ، ولكن في هذا الحديثِ قَد تُوبِعَ؛ فرواهُ يَزِيدُ بنُ زُرَيْعِ عند النسائيٌّ في ((الكبرى)) (٢٠٠/٢)، وعبد الرزاق كما في ((المصنف)) (١٨٣/٤) وانظره في ((المسند)) (٢٣٢/٦) و((صحيح ابن حبان)) (٣٥٤٥ - إحسان) - كِلَاهما -، عن مَعمرٍ به، ورَواهُ - أيضًا - ابنُ أبي ذئبٍ - كما في ((المسند)) (٢٢٣/٦) - كُلُّهم - عن الزهريِّ به . فَأُمِنَ بهذا ضبط عُقَيلٍ، والله أعلم . ثم إنَّ الزهريَّ قد رُويَ عنه هذا الحديثُ عَن عُروةَ، عَن عائشةَ؛ رواهُ عنِ = السنن الأبين ص : 110 ولَنَذْكُوْ مَا حَضَرَنَا مِنَ الكَلامِ فِي صَالحِ هَذا : قال أبو حاتم الرازيُّ - فيه - : ضَعيفُ الحَديثِ. نقله عنهُ الإِمامُ أبو الفَرِج ابنُ الجَوزيِّ (١) وقال ابنُ البَرْقَيِّ: ((صَالحُ بنُ أَبِي حَسَّانَ مَدَنِيٌّ، رَوَى عنهُ ابنُ أبِي ذِئبٍ. وهُوَ مِمَّنِ احْتُمِلَتْ رِوايتُهُ لِرَوايةِ الثقاتِ عنهُ )) . قُلْتُ: وَمِنَّ رَوَى عَنْهُ: بُكَيْرُ بنُ الأَشَجِّ ذَكرَ البخاريُّ رِوايتَهُمَا عنهُ (٢) . وقالَ أَبو عليٍّ الجَانِيُّ فِيما حَكى عنهُ أبو الفَضلِ عِياضٌ: ((وصَالحُ بنُ أَبِي حَسانَ مَدنيٌّ ثقةٌ)) (٣). وذَكرَ الحافظُ أَبو عَبدِ اللَّهِ مُحمَّدُ بنُ أَبِي بَكرٍ بنٍ خَلفٍ أَنَّ الترمذيَّ = الزهريِّ: أسامةُ بنُ زَيدِ عند النسائي في ((الكبرى)) (٢٠٠/٢)، وتابعَهُ الأوزاعيُّ وابنُ عُيَيْنَةَ وابنُ أبي ذئبٍ من طريق شُعبةً عنه، وروايةٌ عَن معمرٍ؛ كما ذكر هذا الدار قطنيُ في ((العلل)) [ ٥ب/ق١٦/ب]. فَلَوْلًا أنَّ للزهريِّ سَعةَ حِفظٍ تَجعلُهُ يَجمعُ بَيْنَ مَشايخَ عِدَّةٍ للحديثِ الواحدِ لصارَ ما حَكَاهُ أَبُو حاتم الرازيُّ مُلصقًا بِهِ، والله أعلم . (١) نص أبي حاتم: انظره في ((الجرح والتعديل)) (٣٩٩/٤). (٢) ((التاريخ الكبير)) (٢٧٥/٤)، وزاد ابنُ حبانَ في ((الثقات)) (٤٥٦/٦): يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، وزاد المزيُّ في ((التهذيب)) (٣٢/١٣): خالد بن إلياس. (٣) ((مقدمةُ إِكمال المُغْلِمِ)) (ص: ٣٣٤)، وفي ((تقييد المهمل)) [ ق١٥٩ /ب- ١٦٠/أ] ذكر أبو عليّ الجيانيُ الخلافَ الذي وقعَ في تسميتِهِ مِن أَنْهُ وَردَ في نسخة الرازي: صالح بن كيسانَ؛ قال: وهُوَ وهمّ، ولم يذكرُهُ بجرحٍ ولا تعديلٍ، فلعلَّه في غيرِ هذا المُصنَّفِ واللَّهُ أعلم . السنن الأبين ص :111 نَقْلَ عَنِ البخاريِّ : أَنَّهَ وَثَّقَهُ . قُلتُ : والذي نَقلُهُ أَبو عبدِ اللهِ صَحيحٌ. قالَ أَبو عيسى الترمذيُّ فِي بَابٍ تَرقيع الثوبِ مِن كِتابِ اللَّباسِ مِن ((جامعه)): سَمِعْتُ مُحمدًا - يَعنِي البُخاريَّ - يقول: صالحُ بنُ حَسَّانَ مُنكَرُ الحَديثِ، وصَالحُ بنُ أَبِي حَسَّانَ الذي رَوَى عنهُ ابنُ أبي ذِئبٍ ثقةٌ (١) . وما قالَهُ أَبو عبدِ الرّحمنِ النَّسَوِيُّ فِيما حَكَى عنهُ الصَّدفيُّ بِسَندِهِ فِي صَالحِ بنِ أَبِي حَسانَ هذا: إِنّهُ مَجهولٌ . رَّوَى عنهُ ابنُ أَبِي ذِئبٍ (٢)، فَلا يَضُرُّهُ إِذا عَرِفَهُ غَيْرُهُ. وَهَكَذا دَأْبُ العُلماءِ يَعرِفُ أَحدُهُم مَن لَّا يَعرِفُه الآخرُ. ومَعَ ذَلكَ فَيُحتملُ أن يكونَ الحديثُ عندَ أَبِي سَلمةَ، عن عَائشةَ، ويَكونَ عندَهُ - أيضًا - عَن عُمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ، عن عُروةَ، عن عَائشَةَ ، فاحتاجَ إلى نَقلِهِ مِن طَريقِ عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لِأَرَبٍ لَه فِي ذَلك . (١) الترمذيُّ عقب الحديثِ (١٧٨٠)، وقَد ترجمَ البخاريُّ الاثنين في ((تاريخه)) (٢٧٥/٤) وذكر أن صالحَ بنَ حسانَ منكرُ الحديثِ، ولم يذكر ابن أبي حسان بجرح ولا تعديل، وفي القلب من هذا النقل، ولَم أَجد مَن تَعَقَّبَ الترمذيَّ، وسياقُ الذهبيّ له في ((الميزان) يُشعِرُ بِرِيبةٍ في هذا النقل، مَع تَضعيف أبي حاتم له، وتَّجهيلٍ النسائيّ ، اللَّهمَّ إلّا أن يكون هو ثقةً مقارنةً بِصالح بنِ حَسانَ، أمَّا بمفردِه فمستبعدٌ ، وقد ذكره الحافظ في ((التقريب)) وقال: صدوق . (٢) نقلَ تَّجَهيلَ النسائيّ لصالحٍ: المزيُّ في ((التهذيب)) (٣٢/١٣)، وقد ذكرهُ ابنُ حبانَ في ((الثقات)) (٤٥٦/٦) وترجمه بـ: ((صالح بن حسان))، وفرَّق بينه وبين الأنصاريِّ الضعيفِ . السنن الأبيع ص : 112 فَأَعِدْ نَظرًا فِي هذا الحديثِ فإِنَّهُ لَا يصفُو مِن كَدَرِ العِلَّةِ (١). [ق٢٧/أ] ثُم قُلْتَ (٢): (( وَرَوَى ابْنُ ■ عُيَيْنةَ وغيرُهُ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ ، عَن جابرٍ قال: ((أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ عَّه لحُوْمَ الخَيَلِ ونَهَانَا عَن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ)) (٣) . (١) قال ابنُ حِبانَ في «صحيحه)): ((سَمعَ هذا الخبرَ أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، عَن عُمر بنِ عَبدِ العزيزِ، عن عُروةَ، عن عائشةً، وسَمعَهُ مِن عَائشَةَ نَفسِهَا؛ والدليلُ عَلى صِحتِهِ: أن مَعمرًا قال: عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ قال: قُلتُ لِعائشةً: في الفريضةِ والتطوع؟، فمرَّةً أدَّى الخبرَ عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، عَن عُروةَ، عَن عَائشةَ، وأَخرى أدَّى الخبرَ عنها نَفسِها)) اهـ. وتصريحُ أبي سَلمةَ بِالسماعِ لَه مِن عَائشةَ وقعَ عندَ النسائيّ في ((الكبرى)) (٢٠٠/٢، ٢٠١) وعِند ابنِ حِبَانَ (٣٥٤٥ - إحسان). ويَقولُ الشيخ المُعلميُّ : الظاهرُ أنَّ الحديثَ عندَ أَبِي سَلمةَ مِن الوَجهينِ، وإِنما رَواهُ بِنزولٍ توقيرًا لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وإظهارًا لِفَضلِهِ، وهذا أولى - بِلا رَيْبٍ - مِن اتهامٍ أبي سلمةً بالتدليسِ. اهـ. هذا ولَم يُخرج البخاريُّ في ((صحيحه)) لا هذِهِ ولا تِلكَ، وإِنما أَخْرِجَ في بابِ القُبلةِ للصائِمِ حديثَ مالكٍ، ويحبى القطانِ - كَلاهُما -، عن هشامٍ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، وأخرجه مسلمٌ من طريق سُفيانَ، وهو عند الحميدي في ((مسنده)) (١٠١/١) و((الكبرى)) للنسائي (٢٠٠/٢)، والحديث رواه مالكٌ في ((الموطأ)) (ص: ١٩٥)، وفي الباب غيره كحديث أم سلمةَ - رضي اللَّه عنها - وحديثُ عائشة - أيضًا - من طريق الأسودٍ وعَلقمةَ، ورحم اللَّه ابنَ رُشَيْد إذ قال: ((إنه لا يصفو من كَدَرِ العِلة)) مما يُعدُ الاحتجاجَ بهِ في الرد على مُخالفيهِ، والله أعلم . (٢) ((المقدمة)) (ص: ٢٥). (٣) لفظة ((الأهلية)) ضئَّبَ عَليها الناسخُ، وهي موجودةٌ في نسخةٍ من ((صحيح مسلم)) كما ذُكر في هامشٍ الطبعة ((السلطانية)) (ص: ٢٥)، وكذا أوردها القاضي عياض في مقدمة ((إكمال المعلم)) (ص: ٣٣٧). السنن الأبين ص : 113 فَرَواهُ حَمَّادُ بنُ زَيدٍ ، عَنِ عَمرٍو، عَن محمّدٍ بنِ عليٍّ، عَن جَابٍ، عَن النَّبِيِّ عَ لَّهِ . قُلْتُ: وهَذا - أيضًا - مِن ذَلكَ (١) القَبيلِ ، حَکمتَ فيهِ لِرِوايِ حمَّادٍ عَلى روايةِ سُفيانَ . فأوردتَ روايةً حمّادٍ في كِتابِكَ ؛ ولَيسَ حَمّادُ بنُ زَید ◌َّن يُضَاهَى بُسفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ لَا سيّما فِي عَمرِو بنِ دِينارٍ، فَهُو المَلَيُّ بِهِ، الثبتُ فيهِ ، المقدَّمُ عَلى غيرهِ . قالَ ابنُ الجُنيدِ : قُلتُ لِيَحتِى: مَنْ أَثْبتُ فِي عَمرِو بنِ دِينارٍ سُفيانُ أَو مُحمَّدُ بنُ مُسلم؟ فقالَ : سُفيانُ أثبتُ في عَمرو بنِ دِينارٍ مِن مُحمّدِ بنِ مُسلمٍ، وَمِن دَاودَ العَطَّارِ، ومِن حَمادِ بنِ زَيدٍ ؛ سُفيانُ أَكثرُ حَديثًا مِّنهُم عَن عَمٍو وَأُسنَدُ . قِيلَ: فَابنُ جريج؟ قالَ: هُما سَواءٌ(٢) . قَالَ عُثمانُ بنُ سَعيدٍ : قالَ يَحتِى بنُ مَعينٍ: ابنُ عُيينةَ أَحبُّ إِليَّ في عَمِرٍو بنِ دِينارٍ مِن سُفيانَ الثوريِّ. وهُو أَعلمُ بهِ ومِن حَمَّادِ بنِ زيدٍ . قُلتُ : فُشعبةُ؟ قَالَ: قال: وأَيُّ شَيءٍ عِندَ شُعبةً عَن عَمرِو بنِ دِينارٍ ؟! إَمَا يَروِي عَنْهُ نَحوًّا مِنْ مِائَةٍ حَديثٍ (٣). (١) كتبَ في الأصل: ((هذا)) وضبَّب عليها، وكتب في الهامش: ((ذلك)) وصححها؛ فأثبتها في الأصلِ . (٢) كذا في الأصل، وفي المطبوع من ((سُؤالات ابنِ الجُنْيدِ)) (ص: ٤٩): ((قال: ((جميعًا ثقة)). كأَنَّه سَوَّى بَيْنهُم فِي عَمرٍو))، وفي ((تاريخ بغداد)) (١٨٢/٩) مثلُ ذلك إلَّ أنه قال: (( بينهما)) . (٣) ((تاريخ الدَّارمي)) (ص: ٥٥-٥٦) بتصرّفٍ، وانظره في ((تاريخ بغداد)) (١٨٠/٩). : السنن الأبين ص : 114 وقال سُفيانُ بنُ عُيينة: جَالستُ عَمرَو بنَ دِينارٍ ثنتينِ وعِشرينَ سنةٌ(١) . فَكيفَ يُقَدَّمُ أَحدٌ عَلى مَن هَذِهِ حَالُهُ فِي عَمٍو مَعَ أَنَّ عَمرًا معَلومٌ بالروايةِ عَن جابرٍ، وقد تابعَ سُفيانَ عَلى قولِهِ الحسينُ بنُ وَاقدٍ)). ذكرَ ذلك النَّسَوِيُّ . وما أَرى محمَّدَ بنَ عليٍّ في هذا الموضعِ إلَّا مِنَ المَزَيدِ في مُتَّصلٍ [ق٢٧/ب] الأسانيدِ ■ واللَّهُ أعلمُ (٢) . (١) كذا في الأصلِ، وهذهِ العبارةُ مَشهورةٌ عن سُفيانَ، وهِي خطأُ بَيَّنٌ، وفي (( تاريخ بغداد)) (١٧٧/٩) بِسندِهِ إِلى سُفيانَ قال: سَمعتُ مِن عَمرو بنِ دِينار وأنا ابنُ سِتَّ عَشرةَ سنة، وماتَ وأنا ابنُ تِسعَ عَشرةَ سنة))، ثم ساق الخطيبُ هذا القصة - التي فيها أنَّ سُفيانَ جَالسَ عَمرًا ثنتين وعشرين سنة - وقال : (( كذا قال؛ وهُو خطأ، وصَوابُه: جالستُ عَمرو بنَ دِينارٍ سنة اثنتين وعشرينَ، وماتَ سنةَ سِتُّ وعشرينَ)) اهـ. (٢) حديثُ سفيانَ بنِ عُيينةً، عن عَمٍو بنِ دينارٍ قال: قال جابرٌ ... ، أَخرجهُ الترمذيُّ في ((الأطعمةِ)) (١٧٩٣) وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وهكذا رَوى غيرُ واحدٍ عَن عمرو بنِ دينارٍ، عن جابرٍ، ورَواهُ حمادُ بنُ زيدٍ عَن عمرو بنِ دينارٍ، عن محمدٍ بنٍ عليٍّ، عَن جابرٍ، وروايةُ ابنِ عُيينةَ أَصُ، وسَمِعتُ محمدًا يقولُ : سُفيانُ بنُ عُبينةَ أَحفظُ مِن حَمادِ بنِ زيدٍ . اهـ. وأخرجهُ النسائي في ((الكبرى)) (١٥١/٤،١٥٩/٣) من حديثٍ حمادِ بنِ زيدٍ، عن عمرٍو، عن محمدٍ بن عليٍّ، عن جابرٍ، وقال: مَا أَعلمُ أنَّ أحدًا وَافقَ حمادَ بنَ زيدٍ على محمدِ بنِ عليٍّ . ثم أخرج الحديثَ مِن روايةٍ سفيان بن عيينة، عن عمرٍو، عن جابرٍ . وأتبعهُ بحديثِ الفضلِ بن موسى عن حسينٍ عن أبي الزبير عن جابرٍ، وعن = عمرو بن دينارٍ، عن جابرٍ، وعن أبي تَجيحِ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ. اهـ. السنن الأبين ص : 115 والحسينُ هو : ابنُ وَاقدِ المروزيُّ ؛ فيهِ توثيقٌ، وقال فيه أحمدُ في روايةِ المروذيِّ: == ليسَ بِذَاكَ ، وقال في رواية الميمونيّ: له أشياءُ مَناكيرُ، وقالٍ في رواية الأثرم - كما في ((ضعفاء العقيلي)) (٢٥١/١) -: وأحاديثُ مَا أُرى أيَّ شيءٍ هِي، ونَفضَ يَدَهُ. اهـ. فَمَن كانت هَذِهَ حَالُهُ فلا يُقبَلُ منهُ جَمِعُهُ لِلشيوخِ . والفضلُ قال فِيه ابنُ المديني: رَوى أشياءَ مَناكيرَ. وحديثُ ابْنِ أَبِي تَجِيحِ: استغربَهُ الدارقطنيُّ في ((الأفراد)) فقالَ: غَرِيبٌ مِّن حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي تَجِيحٍ عَن عطاءٍ عَن جابٍ ، تفرد بهِ : الحسينُ بنُ واقدٍ ، ولَم يَروِهِ عنه غيرُ الفضلِ بِنِ موسى السّينانيّ اهـ ((أطراف الغرائب)) [ق ١٠٩ / أ) . وأمَّا أبو الزبيرِ: فَمُدلِّسٌ، ورِوايتُهُ عَن جابٍ بِالعَنعنة مُشكلةٌ كما ذكر هذا الذهبيُّ في ((الميزان)) وغيرُهُ. وحديثُ عمٍو، عَن جابٍ: فَمُؤْسَلٌ، وسيأتي . وحديث سفيان: أخرجهُ الشافعيُّ في ((الأم)) (٢٥١/٢) وفي ((مُختصرِ الُرني)) (٤٦٩/٩)، وأخرجها - أيضًا - ابنُ حبانَ (٥٢٦٨) وقال: يُشبهُ أَن يكونَ عَمرُو بنُ دِينارٍ لَم يَسْمع هذا الخَبَرَ مِن جَابٍ، لأَنَّ حمادَ بنَ زيدٍ رَواهُ عَن عمرٍو، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عَن جابٍ، ويُحتملُ أَن يَكونَ عَمرٌو سَمِعَ جَابِرًا وَسَمعَ محمدَ بنَ عَلَيٍّ عَن جابٍ. اهـ. وتَوجيهُ ابن حبانَ - رَحمهُ اللَّهُ - يَكون في الراوي الذي لَم يُجَرَّبْ عَليهِ التدليسُ، وعَمرّو قَد ◌ُرِّبَ عليهِ التدليسُ، وسيأتي . وأخرجَ الدارقطنيُّ في ((السنن)) (٢٨٩/٤) حديثَ سُفيانَ، وأَتْبِعَهُ بحديثٍ سَلامٍ بن كَركَرةَ، عن عَمٍو، عَن جابٍ وقال: ((وأَذنَ لَنا في الفَرسِ))، وأخرجهُ ابنُ عبد البرِّفي ((الاستذكارِ)) (٢٢١٨٧/١٥)، والبيهقيُّ في ((المعرفة)) (٩٥/١٤). وأَمَّا حديثُ حَمادٍ بن زيدٍ ، عَن عمرٍو، عن محمدِ بنِ عليٍّ أبي جَعفرٍ، عن جابرٍ - رضي الله عنه -: فقد أخرجَهُ أحمدُ في ((مسنده)) (٣٨٥/٣) مِن طريقٍ حسينٍ بنٍ مُوسى وسُرَيجٍ، و(٣٦١/٣) مِن طَريقِ عفَّنَ، كُلِّهم - ، عَن حمادٍ بهِ، وأخرجَها الإمامُ البخاريُّ (١٢٣/٧) ((بابُ لحومِ الخيلِ))، حيثُ صَدَّرَ = ص : 116 السنن الأبين البابَ بحديثٍ أسماءً وأتبعَهُ بِحديثِ حمادِ بنِ زيدٍ هذا، واستشهدَ بهِ - أيضًا - = في ((المغازي)) (١٧٣/٥) في ((غزوة خيبر)) برقم (٢٣)، وأيضًا في ((بابٍ لحوم الحمرِ الإِنسيةِ )) (١٢٣/٧)، ومَا وَضعَ الحديثَ في صَدْرِ إِحدى هَذهِ الأبواب للاختلافِ بَينَ حَمادٍ وسُفيانَ في سندِهِ . وأخرجه - أيضًا - الإمامُ مسلمٌ في ((باب أكلٍ لُحُومِ الخيلِ)) (٦٦،٦٥/٦) وصَدَّر به البابَ مُحتجًا بِهِ، ولم يُخرّجِ حَديثَ سُفيانَ، عن عَمٍو، عن جابرٍ ولَم يُخرّجْهُ البخاريُّ - أيضًا - مما يُستشفُّ منهُ أنَّ رِوايَةَ سُفيانَ مُرْسَلٌ ولَم تَصحَ عِندَهُما، ولَم يَعتمدَاها . وأَخريج حديثَ حمادِ بنِ زيدٍ: أبو داود في ((السنن)) (٣٧٧٨)، وتابَعَهُ ابنُ جريج، عَن عمرٍو بإثباتٍ واسطةٍ بَيْنَ عَمٍو وجَابٍ فقال : أخبرني عمرو : أخبرني رجلٌ، عن جابرٍ به . (١) الصواب: صاحبي أقولُ : الذي يُلاحَظ مِن التخريج أنَّ الروايةَ المعتمدةِ هِي رِوایةُ حمادٍ بنِ زیدٍ؛ عن عمرٍو، عن محمدِ بنِ عليٍّ، عَن جابرٍ - رضي اللّه عنه -، بِدَليلٍ أَنَّ صَاحِبًا ((الصحيحين)) أَخرِجَاهَا، ولَو صحَّتْ عِندَهُما روايةُ سُفيانَ لَأَخرِجَاهَا واعتمدَاهَا؛ إِذْ هِي أَعلىِ إِسنادًا مِنٍ طَريقِ حَمادِ بنِ زيدٍ ؛ وهُم حَرِيصونَ عَلى الغُلُوِّ فِي الأَسانيدِ، أَو عَلى الأَقَلِّ لَدَّم بِها الإِمامُ مسلمٌ - رحمه الله - أحاديثَ البابِ . ثانيًا: يَقولُ الحافظُ صَلاح الدين العلائيُّ في ((جامع التحصيل)) (ص ١٣٠) تحتَ القِسم الذي يُحكَمُ فيهِ بالإِرسالِ إِذا لَم يُذكرْ فِيهِ الَزِيدُ، فَمِن أَمثلتِهِ : حديثُ جَابَرٍ هذا - وقال -: وظاهرُ كَلامِ مسلم - رحمهُ اللَّهُ - تَرجيح الحكم بالإِرسالِ على الروايةِ الناقصةِ - ثم قالَ - : وَحاصلُ الأمرِ: أَنَّ الِراويَ مَتِى قَالَ: عَنَ فُلانٍ ، ثُمَّ أَدخلَ بينَهُ وبينَهُ في ذلك الخَرِ وَاسطةً ؛ فالظاهرُ أَنْهُ لَو كَانَ عِندهُ عَن الأَعلى لم يُدِل الواسطة، إِذْ لَا فائدةَ في ذلك، وتكونُ الروايةُ الأُولى مُرسلةً إِذا لم يُعرَف الراوي بالتدليسِ، وإِلَّا فَمُدَّسة ... اهـ. أقولُ : وعَمرُو بنُ دِينارٍ قَد جُرِّبَ عليهِ التَّدليسُ، وسيأتي . ثالثًا : البعضُ تعرَّضَ لهذا الحديثِ مِن جهةِ الرواةِ عَن عَمرٍو، وهُما حَمادٌ = ص : 117 السنن الأبيع وسُفيانُ ، وأَخذ يُوازِنُ بِينَهُما فِي كَونِ المُقُدَّمِ في عمرٍو هُو سُفيانُ ولَيس حمادًا ، = وهَذا سَديدٌ، والناظرُ في ترجمةٍ عمرٍو من ((الجرح)) و((تاريخ الدوري)) و((شرح علل الترمذي)) (٦٨٤/٢) في أصحابٍ عمرٍو يَعِي جيدًا أَنَّ سُفيانَ هُو المقدَّمُ في عمرو، كما ذكر البخاريُّ في ((علل الترمذي الكبير)) (ص١٩٤) ((باب ما جاء في مجُلودِ الميتةِ والأَصْنامِ))، حيثُ اختلفَ حمادُ بنُ زيدٍ وِسُفيانُ عَن عمرٍو، فقالَ البخاريُّ: حَديثُ ابنٍ عُبِينَةَ أَصُ، وسُفيانُ بنُ عُينةَ أَحفظُ مِن حمادِ بنِ زيد. اهـ. وفي هذا المثالِ الذي بين أيدينا وَقعَ الخُلُلُ فيهِ مِن جِهةٍ عَمرِو بنِ دينارٍ نفسِهِ لا مِن جِهةِ الرواةِ عنهُ، ويَردُ هنا سؤالٌ: لِمَ أَخرجَ البخاريُّ - رَحمَهُ اللَّهُ - حديثَ حَمِادِ بنِ زيدٍ في «صحيحه)) وأُعرضَ عَن حديثٍ سُفيانَ؟! وهُو الأَحفظُ .. والمُقُدَّمُ !! فَليسَ لهذا السؤالِ إِلَّ جوابٌ واحدٌ؛ وهو: أَن روايةَ سُفيانَ، عَن عمرٍو، عَن جابرٍ مُرسلةٌ ، وأن الصوابَ حَديثُ حمادٍ ؛ عن عمرو، عن محمد بن عليٍّ ، عن جابرٍ، وهي التي اعتمدها صَاحِبا ((الصحيحين))، وصدَّرَ بِها الإِمامُ مسلمٌ البابَ . رابعًا: عَمرُو بنُ دينارٍ - رحمهُ اللَّهُ - قَد مجرّبَ عليهِ التدليسُ بِمَا رَواهُ الإِمامُ أحمدُ (٣٦٨/٣): ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ : ثنا شُعبةُ ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن جابرٍ قال ((كُنَّا نَعْزِلُ.)) قَالَ شُعبةُ: قلتُ لَعمرٍو: أَنْتَ سَمعتَهُ مِن جابرٍ؟ قال: لَا. وهَذا هُو التدليسَُ، وأَضِفْ إِليهِ قولَ الإِمامِ الحاكم في (( معرفة علوم الحديث)): (ص: ١١١): عَامةُ حديثٍ عمرو بنِ دينارٍ عَنِ الصحابةِ غَيرُ مَسموعةٍ . خامسًا: أخرجَ الحميديُّ في ((مسنده)) (٥٢٨/٢) قال: حدثنا سُفيانُ: ثنا عَمرٌّو قال: قال جَابِرٌ: ((أَطعمنا رسول اللَّه عَ لَّه لحومَ الخَيلِ ... ))، وحدثنا سُفيانُ: ثنا عَمرٌو قال: قال جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ: ((نَهى رسولُ اللَّهِ عَ لَّه عَنِ المخابرةِ)) قال سُفيانُ: وكُلُّ شَيءٍ سَمعتُهُ مِن عَمرِو بنِ دِينارٍ قَال لَنَا فِيهِ : سَمعتُ جَابرًا، إِلَّ هَذينِ الحَدِيثين يعني ((لحوم الخيل)) و((المخابرة)) فلا أدري بَينَهُ وبَيْنَ جَابٍ فِيهِمَا أَحدٌ أَم لَا. اهـ. = السنن الأبين ص : 118 وهُو أَبُو جَعفرٍ محمّدُ بنُ أَبِي الحَسنِ (١)، ويُقالَ: أبو الحُسينِ، ويُقالُ: أَبو مُحمَّدٍ زَيْنُ العَابدينَ بنُ أبِي عَبدِ اللَّهِ الحُسينِ بنِ أبِي الحَسنِ والحُسينْ - عَليَّ بن أبي طالبٍ الهاشميِّ - رضي الله عنهم - وهُو مدنيٍّ تابعيٌّ ثقةٌ . سَمِعَ أبَاه وجَابِرًا، ولَهُم شَيءٌ ليسَ لِغيرِهم، خَمسُ أَئمةٍ فِي نَسَقٍ فإِن محمَّدًا سَمِع مِنْهُ ابنُه أَبو عبدِ اللَّهِ جَعفرُ بنُ مُحمَّدٍ ، رَّوَى عَن جَعفرٍ مالكٌ وغيرُهُ، وهو فَقيةٌ إِمامٌ . ثُمَّ قُلْتَ - رَحمكَ اللَّهُ - (٢): (( وهذَا النَّحوُ فِي الرواياتِ كَثِيرٌ يَكثُرُ تَعْدَادُهُ، وفِيما ذَكرنَا منها كفايةٌ لٌذَوِي الفَهم؛ فإِذا كانتِ العِلةُ عِندَ مَن = وكَلامُ سُفيانَ هَذا يُؤْكُّدُ أَنَّ رِوايَةً حَمادِ هِي الْمُصلةُ، وأَنِ روايةَ سُفيانَ التي أَخبرَهُ بِها عَمرّو مُرسلةٌ، وأَضف إِليها قَولَ ابنِ حِبانَ: (( ويُشبهُ أَن يَكونَ عَمُو بنُ دِینارٍ لم يَسمع هذا الخبرَ مِن جَابٍ)). ◌ِمَّا يؤكدُ أَنَّ الروايةَ بِدُونِ ذِكرٍ مُحمدِ بنِ عليٍّ في الإسنادٍ مُرسلَةٌ . ويَقولُ البيهقيُّ في ((المعرفة)) (٩٥/١٤): هَذا الحديثُ لَم يَسْمَعْهُ عَمْرٌو مِّن جَابٍ، وإِنما سمعهُ مِن مُمحمدِ بنِ عَلَيٍّ بنِ حُسين عَن جابٍ. اهـ، ثُم ساقَ حديثَ حَمَادٍ لِّيُؤُكدَ مَقالتَهُ . فهذهَ قَرآئنُ إِذا انضمتْ إِلى بَعضِها جَعلتِ القلبَ يَطمئنُ إِلی رُجحانِ حَديثِ حمادِ بنِ زَيدٍ ، وأَن حديثَ سُفيانَ، عن عَمرٍو، عن جَابٍ مُنقطعٌ رَّغمَ استغرابِ الحافظ ابن حجرٍ في ((الفتح)) (٦٤٩/١٤) لدَعوى البيهقيّ لَه بالانقطاع . هَذا وقِد اشترطَ الإِمامُ مسلمٌ - رحمه الله - على صحةِ إِلزامِهِ في الأحاديثِ التي سَاقَها : (أ) سَلامةَ رُواتِهَا مِن التدليسِ. (ب) تَلقِّي هَذه الأحاديثِ بالقَبولِ وَقَدِ انتَفَى هذان الشَّرطانِ في هذا المثالِ كما تَرى واللَّهُ أَعلى وأعلمُ . (١) مُترجم في ((تهذيب الكمال)) (١٣٦/٢٦). ((المقدمة)) (ص: ٢٥). (٢) ص : 119 السنن الأبين وصَفْنا قَولَهُ قَبلُ (١) فِي فَسادِ الحَديثِ وتَوهِينِهِ إِذَا لَم يُعلَمْ (٢) أَنَّ الراويَ قَد سَمعَ مِمَّن رَوَى عنهِ شيئًا إِمكانَ الإِرسالِ فيهِ لِزَمَهُ تَرِكُ الاحتجاجِ في قِيَادِ قَولِه بِروايةٍ مَن يُعْلَمُ أَنَّهُ قَد سَمعَ مِمَّن رَوى عنهُ إِلَّ فِي نَفسِ الخَيّرِ الذي فيهِ ذِكرُ السماع لِمَا بَيْنَا مِن قَبْلُ عَن الأئمةِ الذين نَقلُوا الأخبارَ أَنَّهُ كَانَت لَهُم تَارة (٣) يُرْسِلُونَ فِيها الحديثَ إِرسالًا ولا يَذكُرونَ مَن سَمِعُوهُ مِنْهُ، وتَارات يَنشَطُونَ فِيها فَيُسندُونَ الخَبَرَ عَلى هَيئةِ مَا سَمِعُوا فَيُخبِرونَ بِالنُّزولِ فِيهِ إِن تَزِلُوا أَو (٤) بِالصُّعودِ إِن صَعدُوا. كما شَرحْنَا ذلك عَنْهُم، ومَا عَلِمْنَا أَحدًا مِن أَثْمَةِ السلفِ مِمَّن يَستعمِلُ الأخبارَ ويَتفقَّدُ صِحةَ الأسانيدِ وَسَقَمَهَا مِثْلَ أَيوبَ السّخْتَانِيِّ وابنٍ عَونٍ ومَالكِ بنِ أنسٍ وشُعْبَةَ بنِ ■ [ق٢٨/أ] الحجّاج ويحيى بنِ سعيدِ القَطَّانِ وعبدِ الرحمنِ بنِ مَهديٍّ ومَن بَعْدَهم مِّن أهلِ الحَديثِ فَتَّشُوا عَن مَوضِع السماع في الأسانيدِ كَما ادَّعاهُ الذي وَصِفْنَا قولَه مِن قَبْلُ. وَإِنَّمَا كَان تَفَقُّدُ مَن تَفَقَّدَ مِنهم سَماعَ رَاويةٍ (٥) (١) كذا في الأصل وفيّ ((المقدمة)): ((مِن قَبْل)). (٢) في الأصل: ((تعلم)) بالمُناةِ الفَوقيةِ والتَّحتيةِ معًا، والمثبتُ مُوافقٌ لما في ((المقدمة)). (٣) كذا في الأصل، وفي ((مقدمة الصحيح)): ((تارات)). (٤) كذا بالأصل وصَححها، وكتب في الهامشِ: (( وبالصعود)) وصححها - أيضًا - وكتب فوقها ((معًا))، والذي في الهامشِ مُوافقٌ لما في ((المقدمة)) من ((الصحيح))، وكذا ذكرها القاضي عياضٌ في ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٤٠) . (٥) كذا بالأصلِ، وصححها، وكتب في الهامش: في نسخة ((رواية)) وصححها، وفي نسخةٍ أخرى: ((زُواة)) وصححها - أيضًا - والذي في ((مقدمة الصحيح)): ((رواة)). السنن الأبين صص : 120 الحديثِ مَّن رَوى عَنْهُم إِذا كَانَ الرَّاوِي مِمَّن عُرفَ بالتدليسِ في الحديثِ ، وشُهِرَ بِهِ ، فحينئذٍ يَبحثُونَ عَن سماعِهِ في روايتِهِ ويَتفقّدُونَ ذلك مِنهُ كَي تَنزَاحَ عَنْهُم ◌ِلَّةُ التدليسِ، فَأَمَّا ابتغاءُ (١) ذَلكَ مِن غَيرٍ مُدَلِّسٍ عَلى الوَجِهِ الذي زَعمَ مَن حَكَثْنَا قَولَهُ. فَما سَمِعْنا ذَلك عَن أحدٍ مِمَّن سَمَّيْناهُ (٢) ولَم نُسَمّ مِّن الأَئمةِ))(٣). انتهَى كَلامُهُ مُحتويًا عَلى ثَلاثةِ فُصولٍ : الأولُ : سُؤالُ النَّقْضِ بِلزامِ التنصيصِ عَلى السماع في كلِّ حديثٍ حديثٍ ، وقد تَقَصَّيْنَا الكلامَ فيهِ قَبلُ ؛ وتَقَصَّينا عَن ◌ُهدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنِ الإِعادةِ (٤). الثاني : الحُكْمُ - أَيْضًا - عَلى هَؤُلاءِ الأَئمةِ الذين نَقَصُوا مِنَ الإِسنادِ رَجلًا أَو أَكثرَ أَنَّهم: أَرسَلُوا؛ لَأَنَّهُم غَيرُ مُدَلِّسِينَ. (١) كذا بالأصل، والذي في ((مقدمة الصحيح)): ((فمن ابتغى))، وذكرَ النوويُّ في ((شرح صحيح مسلم)): ((فما ابتُغِي)) وقال: هكذا وَقعَ في أكثرِ الأصولِ بِضَم التاءِ وكَسرِ الغَيْنِ عَلى مَا لَم يُسمَّ فَاعِلُهُ، وفي بعضِها: ((ابْتَغَى)) بفتحِ التاءِ والغَينِ، وفي بعضِ الأصولِ المحققةِ: ((فمن ابتغى)) ولُكلِّ وَاحِدٍ وَجهٌ اهَ. وَلَم يُشِرْ إِلى مَا وَرَدَ في أصلٍ كِتابِنا . (٢) كذا بالأصلِ؛ وفي ((مقدمة الصحيح)): ((سمينا)) ولم يُشِرْ إِلى خِلافِها. (٣) ((المقدمة)) (ص: ٢٥ - ٢٦)، وقَد سَبقَ التعليقُ عَلى أَنَّ الأئمةَ - رَحمُهُم اللَّهُ - كَان دَأْبُهمِ البحثَ عَن مُتصلٍ مَا حدَّثَ بهِ شُيوخُهُم وخاصةً شُعبةُ وقَد سبقَ أنْ مَثِّلْنَا بِرُواةَ لم يُوصَفُوا - بِتَدَليسٍ قَطُّ، والله أعلم. (٤) المذهبُ الأولُ مِن بدايةِ البابِ الأولِ .