النص المفهرس

صفحات 81-100

السنن الأبين
ص : 81
بَعدَمَا عَارِضْتُهُ بِأَصلِهِ إِلى أَن يَنْقَضِيَ بِهِ كلامُ محمَّدٍ بنِ إسماعيلَ . فقالَ:
قَدْ أَجَرْتُ لَك أَن تَرويَ إِلى آخرِ بابٍ ي)) (١) انتهى .
هَذا أَجَلَى نَصَّ تَجِدُهُ فِي الإِجازةِ لُتُقَدِّمِ مُعتمَدٍ مِن لَّفْظِ قَائِلِهِ ؛ نَعَمْ تَجِدُ
أَلْفاظًا مُطلَقةً مُجمَلَةً غَيرَ مُفَشَرَةٍ مَّنقولةٌ عنهُم بالمعنَى ) أَو ظَوَاهِرَ مُحتَمِلَةً. [ق١٨/أ]
وهَذا كَان دَأَبَ تِلكَ الطبقةِ مِن الإِجازةِ في المُعْيَّنِ أو الكَتبةِ لهُ، وما
أَرَى الإِجازةَ المُطْلَقةَ حدَثَتْ إلَّا بَعدَ زَمنِ البخاريِّ، حَيثُ اشتهرتٍ
التَّصانيفُ وفُهْرسَتِ الفَهارسُ، وإِن كانَ بَعَضُهُم قَد نَقلَ الإِجازةَ المطلقَةَ
عَن ابنِ شِهابِ الزهريِّ وَغَيرِهِ، فَما أُرى ذلكَ يَصِحُ. واللَّهُ المُفِّقُ .
وإنّما الذي صَحَّ عِندَنا بالإِسنادِ (٢) الصحيح عَنِ الزهريِّ تَسويغُ ذَلك
في المُغْيَّنِ؛ كَما أَنَا أَبو عبدِ اللهِ بنُ طَرْحَانَ: أنا أَبُو طَالبٍ بنُ حَديدٍ : أنا
أَبُو طَاهرٍ الأَصبهائيّ : أنا أبو الحُسينِ الصَّيرفيُّ: أنا أبو الحَسنِ الفَاليُّ: أنا
ابنُ خَرْبَانَ : أَنَا ابنُ خَلَّادٍ : نا زكرياءُ بنُ يَحيى السَّاجيُّ قال: نا هَارونُ
ابنُ سَعيدٍ الأَتِلِيُ قال: نا أَنسُ بنُ عِيَاضٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ قالَ:
((أَشهدُ عَلى ابنِ شِهابٍ لقد كانَ يُؤْثَّى بِالكُتبِ مِن كُتِبِهِ، فيُقالُ لَهُ :
يَا أَبًا بَكرِ هَذهِ كُتُبُكَ؟ فيقول: نَعم. فَيَجْتَزِئُ بذلكَ وتُحَمَلُ عنهُ، ما
قُرِئ عَليهِ))(٣).
(١) انظر ((كتاب العلل)) (٧٣٨/٥) وراجع ((شرح علل الترمذي)) (٣٣٧/١-
٣٣٨) لابن رجب .
(٢) في الأصل: ((بالاِس سْنَادٍ)) كذا، ووضع علامة ((صح)) على حرف السين
المستقل .
(٣) ((المحدِّث الفاصل)) (ص: ٤٣٥)، وقد رواها ابنُ مَعينٍ، عن أبي ضَمرةً كما =
٠

السنن الأبين
ص : 82
رجِالُهُ كُلُّهم ثِقَاتٌ .
وذَكرَ الإِمامُ أبو عَمرو بنُ الصَّلاحِ في هذا المذهبِ الخامسِ أنَّهُ مَذهبٌ
حَادثٌ للمُتأخِّرين. وقَد وَقعَ نَحْوٌ منهُ لبعضِ المتقدِّمينَ. وهُو ما سَمعْتُهُ
يُقْرَأْ بتَغْرِ الإِسكندريةِ عَلى شَيخِنَا العدلِ أَبِي عبدِ اللَّهِ محمَّدِ بنِ عبد الخالقِ بن
◌َرْخَانَ بالسندِ المتقدِّم؛ وأنا به - أيضًا - بها أبو عبد اللَّهِ مُحمَّدُ بنُ أبي القاسم
الصِّقَليُّ البزَّازُ الْمُتفقّهُ قال: أنا أبو مُحمَّدٍ بنُ رَوَاج (١) سماعًا عليهِ قال: أنا
[ق١٨/ب] الحافظُ أَبو ■ طاهرِ السِّلَفِيُّ سماعًا عليهِ بالسندِ المتقدِّمِ إلى أبي محمَّدٍ بنِ
خَلَّادٍ قال: نا محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ مَحْمُوْيَهْ العَسكريُّ قال: نا أبو زُرعةً
الدِّمشقيُّ قال : أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ إبراهيمَ ، عن عَمرِو بنٍ أَبِي سَلَمَةَ
قال: ((قُلتُ للأوزاعيّ في المناولةِ: أقولُ فِيهَا ((حدَّثنا))؟ قال: إِن كنتُ
حَدَّثتُكَ فقُلْ. فقلتُ: أَقولُ فِيهَا ((أخبرنا))؟ قالَ: لَا. قُلتُ: فكيفَ
أقولُ؟ قالَ: قُلْ: قَالَ أَبو عَشْرٍو، وعن أَيِي عمٍوٍ))(٢).
= في ((تاريخ الدوري)) (٥٣١، ٥٣٨٤)، وانظرها في ((جامع بيان العلم وفضله))
(ص: ١٧٨)، وقال ابنُ عبدِ البرّ: هَذا مَعناهُ أنهُ كان يَعرِفُ الكتابَ بِعَينِهِ،
ويَعرِفُ ثِقَةَ صَاحِبِهِ، ويَعرِفُ أَنْهُ مِن حَديثِهِ؛ وهَذهِ هِي المناولةُ؛ وفي معناها
الإِجازةُ إِذا صَحَّ تناولُ ذلك. اهـ. وسَاقَها الخطيبُ في ((الكفاية)) (ص: ٣١٨)
وفيها : أنَّ الزهريَّ كانٍ يَتَصفَّحُ الكتابَ وينظرُ فيه، وقد ساق القاضي عياضٌ
هذه القصةَ في ((الإلماع)) (ص: ١١٣-١١٤) من طريق يحيى بنِ عُمَرَ: أنا
هارونُ بنُ سَعيدٍ، وقال: فيأخذه - أي: الزهري - فينظرَ فيهِ ثُم یردَّه إِلينًا
ويقول : نعم هُو مِن حَديثي. قال عُبيدُ اللَّهِ: فتأخذهُ وما قرأهُ علَينا ولا استَجزنَاهُ
أكثرَ مِن إِقِرارِه بأنهُ مِن حَديثِهِ. اهـ.
(١) كتب في الأصل فوق كلمة رَوَاج: ((خف)) بمعنى أنها تُقرأ بالتخفيفِ وبدونٍ
تشديد الواوٍ .
(٢) ((تاريخ أبي زُرْعَةَ الدمشقيّ)) (ص: ٢٦٤).

السنن الأبين
ص : 83
قُلْتُ: وقَدِ استعملَ ((عن)) في الإِجازةِ المُطلقةِ على المُصطلح الذي
ذَكرَهُ أَبو عمرو بنُ الصلاح: شيخُنا الإِمامُ العلَّمَةُ التَّقَّابُ النَّابةُ الحافظُ
أبو محمَّدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خَلَفِ التُّونِيُّ حافظُ البلادِ المصريةِ، وهُو ◌ِّا
أَجازهُ لِي فِي بَعضِ تَخَارِيجِهِ التي خَرَّجَ مِن عَالي حَديثِهِ. قال :
قُرِئَ عَلى الشيخ الصالحِ المُعَمَّرِ أبي الحسنِ بنِ أبي عبدِ اللهِ بنِ أبِي الحَسنِ
البغداذيِّ وأنا أسمعُ، عَنِ الشريفِ النقيبِ أبي العباسِ أحمدَ بنِ مُحمّدٍ بنٍ
عبدِ العزيزِ بنِ عليّ بنِ إسماعيلَ بنِ عليّ بنِ سُليمانَ بنِ يَعقوبَ بنِ إِبراهيمَ
ابنِ مُحمَّدٍ بنِ إسماعيلَ بنِ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ بنِ عبدِ المُطْلِبِ
المَكِّيّ: أنا أَبُو عَليّ الحسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحسنِ بنِ محمَّدٍ بنِ أَحمدَ
ابنِ إِبراهيمَ بنِ العباسِ الشافعيُّ المكَيُّ قِراءةً عليهِ وأَنا أَسمعُ بِهَا : أنا
أبُو الحَسنِ أحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عليّ بنِ أحمدَ بنِ فِراسٍ
العَبْقَسِيُّ المَكُيُ: نا أَبُو جَعفرٍ مُّحمَّدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ عبدِ اللَّه الدَّيْئِلِيُّ: نا
أَبُو صَالحِ محمَّدُ بنُ أَبِي الأَزهر المكْيُّ : نا إسماعيلُ بنُ جَعفرٍ المدنيُّ:
أَخبرنِي عَبدُ اللهِ بنُ دِينارٍ (١)، عَن ابنٍ عُمرَ قال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَّهِ:
((مَنْ كَانَ حَالِفًا ■ فَلَا يَحْلِفُ إِلَّ بِاللَّهِ)) - وَكَانتْ قُريشٌ تَحَلِفُ بَآبَائِها - [ق١٩/أ]
فَقال: ((لَا تَحْلُوا بِآبَائِكُمْ)) .
قَالَ شَيخُنا الحافظُ أَبو محمَّدٍ: رَواهُ مُسلمٌ، عن يحيى بنِ يَحتَى
ويَحتَّى بِنِ أَيَوبَ ، وقُنِيبَةَ ، وعَليّ بنِ حُجْرٍ - أَرْبَعتِهِم - عن إِسماعيلَ بنِ
جَعفرٍ؛ فَوقَعَ لَنَا بَدَلًا عَالِيًّا تُسَاعِيًّا(٢).
(١) في الأصل: ((دِنر)).
(٢) مُتَّفَقٌّ عَليهِ مِن حَديثٍ قُتيبةَ، عَن إِسماعيلَ، وانفردَ بِالباقي مُسلمٌ، أَخرجهُ
البخاريُّ (٥٣/٥)، ومسلم (٨١/٥).

السنن الأبين
ص : 84
ورَواهُ - أيضًا - نَازِلًا عَن عَبدِ المَلَكِ بنِ شُعَيبٍ بنِ اللِيثِ بنِ سَعدٍ ،
عَن أبيهِ ، عَن جَدِّهِ، عن عُقَيْلِ، عن الزُّهْريِّ، عن سَالم، عَن أبيهِ ، عَن
عُمرَ بنِ الخَطّابِ (١).
فَبِاعتبارِ هذا العددِ إِلى النبيِّ عَّهِ كَأَنِّي سَمعتُهُ مِن مُسلمٍ وَصَافَحتُهُ
بهِ، ولِهِ الحمدُ والمِنَّهُ وهُو وَلِيُّ التوفيقِ.
قُلْتُ: فَقولُه عَن الشَّريفِ النَّقيبِ ، يَعني إِجازَةً .
وأَبو الحَسنِ بنُ أَبِي عَبدِ اللَّهِ هُو عَليُّ بنُ الحُسينِ بنِ أَبِي الحَسنِ عَلَيٍّ بنِ
مَنصورِ بنِ أَبي مَنصورٍ البغداديُّ الأزجيُّ الحنبليُّ النَّجَّار(٢) شُهِرَ بابنٍ
المُقُيِّرِ، وكانَ شيخًا صالحًا تَاليًا لِّلقرآنِ، كثيرَ السماع صَحيحَهُ، ولَه
إِجازاتٌ عَاليَةٌ ، وامتدَّ أَجُلُهُ حتَّى أَلحقَ الصِّغارَ بِالكبارِ ، وكَانتْ فيهِ غَفلةٌ ،
وُتوفِّيَ بالقاهرةِ سنةَ ثَلاثٍ وَأَربعينَ وسِتمائةٍ ، وكَان مَولِدُهُ مُستَهَلَّ شَوَّالٍ
مِّن سَنةٍ خَمسٍ وَربعينَ وخَمسِمائةٍ، عَاش مِائَةً إلّ سَنتينٍ إِلا خَمسةٍ
وأَربعينَ يَومًا، ذَكرَ هذا أبو بَكرِ الْمُهَلِّبيُّ في ((معجمه)) فيما وجدتُهُ
عنهُ (٣) .
وهذا الحديثُ وَقع - أيضًا - لِشَيخِنا الشريفِ المُحُدِّثِ شرفِ المُحدِّثِينَ
تَاجِ الدِّينِ أَبِي الحَسنِ عليّ بنِ أَبِي العَّاسِ أَحمدَ بنِ عبدِ المُحُسنِ الْحُسَينِيّ
(١) مسلم (٨٠/٥).
(٢) في الأصل: ((النجار الحنبلي)) ووضع عليها علامةَ التقديم والتأخيرِ (مـ مـ)،
والصواب ما أثبتُّهُ .
(٣) وراجع ترجمته من ((السير)) (١١٩/٢٣).

السنن الأبين
ص : 85
الغَرَّافِيِّ - رَضي اللَّهُ عنهُ - وعَن ■ سَلِفِهِ الكَريم، مُصافَحةً لَمُسلم، وهُو [ق١٩/ب]
عِندَنا عنهُ باتِّصالِ السِماعِ.
قَرأْتُ عَليهِ بِلفظي، ونسختُ مِن أَصلِهِ بِشَعْرِ الإِسكندريةِ المَحَروسِ.
قالَ :
أَخبرني الحافظُ أبو الحسنِ محمّدُ بنُ أَحمدَ بنِ عُمرَ بنِ القَطِيعِيِّ قَراءَةً
عَليهِ وأَنا أَسمِعُ بِتَغداذَ قال: أنا الشريفُ أَبُو جَعفرٍ أحمدُ بنُ مَحمّدِ بنِ
عَبدِ العَزيزِ العَبَّاسيُّ المَكْثُ (١) قِراءةً عَليهِ وأَنَا أَسمعُ قال: أَنَا أَبُو عَلَيٍّ
الحَسنُ بنُ عَبدِ الرّحمنِ بنِ الحَسنِ بنِ مُحمَّدٍ الشافعيُّ المَكَيُّ بِها قراءةً عَليهِ
وأنا أسمعُ قال: أنا أبو الحسنِ أحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ أحمدَ بنِ عَلَيٍّ بنِ
أَحمدَ بنِ فِراسٍ المكْيُ العَبْقَسِيُّ: نا أَبو جَعفرٍ مُحمَّدُ بنُ إِبراهيمَ بنٍ
عَبدِ اللَّهِ بنِ الفَضلِ المكْيُّ الدَّتِيُّ قِراءةٌ عليهِ مِن كِتابهِ: نا أبو صالحِ
محمّدُ بنُ أبي الأزهرِ المعروف بابن زُنْبُورِ المَكَيُّ مَولی بَنِي هَاشم: نا
إسماعيلُ - يَعنِي : ابنَّ جَعفرٍ - فَذكرَهُ سَواءٌ بِنَصِّهِ حَرفًا حَرفًا بِحَرفٍ ،
فَكَأَنَ شَيخَنَا الشريفَ أَبا الحَسنِ صَافِحَ بِهِ مُسلمًا وسَمعتُهُ مِنْهُ، وكَأَنِّي
صَّافحتُ بِهِ إِبراهيمَ بنَ سُفيانَ صَاحبَ مُسلم وسَمعتُهُ مِنْهُ. وهَذا مِن
بَعضِ فَوائِدِ الرّحلةِ، والحمدُ للَّهِ .
(١) ضبَّب الناسخُ على ((المكي)).

السنن الأبين
صل : 87
الباب الثاني
فِي الأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِها مُسلمٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِى مُقَدِّمةِ كتابِهِ
والمحاكمةِ مَعهُ إِلى حُكم الإِنصافِ ومَا يَتَعلَّقُ بِذلكَ اعْلَمْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ
وإِيَّاكَ للصوابِ - أَنَ مُسلمًا - رَحمهُ اللَّهُ - استدلَّ عَلى صِحّةٍ قَولِهِ أَنَّهُ لَا
يَشترطُ فِي الإِسنادِ المُعنعَنِ إِلَّ الْمُعَاصَرَ فَقَط (١) بِمَا مُحَصِّلُهُ عَلَى الْتَّخِصِ
والتَّخْلِيصِ أربعةُ أَدِلَّةٍ :
الأَوَّلُ :
أَنَّهُ قَالِ مَا مَعناهُ: ((قَد انَّفِقْنَا نَحنُ وَأَنتُمُ عَلى قَبُولِ خَبرِ الوَاحِدِ [ق٢٠/أ]
الثقةِ، عَن الوَاحدِ الثقةِ؛ إِذا ضَمَّهُما عَصرٌ وَاحِدٌ، وأَنهُ حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ
العَملُ، ثُمَّ أَدْخَلتَ فِيهِ الشَّرطَ زَائِدًا))(٢) .
فَحَاصِلُ هَذا الكَلام: ادِّعاءُ الإِجماع عَلى قَبُولِ المُعنعَنِ الذي هَذهِ
صِفتُهُ مُطلقًا مِن غَيرِ تَقييدٍ بِشرطِ اللَّقاءِ (٣)، وهُوَ أَعَمْ أَدِلَّتِهِ.
فَكأَنَّهُ يَقولُ: الإِجماعُ يَتضَمَّنُهُ بِعُمُومِهِ وإِطلاقِهِ، فَمَنْ أَثْبتَ الشَّرطَ
(١) قد سبقَ التنبيهُ على أنَّ الإمامَ مسلمًا لَا يَكتفِي بِمُجردٍ الْمُعاصرةِ؛ بَل لَّ بُدَّ أَن
يَنْضِمَّ إِليهَا إِمكانٌ قَوِيٌّ لِّلقاءٍ بَيْنَ الْتُعاصِرَيْنِ، مَعَ شُروطٍ أُخرى سَبقَ التنبيهُ عَليها
في مُقدمةِ الكِتابِ .
(٢)
((المقدمة)) (ص: ٢٣).
(٣) وقَد سَبقَ - أيضًا - أن اللِّقاءَ وَحدَهُ لَا يَكْفِي لإثباتِ السماع؛ فَكَان الأَوْلَى أَن
يُقالَ: ((بِشرطِ السماعِ ولَو لمرةٍ واحدةٍ )) هَذا مَعَ السلامةِ مِن التدليسِ.

السنن الأبين
ص : 88
طَالِبْنَاهُ بِالنَّقْلِ عَمَّنَ سَلَفَ، أَوَ بِالحُجَّةِ عَليهِ إِن عَجَزَ عَنِ النَّقْلِ .
والجَوَابُ عَنِ هَذا الاستدلالِ: أَنَّا لَا نُحَكِّمُ (١) دَعْوَاكَ الإِجماعَ فِي
مَحِلِّ النِّزاعِ لِمَا نَقلَاهُ فِي ذَلكِ عَمَّن سَلَف كَالبُخَارِيِّ أُستاذِكَ ، وعَليّ بنِ
الَدينيّ أَستاذ أَستاذِكَ (٢)، ومَكَانُهُمَا مِنْ هَذا الشَّأْنِ شُهْرتُهُ مُغنيةٌ عَن
ذِكرِهِ. ولَكن لَّا بُدَّ مِنَ الإِشارةِ إِليهِ ولَو بِلَحظَةٍ ، والتَّنبيهِ عَليهِ وَلو بِلَفظةٍ .
قَالَ البُخاريُّ: ((مَا اسْتَصْغَرتُ نَفسِي عِندَ أحدٍ إِلَّ عندَ عَليّ بنِ
المَدِينِيِّ)) (٣).
وَوَجدتُ عَن أَبِي العَبَّاسِ أَحمدَ بنِ مَنصورٍ بنٍ محمَّدِ بنِ أَحمدَ
الشِّيرازيِّ أَنَّهُ قال: سَمعتُ محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ بِشرِ الفارسيَّ يقولُ:
سَمعتُ محمَّدَ بنَ أَبِي صَالحِ الترمذيَّ يَقولُ : سَمعتُ أَبَا عِيسَى الترمذيَّ
يَقولُ: سَمعتُ محمَّدَ بنَ إِسماعيلَ البخاريَّ يقولُ: ((قَال لِي عَلَيُّ بنُ
المَدِينِيّ : النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّكَ تَتَعلمُ مِنِّي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لأتعلَّمُ مِنكَ أَكَثَرَ مِمَّا
تَتَعلَّمُ مِنِّي ؛ ورَأَيتَ أَنتَ مِثلَ نفَسكِ يَا أَبا عَبدِ اللَّهِ؟!)).
وَقالَ أَبُو عُبَيْدِ القاسمُ - هُو: ابنُ سَلََّّم -: ((انتهَى الحَديثُ إِلى
أَربعةٍ : أَبِي بَكرِ بنِ أَبِي شَيبةَ، وأحمدَ بنِ حَنِبِلٍ، وَيَحتَّى بِنِ مَعينٍ، وعَليّ
(١) في الأصل: ((نحلم)).
(٢) كذا بالأصل، وضبَّبَ عَليها، وكتب في الهامش: ((أُستاذه)) وكتب فوقها
((معًا))، والمعنى أنها تُقرأْ مرةً كما بالأصلِ، ومرةً ((ابن المديني أُستاذه)).
(٣) ذكرها الخطيبُ في ((تاريخ بغداد)) (١٧/٢-١٨)، وفي رواية قال: ((ما
تَصاغَرْتُ نَفسِي عندَ أحدٍ إلّ عندَ عَلَيٍّ بنِ المدينيِّ، ورُبما كنتُ أَغرِبُ عليهِ))،
وفي رواية أخرى: قال ابنُ المدينيّ: ((ذَرُوا قَولَهُ؛ هُو ما رَأَى مِثلَ نَفسِهِ)). ،
وانظرها في ((تقييد المهمل)) [ق٥/ب] و((طبقات الحنابلة)) (٢٢٨/١) وغيرها .

السنن الأبين
ص : 89
ابنِ الَدينيّ؛ أَبُو بَكرٍ أسرَدُهُم ■ لَهُ، وأَحمَدُ أَفْقَهُهُمْ فِيهِ، ويَحِتِى أَجمَعُهُم [ق٢٠/ب]
لَهُ، وَعَليٍّ أَعلمُهُم بِهِ)) (١).
وإِذْ ثَبتَ نَقلُ الشرطِ الذي طَالبِتَنَا بِهِ بَطُلَ الإِجماعُ الذي ادَّعيتَهُ فِي
مَحلِّ النزاع، وهُو الاكتفاءُ في قَبولِ المُعنعنِ بِشرطِ المعاصرَةِ فَقط ، ولَسنًا
تُنازِعُكَ فِي أَنَّ أَخبارَ الآحادِ حُجَّةٌ يَجبُ العملُ بِها بالإِجماعِ فِي الْجُملةِ(٢)،
وَِّا نُنازِعُكَ فَي قَبولِ المُعنعَنِ مِنْهَا مُكْتَفّى (٣) فِيهِ بِالمعاصرةِ فَقِطَ ، وإِجماعُكَ
لَا يَتناولُ ذَلكَ، ومَا الدَّعيتَ مِن أَنَّا أَدَخلنَا فيهِ الشرطَ زَائِدًا، فَلنا أَن نَعَكِسَهُ
عَليكَ، بأَن نَقولَ: بَلْ أَنتَ نَقَصْتَ مِنَ الإِجماعِ شَرطًا (٤).
(١) ((تاريخ بغداد)) (٦٩/١٠)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٢٨/١)، وغيرهما.
(٢) قَد ذَكرَ مُسلمٌ في مقدمة ((صحيحه)) أَنَّ خبرَ الوَاحدِ الثقةِ، عَنِ الواحدِ الثقةِ
حُجَّةٌ يَلزمُ بِهِ العَمِلُ، وَيُعلِّقُ القاضي عياضٌ عَلى هذا بقولهِ: (( هذا الذي قاله هو
مذهبُ جُمهورِ المسلمينَ مِن السلفِ والفقهاءِ والمحدِّثينَ والأُصولِيين .. وذهبتِ
الرّوافضُ، والقدريةُ، وبَعضُ أهلِ الظاهرِ إلى أنه لا يجبُ بهِ عمِلٌ)). اهـ((مقدمة
إكمال المعلم)) (ص٣٢٣)، ويقول ابن عبد البرّ: ((وأَجمعَ أَهلُ العِلم مِن أَهِل
الفِقهِ والأثرِ في جميعَ الأَمصارِ - فيما عَلِمْتُ - عَلِي قَبُولِ خَبِرِ الوَاحَدِ العَدْلِ ؛
وإِيجابِ العملِ بِهِ إِذا ثَبَتَ ولمَ يَنسَخْهُ غَيْرُهُ مِن أَثْرٍ أَو إِجماعٍ، عَلَى هذا جميع
الفقهاءِ في كلِّ عصرٍ من لدنِ الصحابةِ إلى يومِنَا هذا إلّ الْخَوَارِجَ وطَوائفَ مِن
أهلِ البدعِ، شِرذمةٌ لَا تُعَدُّ خِلافًا)). اهـ ((التمهيد)) (٢/١)، ويَقولُ الحافظُ ابنُ
رجب الحنبليُّ عند آخر شرحه للحديث (١٢٢٧): ((خَبرُ الوَاحدِ الثقةِ الذي
ليس له معارضٌ أَقوى منهُ فإِنهُ يَجبُ قَبَولُهُ لِأَدلةِ دَّتْ على ذلك، وقَد ◌ُتَوَقَّفُ فيه
أحيانًا لُعارضتِهِ بما يقتضِي التوقفَ فيهِ؛ كما توقف النبيُّ عَّه فِي قولِ ذِي
اليَدينِ حَتَّى تُوبِعَ عَليه)) .
(٣) بالأصل: ((مكتفّي)).
(٤) قد سبقَ أنَّ ابنَ رجبٍ نقلَ الإجماعَ على خلافٍ قَولِ مُسلمٍ.

السنن الأبين
ص : 90
فإِنَّا قَد أنَّفقنَا نحَنُ وَأَنتَ عَلى قَبَولِ المُعنعنِ منْ غَيرِ المُدُلِّسِ إِذا كانَ قَد
ثَبتَ لِقَاؤُهُ لَهُ ، فَنَقَصْتَ أَنْتَ مِن شُروطِ الإِجماعِ شَرطًا، فَتَتَوجَّهُ عَليكَ
المُطالبةُ بالدليلِ عَلى إِسقاطِهِ. وكَأَنَّكَ لَّ اسْتَشْعَرتَ تَوَجُهَ الْمُطَالبةِ عَدَلْتَ إِلى
النَّقْضِ بِاشتراطِ السماعِ فِي كُلِّ حَديثٍ حَديثٍ ، وقد تَقدَّمَ الجوابُ عنهُ .
وثَبَّنَ الآنَ أَنَّا قَائِلُونَ بِمَحِلٌّ الإِجماعِ، وأَنَّا لَم نَزِدْ شَرطًا؛ بَلْ أَنْتَ
نَقَصْتَهُ، فَفَلَجَتْ حُجَّةُ خَصْمِكَ عَليكَ .
وَأَمَّا الْحُكَّةُ الَّتِي طَلبْتَ عَلى صِحَّةٍ مَذْهِبِنَا؛ فَقَدْ قَدَّمْنَاهَا بِمَا أَغْنَى عَنٍ
الإِعَادةِ فَليُراجِعْهَا مَن يُناضِلُ عَنكَ .
ثُمَّ نَقولُ: إِنَّكَ - يَرحَمُكِ اللَّهُ - اسْتَشعرتَ خَرْمَ مَا ذَكَرْتَ مِنَ
الإِجماع لَمّا كَانَ عِندَك اسْتِقْرَائِيًّا بِمَا تَوقَّعْتَ أَن يُنقَلَ لَك مِنَ الخِلَافِ،
[ق٢١/أ] فَعَدَلْتَ إِلَى المُطَالبةِ بالحُجَّةِ، وذلكَ تَوَهِينٌ مِّنْكَ لِنَقَلِ ■ الإجماعِ فِي
محلِّ النّزاعِ، عَلى أَنَّا لَمْ نُسَلِّمْ لَكِ أَنَّهُ يَتَنَاولُ مَحِلَّ الخِلافِ ، واللَّهُ تعَالى
المُفْقِ والمرشدُ .
الدَّليلُ الثاني :
مَا ذَكَرِنَاهُ مِن إِلزامِهِ لَنَا النَّقَضَ؛ بأَنَّهُ يَلزمُنَا مِن ذَلِكَ الشرطِ أَلَّ نُثْبِتَ
إِسنادًا مُعنعَنًا حَتَّى نَرى فيهِ السَّماعَ مِن أَوَِّهِ إِلى آخِرِهِ، لِكَانٍ تَجويٍ
الإِرسالِ (١) .
وَقَد تَقَدَّم - أَيْضًا - الجَوَابُ عَن إِلزامِ هَذا النقضِ بِمَا أَغْنَى عَنِ الإِعادةِ .
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٤).

السنن الأبين
ص : 91
ثُمَّ إِنَّهُ مَثَّلَ ذَلِكَ بِأَمثلةِ؛ مِنهَا: حَديثُ هِشام بنِ عُروةَ، عَنْ أَبِهِ ، عَن
عَائشة؛ عَن رَّسُولِ اللَّه عَ لَّهِ، وَقال: إِنَّ كُلَّ مِّنهُم يَتحقَّقُ سَماُ بَعضِهِم
مِن بَعضٍ. فهشامٌ مِن أَبيِهِ عُروةَ، ومُروةُ مِن خَالتِهِ عَائِشَة، وعَائشةُ مِن
صلى اللّه
النبيِّ عَّةٍ (١).
ثُمَّ قالَ: ((وقَد يَجوزُ إِذَا لَم يَقُلْ - هِشامٌ - في روايةٍ يَرويها عَن أَبيِهِ :
(سَمِعْتُ)) أَو: ((أَخبرني))؛ أَن يَكُونَ بَيْنَهُ وَبينَ أبيهِ في تِلكَ الرِّوايةِ
إِنسانٌ آخرُ أَخبرَهُ بِها عَن أبيهِ)) .
ثمَّ طَرَّقَ الاحتمالَ - أَيْضًا - فِي قَولِ عُروةَ: ((عَن عائشةَ))، وأَتْبَعَ
ذَلِكَ بِأَمثلةٍ مِّنَ الرُّواةِ لَقِيَ بَعضُهُم بَعضًا وأَسندُوا رِوَايَاتِهِم مُعَنْعِنِينَ مِّن لَّم
يُّتَّهَمْ بِالتدليسِ، عَلى أَنَّ هِشامًا قَد وَقَعَ لَهُ بَعضُ الشَّيءِ.
وذَلكَ مَّا أَخبرنا بهِ إِجازةً: أَبو مُحمدٍ عَبدُ اللَّهِ بنُ مُحمَّدِ الطَّرِيُّ بِبَيتِ
المَقَدِسِ، عَن أَبِي الحَسنِ عَليّ بنِ الحُسينِ بنِ مَنصورٍ الأَرْجِيِّ، عَن أبي الفضِل
مُحمَّدٍ بنِ نَاصرِ السَّلَامِيِّ، عَن أَبِي بَكرٍ أَحمدَ بنِ خَلفِ الَّيسابوريِّ كُلَّهُ
■ إِجازةٌ عَن الحافظِ أبي عبدِ اللَّهِ الحاكم، قال: أخبرني قاضي القضاةِ [ق٢١/ب]
مُحمَّدُ بنُ صَالح الهاشميُّ قال: نا أبو جَعفرِ المُسْتَعِينِيُّ قال: نا عبدُ الله بنُ
علي المديني (٢) قال: قال أبِي - وذَكرَ فَوائدَ مِنها - : وسَمِعتُ يَحتَى يقَولُ:
كَانَ هِشامُ بنُ عُروةَ يُحدِّثُ عن أبيهِ عَن عَائشةَ قَالتْ: ((مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٤).
(٢) كذا بالأصل: ((عبد الله بن علي المديني)). وقد ترجمهُ الخطيبُ في ((تاريخ
بغداد)) (٩/١٠) وقال: رَوى عنه المُستعينيُّ أبو جعفرٍ، وذكرَ عن الدارقطنيّ أنه
رَوى عن أَبيِهِ كتاب ((العلل)) مناولةً .

ص : 92
السنن الأبين
عَ لَّهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ))، وَ((مَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ)) الحديث. قال يَحيى: لَّ
سألتُهُ قال: أخبرني أَبِي عَن عَائشَةَ قَالتْ: ((مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهُ عَ لِّ بَيْنَ
أَمْرَيْنِ)) لَمْ أَسْمَعْ مِن أَبِي إِلَّ هَذا والبَاقِي لَمْ أَسمِعْهُ؛ إَِمَا هُوَ عَنِ الزّهريِّ.
ذكرهُ الحاكمُ فِي ((عُلوم الحديثِ)) له في بَابِ المُدُلِّسين(١).
فَحَاصِلُ مَا أَتَيتَ بِهِ أَيُّها الإِمامُ مِنَ الأَمثلةِ أَنَّ مَنْ عُلِمَ سَمَاعُهُ مِن إِنسانٍ
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٠٤-١٠٥)، وجاء في - المطبوع - منه في
إسنادِهِ: ((علي بن عبد الله المديني قال: قال أبي))، وذكر محققه في الهامش:
((علي بن عبد الله بن علي بن المديني))، فإن كان على الإسنادِ الأولِ فَلا يَثبتُ؛
عبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ والدُ عليٍّ لَا يُلتَفَتُّ إِلى رِوايتِهِ كما قالَ أبو حاتم في ((الجرح))
(٢٣/٥): ((منكرُ الحديثِ جدًّا؛ ضعيفُ الحديثِ؛ يُحدِّثُ عَنِ الثقاتِ
بالمناكيرِ، يُكتَبُ حَديثُهُ ولَا يُحَتَجُّ بِهِ))، وقال ابنُ مَعِينٍ : ليسٍَ بشيءٍ .، وأَما ما
كُتبَ في هامش ((المعرفة)) فخطأً بَيِّنٌ، ونسختنا من ((السَّنن الأبين)) متقنة جدًّا،
وما فيها هُو الصَّوابُ، وقَدْ ذَكرهُ العلائيُّ في ((جامع التحصيل)) كما هو مُثبتٌ
عندَنَا ، ولكنَّ الناظرَ في كُتبِ الجَرَحِ والتَّعديلِ لَا يجدُ مَن وَصفَ هِشامًا بالتدليسِ،
ومسلمٍ كلامُهُ يدلُّ على هذا في ((المقدمة)) إِذْ إِنَّهُ نَصَّ على أنه سَيُمثلُ بِرواية قومٍ
غَيرٍ مُدلِّسينَ وقَد عَنعَنُوا، وسمَّى مِنهم هِشامَ بنَ عُروةَ وذَكرَ له مِثالَيْنِ، فلو ثَبتْ
تدليسُ هِشامٍ لسقطَ استدلالُ مُسلمٍ بِهَذينِ الحديثينِ، ولكنَّ التدليسَ لَا يثبتُ
عَن هشامٍ؛ ولعلَّ في قولِ الإِمامِ مُسلّمِ مَا يَنفِي التدليس عَن هشامٍ مِن أَنَّ المُحُدِّئِينَ
كَانتْ لَهُم تاراتٌ يُرسِلونَ فيهَاَ الأحاديثَ وتاراتٌ يَنشَطُونَ فَيُسْنِّدُونَ الخبرَ عَلى
هيئتِهِ، وذكر - أيضًا - أَنَّ كلَّ وَاحدٍ مِّنهُم قَد سَمِعَ مِن صَاحبهِ سَماعًا كثيرًا
فجائزٌ لَّكُلِّ وَاحِدٍ مِّنهمُ أن يَنْزِلَ في بعضِ الروايةِ فَيَسمِعَ مِن غَيرِهِ عنهُ بَعضَ
أحاديثِهِ، ثُم يُرسلهُ عنهُ أحيانًا ولا يُسمِي مَن سَمعَ منهُ، ويَنشَطَ أحيانًا فيُسمِّي
الذي حَملَ عنهُ الحديثَ ويَتِركَ الإِرسالَ. فَلَم يَقُلِ الإِمامُ مُسلمٌ: وَيَترك
التدليسَ، ورَحمَ اللَّهُ الحافظَ العَلائِيَّ إِذْ يَقولُ في ((جامِعِ التحصيل)) (ص:
١١١): وفي جَعْلِ هِشامٍ بمجردٍ هذا مُدِّسَا نَظرٌ، ولم أَرَ مَن وَصفَهُ بهِ .

ص : 93
السنن الأبين
ثُمَّ اخْتَلفَتِ الرُّواةُ عَنْهُ، فَزَادَ بَعضُهُم بَيْنَهُمَا رَجُلًا أَو أَكْثَرَ، وأَسقَطَهُ
بَعضُهُمْ، ومَثَّلْتَ ذلك بِهِشامٍ، عَن أبيهِ، عَن عائشةَ، فإِنَّه يُحَكَمُ لِمَن زَادَ
بِالاتّصالِ، وَمَنْ نَقَصَ بالإِرسالِ .
وهَذهِ المُسْلَةُ (١) أيّهَا الإِمامُ مِن مُّعْضَلَاتِ هَذا العِلم، وهي مِن بابِ
العِللِ التي يَعِزّ لِدَائِهَا وُجودُ الدَّواءِ، يَتَعذَّرُ فِي كَثِيرٍ منها الشفاءُ، فَكَيفَ
يَصِحُ أَن يُجعَلَ مَا هَذِهِ حَالُهُ دَليلًا فِي مَحِلِّ النزاعِ؛ أَو يُحكَمَ فِيهِ حُكْمًا
جُمْلِيًّا (٢)، ولَيتَ الحُكْمَ التَّفصيليَّ يَكْشِفُ بَعضَ أَمْرِهِ .
فتَقولُ: إِذَا وَردَ حَديثٌ مُعنعَنٌّ، عن رُّواةٍ لِّقِيَ بَعضُهُم بَعضًا، ثمّ وَرَدَ
ذَلكَ الحَديثُ بِعَينِهِ بِزِيادةِ رَجلِ ■ مَنصُوصًا عَلَى التَّحديثِ فِيهِ أَو [ق١/٢٢]
مُعنعنا - أيضًا - نَظْنَا إِلى حِفظِ الرُّواةِ وكَثرةٍ عَددِهِم، وانفتح بابُ
التَّرجيح، فَحَكَمْنَا لَن يَرجُحُ قَولُهُ مِنَ الزائدِ أو النَاقِصِ، أو لِمَن تَيَقًّا
صَوابَهُ؛ كَأَن نَّتحقَّقُ أَنَّهُ لَم يَسمَعْهُ مِمَّن رَواهُ عنهُ مُؤْسِلًا، أَوْ أَنَّ ذلك الزائدَ
في الإسنادِ خطأ، كَما قَد نحكمُ بِذَلكَ إِذا كانَ الحَديثُ بلفظِ ((نا))، ثمَّ
زادَ أحدُهُما رَاويًّا نَقصَهُ غَيرُهُ، أو أَنَّ الحديثَ عِندَ الراوي عَنهُما معًا ، وقَد
بَانَ ذلك كلُّهُ فِي بَعضِها كَما هُو مُعلومٌ عِندَ أَهِلِ الصَّنعةِ .
فإِن أشكلَ الأَمرُ تَوقّفْنا وجَعلنَا الحديثَ مَعلُولًا، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِن
الطريقينِ مُتَعَرِّضٌ لأن يُغْتَرَضَ بِهِ عَلى الآخَرِ؛ إِذ لَعلَّ الزائِدَ خطأ ، وإِذا
كانَ الزائدُ بِلَفظِ ((عن)) - أَيْضًا - فَلَعَلَّهُ نَقَصَ رَجُلٌ آخرُ غَيرَ ذَلكَ الْمَزِيدِ ،
وإَما يَرتفعُ هذا الاحتمالُ إِذا قَالَ الرَّاوي الزَّائدُ: ((حدثنا))، ويَبقَى احتمالُ
(١) كذا بالأصلِ، وتجمع مسائل كما في ((اللِّسان))، و((تاج العروس)) (١١٦/٨).
(٢) كتب في الهامش: ((بحكم مجملي)) ولم يَذكُرْ أنها في نسخةٍ أخرى.

السنن الأبين
ص : 94
أَن يكونَ الحديثُ عندَهُ عَنْهُما مَعًا .
فَأَمَّا أن يَحكُمَ بأَنَّهُ لْ يَشْمَعْهُ مِنه لزيادةِ رَجلٍ في الإسنادِ مُطلقًا فَفيهِ
نَظْرٌ، لَاسِيَّمَا فِي رِوايةِ الأبناءِ، عن الآباءِ، عَن الأجدادِ - أو - عَن الآباءِ
فَقَط - أو - الإخوةِ بَعضِهِم عَن بعضٍ، فكثيرًا ما يَتَحَمَّلُونَ النزولَ
وَيَدَعُوْنَ العُلُوَّ وإِن كَان عِنَدهُم حِرصًا عَلى ذِكرِهِ عَنِ الآباءِ والأَجدادِ ،
وإِبقاءً للشَّرَفِ (١) ، وَلِذَلكَ مَا تَجَدُ الأسانيدَ تَنْزِلُ كَثِيرًا فِي المسافةِ في هذا
النوعِ؛ فَيَدَعُونَ الإِسِنَاد (٢) العَالي إِيثارًا لِطَلبِ الْمَعَالي.
[ق٢٢/ب]
كَمَا أَنَا يَومًا: شَيخُنَا أَمينُ الدِّينِ ■ أبو اليُمْنِ عبدُ الصمدِ بنُ أبي الحَسنِ
عبد الوهابِ بنِ الحسنِ بنِ محمّدِ بنِ الحسنِ بِنِ هِبَّةِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللهِ بن
الحُسينِ بنِ عساكر الدِّمشقي بمنزلِهِ مِن مَّكَّةَ - شَرَفَهَا اللَّهُ تَعالى -
بِحَديثٍ مِّن طَريقِ آبَائِهِ، فِيهِ نُزُولٌ فِي الَسافِةِ ، فذكرَ لنا أنَّهُ وَقعَ لَه بسندٍ
أَعَلَى مِنْهُ، وأَّما آثرَ هذا لِذِكرِ آبَائِهِ، ثُمَّ قالَ: ومِثلُ ذَلك عِندَ أَهلِ الصَّنعِةِ
يُقْصَدُ ، وعَليهِ فِي إِرِ الَنَقبةِ يُعتَمَدُ، وإِليه في عُلُوٌّ المرتبةِ يُعْمَدُ .
كَمَا حَدَّثَنِي شَيخُنا الحافظُ الإِمامُ فَقيهُ أَهلِ الشامِ أَبُو عَمٍو عُثمانُ بنُ
عبد الرحمنِ بنِ عثمانَ - رَحمه اللَّهُ - مِن لَّفْظِهِ إِملاءً وقراءةً غَيرَ مَرَّةٍ
قال: حَدَّثني أبو المظفَّر عبدُ الرحيم بنُ الحافظِ أبِي سعدٍ بِمَرْو الشَاهجانَ
وكَتبَ بِهِ إِلينا: أبو المُظفَّرِ مِنهَا: عَن أبِي النَّضرِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الجبّارِ
(١) كتب في الهامش: ((لإبقاء الشرفِ)) وكتب فوقها ((معًا)).
(٢) كذا بالأصلِ وصحَّحَها معَ الكلمةِ التي قَبلَها، وكتبَ في الهامشِ: (( فيعزف عن
الإسناد)) وصححها، وعليه تكون العبارةُ: ((فيعزف عن الإسناد العالي إيثارًا
لطلب المعالي)).

السنن الأبين
صل : 95
الفَاميّ قال : سَمعتُ السيدَ أبا القاسم منصورَ بنَ محمَّدٍ العلويَّ يقول :
((الإِسنادُ بَعضُهُ عَوَالٍ، وبَعضُهُ مَعَالٍ؛ وَقوْلُ الرَّجلِ: حَدَّثني أبي، عن
جَدِّي مِنَ المَعَالي)) .
قُرِئ لنا هذا عَلى أَبِي اليُمْن وأنا أسمعُ .
وقُرِئَ لَنا - أيضًا - عَليهِ وأنا أسمعُ بِباب الصَّفا. قال: أنا الشيخُ
أَبو القَاسمِ الحسينُ بنُ هِبةِ اللَّهِ بنِ مَحفوظٍ - رحمهُ اللَّهُ - قِراءةً: أَنَا
أبو محمَّدٍ عبدُ الواحدِ بنُ عبدِ المَجدِ بن عبد الواحد بن عبد الكريم بن
هَوازنَ القُشَيْرِيُّ قِراءةً أَنا أبو بكرٍ عبدُ الغفارِ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ بنِ عَلَيِّ
الشيرويشيُّ (١) قالَ: سمعتُ عُمَر بنّ أحمدَ الزَّاهدَ يقولُ: سمعتُ محمدَ
ابنَّ عبد اللَّهِ الحافظَ ■ يقولُ: سَمعتُ الزُّبِيرَ بنَ عبدِ الواحدِ الحافظَ [ق٢٣/أ]
يقولُ: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سُليمانَ العَطَّارُ: نا سعيدُ بنُ عُمَرَ
ابنِ أَبِي سَلَمَةَ (٢): نا أَبِي قال: سمعتُ مَالِكَ بنَّ أَنْس - رَحمهُ اللَّهُ -
يقولُ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ [الزخرف: ٤٤]
قال: قَولُ الرَّجُلِ: حَدَّثني أبي عن جَدِّي (٣).
وقد حَكَمَ بَعضُ المتأخِّرِينَ بِإرسالِ الناقصِ ووَصْلِ الزائدِ، وهُو الذي
(١) كذا بالأصلِ وصححها، وكتب في الهامش: ((الشيرَوِي)) وكتب فوقها
((معًا)).
(٢) كذا بالأصلِ، وهو خطأً، والصوابُ: سعيد بن عمرو بن أبي سلمة، وهو:
التنيسي، وهو مترجمٌ في ((تهذيب الكمال)) (٥١/٢٢)، والقصةُ أوردها
القاضي في ((الإلماع)) على الصواب.
(٣) ذكرها القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص: ٣٨) من طريق ابن حمدان، عن ابنٍ
أبي سلمة .

السنن الأبين
ص : 96
ظَهرَ مِنكَ أَيُّهَا الإِمامُ فِي حُكمِكَ هنا، وهُو كَما قَدَّمناهُ لا يَسْلَم من
التَّعَقُّبِ بأن يُعْتَرَضَ عَلى أَحَدِهِمَا بالآخَرِ .
فَمِن ذَلك: أَنَّك قُلتَ (١): ((إِنَّ أَيَوبَ السَّخْتِيَانِيَّ، وابنَ المباركِ،
ووَكيعًا، وابنَ نُمَيْرٍ ، وجَماعةً غَيْرِهم رَوَوْا عَنِ هشامِ بنِ عُروةَ، عَن أَبِيهِ ،
عن عائشةَ - رضي الله عنها - ((كُنتُ أَطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَّه لِلِّهِ
وَلِيُحِرْمِهِ (٢) بِأَطْيَبَ مَا أَجِدُ)) (٣).
فَرَوَى هَذهِ الروايةَ بِعَينِهَا : الليثُ بنُ سَعدٍ ، ودَاودُ العطَّارُ، وحُمَيدُ بنُ
الأسودٍ، ووُهَيبُ بنُ خَالِدٍ، وأبو أسامةَ، عن هشام قال : أخبرني عثمانُ
ابْنُ عُروةَ، عَن عُروةَ، عَن عَائشةَ عَنِ النبيِّ عَّهِ. (٤)
ثُمَّ أَوردْتَ فِي كِتَابِكَ حَديثَ عُثمانَ؛ لأَنَّهُ الذي رَجَحَ عِندَك أنَّهُ
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٥).
(٢) كذا في الأصل، بضم الحاءِ المهملةِ وكَسرِهَا، وكتب فوقها ((معا))، ويقول ابن
الأثير في ((النهاية)) (٢٧٣/١): ((الحُزْم بضم الحاء وسكون الراء الإحرام بالحج،
وبالكسر: الرجل المحْرِمِ)). اهـ.
(٣) حديثُ أيوبَ: أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٤٥٩/٢)، وابن حبانَ
(الإحسان - ٣٧٧٢)، ومن طريق وكيع: رواهُ أحمدُ في ((المسند)) (٦/
٢٠٧)، وطريقُ ابنِ المباركِ: عند الدارقطنيّ في ((العلل)) [٥/ق١٤/أ]،
ورواه - أيضًا - حماد بن سلمة عند الدارميّ (٣٢/٢)، وذكر الدارقطني في
((العلل)) أن سعيدَ بنَ عبد الرحمنِ، ومَروانَ الغسانيّ، والضحاكَ بنَ عُثمانَ
والقسمَليَّ، وإِبراهيمَ بنَ طهمانَ وغَيرَهُم رَووهُ عَنِ هِشامٍ كذلك .
(٤) من طريق اللَّيثِ: أخرجهُ النسائيُّ في ((الكبرى)) (٣٣٨/٢)، وطريقُ داودَ
العطَّارِ: ذكرهُ الدار قطنيُّ في ((العلل)) [٥ب/ق١٣/ب]، وحديثُ وُهَيْبٍ :
أخرجهُ البخاريُّ في كتاب اللَّباسِ (٢١١/٧)، وحديثُ أَبي أسامةَ: أخرجهُ
مسلمٌ (١١/٤).

ص : 97
السنن الأبين
المُسندُ، ومَن أَسقطَهُ أَرْسَلَ، ولَسنا نَنِفِي أَن يَحصُلَ ظَنُّ فِي بَعض
الأَحاديثِ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِمَن زَادَ كَما قَد يَرجحُ - أيضًا - فِي بَعضِ أَنَّ
الحُكْمَ لِمَنْ نَقَصَ، فَتَعميمُ الحُكْمِ فِي المسألةِ لَا يَصِحُ (١).
(١) يقولُ الحافظُ في ((النكت الظراف)) بهامش ((التحفة)) (١٦/١٢) بعدَ أَن عَرضَ
صورةَ الخلافِ على هشامٍ: ((فعلى هذا: إِمَّا أَن يَكونَ هِشامٌ دَلَّسهُ، وإِمَّا أَن
يَكونَ مِمَّن رَوِهُ عنهُ بِدونِ ذِكرِ عثمانَ سَوَّاهُ)) . اهـ.
وهَذانِ الأَمرانِ مُستبعدَانِ جدًّا، فَأَمَّا وَصفُهُ بالتدليسِ فَقَدْ سَبقَ أَن تكلمتُ
عَليهِ عِندَ بدايةِ هذا البابٍ، وأمَّا التسويةُ فمُستبعدةٌ مِّن أَمثالٍ وَكيعٍ، وأيوبَ،
وابنِ المُباركِ، وابنٍ ثُميرٍ، فليسَ الأمرُ كما ذَكرَ.
وَأَمَّا الشيخُ المعلميّ - رحمه اللَّهُ - فَقَد قَال في جُزءٍ لَهُ نَاقَشَ فيهِ الإِمامَ مسلمًا
وأدلَّتَهُ: ((فَهذا تَدليسٌ مِّن هِشامٍ وراجع ترجمة هِشامٍ في ((مقدمة الفتح))؛
و((معرفة الحديث)) للحاكم (ص: ١٠٤) منه)) اهـ. وهذا - أيضًا - لا يُسَلَّم
لهُ، ثم إِنَّ الشيخَ قدِ تَضاربَ قولُهُ في هشامٍ فقد صرَّحٍ في ((التنكيل)) (٥٠٣/١)
بأنَّ هشامًا غيرُ مُدلِّسٍ قائلًا: ((والتحقيقُ: أَنْهُ لَم يُدَلِّسْ قَطُ)). اهـ.
هذا وقَدْ مَثَّلَ العلائيُ بِحَديثِ هشامِ هَذا في بابٍ: ما ترجّح فیه الحُكمُ
بالإِرسالِ إِذا رُوِيَ بِدون الراوي الَزِيدِ كما في «جامع التحصيلِ» (ص: ١٢٩)،
وهَذا الحديث جزْمًا لَم يَسمعْهُ هِشامٌ مِّن أَبِيهِ؛ وإنَّما تَحتَّلَهُ عَن أَخيهِ عُثمانَ، عَن
أبيهِ؛ فَقَد رَوى الحُميدِيُّ في ((مسنده)) (١٠٥/١) الحديث عَن سُفيانَ، عَن
عُثمانَ بنِ عُروةٌ، عن أَبيِهِ، عَن عائشةَ، وقال الحميديُّ: قالَ سُفيانُ : فقِالَ لِي
عُثمانُ بنُ عُروةَ: مَا يَروِي هِشامٌ هذا الحديثَ إِلَّا عَنِّي. اهـ. وهذا الذي أخرجهُ
مُسلمٌ نَّسُهُ في ((صحيحه)) (١٠/٤-١١)، ويَقولُ العبقريُّ الدارقطنيُّ في
((العلل)) [٥ب/ق١٣/ب]: ((الصحيحُ: عن هشامٍ بنِ عُروةَ أَنهُ سَمعَ هذا
الحديثَ مِن أَخِيهِ عُثمانَ)) وذكرَ أنَّ الروايةَ بِدونِ ذِكَرٍ عُثمانَ مُرسلٌ، وِهَذا ◌ِمَا
يُسقِطُ استدلالَ الإِمام مسلم - رحمهُ اللَّهُ - بهذا الحديثِ؛ إِذْ إِنَّهُ اشترط أَن يَأْتِيَ
بأحاديثَ هِي عِند ذَوِي الْمَعرفةِ بالأخبارِ والرّواياتِ مِن صحاحِ الأسانيدِ؛ ولا
نعلمُهُم وَمَّنُوا مِنهَا شَيْئًا قطُّ ، فليسَ الأمرُ هُنا كَذلكَ، إذ إِنَّ الثَابتَ في هذا =

السنن الأبين
ص : 98
الحديثِ أَنَّهُ مِن طريقِ هشام، عَن عُثمانَ، عن أبيهِ، وأَنَّ رِوايةَ هشام، عن أَبيِهِ
=
مُرسلةٌ ولا تصحُ، وقد أعَرْضَ عنها الإِمامُ البخاريُّ وأَخرجَ حديثَ اللَّيثِ بنِ
سَعدٍ، عَن هشامٍ، عَن عُثمانَ، عن أَبيِهِ، ووَضَعَهُ في كتابِ اللِّبَاسِ، لا فِي
كِتابِ الحَجِّ الذي يَخِتَصُّ بهِ للخلاف الذي وقعَ في إِسنادِهِ، مَعِ أَنَّهُ أَنزَلُ مِنْ
حَديثِ هِشَامٍ، عَنِ أَبِيهِ، وهُم حَرِيصُونَ عَلى العُلُوٌّ، وَمَا ذَاك إِلَّ لأَنَّ الحديثَ
بُدُونِ ذِكرٍ عُثمانَ لَم يَتْبُتْ .
ولي في هذا الحديثِ احتمالان :
فالأولُ : أنَّ هشامًا قد تَغْيَّرِ حِفظُهُ - رحمه اللَّه - ، فتَحقَّلَ الحديثَ عَن أخيهِ
عثمانَ ، ونَسِي - أو أخطأ - فحدَّثَ بِهِ عَن أَبِهِ مُباشرةً ظَنَّا مِّنْهُ أَنْهُ سَمِعَهُ مِن
أَبِهِ؛ وفي هذا يقولُ يعقوبُ بنُ شَيبةَ - رحمه الله -: ((ولا يَكادُ يَكونُ
الاختلافُ عنهُ فِيما يَفحُشُ؛ يُسنِدُ الحديثَ أحيانًا ويُرسِلُهُ أحيانًا؛ لا أَنَّهُ يَقلبُ
إِسنادَهُ، كأنَّهُ عَلى ما يَذْكُرُ مِن حِفِظِهِ؛ يَقولُ: عَن أَبيِهِ، عَنِ النِبِي عَلِّ،
ويقولُ: عَن أبيهِ، عَن عائشة، عن النبيِّ عَ ◌ّهِ، إِذَا أَتَقَنَهُ أَسندَهُ، وإِذا هَابَهُ
أرسلَهُ)). اهـ من ((شرح علل الترمذي)) (٧٦٩/٢)، ويقولُ الذهبيُّ في ((الميزان))
(٩٢٣٣): ((نَعَمْ الرجُلُ تغيَّرَ قَليلاً ولَم يَثْقَ حِفظُهُ كُهُوَ فِي حَالِ الشَّبِبَةِ فَنَسِيَ
بَعضَ مَحفُوظِهِ أَوَ وَهِمَ ؛ فَكَانَ مَاذا؟! أَهُو مَعصومٌ مِّنَ النسيانِ؟ !.. )) .
والاحتمالُ الثاني: أن يَكونَ هِشامٌ قَدِ حدَّثَ بالحديثِ عَن أَخِيهِ عُثمانَ ، عَن
أَبِهِ أولًا، ثم صَارَ بَعدَ ذَلكَ يُحدِّثُ عَنِ أَبِهِ مُباشرةً اتٌّكالًا عَلى أَنْه قَد سَبقَ وأنْ
حَدَّثَ بِهِ كَما تَحمَّلَهُ، فَحُمِلَ عنهُ عَلى الوَجْهِينِ، وفي هَذا يَقِولُ الشيخُ المعلميُّ
في ((التنكيل)): ((كَانَ رَّمَا يُحدِّثُ بالحديثِ عَن فلانٍ، عَن أَبيِهِ، فَيَسمعُ الناسُ
منهُ ذَلِكِ ويَعرفونَهُ، ثُم رُبَّما ذَكرَ ذَلَكَ الحديثَ بلفظِ: قَالَ أَبي أو نَحوِهِ اتكالًا
عَلى أَنْهُ قَد سبقَ مِنْهُ بيانُ أَنْهُ إَِمَا سَمِعهُ مِن فُلانٍ، عَن أبيهِ ، فَيَغْتَنمَ بَعضُ الناسِ
حِكايتَهُ الثانيةَ فيَروي ذَاكَ الحديثَ عَنْه عَنِ أبيهِ لَِّا فِيهِ مِن صُورةِ العُلوِّ، مَع
الاتكالِ عَلى أَنَّ الناسَ قَد سَمِعوا رِوايتَهُ الأُولى وحَفِظُوها)). اهـ.
ثُمَّ إِنَّ في البابِ أحاديثَ أَخَرَ يُمكنُ الاعتمادُ عَليها ، والحديث مُحفوظٌ عَن =

السنن الأبين
ص : 99
ثُمَّ قُلتَ (١): ((ورَوَى هِشامٌ ■ عَن أَبِيهِ، عَن عَائشَةَ (٢): ((كَانَ النَّبيُّ [ق٢٣/ب]
بَ ◌ّهِ إِذَا اِعتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجُلُهُ وَأنا حَائِضٌ)) .
فَرَواهَا بِعَينِها مَالكُ بنُ أنسٍ، عَنِ الزُّهريِّ، عن ◌ُروةَ، عَنْ عَمرةَ، عَن
عَائشَةَ عَنِ النِيِّ عَ لَّهِ)) (٣).
قُلتُ: وهَذا - أيضًا - مِن ذَلكَ القَبيل، حَكَمْتَ فِيهِ أَنَّ مَن نَقَصَ
عَمْرَةَ فَهُو مُرْسِلٌ .
والصَّحيحُ فِي هَذا الحديثِ : أنَّهُ عندَ ابنِ شِهابٍ عَن عُروةَ وعَمْرةَ معًا،
عائشة - رضي الله عنها - مِن طَريقِ الأَسودِ عَنها في ((الصحيحين))، ومن طَرِيقٍ
القَاسم عَنها في ((الصحيحين)) - أيضًا -، ومِن طَريقِ الزهريِّ، عن عُروةَ، عَن
عائشةً عندَ مُسلمٍ وغَيرِهِ، واللَّهُ أعلمُ .
(١) ((المقدمة)) (ص: ٢٥).
(٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (ص: ٦١)، ورواه البخاري في ((صحيحه)) (٨٢/١،
٢١١/٧) من طريق مالك، وأحمد في ((المسند)) (٩٦/٦) من طريقٍ شُعبةَ،
والحميديُّ في ((مسنده)) (٩٦/١) وغيرهم رَووه عن هشامٍ، عن أبيهِ، عَن
عائشةً .
(٣) ((الموطأ)) (ص: ٢٠٨)، ومن طريقهِ أخرجهُ مسلمٌ في ((صحيحه)) (١٦٧/١)
عن يحيى بن يحيى، وأبو داود (٢٤٦٧) عن القعنبيّ، والنسائيُّ في ((الكبرى))
(٢٦٦/٢) عن ابنِ القَاسِم، وأخرجه أحمدُ (١٠٤/٦، ٢٦٢) من طريقٍ أبي سلمة
مَنصورٍ بن سلمة الخَزَاعِيِّ والطباع - إِسحاقَ - ، خَمستُهُم رَووهُ عَن مالكٍ
كذلك، وفي ((المسند)) (٢٨١/٦) - أيضًا - مِن طريقٍ عَامٍ بنٍ صَالحٍ : حدثني
مالكٌ، ولَم يُحَدِّثْ به الإِمامُ أحمدُ ، ولَا يَثبتُ .
وعامرٌ هذا هُوَ الزبيريُّ قال ابنُ مَعينٍ في رواية ابنٍ أَبي خَيثمةَ: ((کَان كذابًا » ،
وقال النسائيُّ في ((الْضعفاء)) له (ص: ٢٩٩): ((ليسَ بثقةٍ)). وهُو مترجمٌ في
((تاريخ بغداد)) (٢٣٤/١٢).

السنن الأبين
ص :100
عَن عَائشَةَ. وهُو الذي اعتمدَ البخاريُّ. فقال :
نا قُتِيبةُ قالَ: نا ليثُ، عَن ابنِ شِهابٍ، عَن عُروةً وعَمرةً بنتِ
عبد الرحمنِ: أنَّ عائشةَ زَوجَ النبيِّ عَّ ◌ُلِ قَالَتْ: ((وإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
عَلَه لِيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرْجُلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ
إِلَّا لَحَاجَتِهِ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا)) (١).
وَأَمَّا أَنْتَ فَظَهرَ مِن فِعِلِكَ فِي كِتَابِكَ أَنْكَ لَم يَصْفُ عِندَكِ كَدَرُ
الإِشكالِ فِي هَذا الحَديثِ ، فَأَوْرِدتَ فِي كِتابِكَ حديثَ مَالكِ مُصَدِّرًا بهِ
بِناءً عَلى اعتقادِكَ فيهِ الاتّصالَ وفِي غَيْرِهِ الانقِطاعَ فَقُلتَ :
نا يَحِيَّى بنُ يَحتَّى قال: قَرَأْتُ عَلى مَالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عَن
عُروةَ، عَن عَمرةَ، عَنِ عَائشَةَ قالتْ: ((كَانَ النَِّيُّ عَّلٍ إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي
إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجُلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّ لِحَاجَةِ الْإِنسَانِ)) (٢).
ثُمَّ أَتبعتَهُ بِاختلافِ الرُّواةِ فيهِ عَلى شَرِكَ مِن أَنَّكَ لَا تُكَرِّرُ إِلَّا لِزِيادَةٍ
[ق١/٢٤] مغنَّى أو إِسنادٍ يَقعُ إِلى جَنبِ إِسنادٍ لِعِلَّةٍ تَكونُ هُناكَ ، فَقُلتَ :
حَدَّثْنَا قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ قال: نا لَيثٌ (ح)، وحَدَّثْنا محمَّدُ بنُ مع(٣)
(١) البخاريُّ (٦٢/٣-٦٣)، ومسلمٌ - أيضًا - (١٦٧/١)، وأبو داود (٢٤٦٨)،
والترمذيُّ (٨٠٥)، والنسائيُّ في ((الكبرى)) (٣٢٠/٤)، وابن ماجه (١٧٧٦)
وغيرُهُم، - جميعًا - مِن طريق قُتيبةً به .
(٢) مسلم (١٦٧/١) من طريق عبد اللَّهِ بنِ مسلمةً.
(٣) كذا بالأصل، والصواب: ((رُمْح))، كما في ((تحفة الأشراف)) (٧١/١٢)،
و((صحيح مسلم)) (١٦٧/١)، وكتب التراجم، وسيأتي في آخرِ سياقِ الحديثِ
على الصوابِ .