النص المفهرس

صفحات 61-80

ص : 61
السنن الأبين
هو ما أخبرنا بهِ إِجَازةً شيخُنَا الأديبُ الكاتبُ أبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ
محمدٍ بن هَارُونَ الطَّائِيُّ القُرْطُبيُّ قَال: أنا القاضي أبو القاسم أحمدُ بنُ
يزَيدَ بنِ بَقِيٍّ إِجازةً قال: أنا الرّاويةَ أَبو القاسم خَلَفُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ
بَشْكُوَالٍ إِجازةً قال: قَرأَتُهُ عَلى القاضي أبي عبدِ اللَّهِ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ
ابن أَبي الخَرِ وَنَاولِهِ أَبُو بَحْرِ الأَسَدِيُّ قالا: قَرأْنَاهُ عَلى أبي عبدِ اللَّهِ
محمدِ بنِ سَعْدُونَ الْقَرَوِيِّ قال: أنا أبو بَكرٍ مُحمَّدُ بنُ عليٍّ المطوّعيُّ
النَّيسابوريُّ قال، أَنَا مُؤَّلِفُهُ .
وسَندُنا فِيهِ مِن طَريقِ أبي الوليدِ الباجِيّ: مَا أَجازهُ لنا أَبو الحَسنِ عليٌّ
ابنُ أَحمدَ بنِ عبدِ الوَاحِدِ الْمُقَدسيُّ ، عن أبِي طَاهٍ بَرَكاتِ بنِ إبراهيمَ بنِ طاهرٍ
الدمشقيِّ إِجازةً، عَنِ الإِمام أبي بكرِ الطَّرطُوشيّ كِتابةً، عن أَبِي الوليدِ
البَاجِيِّ قال: نا أبُو بَكرٍ محمَّدُ بنُ عليٍّ المُطْوِّعيُّ النَّيسابوريُّ: ■ أنا الحَاكِمُ. [ق١١/أ]
وقَد رَويناهُ أعلى مِن هَذا دَرجَةٌ عَلى عُلُوِّهِ، وَلَكِنَّ المُغَارَضَةَ إِنَّا حَصلَتْ
لَنَا بِهَذَينِ الطَّريقَيْنِ، فَلِذلكَ اقْتَصَرْنا عَليهِمَا .
وأَمَّا لَفظُ القَابِسيِّ: فَيُمكِنُ أَن يُرِيدَ بِهِ ثُبُوتَ المعاصرةِ البَيِّنَةِ - وهُو
أَظهرُ احْتِمَالَيْهِ فِيه (١)، ويُمكنُ أَن يُرِيدَ طُولَ الصُّخْبةِ، فَيَكونَ مُوافِقًا لَاَ
ذَكرَهُ أَبُو المُظَفَّرِ السَّمعَانِيُّ .
وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ عَن جمهورٍ أَهلِ العِلم ((أَنَّهُ لَا اغْتِبَارَ بِالْحُرُوفِ
وَالأَلْفاظِ، وإَّا هُو بِاللَّقَاءِ وَالْجَالَسةِ والمُشاهَدَةِ))(٢).
(١) ضبَّب عليها في الأصل.
(٢) ((التمهيد)) (٢٦/١) وفيه زيادة: ((باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة)) اهـ . =

السنن الأبين
صص : 62
قَالَ ابنُ الصَّلاحِ: ((يَعْنِي مَعَ السَّلامةِ مِنَ التدليسِ)) (١).
هَذا مَا حَضَرَنَا مِنَ النَّلِ عَن أَتَمةِ هَذا الشأنِ .
وأَمَّا مِنْ حَيثُ النَّظَرِ: فَكَانَ الأَصلُ كَمَا قَدَّمْنَا: أَن لَّا يُقبَلَ إِلَّ مَا عُلِمَ
فيهِ السماعُ حَديثًا حَديثًا عِندَ مَن لَّا يَقولُ بالمُرْسَلِ لِاخْتِمالِ الانفصَالِ،
إلَّ أَنَّ عُلماءَ الحديثِ رَأَوْا أَنَّ تَبِّعَ طَلبٍ لَفظٍ صَريح فِي الإِتْصَالِ يَعِزُّ
وُجُودُهُ، وأَنَّهُ إِذَا ثَبتَ اللقاءُ ظُنَّ مَعهُ السَّماعُ غالبًا، وأنَّ الأئمةَ مِنَ
الصحابةِ والتابعينَ وَتَابِعِهِمْ، فَمَنْ بَعدَهُم اسْتَغْنَوْا كَثيرًا بِلَفِظِ ((عَن)) فِي
مَوضِع ((سَمعتُ)) و((حَدَّثَنَا)) وغَيرِهِمَا مِنَ الأَلفاظِ الصريحةِ في الاتّصالِ
اختصارًا، وَلَ عُرِفَ مِن عُرْفِهِمُ الغَالبِ فِي ذَلك، وأنَّهُ لَا يَضَعُها فِي
مَحِلِّ الانقطاع عَمَّن عُلِمَ سَماعُهُ مِنْهُ لِغَيرِ ذَلك الحديثِ بِقَصْدِ الإِهَامِ إِلَّ
مُدَلِّسْ يُؤْهِمُ أَنَّ سَمِعَ مَا لَمْ يَسمَعْ؛ أَنَفَةً مِنَ التّولِ، أَو لِغَيرِ ذلكَ مِن
[ق(١/ب] الأغراض التي لا يَخلُو أَكثرُهَا ■ من كَرَاهةٍ، فانتهض ذلك مرجِّحًا لِّقُبُولٍ
المُعنعنِ عندَ تُبُوتِ اللِّقاءِ.
لا يُقالُ: إِنَّ غَيرَ الُدَلِّس قَد يَقولُ: ((عن)) فِي مَحِلِّ الإِرسالِ، وَلَا يُعَدُّ
بِذَلكَ مُدَلِّسًا، لأَنَّهُ قَد عُلِمَ مِن مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ، لَأَنَّا نَقُولُ فِي
الجَوَابِ: إِنَّ غَيرَ الْمُدَلِّسِ لَا يَفعلُهُ إِلَّ فِيما عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَسمَعْهُ لِتَحقُّقِ عَدَم
المُعاصرَةِ، كَما يَقولُ التابعيُّ أَو تَابِعُهُ أو مَنْ بَعدَهُما: رُوينَا عَن رَّسولِ الله
وقد ذكر ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص: ٨٥) لفظة: ((والسماع)) وعزاها
=
لابن عبد البر، وكذا العلائي في ((جامع التحصيل)) (ص: ١٢٢)، والسخاوي
في ((فتح المغيث)) (١٩٥/١) وغيرهم.
(١) ((المقدمة)) (ص: ٨٥).

صل : 63
السنن الأبين
مَِّالِّ كَذَا، فَهِذَا مَعْلومٌ أَنَّهُ بَلائٌ فَلَا يُوهِمُ ذَلكَ سَماعًا، فَعَدَلَ عن العُرْفِ
إِلى عَامِّ اللُّغةِ مُكْتَفِيًّا بِقَرِينَةِ عدمِ اللقاءِ والسَّمَاعِ، كَمَا عَدَلَ هُنَاكَ الى
خَاصِّ الاصْطِلاحِ مُكَتَفِيًّا بقَرِينَةِ مَعرفَةِ السَّماعِ.
فإِن قِيل: قَدْ وُجِدَ الإِرسالُ مِنَ الصحابة - رضي الله عنهم - وممّن
بَعدَهُم، مِمَّن يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ عَمَّن لَقَيَّهُ وسَمِعَ مِنْهُ، قُلْنَا: أَمَّا
حَالُ الصَّحابةِ - رضيَ اللَّه عنهم - فِي ذَلكَ، الَّذِينَ وَجَبَتْ مُحَاشَاتُهُم
عَنْ قَصْدِ التدليسِ، فَتَحتمِلُ وُجُوهَا :
مِنْهَا: أَن يَكُونوا فَعلوا ذلك اعتمادًا عَلى عَدالةِ جَميعِهِم، فَالمَخُوفُ
في الإِرسالِ قَدْ أَمِنَ. يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَا قَالهُ أَنْسُ بنُ مَالكِ - رضي اللَّه
عنه -؛ ذَكرَ أَبُو بَكرٍ بِنُ أَبِي خَيثمةَ في ((تاريخه)) (١) قالَ: ((نَا مُوسَى
ابنُ إِسماعِيلَ وَهُدْبَةُ قالا: نا حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، عَن محُميَّدٍ ، أَنْ أَنَسَّا
حَدَّثَهُم بِحَدِيثٍ عَن رَّسُولِ اللَّهِ عَ لَّهِ فَقَالَ لَه رَجُلٌ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِن
رَسُول اللَّه عَ لَّهِ؟ فَغَضِبَ غَضِبًا شَديدًا وقال: (( وَاللَّهِ مَا كُلُّ مَا نُحَدِّئُكُمْ
سَمِعْنَا ■ مِن رَّسُولِ اللَّهِ عَّله؛ ولَكِن كَانَ يُحَدِّثُ بعضُنَا بَعضًا وَلَا يَتَّهِمُ [ق١٢/أ]
بَعضُنا بعضًا)) (٢).
(١) قال الخطيب البغدادي: ((لا أعرف أغزرَ فوائِدَ من كتاب ((التاريخ)) الذي صنفَّه
ابن أبي خيثمة، وكان لا يرويه إلَّ على الوجه، فسمعه الشيوخ الأكابر كأبي القاسم
البغوي ونحوه)) اهـ من ((تاريخ بغداد)) (١٦٣/٤).
(٢) ((طبقات ابن سعد)) (٢١/٧) من طريق الحسن بن موسى الأشيب، وساقه المزي
بإسناده في ((التهذيب)) (٣٧١/٣) من طريق إبراهيم بن الحجاج الشامي -
كلاهما : ثنا حماد به .
=

السنن الأبين
ص : 64
قُلتُ: وَلِذلكَ قَبِلَ بجمهورُ المحدِّثينَ؛ بَلْ جَميعُ المُقدِّمِين، وإِّمَا خَالفَ
فِي ذَلكَ بعضُ مَن تَأَضَّلَ مِنَ المحدِّثينَ الَتْأَخِّرِينَ مَرَّاسِلَ الصحابةِ - رضي اللَّه
عنهم -، وعَلَى القَبُولِ مُحَققو الفُقهاءِ والأَصليينَ .
ومِنها: أَنْ يَكُونُوا أَتَوْا بِلفَظِ: ((قَالَ)) أو: ((عَن))، ولَفظُ: ((قالَ))
أَظهِرُ. إِذْ هُو مَهْيَعُ الكَلامِ قَبَلَ أَن يَغْلِبَ العُرفُ فِي اسْتِعمالِهِمَا لِلإِّصالِ .
ومِنهَا : أَن يَكُونُوا فَعلُوا ذَلكَ عِندَ محصولٍ قَرِينةٍ مُفهمِةٍ لِلإرسالِ مَع
تَحَقُّقِ سَلامةِ أَغراضِهِم وارتفاعِهِم عَن مَّقاصِدِ المُدُلِّسينَ وأَغراضهِم.
ومِنهَا: أَن يَكُونُوا أَتَوْا بِلَفظٍ مُفْهِم لَّذَلكَ فَاخْتصرَهُ مَن بَعْدَهُمْ لِثِقَةِ
جَمِيعِهِم، ولَعَلَّ قَولَ كَثِيرٍ مِنَ التابعينَ عَمَّن يَرُؤُون (١) عنهُ مِن الصحابة
يَنْمِي الحَدِيث إِلى رَسولِ اللهِ عَ لَّهِ، أَوْ يَبْلُغُ بِهِ النبيَّ - عليه السلام - ، أو
يَرفَعُهُ، أَوَ مَا أَشْبهَ هَذا مِن الأَلْفاظِ عِبارةٌ عَن ذَلكَ .
وأَمَّا مَن سِوَى الصحابةِ فَأََّا فَعَلَ ذَلكَ مَن فَعَلَهُ مِنْهُم بِقَرِينَةٍ مُفْهِمَةٍ
للإِرسالِ فِي ظَنِّهِ، وإِلَّا عُدَّ مُدَلِّسًا .
=
وقال الإمام أحمد في رواية أبي طالب: ((حماد بن سلمة أثبت الناس في
محميد الطويل، سمع منه قديمًا)) اهـ من ((الجرح والتعديل)) (١٤١/٣).
وقد رواه الفسوي في ((المعرفة)) (٦٣٣/٢ -٦٣٤)، وابن عدي في
((الكامل)) (١٥٩/١) - كلاهما - من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، عن
أنس بنحوه، وفيه: قال رجل لقتادة: سمعت هذا من أنس؟ قال : نعم.
وقد روي عن البراء بن عازب مثله - كما في ((المعرفة)) (٦٣٤/٢)، -
أيضًا -، وسيأتي، وأورده ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٧/١) من طريق يحبى
ابن أيوب ، عن حميد الطويل، عن أنس به .
(١) لفظة ((يروون)) تداخلت أحرفها في الأصل، فكتب في الهامش: ((بيان: يروون)).

ص : 65
السنن الأبين
وأَمَّا المعاصرُ غَيرُ الْمُلَاقِى إِذا أَطْلَقَ: ((عَن)) فَالظَاهِرُ: أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُدَلِّسًا؛
بَل هُو أَبعدُ عَنِ التدليسِ، لأَنَّهُ لَم يُعْرَفْ لَه لِقَاءٌ ولَا سَماعٌ، بِخِلافٍ مَنْ
عُلِمَ لَهُ لِقَاءٌ أَوْ سَماعٌ (١) .
وبالجُمْلَة: فَلولَا مَا فُهِمَ قَصْدُ الإِيهامِ بالإِفِهامِ مِن جَماعةٍ مِّنَ الأَعلام
مَا جَازَ أَن يُنْسَبُوا إِلَى ذَلك، ولَعُدُّوا مُرْسِلِين، كَمَا عُدَّ مَنْ تُحُفِّقَ منهُ أَنَّه لا
يُدَلِّسُ ■ إِذَا أَرْسلَ، وَرَحِمَ اللَّهُ إِمامَ الأَئمةِ وعالمَ المدينةِ أبا عَبدِ اللَّهِ مَالكَ [ق١٢/أ]
ابنَّ أَنْسٍ حيثُ استعملَ لَفِظَ ((البلاغ)) وبجَانَبَ الألفاظَ المُوهِمَةَ، فللهِ دَرُّهُ
مَا أَجْمَلَ مَقاصِدَهُ وأَرْضَى مَذاهِبَهُ .
هَذا تَقريرُ دَليلٍ هذا المذهبِ وتَحريرُهُ، وهُو أَرجعُ المذاهبِ وأَوسطُهَا .
فَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِّنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ
وقَّرَ الحافظُ أَبُو عَمٍو النَّصْرِيُّ هذا الدليلَ بما لَا يَشْلمُ مَعهُ مِنَ
الاعتراض ووُرُودِ النَّقْضِ، فإِنَّه قال: ((ومِنَ الحُجَّةِ في ذلكَ: أَنَّه لَوْ لَمْ
يكنْ قدْ سَمِعَهُ مِنْهُ لَكانَ بإطلاقِهِ الروايةَ عنهُ مِن غَيْرِ ذكرِ الواسطَةِ بَيْنَهُ
وبَيْنَهُ مُدَلِّسًا، والظَّاهرُ السَّلامةُ مِن وَصْمَةِ التدليسِ، والكَلامُ فِيمَن لَّم
◌ُغْرَفْ بالتدلیسٍ)). انتھی (٢) .
وهَذا الذي قَوَّرهُ يَنتقِضُ بأَقوامٍ عَنعَنُوا مُرسِلِينَ وَلِمْ يُعَدُّوا مُدَلِّسينَ (٣)،
(١) هذا ما يُسمَّى بـ ((الإرسال الخفي)).
(٢) ((المقدمة)) (ص: ٨٨).
(٣) وهذا ما تفطّن له ابن حجر في كتاب ((النكت)) (٥٩٦/٢).

السنن الأبين
ص : 66
كَمَا ذَكرَ مُسلمٌ - رحمهُ اللهُ - مِن ((أَنَّ الأَئمةَ الذين نَقِلُوا الأخبارَ كانتْ
لَهُم تَاراتٌ يُرسِلُون فيها الحَديثَ إرسالًا ولَا يَذْكُرونَ مَن سَمِعُوه منهُ،
وتارةٌ (١) يَنْشَطُونَ فيها فَيُسنِدُونَ الخَبَرَ عَلى هَيئةٍ ما سَمِعُوا، فيخُبِرُونَ
بِالتّزولِ فيهِ إِن ◌َّزلوا وبالصعودِ (٢) إِن صَعَدُوا))(٣).
فإِذَا قَوَّرِ هذَا الدليلَ كَما قرَّرْنَاهُ نَحنُ انزاعَ قولُ مَنْ قالَ: إِنَّه لَا يُقبَلُ إِلا
مَا نُصَّ فِيهِ عَلى السماعِ رَجُلًا رَجُلًا، وحَدِيثًا حَدِيثًا، مُحْتَجًا بِأَنَّهُم يَأْتُونَ
[ق١٣/أ] بـ ((عَن)) فِي مَوضِعَ الإِرسالِ والانقطاع، واضْمَحلَّتْ ■ شُبهتُهُ بِمَا بَنَّاهُ
مِن أَنَّ غَيرَ المُدَلِّسِ إِنَّما يَفعلُهُ حيث يُعْلَمُ مِنه أَو يُفهَمُ عَنْهُ أَنَّهُ بلاغٌ لا
سمائعٌ، ومَتَى أَبَهَمَ فَأَوهمَ قصدًا مِّنه لذلكَ عُدَّ مُدَلِّسا .
[ ولا يُخَلِّصُ الإِمامَ أَبا عَمرِو النصريَّ مِنَ النَّقضِ الاحتِراسُ بقولِهِ:
((والكَلامُ فِيمَن لَّم يُعْرَفْ بِالتدليسِ)) لأَنَّا نَقولُ: وكَذلكَ فَرِضْنَا نَحنُ
الكَلامَ، إَّا هُو فِيمَن لَّم يُعرَف بالتدليسِ، أَمَّا من عُرِفَ بِالتدليس فَمعرفتُهُ
بذلكَ كَافِيةٌ فِي التوقُّفِ فِي حديثِهِ حَتَّى يَتَبَّنَ الأمرُ، وإَّمَا اعترضنا قَولَهُ
لأَنَّهُ لَو لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَه منهُ لَكَانَ بِإِطلاقِهِ الروايةَ عنْهُ مِن غَيرِ ذكرٍ
الواسطةِ بَيْنِهُمَا مُدَلَّسًا، فإِنَّ هذَا لَا يَلزمُ. لإِمكانٍ وَسطٍ بَيْنَهُما وهُو كُونُه
مُرسَلًا فَليسَ بِمُجرَّدِ العَنعنةِ مِن غيرِ ذكرِ الواسطةِ يُعَدُّ مُدَلِّسا؛ بَل بِقَصدِ
(١) كذا في الأصل، والذي في ((المقدمة)): ((وتارات)).
(٢) في الأصل: ((إن نزلوا أو بالصعود)) وضبب فوق حرف الألف في ((أو))،
ووضع على حرف الواو فتحة وفوقها سكون ، وكتب فوقها: ((معًا))، والمعنى:
أنها تُقرأ على الوجهين إمَّا: ((وَبالصعود)) أو: ((أَوْ بالصعود))، وهذا من دقة
الناسخ - رحمه الله .
(٣) ((مقدمة صحيح مسلم)) (ص: ٢٥).

ص : 67
السنن الأبين
إِيهامِ السماعِ فيمَا لَم يَسمَع (١)، وكأَنَّ الإِمامَ أَبَا عَمٍو استشعَرَ النقضَ
فَرَامَ الاحتراسَ مِنْهُ بقولِهِ: ((والكَلامُ فِيمَن لَّم يُعرَفْ بالتدَّليسِ))، ومَع
ذَلكَ فيصحُ أَن يُقالَ: لَا يَلزمُ مِن قَولِهِ: ((لَم يُعرَفْ بِالتدليسِ)) أن
يُعرَفَ بالسلامةِ منه، بَل الأمرُ مُحتملٌ، لَّكِن حُمِلَ عَلى السلامةِ لأنَّها
الغالبُ، وهُو الذي أرادَ الإِمامُ أبو عمرٍو بقَولِهِ: والظاهر السلامةُ مِن
وَصْمةِ التدليسِ ](٢).
هذا هُو الفَيصلُ فِي هذهِ المسألةِ، وهذهِ نكتةٌ نَفيسةٌ تَكشفُ لكَ
حِجابَ الإِشكالِ ، وتُوضِّحُ الفرقَ بَيْنَ مَنْ عَنعنَ فَعُدَّ مُؤْسِلًا، ومَنْ عَنْعنَ
فَعُدَّ مُدَلِّسا. وقَد أَتَى مُسلم - رحمه الله - بأمثلةٍ مِّن ذلكَ، نتكلمُ عليهَا
بَعْدُ - إن شاء اللَّه - في الدَّليلِ الثاني مِن البابِ الثاني بِما يَفتحُ اللَّهُ تعالى
بهِ فهو الفتّاحُ العليمُ .
المذهب الرابع :
أَنَّهُ لَا يُشترَطُ فِي الحُكم بالاتّصالِ في الإِسنادِ المُعنعنِ إِلّ المعاصرةُ
فَقْط (٣) والسلامةُ مِن التدليسِ، عُلِمَ السماحُ أو لَمْ يُعلَمْ ، إلّا أن يَأْتِيَ مَا
(١) بعد كلمة ((يسمع)) ثلاث نقاط، وكتب فوقها: ((منه)) وهي بخط دقيق وحبرها
خفيف جدًّا، ولم يضع لها علامة لحق، وهي بهذا الموضع أشبه .
(٢) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدركه الناسخ في الهامش، وصححه ،
وكتب في آخره: ((صح أصلًا عن المصنف - رضي اللّه عنه)).
(٣) وبمثله - أيضًا - قال القاضي عياض في ((مقدمة إكمال المعلم)) (ص: ٣٠٦):
((ولم يشترط غير التعاصر لا أكثر)) اهـ. وأرى أن هذا توسيع لشرط مسلم ينبغي
التنبيه عليه، إذْ إن الإمامَ مسلمًا - رحمه الله - لم يكتفِ بالمعاصرةِ فقط مع السلامةِ
مِن التدليسِ ، بَل لَّا بدَّ أن ينضمَّ إلى ذلك احتمالٌ قويٌّ للقاءِ بينهما ، وقد نصَّ =

السنن الأبين
ص : 68
يَعارضُ ذلكَ، مِثلُ أَنْ يُعلَمَ أَنَّهُ لَم يَسمَعْ، أو لَم يَلْقَ الَقولَ عنهُ ولا
شَاهَدَهُ، أَوَ تكونَ سِنُّهُ لَا تقَتضي ذلكَ .
وهذا المذهبُ الرابعُ هُو الذي ارْتَضاهُ أَبُو الحُسينِ مُسلمُ بنُ الحَجَّاج -
رحمهُ الله - فِي مُقدِّمةِ كِتابِهِ ((المُسْنَدُ الصحيحُ)) .
وقَد تقدَّمَ لفظهُ في ذلكَ حَيثُ دَعا إِليهِ سِياقُ الكلام فِي تَضاعيفٍ
الَّذِهبِ الثالثِ، فَأَغْنَى عَن إِعادتِهِ. وهُو المذهبُ الذي استدلَّ عَليهِ،
وادَّعَى فيه الإِجماعَ وعُرْفَ المحدِّثينَ. وأَنكر قَولَ مَن خَالفَهُ إِنكارًا شديدًا
بألفاظِ مُخْشَوْشَنَة، ومَعانٍ مُسْتَوْبلةٍ، وجَعلَ القائِلَ بهِ خارقًا للإِجماع،
ظَنَّا منه - رحمه الله - أنَّه خلافٌ في مَوضعِ الإجماعِ .
وموضعُ الإجماع لا يُسلَّمُ له (١)، إِنَّه يَتناولُ مَحِلَّ النزاعِ، حَشْبَمَا !
[ق١٣/ب ]
مسلمٌ على هذا في ((مقدمة صحيحهِ)) (ص: ٢٣) بقوله: ((إِنَّ القولَ الشائعَ
=
المتفقَ عليه بينَ أهلِ العلم بالأخبارِ والرواياتِ قديمًا وحديثًا: أَنَّ كُلَّ رَجلِ ثقةٍ
رَوَى عَن مثلِهِ حديثًا وجائزٌ ممكنٌ له لِقاؤُه والسماحُ منهُ لكونِهِما جميعًا كانا في
عصرٍ واحدٍ ... )) اهـ.، ويقول الحافظ زين الدين ابن رجب في (( شرح علل
الترمذي)) (٥٨٦/٢): ((وقد أطال القولَ فيها مسلمٌ فِي مقدمة كتابِهِ، واختار
أنه: تُقَبلُ العنعنةُ من الثقةِ غير المدلسِ عمَّن عاصرَهُ، وأَمكنَ لُقِيُّهُ لَهُ)) اهـ. فينتبه
لذلك .
(١) قال الذهبي في ((السير)) (٥٧٣/١٢): ((إن مسلمًا افتتحَ ((صحيحَه)) بالحَطِّ
عَلى مَنِ اشترطَ اللَّقيَّ لمن رَّوى عنهُ بصِيغة ((عَن))، وادَّعى الإجماعَ في أنَّ
المعاصرةَ كافيةٌ، ولا يتوقفُ في ذلكِ على العِلم بالتقائِهِما، ووَبَّخَ من اشترطَ
ذلك. وإنما يقولُ ذلكَ: أبو عبد اللَّهِ البخاريُّ وشيخُهُ عليُّ بنُ المدينيّ، وهُو
الأصوبُ الأَقوى)) اهـ.
وقال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - في ((شرح علل الترمذي)) (٥٨٦/٢) =

السنن الأبين
ص : 69
يتبيَّن بعد - إن شاء اللَّه - في الباب الثاني .
قَال الإِمامُ أَبو عمرو النَّصْريُّ: ((وأَنكرَ مُسلمُ بنُ الحجّاج في خُطبةٍ
((صَحيحهِ)) عَلى بعضٍ أَهلِ عَصرِهِ، حَيثُ اشترطَ في العَنعنةِ ثبوتَ اللقاءِ
والاجتماع، وادَّعى أنَّه قَولٌ مُخْتَرَعُ لَّم يُسْبَقْ قَائِلُهُ إِليهِ، وأنَّ القولَ
بعد أنَّ ساقَ شرطَ مسلم : ((وذكرَ - أَي: مسلمٌ - عَن بعضِهِم أنهُ اعتبرَ المعرفةَ
=
بلقائِهِما واجتماعِهِما، وأنّهُ لَا تُقبلُ العنعنةُ مِن الثقةِ عمَّن لَّم يُعرفْ أَنْه لَفِيهُ أَوٍ
اجتمعَ بهِ، وردّ هذا القولَ على قائِلِهِ ردًّا بليغًا، ونسبَهُ إِلى مخالفةِ الإِجماعِ في
ذلك ... )) وقال (ص: ٥٨٩): ((وأَمَّا مجمهورُ المتقدمينَ فَعلى ما قاله ابنُ المدينيِّ
والبخاريُّ، وهو القولُ الذي أنكرهُ مسلمٌ على مَنْ قالَه ... )) وقال (ص: ٥٩٠):
(( وما قالهُ ابنُ المدينيّ والبخاريُّ هُو مُقتضى كلامٍ أَحمدَ وأَبِي زُرعةَ وأَبي حاتم
وغَيرِهِم مِّن أَعيانِ الحقَّاظِ، بَلِ كَلامُهُم يَدِلُّ عَلَى اشتراطِ ثُبُوتِ السماعِ كما
تقدمَ عنِ الشافِعِيِّ - رضي الله عنه - .. )) وقال (ص: ٥٩٦) بعدَ أَنَ ساقَ
أقوالًا مُزَيَّنَةً بالأمثلةِ عَن فَطاحلِ أهلِ العلمِ مِن النُّقادِ: شُعبةَ، وأحمدَ ، وابنٍ
المدينيّ، وأبي زُرعةَ وأبي حاتم الرازيين، والترمذيِّ، والدار قطنيّ، والبرديجي،
في عَدمِ اكْتفائِهِم باللِّقاءِ - فَضْلاً عَن المعاصرةِ - لإِثباتِ السماع. قال: فإِذَا
كانَ هذا هو قولُ هَؤُلاءِ الأئمةِ الأعلامِ، وهُم أعلمُ أَهلِ زمانِهِم بالحديثِ وعلِهِ ،
وصحيحِهِ وسقيمِهِ، مَعَ مُوافقةِ البخاريِّ وغيره، فكيفَ يَصحُ لمسلم - رحمه الله -
دَعوى الإجماعِ على خلافٍ قَولِهِم؛ بَل اتفاقُ هَؤلاءِ الأئمةِ على قولِهِم هَذا
يَقْتضي حِكايةَ إِجماعِ الحفاظِ المُعْتَدِّ بِهِم على هذا القولِ، وأنَّ القولَ بخلافِهِم لا
يُعرِفُ عَن نُظَرَائِهِم ، وَلَا عمَّن قَبَلَهُم مَّن هو في درجتِهِم وحِفِظِهِم ... )) ثم قالَ:
(( فَلَا يَبْعُدُ - حِينئذٍ - أَن يُقالَ: هذا هو قولُ الأئمةِ من المحدِّثينَ والفقهاءِ)) اهـ.
وكذا رجّحَ الحافظُ ابنُ حجرٍ مَا ذهبَ إليهِ البخاريُّ وشيخُهُ ابنُ المدينيّ على ما
اختَارَهُ مسلمٌ كما في ((النكت)) (٥٩٦/٢)، وقد ذكرَ الزَّيلعيُّ في ((نصب
الراية)) (١٤١/١-١٤٢) أنه يُفهَمُ مِن مَنهجِ الإِمامِ الدارقطنيّ اشتراطُ ثُبُوتٍ
السماعِ ولَو مرّة .

السنن الأبين
ص : 70
الشائعَ، المُّفَقَ عَليهِ بَينَ أَهلِ العلمِ بالأخبارِ قَديّمًا وحديثًا أنّه يَكْفِي فِي
ذَلِكَ أَنَ يَعْبُتَ كُونُهُما في عصرٍ واحدٍ ، وإِن لم يأتِ فِي خَبرِ قطّ أَنَّهما :
اجتمَعَا أَو تَشافَهَا)). قال: (( وفِيمَا قالهُ مُسلِمٌ نَظَرٌ)). ثُمَّ قال: ((وقَد
قِيلَ: إِنَّ القولَ الَّذِي رَدَّهُ مُسلمٌ هُو الذي عَليهِ أئمةُ هذا العلم : عليُّ بنُ
المدينيّ والبُخاريُّ وَغَيرُهُما)) انتهى (١).
قُلتُ: قَّد بَيَنَّا قَبلُ أَنَّه مَذهبُ البخاريِّ وعليّ بنِ المدينيِّ، حَسبمًا
حكاهُ القاضي عياضٌ - رحمه الله - عَنْهُما (٢).
وقَد تَبَعَ مسلمًا عَلى مَذهبِهِ فِرقةٌ مِّن المحدِّثينَ وفِرقةٌ مِّن الأصليينَ : مِنْهُم
القاضي الإمامُ أَبو بكرٍ ابنُ الطيّب الباقلانيُ المَالكيُّ - فِيما حكاهُ القاضي
أبو الفَضلِ عنه (٢) ، وأبو بكرٍ الشافعيُّ الصَّيرفيُّ - فيما حَكى ابنُ الصلاحِ
عنهُ - أَنَّهُ قالَ: ((كلُّ مَن عُلِمَ له سماعٌ مِّن إِنسانٍ فحَدَّثَ منهُ فهُو على
السماعِ حتَّى يُعْلَمَ أَنَّه لَم يَسمَعْ مِنهُ ما حَكَاهُ، وكُلُّ مَن عُلِمَ لَه لقاءُ
إِنسانٍ فحَدَّثَ عنهُ فحُكْمُهُ هَذا الْحُكْمُ)). قال: ((وَّا قَالَ هَذا فِيمَن لَّم
يَظْهَرْ تَدليسُهُ)) (٣) .
قُلتُ: ولَا شَكَّ أَنَّهُ مَذهبٌ مُتساهَلٌ فِيهِ. نَعَم، لَو عَلِمنَا مِن كُلِّ وَاحدٍ
[ق١٤/أ] واحدٍ من رُواةِ ذلكَ الحديثِ ■ أنَّه لا يُطلِقُ ((عَن)) إلّا فِي مَوضع
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص: ٨٨).
(٢) ((مقدمة إكمال المعلم بفوائد مسلم)) (ص: ٣٠٥ - ٣١٣) لأبي الفضل
القاضي عياض، وقال: ((والقول الذي ردَّه مسلم هو الذي عليه أئمة هذا العلمِ :
علي بن المديني والبخاري وغيرهما ... )) اهـ.
(٣) ((المقدمة)) (ص٨٧-٨٨).

السنن الأبين
ص : 71
الاتّصالِ ولا يُجيزُ غيرَ ذلكَ، أو صحَّ فيهِ إِجماعٌ مِّنَ الرُّوَاةِ كُلِّهِم وعُرف
لا يَنْخِيمُ ضَبطُهُ؛ ولَكِنَّ ذَلك لَم يَثْبُتْ. نَعم قَد يُسلِّمُ المنصفُ أَنَّه كَثِيرٌ،
ولا يَلزمُ مِن كَثرتِهِ الحكمُ بِهِ مُطلقًا لُّوُجودِ الاحتمالِ (١).
المذهبُ الخامسُ :
اصطلاح «حَدَّثَ)) عندَ الُتأخّرينَ.
قالَ الإِمامُ أَبو عَمٍو النصريُّ: (( وكَثُرَ فِي عَصرِنا وما قَاربَهُ بَيْنَ
المُنْتَسِبِينَ إلى الحديثِ استعمالُ ((عَن)) في الإِجازةِ، فإِذا قالَ أحدُهُم:
((قَرأْتُ عَلى فُلانٍ عَنِ فُلانٍ)) أَو نَحوَ ذَلك، فَظُنَّ (٢) بِهِ أَنَّهُ رَواهُ عنهُ
بالإِجازةِ)) قال: ((ولَا يُخرِجُهُ ذَلكَ مِن قَبِيلِ الاتّصالِ عَلى مَا لَا يَخْفَى)) (٣).
قُلتُ: وَهذَا اصطلاحٌ تَواضَعَ عَليهِ قَومٌ، فَلا نحتاجُ لهُ إِلى تَكَلُّفٍ
احتجاج، وكأَنَّ هَؤلاءِ استشْعَروا أَنَّ الإِجازةَ آخذةٌ بشَوْبٍ مِّنَ الانقطاعِ،
إِذٍ لا بُدَّ فِي الإِجازة المجرّدةِ عَن المناولةِ لذلكَ الشيءِ بِعِينِهِ أو كَتَبَتِهِ بِعِينِهِ مِن
الاعتمادِ على الوُجَادةِ أو بُلوغ ذَلك إِليه بِنَقلِ الآحادِ العُدولِ أَو الاسْتِفَاضِةِ
أو الثَّواترِ، فَكَأَنَّهُم رَأَوْا أَنَّ إِلَغَاءَ الْمُلِّغ يُدْخِلُه شَوْبًا مِنَ الإِرسالِ، فَلذلكَ
استعْمَلوا فِيها ((عَن)) التي قَد تُستعمَلُ في الإِرسالِ، على أنَّ الإمامَ
أَبَا عَمرِو ابنَ الصلاحِ أَتَى أَن يَكونَ فِي الإِجازةِ انقطائٌ وقَال: ((لَيسَ فِي
(١) عند نهاية قوله: ((الاحتمال)) رسم هذا الشكل ((٢) ثم وضع نقاطًا (( ... )) على
طول السطر إلى نهاية الهامش الجانبي الأيمن، ولم أفهم مقصوده بهذا، والكلام
متصل - كما سبق معك - وسياقه لا يحتمل أن يكون فيه سقطٌ، والله أعلم .
(٢) كتب في هامش الأصل: ((طر)): أمرٌ بالظن.
(٣) (المقدمة)) (ص: ٨٤).

السنن الأبين
صل : 72
الإِجازةِ مَا يَقدحُ فِي اتِّصالِ المنقولِ بِها وفِي الثقةِ بهِ))(١).
وما اخْتَارَهُ هُو الذي لا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ عِندَ مُجِيزي الإِجازةِ المُطلقةِ
[ق١٤ /ب] وجَاعِلِيهَا إِخبارًا في الجملةِ، وهُو الَّذي ■ اعتمدَهُ الحافظُ أَبو نُعيم
الأصبهانيُ؛ فإِنَّهُ يَقولُ فِيمَا يَرْوِي بالإِجازة ((أَخَبرنا)) مُطلقًا مِن غَير ذِكرٍ
إِجازةٍ (٢)، لأنَّهُ يَراهَا إِخبارًا فِي الْجُملةِ زَمنَ الإِجازةِ، ثُمَّ يحَصلُ العِلمُ لهُ
بالتفصيلِ في ثاني حالٍ .
ومَا ذهبَ إليه الحافظُ أبو الحسن عليٍّ بنُ المُفَضَّلِ المَقَدسيُّ حَاكِمُ
الإِسكندريةِ مِن خِلافٍ ذَلك لَيسَ بِصَحيح، حَيثُ قَالَ أثناءَ كَلام لَّهُ في
جُزءٍ لَهُ سَمَّاه ((تَحَقِيقُ الجَوَابِ عَمَّن أُجيزَ لَهَ مَا فَاتَهُ مِنَ الكِتابِ))، لَّ تكلّم
عَلى الطُّرُقِ المحصّلةِ العِلمَ عِندَ المجازِ، بِأنَّ هذا مِن حَديثِ المُجيزِ له، قالَ
فيهِ: ((إلَّا أَنَّهُ إِذا لَم يُسَمِّ مِن أَخبرَهُ عَمَّن أُجازَ لَه فَهُو مُرْسِل لَا مَحالةَ)).
قُلتُ: وهذا سَدِّ لِّبابِ الإِجازةِ الْمُطلقةِ، ولَم يَعتبرْ أَحدٌ مِّمَّن يُعتبَرُ عِندَ
عِلمِهِ بِتَفصيلِ المجازِ لَهُ إِعِمالَ هَذه الوَاسطِةِ ، بَلِ اعتمدُوا إِلغاءَها، وعَلى
ذلكَ استمرَّ عملُهُم قَديمًا وحديثًا، وإِن ذَكرِهَا ذَاكِرٌ مِّن أهلِ التشدُّدِ
قائلا: ((أَنَا فلانٌ إجازةً))، وأَفادنَا أَنَّ ذلكَ مِن حَديثِهِ فُلانٌ فَطلبًا
لِلأكملِ، وتَحَرِّيًا لبيانِ الحالةِ كيفَ وقعتْ، وخُروجًا عَنِ العُهدةِ، لا سيَّمَا
(١) ((المقدمة)) (ص: ١٧٢).
(٢) ذكره الخطيب - فيما نقله عنه الذهبي في ((السير)) (٤٦٠/١٧ - ٤٦١) -
فانظره للفائدة؛ وانظر دفاع تاج الدين السبكي على أبي نعيم في ((الطبقات))
(٢٢/٤)، ونقل قول أبي نعيم - أيضًا - ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص:
١٨٢-١٨٣)، والسخاوي في ((فتح المغيث)) (٣٠٦/٢) وغيرهم.

ص : 73
السنن الأبين
حيثُ يكونُ المجازُ مِّن لا يَعرِفُ الأسانيدَ والطرقَ فيرى البراءةَ مِنَ العُهدةِ
وإِلزاقَهَا بِالمخْبِرِ لَه، وما بَنَّاهُ لكَ مِن أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيها مِنَ الاعتِمَادِ عَلى
الوُجَادةِ أَوِ البَلاغِ . .
١
والوجَادةُ: وإِن أَخذتْ بِطَرَفٍ مِنَ الاتِّصالِ إِذَا انفردتْ، فلا يخفى
مَا فِيها مِنَ الانقطاع، لكنَّها إِذا ازدوجَتْ مَع الإجازةِ قَويَ فيهَا جَانبُ
الاتّصالِ؛ بَل صَارتْ مُتَّصلةً وصَارَ ذلكَ الانقطاعُ ■ مُلْغَى عندَ وُجادةٍ [ق١/١٥]
المجازِ والاطِّلاع عَليهِ تَفصيلًا مَّع تَقدُّمِ الإِجازةِ المُفْهِمَةِ الإِخبارَ إِجمالًا ،
فَتحقَّقَ حُكمُ الاتِّصالِ في ثاني حالٍ، كَحُكم الكتابِ إِذا وَصلَ إِلى
المكتُوبِ إِليهِ فَعَرِفَ خَطَّ كَاتِهِ، أو ختمَهُ بأَيِّ وجهٍ عُرفَ ذَلك، أَلَغَى
الواسطَةَ المبلِّغةَ، وَثَبتَ الاتِّصالُ عَلى ما هُو المُتُقرّرُ المشهورُ مِن عَملِ الأَئِمَّةِ
المَاضِينَ مِنَ الصَّحابةِ في زَمنِ النبيِّ عَ لَه وبِعَدَهُ والتابعينَ بَعدَهُم، كَمَا
رَويناهُ سَماعًا بِسنادِنا المتقدِّمِ إِلى أبِي محمّدٍ الرَّامَهُوْمُزيِّ قال: ((حَدَّثني
العباسُ بنُ الحَسنِ قال: نا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بكرٍ (١) النيسابوريُّ قال:
نا يَحيى بنُ عُثمانَ قال: نا بَقِيَّةُ قال: سَمِعتُ شعبةَ يقولُ: ((كَتب إليَّ
منصورٌ بِأَحاديثَ، فَقُلتُ : أقولُ حدَّثني؟ قال: نعم، إِذَا كتبتُ إِليكَ
فقدْ حَدَّثْتُكَ )). قال شعبةُ: ((فسألتُ أيوبَ عَن ذلكَ، فقال: صَدقَ ، إِذا
كتبَ إِليكَ فقدْ حدَّثَكَ)) (٢) .
(١) كذا في الأصل، وفي المطبوع من ((المحدث الفاصل)): ((بكير)).
(٢) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٣٩)، وأورد هذا النص أبو عبد اللَّه الحاكم في
((معرفة علوم الحديث)) (ص: ) من طريق موسى بن أعين، عن شعبة ، وأورده
القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص: ٨٤ -٨٥) من طريق الحاكم، وساقه - أيضًا -
الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ٣٣٧) من طريق مسكين بن بكير، عن شعبة به .

السنن الأبين
ص : 74
فَهؤلاءِ أئمةٌ ثلاثةٌ رَأَوْا ذَلِك (١) .
قالَ القاضي عياضٌ أَبو الفَضلِ (٢): ((وَأَجْمعُوا عَلَى العَملِ بُقْتَضَى
هذا الحديثِ (٣) وعَدُّوهُ في الُسنَدِ بِغَيْرِ خِلافٍ يُعرَفُ فِي ذَلك، وهُو
موجودٌ في الأسانيدِ كَثِيرٌ)) (٤) .
قُلْتُ: ووجهُه وضَّائعُ الأَسِرَّةِ (٥) وقَد سَفرَ عنهُ الإِمامُ أَبو محمَّد
الرَّامَهُرْ مُزِيُّ فِيمَا رَوِينَاهُ عنهُ بِإِسنادنا إليهِ، فقال: ((لأَنَّ الغرضَ مِنَ القَولِ
باللسانِ فِيما تَقعُ العبارةُ فيهِ باللفظِ إَّمَا هُو تَعبيرُ اللسانِ عَن ضَميرِ القلبِ ،
[ق ١٥/ب] فإِذَا وَقعتِ العِبارةُ ■ عَن الضميرِ بأَي سببٍ كانَ مِن أَسبابِ العبارةِ: إِمَّا
بِكتابٍ (٦)، وِإِمَّا بِإِشارةٍ (٧)، وإِمَّا بِغِيرِ ذَلك - مَمّا يَقومُ مقامَهُ - كَان
ذَلك سَواءً)) (٨) انتهى .
(١) هذه العبارة قالها القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص: ٨٥).
(٢) في الأصل: ((قال أبو الفضل عياض ((وكتب على لفظة أبي الفضل ((مؤخر))،
وعلى آخر عياض: ((إلى))، وعلى القاضي: ((مقدم))، والصواب ما أثبته .
(٣) كذا في الأصل، وفي ((الإلماع)): ((التحديث)).
(٤)
((الإلماع)) (ص: ٨٦).
(٥) كذا في ((الأصل))، وصحّح الناسخ لفظة ((الأسرّة))، وكتب في الهامش: في
نسخة: ((الأسارير)) وكتب فوقها: ((معًا)).
(٦) كحديث عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول اللَّه عَّ له قبل موته بشهرين:
((أن لَّا تنتفعوا من الميتة ياهابٍ ولا عَصبٍ)) كما رواه أحمد في ((المسند)) (٤/
٣١١،٣١٠) .
(٧) كحديث الجارية: ((أين اللَّه؟)) فأشارت إلى السماء، كما رواه الإمام أحمد في
((مسنده)) (٢٩١/٢)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) (٢٨٤/١) وغيرهما .
(٨) المحدِّث الفاصل)) (ص: ٤٥٢)، وفيه: ((ذلك كله سواء)).

السنن الأبين
ص : 75
قُلتُ: وإَما اعتمدَ الناسُ مُنذُ مُدَّةٍ متُقدِّمَةٍ عَلى الإِجازةِ المُطْلقَةِ والكِتابةِ
المُطلقةِ تَوسعِةً لِبابِ النقلِ، وتَرحيبًا لِجَالِ الإِسنادِ، لِعِزَّةِ وُجودِ السماع
عَلَى وَجِهِهِ في هذه الأَعصارِ؛ بَلْ قَبَلَهَا بِكَثِيرٍ، وتَعدُّرِ الرَّحْلِ فِي الأَكثرِ
مِنَ الأحوالِ ، واعتمادًا عَلى أَنَّ الأحاديثَ لَمَّ صَارتْ فِي دَفاترَ مُحصورةٍ
وأُمَّاتٍ مُصنَّفاتٍ مُشهورةٍ، ومَروياتِ الشيوخ في فَهارسَ مُفهرسةٍ ، قَامَ
ذَلكَ عندَهُم مَقامَ التَّعيّنِ الذي كانَ مَنْ مَضَى مِنَ السلفِ يَفعلُهُ، فاكتفَى
المُجُيُزُونَ بالإِخبارِ الجُمْلِيِّ، واعتمَدُوا فِي البحثِ عَنِ التَّفصيلِ عَلى المَجَازِ
إِذَا تَأَهَّلَ لذَلك، فكانتْ رخصةً أَخذَ بِها جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ إِبقاءً لِسِلسلةِ
الإِسْنادِ التي خُصَّتْ بِهَا هَذهِ الأَمَّةُ، وللِّهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وإِنَ كانتْ هذهِ
ليستْ الإِجازةُ الْمُتْعَارَفَةُ عِندَ التابعينَ وتَابِعِيهم، كالحسنِ بنِ أبِي الحَسنِ
البصريِّ، ونَافعٍ مَّولى عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرّحمنِ أَحَدِ
الفُقَهاءِ السبعةِ ، ومُجاهدِ بنِ جَبٍ، وعَلقمةَ بنِ قَيْسٍ، وأيوبَ السختيانيّ ،
وشُعبةَ بنِ الحَجَّاجِ، وَغيرِهِم بِمَن لَّا يُحصَى كَثْرَةً، فإنَّما كانتْ تِلكَ في
الشيءِ المُعِيَنَّ يَعرِفُهُ الْجِيزُ والمجازُ له، أَو مَع ◌ُضورِ الشيءِ المُجَازِ فيهِ .
كَما أَنَا بِكِتابِهِ ! غير مَرَّةٍ محمَّدُ بنُ عَبدِ الخالقِ الأُمويُّ قال: أَنَا [ق١٦/أ]
أبو الحسن ابنُ المُفُضَّلِ إجازةً إِن لَّم يَكُن سماعًا قال: أنا القاضي
أَبو مُحمَّد عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَحبى العثمانيُّ بِقراءتي عليهِ: أنا
أبو الفضلِ جعفرُ بنُ إِسماعيلَ بنِ خَلَفِ الأنصاريُّ: أنا أيِي: أنا أبو ذَرِّ
عبدُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ عبدِ اللَّهِ الهَرَويُّ : نا أبو العباسِ الوليدُ بنُ بَكْرِ
ابنِ مَخْلَدِ الأندلسيُّ: نا تَميُ بنُ مُحمّدٍ : نا أبو الغُصْنِ السُّوسيُّ : نا عَونُ
ابنُ يُوسفَ : نا ابنُ وَهْبٍ قال: كُنتُ عِندَ مالكِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ يَحمِلُ

السنن الأبين
ص : 76
((الموطأ)) في كسائِهِ؛ فقال: يا أَبا عبدِ اللَّهِ! هَذا مُوطَّؤُكَ قَد كتبتُهُ وقَابِلتُهُ
فَأُچِزْهُ لي .
قال: قد فَعلتُ. قال: فكيفَ أقولُ: ((نا مالك)) أو ((أخبرنا؟)) قالَ:
قُلْ أَيَّهُما شِئتَ .
قالَ ابنُ المُفُضِّلِ: أنا بها عَاليًا أبو طاهرِ السّلَفيُّ قال: أنبأنا أبو مَكتوم
عِيسَى بنُ أَبِي ذرِّ الهروي، عن أَبيِهِ بِسنادِهِ المُتُقدِّمِ (١).
وَمَيمٌ هَذا المذكورُ فِي هذا الإسنادِ هُو: أَبو العباسِ تَمْيُ بنُ أَبِي العَرَبِ
محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ تَيم التميميُّ القَيْرَوَانِيُّ فَقيةٌ من أهلِ العلمِ والوَرِعِ
والزهدِ والعِبادةِ والسَّخاءِ والمُرُوءَةِ، مُجْمَعٌ على فضلِهِ (٢).
وأبو الغُصْنِ هو: نَفِيسَ الغَرَابِلِيُّ الإِفِرِيقِيُّ، فَقيةٌ حَافظٌ ثقة (١٢).
وعَونُ بنُ يُوسفَ هُو: أبو محمَّدٍ الخزاعيُّ القَيروانيُ، فقيةٌ ثقة (٤).
حكى القاضي عياضٌ عَن عونٍ هذا أَنَّه تفقَّهَ بابنٍ وَهبٍ (٥)، قال :
(( وَلَقَدْ حَضرتُ ابنَ وهبٍ فَأَتَاهُ رَجِلٌ بتليس (٦)، فقالَ لهُ: يا أبا مُحمَّدٍ !
(١) أوردها القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص: ٩٠).
(٢) ((ترتيب المدارك)) (٥٣٢/٢).
(٣) ((طبقات علماء أفريقية)) (ص: ٢٥٠).
(٤)
((طبقات علماء أفريقية)) (ص: ١٨٨).
(٥) ((ترتيب المدارك)) (٦٢٧/٢) وعزاها القاضي للشيرازي.
(٦) ((بتليس)) ضبَّب عليها الناسخ، وهي في ((ترتيب المدارك)) كذلك في إحدى
النسخ، وبأصله: (( يلتمس))، والتليسة: كيس الحساب يوضع فيه الورق ونحوه .
((تاج العروس)) (١١٦/٤).

السنن الأبين
ص : 77
هذهِ كُتُبِكَ. فَقالَ لَه ابنُ وَهبٍ: صَحَّحْتَ وقَابَلْتَ؟ فقال له: نَعم.
فقال له : اذهبْ فحدِّث بِهَا فقَد أجزتُها لَك؛ فإِنِّي حَضرتُ مالِكًا ■ [ق١٦/ب]
فقال مِثلَ ذلك)) (١) .
قُلتَ: والحِكايةُ عَن مالكِ صَحيحةٌ ورِجالُها ثِقاتٌ. وقَد أَنَا بِها -
أيضًا - الإِمامُ الفقيهُ العلامةُ أبو الحُسين مُبِيدُ اللَّهِ بنُ أَبِي الربيعِ القرشيُّ،
عنِ الفقيهِ (٢) القاضي أبي القاسم بنُ بقي، عن أبي الحسن شُرَيْحٍ بنِ
محمّدٍ كُلُّهُ إِجازةً قالَ: أنا أبو محمَّد بنُ خَزرج قال: قال أبو محمَّدٍ
قاسمُ بنُ إبراهيمَ بنِ قاسمِ الخَزَرجيُّ : نا أبو القاسم خَلَفُ بنُ يَحيى بنِ
غَيثٍ قال: نا أبو جعفرٍ تميمُ بنُ محمدٍ . وذكر الإِسنادَ سَواء؛ والحكايةَ
بمعناها.
وفي هذهِ القصّةِ عَن مالكِ فَائدةٌ جَليلٌ ، وهِي تَصديقُ الشيخِ للتلميذِ
أنَّ هَذا - من حَديثه - ، وأَنَّه كتَبَهُ وقَابلَهُ ، فيأذنَ له فِي حَملِهِ عنهُ على
تقدير صِحَّةٍ قَولِهِ: إِنَّهُ نَقْلَ وقَابِلَ وإِن لَّم يَتَصفَّحِ الشيخُ ذَلِكَ ، فَتَفَهَّم هذا
فإنَّهُ يَتَخَرَّجُ منهُ تَسويغُ الإجازةِ المطلقةِ في جميعِ المَرويِّ؛ ويَعتمدُ
الشيخُ (٣) فِي - تَعيينِ ذلكَ على التلميذِ - وهَذا ابنُ وَهبٍ قَد تَابَعَ مالكًا
عَلى ذلكَ، وهُو فقيهُ أهلِ مِصَر - أَو فِيمَا يَنسخُهُ الشيخُ المجِيزُ مِن حَديثِهِ
(١) ((ترتيب المدارك)) (٦٢٧/١) وقال القاضي عياض: وكان عون يفرق بين السماع
والإجازة، فيقول في السماع: ((حدثنا))، وفي الإجازة: ((أخبرنا)).
(٢) ضبَّب الناسخ على لفظة ((الفقيه)).
(٣) بعد كلمة ((الشيخ)) كتب في الأصل: ((ذلك فتفهم هذا ... تسويغ)) ثم ضرب
عليها، وكانت بسبب انتقال نظره .

السفن الأبين
ص : 78
أَو كتابِهِ الذي أَلَّفْهُ ويبعثُ بِهِ إِلى المجَازِ، أو بِغيرِ ذلك مِنَ الوُجوهِ البَيِّنَةِ
والطُرقِ المُعيّنّةِ .
كَما أَنَا مُحمّدُ بنُ عبدِ الخالقِ القرشيُّ الأَمَويَ سَماعًا عليهِ :
أنا أَحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن الحُسينِ الكِنديُّ ساعًا عليه(١).
أنا أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ أَحمدَ السّلَفيُّ سَماعًا عليهِ: أنا المباركُ بنُ
[ق١٧/أ] عبدِ الجَبَّارِ الطُّوريُّ ■ قِراءةٌ. أنا عليُّ بنُ أحمدَ الفَاليُّ بِقِراءَتي عليهِ: أنا
أَحمدُ بنُ إِسحاقَ النَّهاونديُّ: أنا الحسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ خَلَّادٍ
الرَّامَهُرْ مُزِيُّ القاضي: نا يُوسفُ مِشْطَاح قال: سَمعتُ أحمدَ بنَ المِقِدامِ
أبا الأشعثِ العِجليّ يقول: كَتبَ إِليَّ جماعةٌ من أهل بَغداذَ يسألونني
إِجازةً فكتبتُ إِليهم :
كِتَابِي هَذا فَاقْهَمُوهُ؛ فَإِنَّهُ
كِتَابِي إِلَيْكُمْ؛ وَالْكِتَابُ رَسُولُ
وَفِيهِ سَمَاعٌ مِّن رِّجَالٍ لَقِيتُهُمُ
لَهُمْ بَصَرٌ فِي عِلْمِهِمْ وَعُقُولُ
فَإِن شِئْتُمُ فَارْؤُوهُ عَنِّي فَإِنَّكُمْ
a
تَقُولُونَ مَا قَدْ قُلْتُهُ وَأَقُولُ
أَلَا فَاحْذَرُوا التَّصْحِيفَ فِيهِ فَرَّمَا
تَغَيَّرَ مَعْقُولٌ لَّهُ وَمَقُولُ (٢)
(١) ما بين المعقوفين تكرر من الناسخ بسبب انتقال النظر، ثم ضرب عليه.
(٢) انظرها في ((الكامل)) (١٨٠/١)، و((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٥٦)، وأوردها
الخطيب في ((الكفاية) كذا (ص: ٣٥٠) وبألفاظ فيها بعض المغايرة
=

السنن الأبين
ص : 79
وَبالإِسنادِ نَفسِهِ قَال القاضي أبو محمَّدٍ الحسنُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ
خَلَّادٍ: ((كَتبَ إِليَّ بعضُ وزراءِ المُلوكِ يَسألُنِي إِجازةَ كِتَابٍ أَّفْتُهُ لابنٍ لَهُ،
فَكَتبثُ الكِتابَ لَه وَوقَّعتُ عَليهِ :
يَا أَبَا القَاسِم الْكَرِيمَ المَحَيًّا
زَانَكَ اللَّهُ بِالثُّقَى وَالرَّشَادِ
وَتَوَلَّكَ بِالكِفَايَةِ وَالْعِزِّ
وَطُولِ الْبَقَاءِ وَالْإِسْعَادِ
ارْوِ عَنِّي هَذا الْكِتَابَ فَقَدْ هَذَّ
بْتُ مَا قَدْ حَوَاهُ مِن مُّسْتَفَادٍ
وَشَكَّلْتُ الْحُرُوفَ مِنْهُ فَقَامَتْ
لَكَ بِالشَّكْلِ فِي نِظَامِ السَّدَادِ
جَاءَ مُسْتَلْخَصًا (١) لِسَبْكِ الْمَعَانِي
كَالدَّنَانِيرٍ مِنْ يَدِ النُّقَّادِ
نَظْمُ شِعْرٍ ونَشْرُ قَوْلٍ يَرُوقَانٍ
كَنُورِ (٢) الرِّيَاضِ غِبَّ العِهَادِ
= (ص: ٣٥١)، وابن عبد البر - كما في ((جامع بيان العلم وفضله)) (ص: ١٨٠) -،
ومن طريقه القاضي عياض في ((الإلماع)) (ص٩٦-٩٧) سوى البيت الأخير.
(١) كذا في الأصل وصححها، وكتب في الهامش: ((مستخلصًا)) وصححها، ولم
يضع عليها علامة ((خ))، وإنما ضبَّب عليها، والأصل هو الصواب الموافق لما في
المطبوع من ((المحدث الفاصل)).
والأبيات في ((الكفاية)) (ص ٣٥١) وفيها: ((مستخلصًا)).
(٢) في الأصل بالراء، وهي كذلك في ((الكفاية))، وجاءت بالزاي في المطبوع من
((المحدث الفاصل)): ((كنوز)).

السنن الأبين
ص : 80
لَا يُغْنِيكَ بِالْهِجَاءِ وَلَا يُشْـ
[ق١٧/ب]
بكِلُ فِي الْخَطِّ بَيْنَ صَادٍ وَضَادِ
وَكَأَنَّ الشُطُورَ مِنْهُ سُمُوطٌ
بَلْ عُقُودٌ يَلُحْنَ فِي أَجْيَادِ
فَتَحْفَظَ مَا فِيهِ مِن مُّلَح الآ
دَابٍ واضْبِطْ طَرَائِقَ الْإِسْنَادِ
وَاحْذَرِ اللَّحْنَ فِي الرِّوَايَةِ وَالتَّحْـ
◌ِيفَ فِيهَا وَالكَشْرَ فِي الْإِنشَادِ
وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ يُوجِدُكَ الْإِخْـ
بَارَ فِي نَشْرِهِ عَلَى الْأَفْرَادِ))(١).
فَانظُرْ عِنايَةُ بأَنَّ الإِخبارَ الجُمْليَّ يَتضمَّنُ الإِخبارَ التفصيليَّ، وَأَنَّ
القياسَ الجَلَيَّ يَقتضي ذلك، ففيهِ إشارةٌ إِلى جَوازِ الإِجازةِ المطلقةِ .
وَأَجَلُّ شَيءٍ نَعرِفُهُ لِتُقدِّمِ فِي الإِجازةِ المُتَّدَةِ وَأَجَلاهُ لفظًا وأَصُه
مَعنَّى: مَا ذكرهُ أبو عيسى الترمذيُّ الإِمامُ الحافظُ في كتاب ((العِلل)) له
في آخر الدِّيوانِ، في بابِ التاريخِ الذي نقلَهُ عَنِ الإمامِ أبي عبدِ اللَّهِ
البخاريِّ - رحمهُ اللَّهُ - ، وقد انتهَى بِالسماعِ عليهِ إِلى بعضٍ حرفِ العينِ
ما نصُّهُ :
قالَ أَبو عيسى: ((إِلى هَاهُنا سَماعِي مِن أَبي عبدِ اللَّهِ محمّدٍ بنٍ
إِسماعيلَ مِن أَولِ الحِكاياتِ وَمَا بَعدهَا فَهُو مِمّا أَجازَهُ لِي وَشَافَهَنِي بِهِ
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٥٧-٤٥٨)، و((الكفاية)) (ص: ٣٥١-٣٥٢).