النص المفهرس

صفحات 161-180

الحاكم في ذهنه معلومات توحي إليه بأن له مثل هذا الكتاب وإلا
مجرد الراوية لا تعني أن له كتاباً .
س : على أساس لو أن الراوي إذا أخذ من كتابه من الرواية تكون
مستقيمة ، نزه الإمام مسلم أن يأخذ من روايته من حفظه وهو
متكلم في حفظه .
جميل هذا ، كذلك يرد الإشكال السابق ينسحب على كل من تُكلم
ج :
فيه .
س: ألا يُقال إن صنيع مسلم - رحمه الله تعالى - في أنه اعتنى بالصحف
الحديثية له عناية خاصة بها وأسانيده كثيرة ينقل من الصحف ، وذاك
وجد له صحيفة فجاء عنده هذا الاعتبار أو هذا الظن ، فمنهج مسلم
الذي جعله يرجح ؟.
ممكن أن يُقال هذا و ذاك ، لكن هل نعتمد على هذا القول لأنه
ج :
يحتمل أنه عنى كذا و عنى كذا ؟ ما يعطينا هذه القناعة ، يمكن أن
يُقال ؛ لكن هل يتبنى يُقال : أن مسلم إنما روى عن أسامة بن زيد
الليثي لأنه كان يحدث من كتاب ؟ صعب الإِيمان بهذا .
س : ألاحظ أن الحافظ بن حجر إذا انفرد النسائي بالتوثيق وكذلك أحياناً
ابن معين ، يقول في الرواي في (( التقريب )) : صدوق أو يقول :
وثقه النسائي . ويهرب من العهدة ، ونادراً ما يعتمده زيجزم هو
بالتوثيق وإذا خالفه عنده أحد ، إذا كان هناك من يخالف النسائي
١٦١

جنح إلى قول المخالف للنسائي سواء كان بارتفاع الراوي أو بتروله
عن قول النسائي ، وبنحوه الدارقطني وقريب منهما مطين وابن
عبد البر . الحافظ بن حجر أمثال هؤلاء إن ذکر کلامهم یذکره على
أنه البراءة من العهدة : وثقه فلان ، أو ينزل من ثقة إلى صدوق إن
كان سيجزم هو ، ونادراً ما يقول ثقة بقوله هذا ، فهل لأنه قد عُلم
تساهل هؤلاء كما يقول الشيخ المعلمي رحمه الله في ((التنكيل )) أن
النسائي وابن معين قد يوثقان المجاهيل مثل العجلي وابن حبان ؟.
ج:
بالنسبة لمن ذكرتهم لا أدري ، أما بالنسبة للنسائي فهو كالعجلي
تقريباً في التساهل ، هو فعلاً يوثق بعض المجهولين لكن ليس مكثراً
من ذلك كما يفعل غيره من المتساهلين ، أما من ذكرت من الآخرين
ما عندي فكرة عنهم إطلاقاً .
س : إذا انفرد النسائي نعامله معاملة العجلي أو أحسن حالاً من العجلي
والأصل قبوله ؟.
ننظر إلى الرواة عن هذا الموثق عدداً ووصفاً ، وكذلك من أخرج له
ج :
من أصحاب الكتب التي فيها انتقاء ، أو فيها شيء من التشدد
والتحري في الشرط ؛ هذا يساعد على الثقة وكذلك أيضاً علو
الطبقة ونزولها كل ذلك يساعد ، من القرائن التي تُراعى .
س : معلوم كلام أئمة الجرح والتعديل باعتماد كلام بلديّ الراوي ،
لا سيما إذا كان من أئمة الجرح والتعديل، وأحياناً يقف عند
الباحث أن هذا البلدي خالف جماعة كثيرين من الأئمة في قوله سواءً
١٦٢
/

في إثبات السماع أو عدم إثباته ، كأن يثبته هو وهم ينفونه أو غير
ذلك ، حتى وقفت هنا على كلام الحافظ بن حجر في
(( التلخيص )) في ترجمة مكحول وسماعه من عنبسة بن أبي سفيان ،
قدّم كلام دحيم على البخاري وابن معين وأبي حاتم وأبي زرعة
والنسائي؛ هم ينفون السماع ودحيم أثبته وقال : ( وهو أثبت في
الشاميين ). فكون أن البلدي أحق أن يُقدم لكن حتى وإن خالف
هذا الجمع الكبير وإن كان كذلك في مسألة السماع ، فهل هو
كذلك في مسألة الجرح والتعديل ، كأن يضعف هو ويوثقه هم أو
العكس من هذا ؟.
بالنسبة للمثال الذي ذكرته الخطب سهل في السماع ، فينبغي أن
ج :
يكون لديك مثالا صعبا ، أما السهولة هنا : لو كان غير ابن البلد
الذي هو في المثال دحيم ، لو كان هو الذي أثبت ، ما موقفنا من
هذا المثبت مع أولئك النفاة ؟ لاشك أننا سنطبق قاعدة : المثبت
مقدم على النافي ومن علم حجة على من لا يعلم ، أيضا هذه
القاعدة ليست مطردة كما ذكرنا : ما من عام إلا وقد خصص ،
لكن القاعدة هكذا ، فلو فرضنا أن الذي وثق أو أثبت السماع هو
ليس من بلد الذي أثبت له السماع ، ما هو موقفنا مع القاعدة
المثبت مقدم على النافي ؟ يشتد الثقة بهذا المثبت فيما إذا كان ابن بلد
الذي أثبت له ما أثبت . إذن هذا ليس فيه إشكال .
س : لا ، أنا أردت أن أستدل به على شيء آخر : هل البلدي كذلك في
١٦٣

الجرح والتعديل ؟ لأن الحافظ لما تكلم ، أنا أدري بقاعدة المثبت
مقدم على النافي إلا أنه أكد أكثر ما أكد ( وهو أثبت في الشاميين )
لو فرضنا - أيضا - أن دحيما خالف هؤلاء في باب التوثيق
والتجريح كأن يوثق هو وهم يجرحون .
ج: لا أعكس الآن هنا: دحيم قال لم يسمع وأولئك قالوا سمع، من
باب أولى المثبت مقدم على الناني ، أفرض الآن مثالا آخر ، دحيم
ضعف ابن البلد وأولئك وثقوا ، يصح هذا مثالا آخر فيما هو في
ذهنك ؟.
س : هو هذا، هل يقال البلدي مقدم على هؤلاء ؟.
لا ، لا يوجد طرد ، نحن ـ الآن ــ ندرس هذا التضعيف وندرس
ج :
ذاك التوثيق بميزان علم الجرح والتعديل ، إن كان الجرح مفسرا كما
سبق وكان هذا الجرح بعد تفسيره جرحا يعتبر علة قادحة رجح ،
وما ننظر ابن البلد وغیر ابن البلد .
إذن هذا يفيدنا في مسألة نحار فيها ، أما إذا كان عندنا قواعد تدفع
الحيرة عنا ، فما يهمنا إن كان غريبا أو بلديا .
س : أحيانا - حفظكم الله - مثلا مشايخ الإمام الشافعي ، أحيانا يقول:
حدثني الثقة ، حدثني من لا أتهم . فيكون هناك اجتهاد ، أو الحسن
البصري - أحيانا - يقول حدثني الثقة ، أو حدثني من لا أتهم .
وهناك من يدافع بأن هناك في زمن الحسن البصري بني أمية ،
والخلاف بين أهل البيت وبينهم ، فهو يعني رجلا من الثقات فلان أو
١٦٤

كذا ، هل هذا التعيين وهذا التصريح بأن فلان هذا هل هو يُعمل به
لاسيما إذا لم يختلف فيه أو أُختلف فيه والجميع يدور على ثقة ؟
نفرض أنهم اختلفوا لكن هذا وذاك والثالث والرابع كلهم ثقات ،
فهل هذا ينفع - حفظكم الله - في باب الصحة ؟.
٨
حسب القواعد التي سبق ذكر الكثير منها ، أقول : إذا كان الحفاظ
ج :
اتفقوا على شيء فلا مرد له أما إن اختلفوا فهنا الاجتهاد ، فنحن
ننظر في أقوال هؤلاء المجتهدين ، ونعمل مراجحة بين أقوالهم فما
ترجح عندنا اعتماداً على قواعدهم عملنا به وإلا فلا ، وأنت ضربت
مثالاً بالحسن البصري ، فالحسن البصري - كما تعلم - هو كما
ذكرت أنه كان يعيش في زمن دولة بني أمية ، وكان ربما لا يستيطع
أن يسمي شيخه فيدلسه ويسقطه ، فبنفس القاعدة نطبقها هنا
بالنسبة لشيخ الحسن البصري إذا لم يُذكر ، فإن كانوا اتفقوا وهذا
ما لا أظنه موجوداً ، إذا اتفقوا في الحسن البصري خاصة أن شيخه
الذي يُسقطه فلان ، لا يوجد في ذهني مثل هذا الاتفاق ، وإن
اختلفوا طبقناما أشرنا إليه من القواعد .
س :
شيخنا ما صنيعكم في هذا الباب حدثني رجل ، حدثني من لا أتهمه
حدثني الثقة ، فيقولون الرجل هو فلان والثقة هو فلان . هل
تعتمدون هذا التصريح ؟.
قلتم صنيعي أنا ، إذا استحضرت ما ذكرت آنفاً من الاتفاق أو
ج :
الاختلاف ، أخذت بالمتفق عليه ، أما المختلف فيه فأعمل نظري
١٦٥

وبحثي وأرجح ما يبدولي ، لكن بخصوص الحسن البصري ما عندي
أي ترجيح في هذا الموضوع ، وأنا أقول بأن الحسن البصري مدلس ،
لكني أستثني من ذلك إذا روى عن التابعين ، أما إذا روى عن
صحابي من الصحابة فأنا أطرد عدم الاحتجاج بعنعته وليس عندي
هنا موقف خاص يباين هذا الذي ذكرته .
شيخنا عندما نقول : اتفقوا . أحيانا ما نجد إلا كلام ثلاثة من
س :
الإِئمة ، لا نجد لهم مخالفا .
بارك الله فيك ، اتفاق الأمة هذا مستحيل في مثل هذه القضايا ، لكن
ج :
على الباحث أن يفرغ جهده وفي حدود ما يقف عليه يعمل به وإلا
تعطل العلم بطرق مثل هذه الاحتمالات ، يعني حينما نحن نصحح
حديثا ونبحث جهد البحث لكن يمكن أن يكون هناك في الزوايا
بعض الطرق وبعض الأحاديث فيعرقل علينا التصحيح ، هذا محتمل
بلاشك فهل نقيم لهذا الاحتمال وزنا ؟ لا . ﴿لا يكلف الله نفسا إلا
وسعها﴾ [البقرة ٢٨٠]، فعلى الإنسان أن يفرغ وسعه وجهده ليصل
إلى معرفة الحق مما أختلف فيه الناس ، فعندنا ثلاثة أو أربعة اتفقوا
على شيء هذا خير وبركة ، أما قد يكون هناك خبر ما وصلنا أن
هناك حافظ خالفهم قد يكون ذلك ، لكن نحن مسؤلون عما وصل
إليه بحثنا ، الأئمة السابقون الذين نتعجب ــ نحن اليوم - من قوة
ضبطهم وحفظهم نفترض أنه فاتهم شيء كثير ولاشك وهذا نلمسه
- أحيانا - في بعض المواقف ، لكن ما نأخذ عليهم ذلك لأن ذلك
١٦٦

طبيعة البشر .
س : إيضا هذا يذكرنا بمسألة اتفاق أئمة الحديث ، لو اتفقوا - مثلا -
على أن فلانا لم يسمع من فلان وعندنا ظاهر السند المتسلسل
بالثقات يقول سمعته أوسألته في كذا وكذا في مسائل أو سمعه أو
حكي في مثل هذه الأشياء هل يعتمد هذا مع تصريح الأئمة بأنه ما
سمع ؟.
يعتمد ، لأن هذا ينقض الإتفاق .
ج :
مجرد ما جاء في السند ؟.
س :
الصحيح .
ج :
س :
السند صحيح ، هو المقصود لأن [ هناك] (١) موضعا في العلل
للرازي أيضا أختلف في سماع ، ظاهر الحديث السماع فقال أبو حاتم
الرازي : لكن أهل الحديث اجتمعوا أو اتفقوا على أنه لم يسمع ،
واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة فيخرج من المسند مع
ذكره في الرواية بالتصريح بالسماع . ما ترى في مثل هذا ؟.
ج :
ما أرى إلا ما ذكرت ، لأننا إذا درسنا النفي ماذا نتصور ما هو
مستندهم في النفي ؟ هل هناك سوى عدم العلم بالشيء ؟ هو عدم
العلم ، وهذا [ أي التصريح ](٢) علم أيضا.
س: شيخنا - أحيانا - أدري من كلامكم - حفظكم الله ــ أن العلم
يقدم على الجهل وهذا جهل ، لكن كما ذكر ابن رجب الحنبلي في
كتابه (( العلل )) بعض أمثلة لهذا، الإمام أحمد يذكر الإسناد وفيه
(١) زيادة من عندي ليتضح الكلام .
(٢) زيادة من عندي ليتضح الكلام .
١٦٧

تصريح بالسماع فيقول : لم يصنع شيئا بالرغم أنه صرح بالسماع
فيقول : فلان سمع من فلان . ما يبالي الإمام أحمد بالتصريح بالسماع
ويعتبره أيضا منقطعا ما أدري لم . الله أعلم ! .
ج: طيب نحن نقف عندما نعلم ؟ نحن لسنا مكلفين أن نفحص ما في
قلوب العلماء وما في أذهانهم ، نحن مكلفون بالظاهر والله - تبارك
وتعالى - يتولى السرائر فأنا قلت آنفا : أن هؤلاء العلماء أو الحفاظ
الذين نفوا سماع راو ليس عندهم إلا أنهم ما اطلعوا على سماعه .
لكن لما جاءنا الحديث بطريق صحيح لا غبار عليه ، ممكن أن يقال
مثلا في اسناد فيه كلام ، ممكن أن يقال هذا : لا يعبأ به أو ما عبأ به .
لكن إذا كان الإسناد ليس من هذا القبيل وإنما هو صحيح ، فأنا
أذكر بعض العبارات النافية للسماع، موجود السماع في صحيح
البخاري وربما مر عليك شئ من هذا ، ماذا نفعل بمثل هذا النفي
وعندنا السند الصحيح في البخاري أنه يثبت سماع المنفي ؟ الخلاصة
ليس عندنا ما يلزم بأخذ قول النافي وعندنا السند الصحيح بما ينفيه .
س : لكن شيخنا أذكر كلاما لكم على سبيل المثال كما كان الحديث في
بقية ، بالرغم أن كلامنا الآن عام ليس خاصا في بقية ، لكن أردت
أن أذكر بما سبق من فضيلتكم ، وهو أن تلاميذ بقية ينظرون إلى
العنعنة بينه وبين مشايخه فيروونها بالمعنى فيقلبون العنعنة سماعا ،
والذي يعلق في ذهني الآن من كتبكم أو من أشرطتكم أنه محتمل أن
التصريح بالسماع هذا مع تنصيص الأئمة على عدم السماع أنه من
١٦٨

تصرف الرواة أو تصحيف من كاتب أو ناسخ أو طباعة أو .. إلخ .
فهل هذا الكلام ممكن أن ينفعنا في بحثنا هذا ؟.
ج: هذا ممكن أن ينفعنا فيما لو صب كلام النافين على هذا الإسناد بعينه
أما مع العموم لا .
-: أقول - حفظكم الله - أيضا شئ يضاف أو يذكر به أخونا أبو
الحسن ، قبل قليل ذكرتم أن هذا الكلام ممكن إذا كان في السند ما
يدفعنا إليه ، أما إذا كانوا ثقاتا أو أثباتا فالأمر يختلف والله أعلم .
صحيح .
ج :
س : ذكروا الراوي المجهول إذا انفرد بالرواية عنه ضعيف ، ما له تلميذ إلا
هذا التلميذ الضعيف ، فإن العلماء يذكرون أنه لايتهيأ لهم الحكم
على هذا المجهول بشئ لأن النكارة محتملة منه ومحتملة من تلميذه .
ابن حبان في كتابه المجروحين يكثر من هذه العبارة : فلان لم يتهيأ لي
الحكم عليه بجرح أو تعديل ، لأنه لم يرو عنه إلا فلان وهو ضعيف .
فالنكارة التي في حديثه ما نستطيع أن نحملها لهذا الذي نريد أن
نبحث حاله لاحتمال أنها من هذا الضعيف تلميذه .
هنا سؤال على هذا : لو كانت النكارة شديدة جدا بمعنى أنه لا
يحتملها مثل هذا الضعيف الذي عندنا هو التلميذ المعلوم بضعفه ، ما
علم بالضعف الشديد ؛ فإن أتى عن شيخه المجهول بحديث شديد
الضعف والنكارة ، فإن جئنا نحملها هذا الضعيف فمثله لا يحتملها
لأنه قد سبق لنا من حاله أنه لا يحتمل الجرح الشديد ، فهل من
١٦٩

الممكن في هذه الحالة أن يحملها المجهول وينكشف حاله بالجرح
ويخرج من حيز الجهالة إلى حيز المعرفة والقدح ؟.
ج: أما التحميل على المجهول فنعم ، لكن هذا غير كلام ابن حبان حتما.
س : نعم غيره ؛ لأنني ذكرت كلام بن حبان وأضفت له من عندي هل
يحكم على المجهول بعد ما حملناه النكارة ؟.
ج: ما يحكم المعرفة بالقدح يبقى مجهولا .
فجوابي تحمل فرعين أحدهما نعم والآخر لا .
نعم لتحميله عهدة النكارة ، ولا للحكم عليه بالقدح ويبقى على
جهالته .
س : شيخنا كما ذكرتم هنا ترجمة أيفع وهو غير منسوب عن سعيد بن
جبير ، حمله الحافظ عهدة النكارة ولم يحكم عليه وأبقاه .
-
الظاهرية إن كانت تنفع فنحن ظاهرية (١)
كل العلم ظاهرية .
ج :
ظاهرية المعاني ، وروح الشريعة ليست ظاهرية ، المباني والحروف
س :
هذه الذي تعنيه يا شيخنا ؟.
ج: لا قد أعني أكثر من ذلك ، هم يمشون على ظواهر النصوص لكنهم
لا يجمدون جمود ابن حزم .
الأصل هو التمسك بالنص بظاهره ، لكنهم لا يجمدون على اللفظ
(١) هذه الجملة قالها أبو الحسن جوابا لمن قال له : أنت اليوم ظاهري يا أبا الحسن .
١٧٠

كما يفعل ابن حزم وداود الظاهري ، لكن من العجب أن يجمد على
الظاهر أهل الرأي .
مثلاً : من الفروع التي كنا قرأناها في الفقه الحنفي مذهبي القديم
- رحمه الله ! - من المتفق عليه بأن على المسلمين أن الماء الجاري
إذا وقعت فيه نجاسة يتحملها ولا يتنجس الماء الجاري بهذه النجاسة ،
قال هؤلاء الفقهاء فإذا كان هناك بحيرة نجسة فالحيلة في تطهيرها
إسالتها لأنه صار ماءً جارياً ، لا يوجد هناك ماء جديد يغلّب
النجاسة الواقعة في هذا الحوض وإنما مجرد الجريان هو المطّهر !.
س: ظهر لي وجه ، كيف هو نجس فإذا مشى تطّهر من غير إضافة عليه ؟
ذكرني هذا بمن عنده قلتان ممن يأخذ برأي القلتين فقال : من كان
عنده قلتان نجستان فليضمهما على بعضهما تطهران وهذا موجود
أيضاً .
ج :
لكن بالمناسبة وهذا أفيد للحاضرين من هذين المثالين ، الأعجب من
ذلك الظاهرية العصرية التي يتبناها عشرات الكتاب والاسلاميين
الدعاة : الصورة الشمسية حلال والصورة اليدوية حرام ، ظاهرية
عصرية ! والتي بالآلة على أحسن ما يكون من التضاهي ، الآلات في
المضاهاة أشد من اليد ( أدق ) ، لقد قلت مرة بمناسبة كلمتك هذه
الصورة الفوتوغرافية تظهر هذه الشعرة الفلتانة ، أما الصور اليدوية
لا . تعطي لحية الشيخ لكن ليست بالدقة هذه ، ويمكن أن تكون
مسوّاة .. إلخ .
يقولون: هذه ليست فيها مضاهاة كبسة [ واحدة](١) !. هذه أدق
مضاهاة لو كانوا يعلمون .
(١) زيادة من عندي ليتضح المعنى .
١٧١

س : تتمة لجوابكم ، أنتم ذكرتم في موضع آخر قلتم : لو أن إنسانا صنع
آلة ، وهذه الآلة ممكن أن يوضع فيها من المواد التي بكبسة واحدة
بالزرار تطلع الألاف الأصنام والتماثيل .
ج: وهذا موجود الآن .
س : شيخنا حتى الآن - حقيقة ــ تفاقمت المشكلة وازداد الداء بحيث
حتى هذا التقسيم الظاهري لم يراعوه بحيث أننا نرى الآن في
الصحف والمجلات الإسلامية التصاوير اليدوية موجودة .
ج: نعم هذا صحيح نسأل الله العافية ، يعني هؤلاء يقولون عن قاعدة
التحريم سدا للذريعة قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الأنعام ٣٢]
ما قال : لا تزنوا . يعني لا تتعاطوا الوسائل التي توقعكم في الزنا . لو
قيل بأن الصورة الفوتوغرافية جائزة إنما الصورة اليدوية هي المحرمة ؛
لكن هذه توصل إلى تلك ، لأنه - حقيقة ــ سوف يتساءل هؤلاء
المصورون في أنفسهم : ما الفرق بين صورة فوتوغرافية أو صورة
يدوية ؟ لن يفرقوا عمليا ، وهذا هو الواقع كما أشار أبو الحارث ،
بينما كان هناك مجال لهؤلاء الفقهاء الذين يدعون الفقه أن يقولوا :
والله وإن كانت الصورة الفوتوغرافية تختلف من حيث طريقة صنعها
أو تصويرها لكن من باب سد الذريعة نحن نقول بتحريمها ، لأنها
توصل إلى ما هو أكثر من ذلك .
س : في ترجمة أمية بن خالد في (( تهذيب التهذيب )) ضعفه أبو العرب في
كتابه (( الضعفاء )) وكذلك ضعفه أحمد والعقيلي كل منهم من
١٧٢

الثلاثة لين فيه القول ضعيف ، ضعيف ، لين أو شئ مثل هذا ، رأيت
الحافظ ابن حجر يستنكر ويعيب صنيع أبي العرب بالرغم أنه ما
استنكر على العقيلي ولا على أحمد ، فقلت : لعل لأبي العرب شرطا
في كتابه (( الضعفاء )) أن من أدخله في كتابه (( الضعفاء )) فهو
شديد الضعف ، وإلا فلماذا يعيب عليه الضعف لكلمة ضعيف وهي
في ذاتها تكلم بها أحمد وتكلم بها العقيلي ، فلعل أبا العرب له شرط
في كتابه (( الضعفاء)) شديد الجرح ، فأردت أن أسألكم هل لأبي
العرب في كتابه الضعفاء شرط من أدخله في كتابه بالجرح الشديد .
ج: لا أعلم . والكتاب أنا ما وقفت عليه فهل منكم من واقف ؟.
- : الكتاب غير مطبوع .
بخصوص السؤال حول : أمية بن خالد وتضعيف أحمد والعقيلي
:-
وأبو العرب له .
يقول أحد الاخوة هذا [ ما ](١) أملاه الشيخ علي في الصباح قال
شيخنا : ذكر في (( التهذيب)) بعد ما حكى توثيقه عن جمع عن
الأثرم قال : سمعت أبا عبدالله سئل أو يسأل عن أمية بن خالد فلم
أره يحمده ، قال إنما كان يحدث من حفظه لا يخرج كتابا . وما
أبدى العقيلي فيه غير حديث واحد وصله وأرسله غيره ، وذكره أبو
العرب في الضعفاء فلم يصنع شيئا .
(١) زيادة من عندي ليتضح المعنى .
١٧٣

ج: الغرض من هذا هو لفت النظر ؛ أو كجواب عن سؤال سابق الذي
كان مضمونه : لماذا خص الحافظ بن حجر أبا العرب بأنه قال : لم
يصنع شيئا . دون الإمام أحمد ودون العقيلي ؟ فحينما رجعنا إلى
ترجمة الرجل ، وجدنا أولا : أن الحافظ قد روى توثيقه عن جماعة
من الأئمة توثيقا ينبغي أن نقف عنده ، وأن لا نتجاوزه إلى تضعيف
من قد يكون قد ضعفه ، ثم هذا التضعيف إما أن يكون تضعيفا
عابرا ، كما فعل العقيلي فيما حكاه هناك أنه أورده في كتابه
(( الضعفاء)) وذكر له حديثا وأشار إلى أنه خالف الثقات في روايته
ولم يصنع أكثر من ذلك ، فمثل هذا لا يكون كمثل ما فعل أبو
العرب حيث جزم بضعفه ، فبدا لي والله أعلم أن سبب تخصيص
الحافظ لأبي العرب بقوله فلم يصنع شيئا هو لحشره إياه في زمرة
الضعفاء جزما ، وليس كذلك ما صنعه أولا العقيلي حيث أورده في
كتابه الضعفاء وغمز من قناته بأنه خالف أولئك الذين أرسلوا
الحديث ، ثم لما نظرت في الحديث وجدت الخطب سهلا ؛ سواء
كان الصواب مرسلا كما رواه الذين خالفوا أمية هذا ، أو كان أمية
حينما زاد في الإسناد مصيبا ، فعلى كل حال فالسند منقطع ؛ ذلك
لأن مدار الإسناد إسنادا وإرسالا على أبي عبيدة بن عبدالله بن
مسعود ، فالثقات المخالفون رووه عن أبي عبيدة عن رسول الله
لم يذكروا بين أبي عبيدة وبين الرسول ﴿ الوصل؛ ألا وهو عبدالله
ابن مسعود ، لكن كذلك الذي ذكر ابن مسعود وهو أمية رواه عن
١٧٤

أبي عبيدة عن عبدالله بن مسعود ، وأبو عبيدة لم يسمع - كما
تعلمون - من عبدالله بن مسعود ، فالحديث على كل حال معلل
بالانقطاع ، إما بالانقطاع بين أبي عبيدة وبين ابن مسعود ، أو بين
أبي عبيدة وبين الرسول عليه الصلاة والسلام ، كل ما في الأمر أن
هناك اصطلاح : إذا سقط من السند الصحابي كان مرسلا وإلا كان
منقطعا كما هو واقع هذا الحديث ، فهذه الملاحظة بالنسبة للعقيلي ،
جعلت الحافظ يخص بالذكر أبا العرب . بقي ما يتعلق بالإمام أحمد ،
الإمام أحمد أيضا لم يصنع صنع أبي العرب وإنما غمز من حفظه ،
ونحن نعلم أن كثيرا من الثقات قد غمز من حفظهم ومع ذلك فذلك
ما أخرجهم من أن يكونوا من الثقات . هذا ما بدا لي بعدما رجعت
إلى الترجمة .
س : إذا قال أحد الأئمة في الراوي : هو ضعيف . وقال آخر : مجهول .
وبحثنا في عدد تلامذته فلم نجد إلا راويا واحدا ، فهل يقال : ضعف
حديثه لجهالته وترجم له بمجهول . أم يقال : عرف أنه ضعيف
فضعفه ؟.
ألخص كلامي ، لو كان في الترجمة أحد الأئمة قال : ضعيف .
وآخر قال : مجهول . فهل يقال : الذي قال عليه : ضعيف . أي
ضعيف لجهالته ، ويضم هذا إلى التجهيل أو يرتقي من درجة الجهالة
إلى درجة المعرفة فيقال عليه : ضعيف ؟.
ج : سواء كان هذا أو هذا ما هو الفرق ؟
١٧٥

س : من جهة العمل لا فرق ، كل منهما في حيز الضعف أو يستشهد
به ، لكن - فقط ــ أردت أن أعرف هل هذا الجمع صحيح أن
يترجم له ضعيف أو يترجم له مجهول في (( تقريب التقريب )) .
بالنسبة إلينا إذا أردنا أن نلخص هذين القولين فيمن لم يرو عنه إلا
واحداً إيش نقول فيه ؟.
بالنسبة إلينا ننظر ، فإذا كان كما ذكرت لم يرو عنه إلا واحد فهو
ج :
مجهول ، والمجهول عملياً حديثه ضعيف ، لكن ما نستطيع أن نحكم
على ذلك الحافظ الذي قال على هذا الراوي المجهول بسبب رواية
الواحد عنه قال عنه : إنه ضعيف . ما نستطيع أن نحكم عليه أنه يعني
مجهول أو أنه يعني أن حديثه ضعيف ، لأننا ما عندنا ما يبين لنا ما
يكشف لنا عن قصده .
س : لما سألتم شيخنا عن الفرق بين العبارتين ، معلوم أن الضعيف
يستشهد به كمسألة اتفاقية ، لكن مجهول العين فيها وفيها كما سبق
أن ذكرتم ، فهنا سُيبنى فرق كون أن الضعيف أحسن حالاً من
مجهول العين .
ج : لا ما يُينى الفرق ما دام الراوي عنه واحداً ، فنحن سنعامله معاملة
المجهول .
س : [جاء](١) في التقريب الطبقة الخامسة بأنهم صغار التابعين الذين رأو
(١) زيادة من عندي ليتضح المعنى .
١٧٦

الواحد أو الاثنين من الصحابة ؛ ولم يثبت لبعضهم السماع من
الصحابة كالأعمش . هل روايتهم متصلة إذا روى عن الصحابي ؟.
ج : إثبات الرؤية لا تستلزم إثبات الرواية .
س : إذن روايتهم تكون بهذا منقطعة ؟.
ج : نعم منقطعة .
س : لكن قوله : لم يثبت لبعضهم السماع . هذا يدل على أنه بالمفهوم أن
بعضهم قد سمع .
ج: فإذا كان هذا البعض ممن سمع حينئذ وقد صرح به نعم .
س : ألّف بعض المعاصرين كتاباً في التدليس ورأيته يصف بعض الرواة
بالتدليس ما سبقه أحد الأئمة بهذا الشئ ، فالسؤال هل لمتأخر أن
يحكم على راو بالتدليس لم يسبقه المتقدمون إلى ذلك ، وذلك بالنظر
في روايته فيرى في رواية قد عنعن فيها وأخرى جاءت عنه صرح فيها
بالسماع مع ذكر واسطة ضعيفة هل في مثل هذا أن يحكم المتأخر
عليه بالتدليس وما قد سُبق إلى هذا ؟.
ج: أنا أقول ابتداءً : كيف يمكنه أن يحكم بالتدليس أو الأئمة السابقون
الذين توصلوا إلى الحكم على بعض الرواة بأنهم مدلسون ، هم بلا
شك سبروا أحاديث هؤلاء الرواة وتمكنوا من إطلاق حكم التدليس
عليهم ، هل هذا المتأخر عنده من القدرة والإحاطة والحافظة بحيث
أنه يجمع أكبر كمية ممكنة من حديث هذا الراوي ليتمكن من إطلاق
لفظ التدليس عليه ؟ أنا اعتقد لا . إذن فلا يجوز عمله هذا .
١٧٧

س : إذن شيخنا حتى في مجرد إثبات التدليس ، فضلاً عن أن يذكره بكثرة
التدليس فيضعفه في المراتب التي يتوقف فيها عن عنعنتها وغير ذلك .
ج: لا هذا لا يمكن أبداً من المعاصرين ، لذلك المعاصرون ليس لهم في
الحديث إلّ كما للفقهاء .
على الفقهاء في العصور المتأخرة أن لا يضعوا قواعد جديدة من
عندهم وأحكاماً أصيلة ، وإنما عليهم أن يعتمدوا على القواعد التيّ
وضعها علماء الأصول أصول الفقه ، كذلك أتباع الحديث
والمخرجون للأحاديث لا يسعهم أن يضعوا من عند أنفسهم عللاً في
بعض الرواة لم يُسبقوا إليها ، وهذا المثال هو الذي سألت عنه .
س: وهذا يذكر شيخنا بما ذكر في ترجمة بقية ، أن بن حبان قال :
دخلت حمص فكان جل همي أن أعرف حال بقية ، فتتبعت حديثه
عالياً ونازلاً وجمعت الأصول وفعلت وفعلت فبان لي من أين أُتي
الرجل ، فعلمت أنه يروي المناكير عن الضعفاء ويروي غير المناكير
عن الثقات ، فعلمت من أين أُتي ، أي من قبل التدليس . فهمنا
الجمع العالي والنازل والأصول ومتابعات الحديث وغيره ، وجميع
زملائه عن نفس الشيخ ، والحديث من فوق ومن تحت ، هذا ما
نستطيعه أبداً ما يتأتى للمتأخر حتى إنه يكتب أن هذا مدلس ، فضلاً
عن أن يجعله مكثراً في التدليس أو مشهوراً به .
ج: الله أكبر! صدقت (( من عرف نفسه فقد عرف ربه)) هؤلاء
ما عرفوا جهلهم وظنوا بأنهم من أهل العلم .
١٧٨

-: وهذا بعينه شيخنا قد تكلم عليه الحافظ في ترجمة جعفر بن مسافر في
(( تهذيب التهذيب )) ١٠٧/٢، نقل كلاماً مثل هذا ولم يحكم
بالتدليس لعدم تصريح المتقدمين بأنه مدلس ، بالرغم أنه وقف على
رواية معنعة وأخرى فيها الواسطة وهي ضعيفة ، ومع ذلك قال :
إن المتقدمين لم يقولوا ذلك فسكت عن الحكم بالتدليس .
ج: ويشهد لهذا صنيع ابن عدي في الكامل حيث يقول وكثيراً وكثيراً
جداً: لم أر للمتقدمين فيه كلاماً . هذا تأكيد ثقته بهم وعظيم
مقدارهم مع قرب العهد وأين ألف سنة نحن بيننا وبينهم ؟ !.
س : وهذا شيخنا أيضاً لو عدينا الكلام من التدليس إلى باب الجرح
والتعديل ، كذلك الرجل الذي حكم الأئمة عليه بأنه مجهول هل لنا
في هذا الزمان أن نحكم عليه معروف بعدالة أو بجرح ؟ بسبر حديثه
والنظر في حديثه وهذا أمر ليس باستطاعتنا ، والأمر كما قال الشيخ
المعلمي في التنكيل ذكر هذه العبارة قال : لنا أن نقول إذا قال
الأئمة : فلان تفرد بالرواية عن فلان . فنقول لم يتفرد عنه ، إنما
روی فلان آخر . كما يفعل كثيراً البزار والطبراني وأبي نعيم وغيرهم
في كتبهم يعني يطلقون التفرد ويكون هناك المتابع لكن قال : أما
الحكم عليه بالعدالة أو الجرح وهو غير معلوم هذا عند الأولين لا
يتأتى لنا هذا .
ج: صحيح .
س: سماع ابن جريج للتفسير مع ابن عطاء ، هل هو عطاء بن أبي رباح
١٧٩

أو عطاء بن أبي مسلم الخرساني ؟ لأن الحافظ نفسه تردد كلامه في
الفتح ، وفي غيره من الكتب تناقض كلامه (١) !.
الله أعلم ؛ لكن لو حسّنا الظن في البخاري ، هل يروي عن عطاء
ج :
الخرساني ؟
س : هذا نعم - من هذا الباب - وكثيراً ما نحسن الظن في مسألة عنعنة
المدلس وغير ذلك .
ج: هو هذا، لكن علمياً ما نستطيع أن نجزم حتى الآن بشئ .
س : نفس الحافظ قال : وهذا من المضايق الحرجة والمواضع التي يحار فيها
الناقد عن الجواب السديد .
ج: أما شبابنا اليوم رأساً يعطوا الجواب .
-: هو صحيح شيخنا الجهل بمثل هذه القرائن ..
ج: الجرأة هذه - بالجهل - على العلم شيء غريب ! .
شيخنا - حفظكم الله - أذكر كلام الحافظ بن حجر في أثر ابن
عباس في الرجال الصالحين وداً ويعوث ويعوق ونسراً قال : كانوا
رجالاً صالحين .. إلخ . فهنا في سند البخاري عطاء فالحافظ بن
حجر انتصر إلى أنه ليس الخرساني وأتى بقرائن على ذلك .
س : معلوم أن من كذب في الحديث ولو في حديث واحد أو وضع
(١) كان الأولى أن يقال : اختلف اجتهاده بديل كلمة تناقض ! خاصة مع الحافظ بن
حجر - رحمه الله .
١٨٠