النص المفهرس

صفحات 141-160

ج: نعم .
يقع في قلي وجه حول المسألة التي تفضل بها أخونا أبو الحسن في
س :
كلام الدارقطني؛ أقول : - حفظكم الله - لعل الإمام الدارقطني
من خلال الطرق التي وقف عليها مرفوعة اطمأنت نفسه إلى الرفع ،
فلما وجد رواية مالك أراد من باب حسن الظن أن يحمل هذا
المحمل ، لا أن يدفعه أو يضع في نحره الخطأ والوهم ، فأن يحمله من
باب حسن الظن على التقوى والورع والتورع بمقابلة تلك الجماعة
التي رفعته وهي أرجح ، أهون من أن يخطئه أو يوهمه بترجيح أولئك
عليه .
هذا تعليل مقبول لولا أن هناك مخرجا طالما نذكره في مثل هذه
ج :
المناسبة حينما نقول : الثقة روى تارة الحديث مرفوعا وتارة موقوفا ،
عللنا هذا الوقف بأن الراوي قد ينشط تارة فيرفع وقد لا ينشط تارة
فيوقف ، وقد يكون المجلس لا يساعده أن يحدث على طريقة المحدثين
فيقتصر بذكر الحديث موقوفا ، يعنى هناك أسباب أخرى لا يغمز
فيها هذا الثقة الذي رفع الحديث تارة وأوقفه تارة أخرى ، هذا أولى
من أن ننسب إليه أنه تحفظ ، لأن الحقيقة التي وردت آنفا في
ذهني الكليل(١)، وأردت أن أطرح هذه الخاطرة ثم كادت أن
تفلت مني ، ثم امتن الله بها على مرة أخرى فنقول : كما أنه لا
(١) والله لهذا عين التواضع منه - رحمه الله - .
١٤١

يجوز أن نرفع حديثاً ورد إلينا موقوفاً، كذلك لا يجوز لنا أن
نتعمد إيقاف حديث ورد إلينا مرفوعاً؛ لأنه هنا يُقال - كما
تعلمون - كما أنه لا يجوز الكذب على رسول الله 48 وأن نقوله
ما لم يقل، كذلك لا يجوز أن لا ننسب إليه ما قال ونحن على علم
بما قال ؛ لذلك هذا التعليل أنا أرفّع قدر الإمام مالك من أن يوقف
حديث ، ويرجع الموضوع - في الحقيقة - إلى تعليلي السابق، أن
هذه الخاطرة تؤيد ما ذكرت آنفاً ، ليس من الممكن الإمام مالك
- كما في المثال السابق - حديثاً رواه عن نافع عن ابن عمر قال :
قال رسول الله ﴿﴿ فهو تحفظاً يقول : قال ابن عمر فقط ، ضيع
الحديث على المسلمين ، هذا ما يفعله ضعفاء المؤمنين فضلاً عن إمام
في الحديث والفقه .
س : لكن شيخنا لو أن أحداً قال : اعترض الإمام مالك شيء من الشك
فيه ، أو لم يغلب على ظنه ولم يقطع ، فمن باب الورع وقف ،
والراوي مهما كان حافظاً ثبتاً أحياناً يعتريه شيء من الشك ، فإذا
اعتراه شيء وقف ، أو الجزم واليقين تزحزح عن هذه الدرجة وقف ،
لو قال قائل هذا حتى لا يقال : أن الإمام تعمد . لو صحت مقولة
الإمام الدارقطني فيما نسب للإمام مالك إليه ، أنه تعمد إهدار حديث
ينتفع به المسلمون بعد أن يكون مرفوعا فيصير موقوفا . هل هذا
الكلام يكون له وجه ؟.
ج: ممكن هذا، لكن هل تجد - هناك - فرقا بين هذه الخاطرة التي
١٤٢

وردت عليك - الآن - وبين ما سبق من الكلام؟.
س : يظهر لي فرق : أنه في هذه الحالة أفلت الإمام مالك من التهمة بأنه
أهدر حديثاً أو تعمد إهدار حديث .
نعم ، لكن هل ذلك ينصب على المثال السابق : مالك عن نافع عن
ج :
ابن عمر ومن في مقدارهم ؟ وقد سبق الجواب .
س : هو فعلاً أنصب على هذا ، على أساس أنه اعتراه شك في رواية نافع
عن ابن عمر ، هل هي مرفوعة أو موقوفة ؟.
نعم ، لكن هنا ما يقول الإمام الدارقطني اعتراه شك ، نحن إن كان
ج :
كذلك ، لكن سيرد هنا ، اعتراه شك أم أن المجلس كان لا يساعده
على أن يروي الحديث ؟ كما قلنا آنفاً : تارة ينشط وتارة لا ينشط ،
فهل هذا يعني أن هذا أولى من أن نقول تارة ينشط وتارة
لا ينشط ؟.
س : كلامنا هذا في الرد على الدارقطني أصلاً، لكن لو سلمنا بكلام
الدارقطني فيعتذر له بهذا العذر .
لكن القضاء عليه أصلاً هو الأصل ؛ لأنه يخالف ما هو المعروف في
ج :
علم الحديث والقواعد وما شابه ذلك .
س: قال ابن حبان رحمه الله في مقدمة صحيحه ١/ ١٦٢: ((وإذا صح
عندي خبر من رواية مدلس بأنه بين السماع فيه ، لا أبالي أن أذكره
من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر )) .
فهمي من كلام ابن حبان أنه يقول : إذا رأيت المدلس قد بين
١٤٣

السماع فلا أبالي أن أدخله في صحيحي معنعناً ؛ إذا ثبت عندي
ے
تصريحه بالسماع عن نفس الشيخ هذا من رواية أخرى ، وإن أدخلته
في الصحيح معنعناً ، فأنا قد بان لي - كما هو صنيع الإمام
مسلم - أني أخرج رواية الضعفاء لأنها ثبتت عندي من طريق
الثقات ، لكن عند الثقات بترول وعند الضعفاء بعلو ، فيقول الإمام
ابن حبان : أنا عندي ثبت السماع ، فإن أدخلت الرواية معنعنة في
الصحيح فالاعتبار بذلك ؛ لاعتمادي على التصريح من رواية أخرى
وإن لم أذكرها في الصحيح .
هل يلزم من هذا أن عنعنة المدلس في صحيح ابن حبان أزيلت علتها
وأزيل الإشكال منها ، لأن ابن حبان وقف عليها ، هذا على افتراض
أن ابن حبان علم أن هذا مدلس ؟.
أقول : إذا كان هذا الفهم هو مقصود ابن حبان ؛ فهذا لا نوافقه
ج :
عليه .
لا يظهر غير هذا .
س :
لكن هذا لا يتمشى مع العلم .
ج :
لا يُوافق ؟.
س :
طبعاً؛ لأن فيه كتمان للعم ، هذا فيه إظهار السند الصحيح عنده
ج :
بمظهر الضعيف عند من ينظر فيه ، وهذا لا يساعد على نشر العلم
الصحيح ، ولذلك نحن نرفع قدر الإمام ابن حبان من أن يكون
مقصده من هذه الجملة هو هذا المعنى ، ولذلك نفتش لعل في الزوايا
١٤٤

خبايا ! .
س : الشيء الآخر وإن كان مقصده هذا ، فالرجل هذا عندنا مدلس ، ما
أدرانا أن ابن حبان يراه مدلساً كما نراه نحن ؟.
س : أيضاً أخونا أبو الحارث أوقفني على بعض المواضع في صحيح ابن
ج :
هو هذا ، كل هذا يرد .
حبان صرح بأن الرجل مدلس وأعله بالتدليس بعنعنته مع إدخاله له
في نفس الصحيح .
ج : يعني ما كتم ؟.
س : ماكتم ، لكن قد يقول قائل : هذا فيما إذا بين أما إذا سكت
فمحمول على القاعدة الأولى التي في المقدمة .
لا إذا كان هنا بين رفع المسئولية ورفع الإيراد الذي أوردناه آنفا ،
ج :
هذا مثله كمثل المحدث الذي يسوق الحديث بإسناده فيه متهم ، فيه
ضعيف ، فيه تدليس .. إلخ ، فلا مسئولية عليه لأنه ساق الحديث مع
السند ولسان حاله يقول : لا تعتمد على سوقي للحديث بسنده
وإنما اعتمد في بحثك في هذا السند ، هذا يختلف تماماً عن بعض بل
عن أكثر العلماء قديماً وحديثاً حينما يأتي إلى حديث في مثل مسند
الإمام أحمد ، فضلاً عن معاجم الطبراني مثلاً ، وينقل الحديث من
أحد هذه الكتب ، رواه الإمام أحمد ، رواه الطبراني ، وقد يكون فيه
متهم بالوضع أو بالكذب ، هذا ليس بريء الذمة بخلاف من نقل
عنه الحديث وهو الإِمام أحمد مثلاً والطبراني ، بأن كل منهم بريء
١٤٥

الذمة لأنه ساق الحديث مع السند الذي یمکن العالم من أن يعرف ما
حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف ، فهنا يظهر الفرق
بالنسبة للمعنى الذي ظهر أو أظهرته ، آنفا أن هذا هو مقصد الإمام
ابن حبان من هذه الجملة ، أنه يورد الحديث في صحيحه بطريق
المدلس معنعنة ، لأنه هو وقف عليه مصرحا بالتحديث ، هذا ورد
عليه ما ذكرناه آنفا . أما المثال الآتي الذي نقلته عن أبي الحارث بأنه
ذكر الحديث من طريق المدلس ومعنعنا ، وصرح الإمام ابن حبان بأن
فلان مدلس ، هذا كالذي ينقل الحديث بالسند بريء الذمة ، كذلك
هنا ابن حبان بريء الذمة ، أما في الحالة الأولى إذا صح المعنى
المذكور آنفا فالمشكلة كبيرة جدا .
س : وقفت على الحافظ ابن حجر يعل أحاديث بالتدليس والعنعنة في
صحيح ابن حبان ، فهذا يبين على الأقل أنه لو يوف بشرطه وأن
العلماء لم يتلفتوا إلى أن كلامه مسلم عندهم .
ج: صحيح ، وكثيرا ما ذكرنا أنه أخل بشرطه في كثير ، مثل مثلا : أن
يكون الراوي عن الذي وثقه ثقة بينما هو يذكر بعض الموثقين عنده
من رواية رجل متهم عنده .
حتى لو أن أحدا استدل وقال ابن حبان إمام وقد كفانا كما قال
س :
شعبة : کفیتکم تدليس ثلاثة فيصدق فیما قال ، نقول له ومن أدرانا
أن ابن حبان يوافقنا على أن هذا الراوي مدلس ، ربما أن ابن حبان
لا يرى أن هذا مدلس ، ومن هنا لا يحترز من عنعنته ولا ينظر إلى ما
١٤٦

يزيلها من طريق آخر فأدخله في كتابه على أنه مدلس ، يختلط هذا
بهذا وعند الاختلاط وعدم التمييز نقف ونحتاج الرجوع إلى القواعد .
هذا وارد .
س : لو كان عكس الصورة الأخيرة ، وقفنا على راوٍ وابن حبان يعرفه
ج :
بالتدليس ثم رأيناه أخرج روايته في صحيحه معنعنة ، وتذكرنا أنه في
المقدمة يقول الخبر الذي صح عندي بالتصريح بالسماع لا أبالي إذا
ذكرته من طرق أخرى ، فهل هذا يجعلنا نقول بأن هذا لكون ابن
حبان ذكر في مقدمته ما سبق تحمله على السماع ؟.
ج : لا نثق بكلامه .
س : ربما لا يستحضر حال سياق الحديث حال الراوي أنه مدلس .
ج: صحيح، وكل هذا وارد .
في اختلاف الرواة منهم من يزيد ومنهم من يأتي بالرواية الناقصة ، لو
س :
كانت الرواية الناقصة مرجوحة هل يصح أن يُقال في راوي الناقصة
شذ أو وهم ، أو يُقال في راوي الزائدة شذ أو وهم إذا كان
مرجوحاً ، لأني - في الحقيقة - أنا ما وقفت في كتاب العلل
للدارقطني وغيره من كتب العلل في توهيم راوي الناقصة إلا في
موضع واحد رأيته للحافظ ابن حجر ، ولا أذكر هل في التلخيص أو
غيره حكم على راوي الموقوفة بالوهم ، لأن الجماعة رووه مرفوعاً .
فهل مثل هذا الحكم على راوي الناقصة وقفتم عليه في كلام العلماء ؟.
ج : أما وقفت لا . لكني أعتقد أنه كأصل وكقاعدة لا يستبعد أن ينسب
١٤٧

إلى الوهم من قصّر في رواية الحديث عن الثقات الآخرين وخالفهم
ولو أحياناً ، أريد بهذا القيد أن المثال الذي ذكرته غير وارد ما ذكرتُّه
بمعنى فلان إذا وقف الحديث سيرجع الموضوع السابق أوقفه لا وهماً
إنما لظروف أحاطت به ، لكن ما بالك لو كان الشذوذ أو المخالفة
من الراوي الثقة ؛ حيث روى الحديث مقلوباً أو روى الحديث
ناقصاً مفسداً للمعنى، هل يسعنا إلا أن نقول وَهِم ؟ لا يسعنا إلا
توهيمه . فإذن لابد من ملاحظة أنه ممكن توهيم الثقة أحياناً بسبب
مخالفته لمن هو أوثق منه ، ولعلكم تذكرون الحديث الذي في صحيح
* خطبهم ليلة
البخاري من حديث عبدالله بن عمر څ أن الني
بعد العشاء وقال لهم : (( أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ إنه لا يبقى على
وجه الأرض ممن هو على ظهرها اليوم أحد بعد مئة عام )) . الشاهد
قيد : ممن هو على ظهرها اليوم ، وجدت روايات صحيحة بدون
هذا القيد وأشكل ذلك على بعض الناس قالوا : نحن اليوم في القرن
الخامس عشر! ، لاشك أن الذين رووا هذا الحديث بدون هذا القيد
من الثقات وهموا ، مع أنهم قصروا وكانوا واهمين إذا كان القصور يترتب
عليه إفساد المعنى .
س : في مسألة الترجيحات ذكرتم وأشرتم أن وجوه الترجيحات كثيرة ،
ومنهم من زاد على مئة وجه في هذا الباب ، وهنا مسألة أيضا تعرض
للباحث ، عندما يختلف رجلان كل منهما مترجم له في التقريب بأنه
ثقة ، لكن لو رجعنا إلى التهذيب رأينا أحدهما وثقه أحمد فقط ،
١٤٨

ورأينا الثاني وثقه أحمد في جماعة کثیرین قد يكون وثقه خمسة ، فهل
ترجح رواية الثقة الذي وثقه خمسة كلهم يقول : ثقة ، ثقة ، ثقة .
إلى أن وصل الحافظ في النهاية وقال : ثقة . والأول ما وثقه إلا أحمد
أو ابن معين أو أبو حاتم قال : ثقة . وترحمه الحافظ في ( التقريب )
بقوله : ثقة . و( التقريب ) لا يظهر فيه ، فرق و( التهذيب ) واضح
العدد محتمل أن الواحد الذي وثَق وهم أو ما وقف على حديثه كله
أو إلى آخر الاحتمالات المذكورة ، بخلاف الذي يوثقه أكثر من
واحد ، فهل عند الترجيح ممكن أن يُؤخذ هذا كوجه من وجوه
الترجيح في الرواة ، هذه الصورة التي ذكرتها ؟.
ج: قد وقد؛ لأن هذا - فعلاً - مرجح، ولكن قد يقال: هناك
مرجحات أخرى حتى تعارض مع هذا المرجح . فأنا أقول : هذا
مرجح فيما إذا استوى الثقتان في الشهرة في كثرة الرواة عنهما ، ثم
بقيت عندنا هذه المزية . فأنا معك فيما ألمحت إليه لكن قد يكون
العكس ، قد يكون ذاك الثقة الذي كثر الموثقون له ليس بالشهرة
التي ظهر بها الذي وثقه الإمام الواحد .
س: ممكن يقع هذا: واحد يوثقه كثيرون ولا يكون في الشهرة كالذي
وثقه واحد ؟.
ج: ممكن هذا على الأقل بالنسبة إلينا كما ذكرنا أكثر من مرة ، عِلْمنا
وٍجادة فنحن نرجع إلى ما ذكرت من كتاب التهذيب ، فنجد هذا
الإنسان الذي وثق من جمع من الحفاظ قد تجد أن الرواة عنه ليسوا
١٤٩

بالكثرة التي توجد في المترجم الآخر الذي تفرد بتوثيقه حافظ واحد ،
وقد وقد - كما قلنا آنفا ــ قد يكون ــ مثلا ــ هذا الذي تفرد
بتوثيقه الإمام الواحد من رجال الشيخين ، بينما ذاك لا يكون كذلك
إذن لابد من موازنة بين مرجح ومرجح ، فإذا لم يكن هناك مثل هذه
المرجحات الأخرى كان ما أشرت إليه آنفا ، هو مرجح يرجح توثيق
من وثقه جمع على الراوي الذي وثقه فرد .
س : خص الحافظ ابن حجر في فتح الباري ١ / ١٤٤ قبول مرسل
الصحابي بما إذا كان في حديث الأحكام دون غيرها وقال : فإن فيه
بعض الصحابة ربما حملها عن بعض التابعين مثل كعب الأحبار فما
ترون في هذا ؟.
ج: سبق الجواب عنه حينما - أظن - وجهت سؤالا ما حكم الحديث
الموقوف على الصحابي ، هل يحتج به أم لا ؟ فأجبت كما هو مثبت
في صدري منذ سنوات طويلة ، أن الموقوف على الصحابي إذا كان
من موارد الاجتهاد والبحث والرأي فلا يحتج به ولا ينسب إلى أنه
في حكم المرفوع ، بخلاف ما إذا كان متعلقا بالغيبيات التي لا مجال
للعقل البشري أن يتحدث عنها برأيه طبعا هذا الكلام بالنسبة
للمسلمين ، أما المسلمين بالتعبير عندنا في سورية ( الجغرافيين ) ، أو
غير المسلمین مطلقا فهؤلاء ليس بعد الكفر ذنب ، فالشاهد فكلامنا
بطبيعة الحال في هؤلاء المسلمين الذين يلتزمون أحكام الدين ، ومن
ذلك ألا يتحدث المسلم رجما بالغيب ، فإذا جاء حديث موقوف
١٥٠

على الصحابي يتحدث في شيء - كما يقال اليوم - بما وراء
الطبيعة يعني من أمور الغيب ، هذا لا يمكن أن يقال بالرأي
والاجتهاد والرجم والظن .. إلخ . لكني استثنيت ألا يكون محتملا
من الإسرائيليات ، ويومئذ كان ينبغي ــ ولا أدري هذا أنصرفنا عنه
يومئذ - أن أضرب مثالا للحديث الموقوف والذي هو في حكم
المرفوع بلا شك ولا ريب ، وهو حديث بن عباس رضي الله عنهما
في تفسيره لبعض الآيات القرآنية ، أن القرآن نزل جملة واحدة
- وهذه الدقة - إلى بيت العزة في السماء الدنيا، هذا لا يمكن
أن يقال بالرأي والاجتهاد هذا أمر غيي أولا : نزل جملة واحدة . ما
يدريه ؟. ثانيا : إلى بيت العزة ما يدريه أن في السماء بيت يسمى
بهذا الإسم الخاص ؟ . ثم السماء الدنيا ليست التي فوقها ولا التي
فوقها ، هذه القرائن تلقى في نفس القارئ لمثل هذا الحديث الموقوف
على ابن عباس رضي الله عنهما أنه تلقاه من رسول الله ﴿ بينما إذا
جاء حديث ابن عباس يتحدث عن أمور مما يعرف عند العلماء ببدء
الخلق مثلا ، يتعلق بخلق السموات والأرض أو خلق الجن والشياطين
ونحو ذلك أو خلق أدم نفسه .. إلخ ، هذا من المحتمل أن يكون من
الإسرائيليات ، فهنا يأتي الذي ذكرته آنفا أنه من المحتمل أن يكون
عن كعب الأحبار وعن غيره أيضا من الذين أسلموا من أهل
الكتاب ، وأنتم تذكرون - إن شاء الله - جيدا ما يذكر في ترجمة
عبدالله بن عمرو بن العاص أنه في معركة اليرموك وقف على زاملتين
١٥١

صحائف من صحائف أهل الكتاب فهو كان يروي عنها شيئا ،
فلا بد من هذا الميزان أن يوضع ، حتى نميز فيما هو في حكم المرفوع
وما ليس في حكم المرفوع ، كذلك ــ وبهذه المناسبة ــ أقول: هذا
له علاقة بصلاة جماهير المسلمين اليوم حينما نقرأ في صحيح البخاري
بإسناده الصحيح عن عبدالله بن مسعود قال: (( علمني رسول الله
التشهد في الصلاة وكفي بين كفيه وذكر التحيات لله والصلوات
والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا
وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا
عبده ورسوله . قال وهو بين ظهرانينا فلما مات قلنا السلام على
النبي )) . هل هذا اجتهاد ؟ مستحيل هل هو يقول قلنا من عند
أنفسنا ؟ هذا مستحيل ، وبخاصة أن القائل عبدالله بن مسعود الذي
صح عنه أنه كان حينما يعلم التشهد بعض أصحابه كالأسود
وعلقمة وأمثالهما قال : كان يأخذ علينا الحرف . هذا الذي يأخذ في
التعليم لأصحابه التشهد الحرف الواحد ، يعقل أنه يأتي إلى كاف
الخطاب فيرفعه وهو سمعه مباشرة من تعليم الرسول إياه ، فيقول من
عند نفسه : لا تقولوا بعد وفاة الرسول : السلام عليك أيها الني وإنما
قال: قولوا السلام على النبي(١) هذا إن لم يكن مستحيلا فهو قريب
من الاستحالة ، هذا أيضا يقال : موقوف في حكم المرفوع .
(١) انظر مقدمة صفة صلاة النبي 48 للشيخ - رحمه الله - ومبحث التشهد منه.
١٥٢

والسبب ما ذكرناه آنفا ، ثم دعم هذا الفهم الصحيح لهذا الموقوف
ظاهرا بما رواه عبد الرازق في مصنفه بالسند الصحيح عن طاووس
قال: (( كان أصحاب النبي ◌ّ يقولون بعد وفاة الرسول في التشهد
السلام على النبي )). من أجل هذا قال بعض فقهاء الشافعية ومنهم
الإمام السبكي قال : إذا صح هذا فالسنة اليوم أن يقول المصلي في
التشهد السلام على النبي ◌َّ ، وفي هذا عبرة لسد الطريق على أهل
البدعة الذين يقولون : لولا أن الرسول التلّلا يسمع السلام عليه ما
كان مشروعا أن نقول اليوم : السلام عليك أيها النبي فيأتي الجواب
في الصميم كان هذا ثم رفع .
س: الحافظ ابن حجر يقول على ابن سعد صاحب الطبقات أنه أخذ
مادته من شيخه الواقدي . هل هذا خاص في الأسانيد والروايات أم
يشمل أيضا كلام ابن سعد في الجرح والتعديل في الرواة ؟.
ما أظن أن ذلك الشمول أراده الحافظ بن حجر في كلمته تلك ،
ج :
لكن من الملاحظ في كتاب الطبقات لابن سعد هذا الإمام الحافظ ،
هو أن مادته الثمينة القيمة تدور على ثلاثة وجوه فيما أستحضر
الآن : الوجه الأول : أنه كسائر علماء الحديث الذين يروون
أحاديث الرسول التليف وسيرته الكريمة بالأسانيد التي وصلت إليهم
وعن شيوخ كثيرين وكثيرين جدا ، هذا هو القسم الأول .
القسم الثاني : أنه يروي كثيرا من السيرة - بخاصة ــ ومن
الأحاديث النبوية عن شيخه الواقدي بإسناده إلى الذي حدثه سواء
١٥٣

كان صحابيا أو كان تابعيا أو دون ذلك .
القسم الثالث والأخير: هو الذي يقول : بأن الواقدي قال كذا .
دون أن یذکر سندا له .
ففي ظني أن الحافظ يعني القسم الثالث والذي قبله مما رواه
الواقدي بإسناده إلى الذي أسند الحديث إليه ، هذا الذي يعنيه والله
أعلم .
س : معنى ذلك أن تجريح ابن سعد وتوثيقه للرواة من عنده ومن اجتهاده
ليس مأخوذا من شيخه ؟.
ج: أي نعم .
س : وينظر إلى اعتدال ابن سعد وتساهله وغير ذلك ويحكم عليه بما
رجحتم أنه للتساهل أقرب .
نعم سبق أن ذكرنا هذا .
ج :
وكما يقولون : الشيء بالشيء يذكر ، وقد علمنا أن الواقدي شيخ
س :
ابن سعد بهذه المكانة من الناحية الحديثية بأنه متهم أو متروك ، لكن
أحيانا نجد للواقدي كلاما في التاريخ أن غزوة كذا كانت سنة كذا ،
ونجد أمورا تاريخية ما لها صلة بالرواية ، وفلان صحابي وفلان ليس
بصحابي ، هل يؤخذ بكلام الواقدي في مثل هذا ؟.
ج :
يؤخذ بالتحفظ .
س : بمعنى ما لم يخالف . هذا المقصود بالتحفظ ؟.
ج: لا أكثر من ذلك ، لا يجزم به ولو لم يخالف .
١٥٤

س : إذن معنى لا يجزم به أي لا يبنى عليه عمل فلا يعمل به ؟.
ج: هو هذا ، لكن أنت تعلم أن هناك بعض العلماء ليس فقط يفرقون
بين الأحاديث التي يبنى عليها الأحكام الشرعية والأحاديث التي
يسمونها إنها في فضائل الأعمال ، هناك علماء يفرقون بين هذين
النوعين حتى في الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﴿، فهناك تفريق آخر
قد يكون الرجل الواحد يعتبرونه حجة في السيرة غير حجة في
الحديث ، وهذا أنا لا أتبناه ولكني أحكيه ، والحاكي الخطأ ليس
بمخطيء ، هذا اقتباسا فأقول : إذا كان يوجد من يفرق بين
الأحاديث المرفوعة إلى الرسول بذلك الاعتبار الأول ، أي هذا في
العبادات والمعاملات وهذه في الفضائل ، فبالأولى أن يتساهلوا فيما
له علاقة بالسيرة ، أما أنا فلا يسعني إلا ما وصل إليه علمي
وأحاط به بحثي أن [ لا](١) أفرق بين حديث الرسول وبين فعله،
لأن الكل هو حديث كما تعلم جيدا ، والسيرة كلها أفعال الرسول
التليفون ولذلك فالتفريق الذي أشرت إليه آنفا وتساهل فيه البعض ،
فاعتدوا برواية من ليس بثقة في الحديث لكنه هو في السيرة حجة ،
هذا ندعه لهم ولا نتبناه .
س: وقفت على كلام الحافظ ابن حجر - فيما أذكر - في ترجمة
حفص بن عاصم ذاك المقرئ المتروك قال : ( هو متروك في الحديث
(١) زيادة يقتضيها المقام .
١٥٥

إمام في القراءات ) . فمن الممكن أن يكون الرجل متروكا في علم
وإماما في علم آخر ، وهل ممكن أن يقال هذا في الواقدي : إنه
متروك في الحديث لكن باب التاريخ والنسب وغير ذلك مأخوذ
بقوله ؟.
لكن ما ألمحت إليه آنفا أنه هنا لا يمكن الفصل بين السيرة وفعل
ج :
الرسول القلبية .
- : لاسيما أن قوله : هذا صحابي ، سيبنى عليها أعمال اتصال الحديث ،
والعمل بالحديث وغير ذلك .
ج : بلاشك .
س : في سير أعلام النبلاء للذهبي وكذلك في تذكرةالحفاظ ، نقل الذهبي
أن الخطيب البغدادي شرط في كتابه ( تاريخ بغداد ) إذا نقل عن
العلماء جرحا وتعديلا فالأخير منهما هو الذي يتبناه ، كما حدث
في ترجمة أبي حنيفة ، بدأ أولا بأقوال المعدلين ثم ختم الكلام بأقوال
المجرحين ، فيضم الخطيب إلى المجرحين لتأخيره كلام المجرحين ، فنقل
أن شرط الخطيب في اعتبار المتأخر في الترجمة من الجرح والتعديل ،
هذا موجود في ( النبلاء ) في ترجمة الخطيب ، والسؤال هل هذا
الكلام صحيح أولا ؟ ثم إذا كان صحيحا هل هو عام في التراجم
المطولة ؛ كترجمة أبي حنيفة والمتوسطة والمختصرة التي قد لا يكون
فيها قولان ، مرة قال فلان ثقة ومرة قال فلان ضعيف ، هل هذا
القول يعتبر في التراجم القصيرة هذه ؟ أو هو خاص إن صح في
١٥٦

التراجم المطولة ؟.
ج :
كما قلنا في غير هذا السؤال أحيانا ولابد منه : ما المسئول عنها
بأعلم من السائل .
س : في شقي السؤال ؟.
أي نعم ، ما عندي دارسة في هذا الموضوع وفي هذه الحالة نحن نسلم
ج :
للحافظ كلامه على إطلاقه ، إلا أن يأتي ما يقيده وإلا أن يثبت لدينا
ما يخالفه .
س : يعني الأصل العموم على كل الأقوال ، إجراء كلام الحافظ الذهبي ؟.
ج: الأصل الاتباع .
ما نقله الأخ أبو الحسن عن الخطيب ، نصص عليه الخطيب في
:-
مقدمة التاريخ قال : والقول المعتمد عندي آخر الأقوال الذي
أورده .
ج: أيضا هو مطلق ، إذن أنا أؤكد ما قلت آنفا : ليس للمتأخرين إلا أن
يسلموا بجهود المتقدمين وأن يسلموا ببحوثهم واجتهادتهم وآرائهم
العلمية ، إلا إذا تبين لهؤلاء المتأخرين ما يحملهم حملا على مخالفتهم ،
لأن هذا هو سبيل المؤمنين الذي حض عليه القرآن الكريم في مثل
قوله تبارك وتعالى : ﴿ أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني
وسبحان الله وما أنا من المشركين ﴾ [ يوسف ١٠٨] فواجبنا الإتباع
لمن سبقنا ، لأن العلم متواصل ولا يقبل الوقوف كما أقول في بعض
المجالس : العلم لا يقبل الجمود ، القصد أن أمثالنا - نحن المتأخرين .-
١٥٧

يجب أن يجتهدوا وأن يبحثوا ولا يقفوا عند جهود المتقدمين ، لكن
هذا لا يعني أن تهمل جهودهم وأن لا نستفيد منها ، بل الأصل
الاستفادة منها إلا إذا تبين لنا شيء مما يضطرنا اضطرارا إلى مخالفة
بعضهم فيما ذهبوا إليه .
س : إذا كان عندنا راوي معين ذكروا أنه في الشيخ الفلاني ضعيف ،
وإذا روى عنه التلميذ الفلاني قوي ، مثل حسين بن سفيان عن
الزهري ، هو إذا روى عن الزهري ضعيف ، ومثل شعبة وسفيان إذا
رويا عن عطاء بن السائب فهو قوي في زمن الاستقامة ، لوكان
التلميذ تلميذ سفيان عن الزهري ، ذكروا أن روايته عن حسين بن
سفيان قوية ، فجاء من رواية هذا التلميذ عنه عن الزهري ، فالمعتبر
روايته عن الشيخ أو رواية التلميذ عنه في هذه الحالة ؟.
لا . المعتبر التلميذ في هذه الحالة عن حسين عن الزهري ، لكن
ج :
- هنا - ثبت أن حسين عن الزهري ضعيف، فما يصلح
الاحتجاج هنا بأن فلان التلميذ الذي إذا روى عن حسين تكون
روايته قوية . لا هنا شذت القاعدة ، ينبغي أن تكون رواية هذا
التلميذ عن حسين ، ليس عن حسين الضعيف في الزهري هذا أمر
واضح فيما أعتقد .
س : إذن باعتبار الضعف سواء كان في التلميذ أو الشيخ ؟.
نعم لاشك هذا لابد من اعتباره .
ج :
س : يذكرون - أيضا - في بعض الرواة أنهم كانوا يحضرون مجالس
١٥٨

المشايخ وينامون أو ينعسون في أثناء تحديث الشيخ ، وأنه سيء
الأخذ بسبب هذا الأمر ، وأحيانا يدافعون عنهم كما ذكروا عن
ابن وهب لما كان يجلس في مجالس بن عيينة ، بأنه قد جلس
للاستئناس ، وأنه قد سبق له أن سمع مثل هذه المجالس من قبل ، ودخل
- كما يقول الشيخ المعلمي في ((التنكيل)) - فأراد أن يسمع
شيئا جديدا فإذا بالشيخ قد بدأ بالمجلس الذي سمعه من قبل فمن هنا
لا يعتني ، إما أن يكتب في أثناء كلام الشيخ وإما أن ينعس ، فكونه
سيء الأخذ في هذا المجلس لا يعل روايته عن سفيان بالعموم ، لكن
وإن سلم هذا أليس ذلك دليلا على جعله مرجوحا إذا خالف من هو
مثله في سفيان ؟ هو إذا تبين لنا أنه أخذ وهو ناعس واضح ، لكن
إذا روى - فقط - وما نعرف أنه أخذه وهو ناعس أو أخذه من
قبل ، لكن رأينا [ أنه ] (١) خالف من هو في منزلته في العدالة
والضبط ؟.
ج: حسب القواعد يبدو أنه يكون - والحالة هذه - مرجوحا .
س : لو فرضنا أن الطالب هذا جلس مجلس الشيخ وسمعه عشرين مرة وهو
متثبت ، وهذا سمعه مرتين ونعس في الباقي فالذي سمع عشرين مرة
أحسن من الذي سمع مرتين ؟.
ج: نحن نقول كمثال : عبدالله بن وهب ترجم بأنه سمع في بعض (٢)
(١) زيادة يقتضيها المقام .
(٢) وقع هنا سقط يستدرك في صفحة ٢٦٧ وما بعدها .
١٥٩

٠
المترجم الذي لاحظَت [ عليه ] (١) هذه الملاحظة الدقيقة، ابن معين
يقول : ضعيف ويعني به شديد الضعف ، والحافظ بن حجر لا يعني
بقوله : ضعيف . ما يعنيه ذلك ، هل يكون الرواة عن هذا المُضعَف
من الحافظين وكل منهما يعني خلاف ما يعني الآخر ، له رواة كثر أم
قليلين ؟ أقول : إذا كان هذا المترجم بمثل هذين القولين المتفقين لفظاً
والمختلفين قصداً، إذا كان هذا الراوي له رواة كثر ، يختلف الأمر
عندي بينما إذا كان الرواة عنه قليلين .
في الحالة الأولى أعتمد كلمة الحافظ العسقلاني ظاهراً وباطناً، وفي
الحالة الأخرى لا .
س : في (( تهذيب التهذيب )) في ترجمة أسامة بن زيد الليثي نقل الحافظ
عن الحاكم في ((المدخل )) أنه قال في أسامة بن زيد هذا: روى له
مسلم . واستدللت بكثرة روايته على أنه صحيح الكتاب عنده . أي
عند مسلم . ما رأيكم في هذه الكلمة ؟.
الظاهر هو يقول شيئاً وجده ولم يفصح عنه ، وإلا هذا الكلام يمكن
ج :
سحبه على كل الرواة الذين يكثر عنهم من الرواية أحد الملتزمين
الصحة في الرواية وما أعتقد هذا بلازم ، يعني لا يلزم أن الراوي
الذي يُكثَر من الرواية عنه في أحد الصحيحين مثلاً فضلاً عن غيرهما
أن يكون كل راوٍ له كتاب ، لكن الظاهر - والله أعلم - أن
(١) زيادة من عندنا لتوضيح المقام .
٠
١٦٠
٠