النص المفهرس

صفحات 21-40

تيسير علىّ المراجعة ؛ ذلك لأن ثقات ابن حبان كما يعلم المشتغلون
بهذا العلم أنه رتبه على الطبقات ، طبقة الصحابة والتابعين وتبع
التابعين وأتباعهم ، فلكي يستطيع طالب العلم أن يرجع إلى ثقات
ابن حبان حينما يلزمه الأمر ، ينبغي أن يعرف في أي طبقة ، وهذا
ما لا يذكره الذين ينقلون من الحفاظ المتأخرين عنه كمثل الحافظ
المزي - مثلاً - في تهذيب الكمال ، ثم من جاء من بعده كمثل
الحافظ العسقلاني في (( تهذيب التهذيب )) لا يذكرون الطبقة وإنما
يقولون : ذكره ابن حبان في الثقات أو وثقه ابن حبان ، فلكي تعود
أنت وتقرأ التوثيق هناك من منبعه ، ينبغي أن تعرف الطبقة ، وهذا
ليس من السهولة ، وبخاصة ــ وهذه ظاهرة لمستها منه مراراً
وتكراراً - أنه قد يترجم الرجل الواحد تارة في التابعين وتارة في
اتباعهم ، أو تارة يترجم الراوي في تبع التابعين ، يعني إما أن يورده
في الطبقة الثانية والثالثة أو في الثالثة والرابعة مرتين ؛ والرجل واحد
وقد يهم أحياناً ويوهم بأن هذا الرجل الذي أورده في هذه الطبقة
هو غير الذي أورده في الطبقة الأخرى ، وما ذلك إلاّ لاختلاف
الرواة الذين رووا عن الأول وعن الثاني .. إلخ. الشاهد الذي تبين
لي بالممارسة التساهل الذي لا يمكن رده - إطلاقاً -؛ ذلك لأنه
يصرح، وهذا التساهل منقول ، لا بد رأيتم في بعض المنقولات بأنه
يقول عن الرجل الذي يورده في الثقات : لا أعرفه ولا أعرف أباه
كيف صار ثقة ؟! هذا انتقد قديماً لكن الذي رأيته أنا أنه يقول :
٢١

روى عنه فلان وفلان الراوي عن الموثق عنده هو ذكره في الوضاعين
لا بأس يكون ثقة من باب أن هذا ثقة روى عن رجل مجهول عندنا
وربما يعطيه شئ من القوة عند بعضهم، أما والراوي عنه هو عند
المؤلف مذكور في الوضّاعين ، له من مثل هذا الشيء الكثير جداً ثم
تبين لي شئ ما كنت أعرفه إلاّ بسبب هذا الاشتغال الآن بالتعليق
على هذا الكتاب ، وإذ به هو حينما يذكر الراوي ويقول : لا أعرفه
لا يذكره لتوثيقه وإنما ليعرف ؛ هذه ما كنت أعرفها . المقصود
تساهل ابن حبان ملموس لمس اليد فالذين ما درسوا ابن حبان ولا
يعتدون بأقوال الذين درسوا ابن حبان يقولون : هؤلاء متأخرون ،
هذا رأيهم ! . من هو المتقدم الذي يمكن أن يوثق به ويقال إنه
وصف ابن حبان بأنه متساهل في التوثيق ؟ !. هذا _ في الحقيقة
- مثل هذه التساهلات تصدر من ناس لا يعرفون قدر العلم أولاً ،
ولا يعرفون قدر العلماء ثانياً . ولذلك كثير من الشباب اليوم
كما - لابد - أنكم لاحظتم معنا بأنهم استسهلوا هذا العلم
وأخذوا يؤلفون وينتقدون وهم كما ذكرنا آنفاً عن الذهبي : ( يريد
أن يطير ولما يريّش بعد ) .
س : خلاصة القول في العجلي ؟.
ج : أنه متساهل ، لكن ليس بالكثرة التي تساهل فيها ابن حبان .
فإذا انفرد بالتوثيق وليس عن هذا الراوي إلاّ تلميذ واحد فما حكم
س :
توثيقه ؟.
٢٢

كابن حبان ؛ لكن أنا من عنایتي في هذا الترتيب لثقات ابن حبـان
ج :
أنني أتتبع الرواة عن هذا الرجل الذي ذكره ابن حبان في الثقات
برواية واحد ، فهذا على حسب ما أنا مقتنع . ما يكفينا أن نعتد
بتوثيق ابن حبان مع أنه لم يذكر عنه راوياً إلّ واحد ؛ فلتقوية توثيق
ابن حبان أتتبع ما وسعني البحث والجهد ، لعل هذا الموثق عند ابن
حبان روى عنه ناس آخرون في مصادر أخرى ؛ ويوجد من هذا
الشيء الكثير والكثير جداً ، وهذا ــ في الواقع - من فوائد هذا
الفهرس أو هذا الترتيب ، يعني هو ليس ترتيباً فقط بل وفيه تأييد
لابن حبان في کثیر مما وثق ونقد لابن حبان لكثير مما وثق وهكذا .
س : بخصوص نفس الكلام في توثيق ابن حبان في ((الثقات )) ذكرتم أنه
أحياناً يذكر بعض التراجم ويقول : لست أعرفه ولا أعرف أباه ،
ويذكره في الثقات . ذكرتم أنه يذكره لمعرفة حاله لا لأنه يوثقه .
ج: لا يقول لا لأنه . نقول : ذكره ليعرف .
س : هل لي أن أقول وثقه ابن حبان على من هذا حاله ؟.
بعد وقوفنا على هذه الرواية منه لا نستطيع أن نقول فيما يقول فيه
وثقه ابن حبان ؛ وإنما نقول : ذكره ابن حبان في الثقات ليعرف .
ج :
س : في إرواء الغليل ، رأيت في بعض المواضع ذكرتم حديثاً فيه رجل
متروك أو كذاب ، قلتم : قد علمنا صحة حديثه ، وذكرتموه شاهداً ،
فهل المتروك والكذاب ممكن إذا تأكدنا من صحة حديثه بروايته في
أماكن أخرى نخرج حديثه ويقال وإن كان كذاباً إلا إن حديثه
٢٣

صحيح ؟.
ج: وما المانع؟ !. إذا كان الرسول ﴾ يقول في الحديث الصحيح:
(( صدقك وهو کذوب )) . فهو مهما کان شأنه ، خیر من
ذاك الشيطان الكذوب (١).
س : التابعي إذا روى أمراً شاهده وهذا التابعي ما وثقه أحد من المعتبرين ،
وما وثقه إلا ابن حبان الذي تكلمنا عنه. ذكرتم في الإرواء أن
التابعي الذي لم يوثّق إذا روى أمراً شاهده فإنه يحتج به .
ج: إذا كان تابعياً ، لي أن أقول في علمي وفي صدري : إذا كان التلبعي
روى شيئاً شاهده ولم يكن مشهوراً بالتوثيق لكن يوجد من روى
عنه أكثر من واحد فأنا استأنس بهذا واستدل بروايته في مرتبة
الحديث الحسن ؛ ولعلي ذكرت تعليلاً لهذا في بعض تعليقاتي أو
كتاباتي : أن الكذب لم يكن منتشراً في العهد الأول ، وإنما يخشى من
هؤلاء التابعين هو سوء الحفظ ؛ فإذا أمنّا هذا الجانب من سوء الحفظ
برواية أكثر من واحد ، وبتوثيق ولو من واحد من المتساهلين ، هذه
مجموعة تلقي في نفسي الاطمئنان لروايته سواءً رأى أمراً شاهده أو
لا .
س : نقل الحافظ في هدي الساري ص ٣٦٣ حديث رقم ٤٢ :
( ... وأخرج البخاري حديث العوام بن حوشب عن إبراهيم
(١) البخاري ( فتح ٤ / ٥٦٨ / ٢٣١١ ).
٢٤

﴾ قال: ((إذا
السکسکي عن أبي بردة عن أبي موسى عن الني و
مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً))
... ، وفي السياق قصة تدل على أن العوام حفظه ، فإن فيه :
اصطحب يزيد بن أبى كبشة وأبو بردة في سفر فكان يزيد يصوم في
السفر فقال له أبو بردة أفطر فإني سمعت أبا موسى مراراً يقول
فذكره ، وقد قال أحمد بن حنبل : إذا كان في الحديث قصة دل على
أن راويه حفظه والله أعلم. ) . راويه هو الضعيف نازل ، أنزل من
راويه . العوام أنزل من التابعي ، فهذا ضعيف ليس هو الذي شاهد
القصة وإنما هو راوٍ لها ، فسؤالي في كلام الإمام أحمد إذا روى
الضعيف قصة فإنه يكون حفظها .
ج :
ما عندي جواب .
س : عطية العوفي وقد عُرف تدليسه عن محمد بن السائب الكلي لأبي
سعید في التفسير . فهل يستشهد به في التفسير وفي غيره إذا قال عن
أبي سعيد ؟.
ج : لا. لا فرق سواء في الحديث أو في التفسير.
س : هو أخذ عن الكلبي غير التفسير ؟.
ج : نحن لا ندري ، ندري أنه كان يدلس : يقول عن أبي سعيد فيفهم
السامع أنه أبو سعيد الخدري وهو يعني الكلي .
س : أحياناً نجد عن أبي سعيد الخدري ؟.
ج: ولو. قد أجبت عن هذا أيضاً في السلسلة الضعيفة ٢٤/٣٤/١
٢٥

حينما رددت على الكوثري تصحيحه لحديث : (( اللهم أسألك بحق
السائلين عليك وأسألك بحق ممشاي هذا ... )) فأجاب الكوثري بأن
ما يرمى به عطية العوفي من أنه كان يدلس فيقول : عن أبي سعيد
وهو يعني الكلي المتهم بالكذب يقول : لكنه هنا قد قال : عن أبي
سعيد الخدري فنسبه . فأنا أجبت بأن هذه النسبة أولاً ليس عندنا
علم بأن هذه النسبة قد قالها عطية العوفي نفسه ؛ وإنما نفس الإيهام
الذي كان يوهمه بتدليسه بالكنية فقط يمكن أن يفهم الذي يقف على
عنعنته حينما يقول عن أبي سعيد ؛ فالسامع يسمع أنه يعني أبا سعيد
الخدري ؛ فيقول هو من عنده بياناً بأنه الخدري ، فالتلبيس بالتدليس
لا يزال قائماً في الحالتين سواء كانت الرواية عن عطية عن أبي سعيد
غير منسوب أو عن أبي سعيد الخدري منسوباً .
س : خلاصتها أنه لا يستشهد بها عن أبي سعيد أو عن أبي سعيد الخدري.
ج : نعم . لا فرق .
تدليس ابن جريج ذكر الدارقطني أنه وحش التدليس ، فلا يدلس إلا
س :
عن مجروح . هل يستشهد بتدليسه إذا عنعن عن غير عطاء ؟ و أما
عن عطاء ففيه بحث .
أحسنت في القيد . لا يحتج به .
ج :
لا أعني الاحتجاج أعني الاستشهاد .
س :
هذه تعود إلى الحديث الذي جاء حوله الاستشهاد برواية ابن جريج
ج :
٢٦

المعنعنة . أريد أن أقول : إن الاستشهاد بالروايات الضعيفة - لا
يخفاكم - أنه لا يمكن أن يُعطى لها قاعدة مضبوطة مجسدة تماماً ، إنما
هذا يعود إلى الدراسة الموضوعية للحديث ذاته ؛ فقد يحتج به وقد لا
يحتج به ، وهذا من المسائل الدقيقة التي تشبه تماماً الحكم على
الحديث بالحسن ، فقد ينقدح في نفس الباحث أحياناً تحسين حديث
وقد ينقدح في نفسه أحياناً تضعيف هذا الحديث ؛ لأن الأمر كما
يقول الحافظ الذهبي - بحق - إن الحديث الحسن من دقائق الأمور
التي يضطرب فيها رأي الباحث الواحد ، وأنا أقول : ومثله تماماً
الذي يحسن حديثه هو المختلف فيه فقد يترجح عند الباحث أن هذا
المختلف فيه مرتبته حسن الحديث ، أو قد يترجح عنده أن مرتبته أنه
ضعيف يستشهد به . كذلك أريد أن أقول : أن الاستشهاد ببعض
الطرق المعللة أو الضعيفة لا يمكن أن يوضع لها قاعدة إلا إذا كانت
علة التضعيف متعلقة بسوء الحفظ ؛ فإذا كان هناك سيئ الحفظ
روى حديثاً، وآخر شاركه في هذه الرواية وكان التواطؤ والالتقاء
بينهما بعيد التحقق أو الاتصال ممكن تقييد التقوية بسوء الحفظ
ونجعلها قاعدة مطردة ؛ أما أن يكون هناك عنعنة ، هناك تدليس
تسوية ، أو ما شابه ذلك ، أو يكون مثلاً يكثر من رواية المناكير،
ما أستطيع أن أقول - هنا - طرداً يستشهد بعنعنة ابن جريج أو لا
يستشهد .
س : الذي جعلني أسأل هذا السؤال أني وقفت على كلامكم في حجاب
٢٧

المرأة المسلمة بعدم الاستشهاد بتدليس ابن جريج فأنا فهمت من
ذلك قاعدة عامة ، لكن الآن فهمت - والحمد لله - أنه ليس فيه
قاعدة مطردة إنما يعود مع القرائن .
ج: ما من عام إلا وقد خُص .
س : قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف ، علمت أنكم ذكرتكم أنه
حجة بشرط أن يشتهر هذا القول عن الصحابي ؛ هل لابد من شرط
الاشتهار ؟ أو لو أن الصحابي قال قولاً ولم نعلم أحداً خالفه وليس
هناك ما يرده لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع . فهل يقدم
على القياس والاجتهاد ؟.
ج: لا شك أن قول الصحابي إذا لم يكن له مخالف ، وبالطبع أول
ما يدخل في هذا القيد أنه ليس مخالفاً للسنّة ، فلا شك أن قوله
أبرك وأنفع وأصوب من قول من جاء من بعدهم . لكني لا أستطيع
أن الزم الآخرين بهذا الذي أقول: الذي اطمأننت إليه ــ أخيراً -
أن قول الصحابي أنا أحتج به لنفسي بالشرط المذكور آنفا ؛ فإذا
أختلف قول صحابي مع قول إمام من أئمة المسلمين ، فقول الصحابي
أحب إليّ من قول ذاك الإمام . لكن هنا أيضاً قد يأتي شيء من
التفصيل لابد منه ، إذا كان جماعة من أئمة المسلمين خالفوا هذا
الصحابي في فتواه هنا يتضعضع موقفنا الأول وقد نميل إلى الموقف
الآخر . والحقيقة أن الذي أريد أن أنصح به طلاب العلم ، أن لا
يتصوروا أنه يمكن أن يُقطع في كل مسألة برأي ؛ لأنه لابد أن يبقى
٢٨

باب الاجتهاد مفتوحاً ، لكن لكل إنسان أن يدلي بدلوه وأن يقدم
برأيه ولو أنه آثره على رأي غيره .
باختصار : إذا اختلف قول صحابي مع قول تابعي أو إمام من أئمة
المسلمين فقول الصحابي عندي هو المعتمد ؛ أما إذا كثرت الأقوال
من أئمة معروفين بالفقه والعلم مخالفين لهذا الصحابي فحينذاك قد
يكون هناك موقف آخر .
س : بعض التابعين وصفت مراسيلهم بأنها من أضعف المراسيل ، أو أنهم
يروون عن كل أحد ، أو هي كالريح ، أو غير ذلك ، هل مراسيلهم
ممكن أن يُستشهد لها مع مسند آخر ضعيف ؟.
ج: إذا كان مسند واحد بين بين .
س : والرجوع في ذلك القرائن حول نكارة المتن أو عدم اشتهاره ؟.
ج :
لابد من هذا .
هذا يجرنا أيضاً للكلام حول مرسل ومرسل وإن لم يكونا ممن
س :
وُصفوا بهذا الوصف ، مرسل عن قتادة : مرسل عن تابعي ومرسل
عن تابعي آخر هل يُستشهد بهما من خلال كلام الشافعي ؟.
ج: لابد من ملاحظة ما قاله الشافعي وهو : أن يكونا مختلفين في السكن
وليسا من بلد واحد ، بحيث أنه يحتمل أن يكون شيخهما شيخاً
واحداً ، أما إذا كانا مختلفين في السكن ، واحتمال أن يكون شيخ
كل مرسل هو عين المرسل الآخر ، إذا كان هذا بعيد التصور ، ففي
هذه الصورة الضيقة ممكن تقوية مرسل بمرسل مادام أنهما لا يسكنان
٢٩

مكاناً واحداً . بهذا يفسر كلام الإمام الشافعي اختلاف المخرج .
س : لو أن هذا المرسل الصحيح إلى التابعي جاء من طريق آخر نفس المقن
مسند من تابعي آخر لكنه ضعيف . أما يحتمل أن التابعي المرسل
الأول قد أخذه عن التابعي الضعيف هذا الذي هو في المسند محتمل
هذا أيضاً ؟.
ج : هذا محتمل نظرياً بلا شك ، لكن أيضاً هنا لا بد من إجراء دارسة
حول بلدية هذا الضعيف .
س : مسألة أيضاً وقفت عليها وهي : أن بعض التابعين لا يعرفون بتدليس
إنما عرفوا بالإرسال ؛ يأتي ويقول : عن رجل من الصحابة ، وهو
يروي عن بعض الصحابة مرسلاً وعن بعضهم متصلاً ؛ ثم يأتي
ويقول : عن رجل من أصحاب رسول الله ﴿﴿ ؛ ونحن ما ندري هذا
الرجل المبهم من الصحابة هل هو سمع منه هذا التابعي أو ممن يرسل
عنه فما حكم مثل هذه الرواية ؟.
ج: ما الفرق بين هذا السؤال والسؤال السابق ؟ !: نحن نعرف أنه روی
بعض عن بعض الصحابة سماعاً ؛ لكن ما نعرف أنه روى عن بعض
الآخرين يسميهم وما نعرف أنه روى عنهم ، فكان الجواب هنا :
بأننا نحتج بروايته بحكم المعاصرة فما الفرق الآن بين هذا السؤال
والسؤال السابق ؟.
س : الحالة الأولى : كان الصحابي مسمىًّ وفي الحالة هذه الصحابي مبهم .
ج: لا فرق جوهري : بمعنى هذا الفرق يؤثر عند بعض المبتدعة الذين
٣٠

يطعنون في بعض الصحابة ؛ وأما عند أهل السنة الذين يقولون : أن
الصحابة كلهم عدول فسواء سُمي الصحابي أو لم يسم فهو حجة إذا
كان الراوي عنه ثقة وليس معروفاً بالتدليس . فمن هذه الحيثية لا
فرق بين السؤال الأول والسؤال الأخير هذا ، سوى أنه شكلية
اختلفت في السؤال الأول سُمي الصحابي ، لكن هناك كان الجواب
بأن روايته حجة لأنه غير معروف بالتدليس ، وهو معاصر له وهنا
الصحابي الذي لم يسم هو ليس مدلساً وهو ثقة ، ويقول رجل من
الصحابة : فلا علينا بعد ذلك سماه أو ما سماه النتيجة واحدة .
س : أيضاً بعض التابعين يقول حدثني رجل من الأنصار فهل يلزم من
ذلك أن يكون صحابياً ؟.
ج: لا. ما يلزم ولا يحتج به . أنا عندي مثال في هذا، كنت منذ كنت
في دمشق الشام صححت حديث أبي داود ، والذي يقول ما معناه
: (( من أدراك منكم الإمام ساجداً فليسجد ، ولا يعتد بالركعة ،
وإذا أدركه راكعاً فليعتد بالركعة )) (١). إسناد أبي داود ضعيف
لکن أوردته منذ ثلاثين سنة أو أكثر في صحيح أبي داود ؛ والسبب
أنني وجدت له شاهداً في السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٨٩ ، ومن
طريق عبد العزيز بن أبي رفيع قال ــ هنا الشاهد __ حدثني رجل من
(١) لفظ أبي داود ١ / ٨٩٣/٥٥٣ ((إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا،
ولاتعدوها شيئاً ، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة )) .
٣١

الأنصار وذكر الحديث .
قلت : - وهنا الشاهد - هذا الرجل من الأنصار إما أن يكون
صحابياً فحينئذٍ فالسند صحيح لأن عبدالعزيز بن أبي رفيع ثقة ومن
رجال الشيخين ؛ وإما أن يكون تابعياً فيكون رجلاً مجهولاً أي تابعياً
مجهولاً ، فرجعنا الآن إلى بعض الأسئلة المتقدمة ، فهذا يستشهد به
لأنه الراوي عنه ثقة احتج به الشيخين ويروي عن تابعي ومن
الأنصار هذه على الفرضية الثانية . ومضت الأيام هكذا ... ثم قدر
لي أن أقضّ كتاباً مخطوطاً قديماً ، ويعتبر أثرياً في المكتبة الظاهرية في
دمشق هو ( مسائل إسحاق بن منصور المروزي للإمام أحمد
وإسحاق بن راهويه ) بخط قديم جداً ؛ وإذا هناك يروي هذا الحديث
الذي رواه البيهقي ومن طريق عبد العزيز بن أبي رفيع قال : حدثني
رجل من الأنصار قال: سمعت رسول الله﴾ . إذن تأكدنا بأن
الاحتمال الأول هو الراجح ، فازددت يقيناً بما كنت صححت به
حديث أبي داود الذي هو ضعيف ، والذي ـ- مع الأسف الشديد
- كثير من إخواننا أهل الحديث لا يزالون حتى اليوم يقولون : بأن
مدرك الركوع ليس مدركاً للركعة ، مع أن هذا الحديث لو لم يكن
له أي شاهد ، وهذا موضوع آخر لکنه یُضم إلى ما سبق حديث أبي
داود لو لم يكن له مثل هذا الشاهد ، لكفى له شهادة عمل السلف
الصالح أبو بكر ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، كل
هؤلاء يقولون : بأن مدرك الركوع مدرك للركعة ، حتى إن ابن مسعود
٣٢

تف صح عنه بأنه دخل المسجد هو ورجل فأدركا الإمام راكعاً
فركعا ، لمّ سلم الإمام قام الرجل ليأتي بالركعة فجبذه وقال قد أدركت
الركعة (١).
لو لم يكن ما يشهد للحديث المرفوع إلا عمل الصحابة هذا
لاكتفيت - أنا - بهذه الشهادة ؛ فإنه شهادة قوية وهذا يشبه تماماً
ما نقلناه آنفاً عن ذاك اليماني المجهول لا يزال مجهولاً عندناً ، المقصود
إنه ضعّف حديث استفتاح الرسول . بـ((سبحانك اللهم ... ))
مع أنه ذكر أن عمره كان يعلم الناس وهو في الصلاة ، وهذا دعم
لهذا الحديث الضعيف وأيما دعم .
هذا ما يصح أن يكون جواباً عما سألت .
مسألة الاستشهاد بالمنقطع وبمجهول العين ؟.
س :
ج :
كذلك تارة وتارة بالقرائن .
يعني من الممكن أن يكون طريق منقطع وآخر منقطع ، أو مجهول
س :
عين ومجهول عين ؟.
نعم لكن ما يكونوا في طبقة واحدة ؛ كي لا يكون المخرج واحداً
ء
ج :
والرجل واحداً .
مسألة الجمع المبهم والحافظ ابن حجر يقول : وهؤلاء جمع تنجبر
س :
جهالتهم ، وكذلك السخاوي . لكن وقفت كثيراً أن هذا الكلام
(١) انظر الصحيحة ١/ ص ٤٠٢ وما بعدها للفائدة .
٣٣

يكون في طبقة التابعين ، ووقفت في قصة الإمام البخاري مع محدثي
بغداد في مشايخ ابن عدي . فهل هذه القاعدة معمول بها حتى وإن
كان دون التابعي كمثل إبراهيم عن بن مسعود ، وكلام إبراهيم
من دون التابعين ؟.
بالنسبة للتابعين والقريب عهدهم بهم ، أنا أطمئن إلى هذا الذي
ج :
رأيت وذكرته ، أما الذين جاءوا من بعدهم فهنا يأتي موضوع
الاجتهاد أيضاً ، لأنهم ليسوا في الصدق وفي الاعتناء بالحفظ كللذين
كانوا من قبل ، فيتوقف في المتأخرين فيمن دون التابعين .
س : وكذلك هذا الحكم يشمل قصة البخاري مع محدثي بغداد ، مع أنه
قد قبلها جمع كثير من الذين صنفوا المصطلح وذكروها واستشهدوا
بها ؟.
ج: أنا هكذا رأيي .
قول التابعي : ( من السنة كذا ) هل له حكم الوقف ، أو حكم
س :
الرفع ، أو يكون مرسلاً؟.
له حكم الوقف بخلاف قول الصحابي .
ج :
س : هل بينهما فرق ؟ لو أن واحداً آخر قال : لها حكم الرفع ، ويكون
مرسلاً في باب الشواهد ، والمتابعات بينهما فرق في العمل ؟.
ج :
طبعاً يوجد فرق كيف لا؟ !.
س : في حالة الإرسال يصلح في الشواهد والمتابعات ، وفي حالة الوقف لا
يصلح .
٣٤

ج : نعم .
س : تصحيح بعض الأئمة لبعض الأحاديث التصحيح المجمل ، وهذا
حدیث صحیح کإدخال ابن خزيمة حديثاً في صحيحه ، ويكون أحد
رواة هذا السند ليس معنا إلا تصحيح ابن خزيمة في هذا الحديث ؛
فهل هذا التصحيح يرفع من حال الراوي الذي لم يوثقه أحد ؟.
ج : هذا كتصحيح ابن حبان ، لكن مع النسبة التي ذكرناها بينه وبين
العجلي ، فأيضاً ابن خزيمة عنده شيء من هذا التساهل ، لكن ليس
كثيراً ؛ لأننا نجده يخالف تلميذه ابن حبان في كثير من الرواة حيث
لا يحتج بحديث من يقول فيه : لا أعرفه بعدالة ، بينما ابن حبان
يقول : الأصل في الراوي أو في المسلم العدالة .
أريد أن أقول : أن تصحيح ابن خزيمة أقوى من تصحيح ابن حبان
لكن إذا وقفنا على تصحيح له ، وفيه رجل لم يوثقه أحد سوى ابن
خزيمة ، أو تلميذه ابن حبان ، وليس له من الرواة كثيرون فحينئذ
يتوقف في تصحيحهم .
س : مسألة أخبار الآحاد وما يدور بين طلبة العلم في هذه المسألة ؛ فمن قائل
إن أخبار الآحاد خارج الصحيحين ولا تحفها قرينة فيقولون : إن هذه
تفيد العلم اليقيني . وآخرون يقولون : تفيد غلبة الظن . فما الذي ترجح
لديكم في هذا الباب ؟.
ج: لا شك أن حديث الآحاد بغض النظر عن القرائن تفيد غلبة الظن
هذا ما ينبغي أن يُشك فيه إنسان ، وهذا نعرفه بالتجربة ، لأننا نحن
٣٥

حينما نقول : هذا حديث صحيح الإسناد ، فقد يتبين لنا شخصياً
بأننا كنا مخطئين ، وأنا أعتقد أن كل إنسان من أهل العلم سواء
كانوا من المتقدمين ، أو المتأخرين يجري عليهم ما يجري على
الآخرين من احتمال الخطأ فإذا روى ثقة ما حديثاً ما ؛ هذا لازمه أن
الحديث صحيح ، لكن من حكم بناء على رواية هذا الثقة على
الحديث بأنه صحيح . فهو بشر ، وممكن أن يخطئ ، سواءً كان
خطؤه من الحاكم على هذا الإسناد بالصحة ، أو كان الخطأ أن هذا
الثقة الذي نحن تمسكنا بثقته أنه كان الواهم في روايته للحديث .
المهم : أنا أتعجب ـــ حقيقةً ــ من بعض الأفاضل ، سواءً كانوا من
المتقدمين ، أو المتأخرين حينما يطلقون أن حديث الآحاد يعني
الصحيح من الثقة يفيد القطع . هذا خطأ واضح جداً ، أما إذا حفت
به القرائن فحينئذ تدرس هذه القرائن ويُعطى لكل دراسة نتيجتها .
س : بدا لي يا شيخنا في سؤال سبق ، وكذلك في جواب سبق عليه
إشكال أريد الجواب عليه ، وهو : في مسألة قول التابعي : ( من
السنّة كذا )، فرجحتم أن له حكم الوقف ، وذكرتم أن بين قولكم
ے
له حكم الوقف وله حكم المرسل ؛ أن بينهما فرقاً ، مع أن الإمام
الشافعي لما ذكره في باب الشواهد قال في الحديث المسند الضعيف :
أن يشهد له مرسل صحيح أو يشهد له قول صحابي لم يُعرف له
مخالف ، فإذا حكمنا أيضاً بأن له حكم الوقف ؛ أما يمكن أيضاً أن
يكون هذا شاهداً للمسند الضعيف الذي معنا ؟.
٣٦

ج: له حكم الوقف ، يعني موقوف على التابعي ليس على الصحابي ،
ومن باب التعبير العلمي الصحيح له حكم المقطوع ، ثم لعلك تذكر
لماذا علماء الحديث فرقوا بين قول الصحابي : ( من السنة كذا )
وبين قول التابعي : ( من السنة كذا ) فجعلوا ذلك مرفوعاً وجعلوا
هذا - أعود لأقول ـ موقوفا؛ يعني على التابعي، لأن لسان الحال
أنطق من لسان المقال ، فالبحث في هذا التابعي حينما قال من السنة
. ذكروا أن الفرق بين قول الصحابي من السنة كذا أنه يعني السنة
التي يعرفونها في عهدهم ؛ بينما التابعي قد يعني السنة التي قد يكون
ستّها بعض ولاة أمرهم فهذا لا يكون في حكم ذاك ؛ ولذلك أعطوه
حكم الوقف أي حكم المقطوع .
س : وسنة الوالي في زمن التابعي ما يشترط أن يكون صحابياً قد يكون
تابعياً .
هو هذا .
ج :
س : من ناحية ابن لهيعة ، ورواية العبادلة عنه ، وابن لهيعة قد ذكره
الحافظ في طبقات المدلسين من الطبقة الخامسة ممن ضعف مع تدليسه .
وانظر لصنعيكم في الكتب ، إذا كانت من رواية العبادلة تمشونها ،
وإن كان بالعنعنة بينه وبين شيخه فهل صنيع الحافظ غير مقبول ؟.
ج: هذا هو الظاهر من صنیعه هو ولیس من قوله ، ما طبق هذا في ما
يُتوقف في عنعنته .
س : بعض طلبة العلم زادوا على العبادلة آخرين .
٣٧

ج: هذا صحيح ، لكن ليس من عندهم ، لأنهم ليسوا مستقصين ، وإنما
نقلاً عن الحفاظ والنقاد کالذهبي وأمثاله ، فإن كانت الزيادة هذه من
هؤلاء الطلبة من هذا القبيل ، فعلى الرأس والعين ، أما من عند
أنفسهم فنحن اليوم ليس لنا العلم إلا بطريق الوجادة .
س: تعريف الحسن لغيره ومجالاته واسعة هل عندكم تعريف جامع له ؟
وكما يقول الحافظ الذهبي : وأنا على إياس من ذلك .؟.
ج : لا .
س : رأيت في كتاب الإرواء حديثا جاء من طريق صحابيين في أحد
الطريقين رجل ضعيف خالف في روايته حديثاً صحيحاً فحكمتم
عليه بالنكارة ؛ ما اكتفيتم بأن هذا السند ضعيف ، وكان الذي
يظهر لي من قبل أن الحكم بالنكارة أو الشذوذ ، إنما هو إذا اتحد
المخرج ، أما مع اختلاف المخرج كنت أظن أنه يُقال سنده ضعيف
وعندنا الصحيح الذي نقبله ونرد هذا ، فهل لا يشترط في النكارة
اتحاد المخرج ؟ أو وإن اختلف المخرج أيضاً يمكن الحكم بالنكارة ؟
مثاله في الإرواء ٤ / ٣٢ / ٩١٧ : ( حديث أبي ذر عن النبي
:
(( لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور ، وعجلوا الفطر )) . رواه
أحمد .
منكر بهذا التمام . أخرجه أحمد ( ٥ / ١٤٦، ١٧٢ ) من طريق
ابن لهيعه عن سالم بن غيلان عن سليمان بن أبي عثمان عن عدي بن
حاتم الحمصي عن أبي ذر به .
٣٨

قلت : وهذا سند ضعيف ، ابن لهيعه ضعيف ، وليس الحديث من
رواية أحد العبادلة عنه . وسليمان بن أبي عثمان مجهول ، وبه أعله
الهيثمي ، فقال في ((مجمع الزوائد )) ( ٣/ ١٥٤) :
(( وفيه سليمان بن أبي عثمان قال أبو حاتم : مجهول )) .
وسکوته عن ابن لهیعه ليس بحید .
وإنما قلت إن الحديث منكر ، لأنه قد جاءت أحاديث كثيرة بمعناه لم
يرد فيها (( تأخير السحور )) أصحها حديث سهل بن سعد مرفوعاً
بلفظ : (( لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار )) ... الخ ؟.
ج :
في أثناء تخريجي للحديث إذا كان الراوي الضعيف روى متناً ولم
يشاركه فيه غيره سميت الحديث بأنه حديث منكر ؛ لأن تعريف
المنكر: رواية الضعيف ما خالف فيه الثقة فالآن - بارك الله فيك -
إذا تفرد الضعيف بزيادة خالف فيها الطرق كلها أيهما أقرب إلى
الشهادة فيه بأنه منكر ؟ الثانية ؛ إذن أعطيتك الجواب من باب
أولى . بل هناك ما هو أولى من ذلك عند التفرد ، وأذكرك لعلك
تعلم من مذهب الإمام أحمد أنه يقول عن الحديث الذي تفرد به
ضعيف : إنه حديث منكر ، وأذكر مثالاً على هذا حديث
: (( بركة الطعام الوضوء قبله وبعده ))(١). يقول الإمام أحمد: إنه
حديث منكر تفرد به قيس بن الربيع .
(١) انظر الضعيفة ١/ ٢٠٠ / ١٦٨.
٣٩

س : من ناحية جابر الجعفي هل الراجح في حاله أنه متروك لا يُستشهد به؛
لأني وقفت على مواضع لكم تستشهدون به ومواضع أخرى تردونه ؟.
ج: في الحديث - بغض النظر عن رجعيته - ما اطمأننت لاتهامه
بالكذب ؛ وإنما هو ضعيف فقد نستشهد به على ما سبق ذكره في
بعض الأجوبة .
س : ويكون متروكاً إذا بانت النكارة ؟.
١
ج: نعم .
س : وكذلك الحارث الأعور ؟ . .
ج: نعم. كذلك الحارث .
س : من قيل فيه صدوق تغير بآخره في مراتب الشواهد أو الاحتجاج ؟.
ج: تغير، إذا ما اختلط لا بأس يكون حديثه حسناً .
س : إذا قالوا تغير والتغير أخف من الاختلاط ، ولم يعلم تلميذ هذا في
زمن الاستقامة أم لا ؟.
ج : حسن .
س : وكذلك صدوق يخطئ ومن على شاكلته ؟.
ج: أي نعم إلا إذا كان يخطئ كثيراً.
س : في بعض الأشرطة سمعتكم تقولون : صدوق يخطئ مرتبة استشهاد لا
مرتبة احتجاج . وأذكر أني سألتكم في مدينة رسول الله (8 في سنة
١٤١٠ هــ فقلت لكم: بعض المواضع أراكم تحتجون بمن قيل فيه
صدوق يخطئ ، فقلت لي : أتظنني حجرياً ؟! أكلُ ما يقول عنه ابن
٤٠