النص المفهرس
صفحات 261-280
الدين ما زال هكذا ولن يزال إلى المحشر ولا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً ، وهكذا من كان من المشتغلين بعلم التقليد وأنه كالجاهل بل أقبح منه ، لأنه يضم إلى (١) جهله وإقراره على بدعته وتحسينها في عيون أهل الجهل ، الازدراء بالعلماء المحققين العارفين بكتاب الله وسنة رسوله ويصول عليهم ويحول وينسبهُم إلى الابتداع . ومخالفة الأئمة والتنقيص من شأنهم فيسمع منه الملوك ومن يتصرف بالنيابة عنهم من أعوانهم فيُصدّقونه ويذعنون لقوله إذ هو مجانس لهم في كونه جاهلاً وإن كان يعرف مسائل قد قلد فيها غيره ، لا يدري أهي حق أم باطل ، ولا سيما إذا كان قاضياً أو مفتياً فإن العامي لا ينظر إلى أهل العلم بعين مميزة بين من هو عالم على الحقيقة ومن هو جاهل ، وبين من هو مقصر ومن هو كامل لأنه لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلاّ أهله (٢). وأما الجاهل فإنما يستدل على العلم بالمناصب والقُرْب من الملوك واجتماع المتدرسين من المقلدين وتحرير الفتاوى للمتخاصمين . وهذه الأمور إنما يقوم به رؤوس هؤلاء المقلدة في الغالب كما يعلم ذلك كل عالم بأحوال الناس في قديم الزمن وحديثه ، وهذا يعرفه الإنسان بالمشاهدة لأهل عصره وبمطالعة كتب التأريخ الحاكية لما كان عليه مَن قبْلَه، وأما العلماءُ المحققون المجتهدون فالغالبُ على أكثرهم الخمولُ لأنه لما كَثُر التفاوتُ بينهم وبين أهلِ الجهلِ كانوا متقاعدين لا يرغَبُ هذا في هدا ولا هذا في هذا : فعله هي ومنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه (١) في ((الأصل)): على، وما أثبتنا من ((القول المفيد))، وهو الصواب. (٢) هذه الكلمة الطيبة ، ينسبها كثير من الكتاب والخطباء والوعاظ للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تصح نسبتها اليه ، لضعف اسنادها ، قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ١٠٨: ضعيف، ومعناه صحيح، وانظر ((الغماز على اللماز)) رقم: ٤٦ و((الموضوعات)) ١ / ٣٨١ و «اللآلى المصنوعة)) ٣٦٤/١ و((أسنى المطالب)) رقم: ٣٧٧ ٢٦١ فهذا زاهد في حق هذا وهذا فيه أزهد منه فيه ومما يدعو العامة إلى مهاجرة أكابر العلماء ومقاطعتهم أنهم يجدونهم غير راغبين في علم التقليد الذي هو رأس مال فقهائهم وقضاتهم والمفتين منهم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الاجتهاد . وهي عند هؤلاء المقلدة ليست من العلوم النافعة ، بل العلوم النافعة عندهم هي التي يتعجلون نفعها بقبض جرايات التدريس وأجرة الفتاوى ومفردات القضاء . فالغالبُ على هؤلاء التعصبُ المفرط على علماء الاجتهاد ورميهم بكل حجر ومدَرَ (١) وإيهام العامة بأنهم مخالفون لإمام المذهب الذي قد ضاقت أذهانُهم عن تصور عظيم قدره وامتلأت قلوبُهم عن هيبته حتى تقرر عندهم أنه في درجة لم تبلُغْها الصحابةُ فَضْلاً عن مَنْ بعْدَهم . وهذا وإن لم يصرّحوا به فهو مما تُكفّه صدورهم ولا ينطقُ به لسانُهم ، فمع ما قد صار عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحداً من علماء الاجتهاد الموجودين يخالف في مسئلة من المسائل كان هذا المخالفُ قد ارتكب أمراً شنيئا (٢) وخالف عندهم شيئا قطعياً وأخطأ خطأ لا يكفّرُه شيء . وإن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يُقبل منه ذلك ولا يَرفع لما جاء به رأسا كائناً من كان ، ولا يزالون مُنَقِّصين له بهذه المخالفة انتقاصاً شديداً على وجه لا يستحلونه من الفسقة . لا من أهل البدع المشهورة كالخوارج والروافض ويبغضونه بغضاً شديداً ، فوق ما يبغضون أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن أذكر هذا فهو غير محقّق لأحوال هؤلاء . وبالجملة فهو عندهم ضالّ مُضِلّ ولا ذنب له إلاّ أنه عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب (١) هو الطين اللزج المتماسك . (٢) أي: بغيضا، وفي ((القول المفيد)): شنيعا. ١٢٦٢ على كل مسلم تقديمُ كتاب الله وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم على قول كل عالم كائناً من كان ومن المصرحين بهذه الأئمة الأربعة فإنه صَحّ عن كل واحد منهم هذا المعنى من طرق متعددة . انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعانى . ومن أنكر الإجمالَ هان عليه التفصيل. وأما الشيخ محمد (١) صاحب نجد المردود عليه وعلى من انضم إليه فلنذكر من حديثه ما يشفي العليل ويروي الغليل فنقول .: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن (محمد بن)(٢) أحمد بن راشد بن يزيد (٣) بن محمد بن يزيد بن مشرف . هذا هو المعروف من نسبه ويُذكر أنه من مُضَر ثم بني تميم والله به عليم . ولد سنة خمسة عشر بعد المئة والألف بالعيينة (٤) من بلاد نجد ونشأ بها وقرأ القرآن وأخذ عن أبيه ، وهم بيت فقه حنابلة ، ثم حج وقصد المدينة ولقي بها شيخاً عالماً من أهل نجد اسمه عبد الله بن إبراهيم (٥) قد لقي أبا المواهب البعلي الدمشقي (٦) وأخذ عنه ، وانتقل مع أبيه إلى حريملا من نجد أيضاً ، ولما مات أبوه رجع إلى العيينة وأراد نشر الدعوة فرضيَ أهل العيينة بذلك ثم خرج عنها بسبب إلى الدرعية وأطاعه أميرها محمد بن سعود (٧) من آل مقرن . ويذكر (١) أي : محمد عبد الوهاب. (٢) سقطت من ((الاصل)) ومن ((أبجد انعلوم))، واستدركتها من ((عنوان المجد)» ٨٩/١ (٣) من هنا الى آخر اسمه، ذكره ابن بشر في ((عنوان المجد)) فقال : بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب . (٤) وهي تقع شمال الرياض . (٥) واسمه عبد الله بن ابراهيم بن سيف، من آل سيف النجدي ، كان رأسا في بلد المجمعة ، وهي قرية في ناحية سدير، ((عنوان المجد))٧/١ (٦) هو محمد بن عبد الباقي بن عبد القادر، المتوفى سنة ١١٢٦ هـ ترجمته في ((سلك الدر في أعيان القرن الثاني عشر)) ٦٧/١ - ٦٩ للمرادي و ((تاريخ الجبرتي)) ٧٢/١ و((هدية العارفين)) ٣١٢/٢. (٧) المتوفى سنة ١١٧٩ وانظر ((عنوان المجد)) ٤٩/١ و((الاعلام»١٣٨/٦ ١٢٦٣ أنهم من بني حنيفة ثم من ربيعة واللّه أعلم. وهذا في حدود سنة تسع وخمسين بعد المئة والألف (١) وانتشرت دعوته في نجد وشرق بلاد العرب إلى عُمان. ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلاّ في حدود المئتين والألف، وتوفي سنة ست بعد المائتين والألف (٢) . قال الشيخ شيخنا الشريف محمد ابن ناصر الحازمي (٣) في ((فتح المنان)) (٤): وهو رجل عالم متبع ، الغالب عليه في نفسه الاتباع ورسائله معروفة ، وفيها المقبول والمردود وأشهر ما ينكر عليه خصلتان كبيرتان . الأولى : تكفير أهل الأرض بمجرد تلفيقات لا دليل عليها (٥) . والثانية: التجاري على سفك الدم المعصوم بلا حجة وإقامة (٦) برهان، وتتْبع هذه جزئياتٌ وهي حقيرة تُغتفر مع صلاح الأصل وصحته . والله أعلم . وقد بنى الشيخ محمد المذكور طريقته على اتباع ابن تيمية وابن القيم (٧) -في زعمه-وأخذ من أقوالهما أطرافاً بحسب (١) ذكر المصنف رحمه الله، في ((أبجد العلوم)) أن هذا في حدود ١٢٠٦ هـ وهدا وهم ، فهذه هي السنة التي توفي فيها الشيخ رحمه الله . (٢) هذا هو الصواب، لكن المصنف رحمه الله قد وهم في ((أبجد العلوم)) ١٩٤/٣ فقال : وتوفي سنة ١٢٠٩ (٣) المتوفى سنة ١٢٨٣" ترجمته في ((هدية العارفين)) ٣٧٨/٢ و((الاعلام)) ١٢٢/٧ و((معجم المؤلفين)) ٧٢/١٢. (٤) واسمها ((فتح المنان في ترجيح الراجح وتزييف الرائف من صلح الاخوان)) وهي في الرد على رسالة السيد داود بن سليمان المسماة بـ ((صلح الإخوان في الرد على من قال على المسلمين بالشك ( كذا ) والكفران)) وهي في معرض الرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وتلامذته ، واتباعه، كذا في هامش ((أبجد العلوم)) ١٩٥/٣ بخط نور الحسن ابن المؤلف رحمهما الله تعالى. (٥) انظر الجواب على هذا في ((الضياء الشارق)) ٣٣-٣٥ للشيخ سليمان ابن سحمان، وكتاب ((الشيخ محمد بن عبد الوهاب)) ٨٢، ٨٣ للشيخ احمد بن حجر . (٦) انظر المصدرين السابقين . (٧) انظر لزاما ما علقه سماحة الشيخ عبد العزيز بن بازعلى كتاب ((الشيخ محمد ابن عبد الوهاب)) ٩١ للشيخ أحمد بن حجر، وانظر ص ٣٩ منه. ٢٦٤ ما وقع له من الاطلاع والإشراف وقد أصاب في بعض ما نقله وأخطأ في البعض وساء فهماً. وأخذ على غير القصد في بعض وقد أحْيَتْ دعوتُه بعضاً من الشريعة وأماتت كثيراً من الباطل في نجد والحجاز واليمن رحمه الله. وتجاوز عنه فيما أخطأ فيه وجزاه أحسن ما عمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه(١). والشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية . وأهله بيت علم حنابلة يتوارثه خلفهم عن سلفهم . وهو من أعاظم حفاظ القرن السابع وأفضلهم (٢) . والشيخ شمس الدين هو أبو عبد الله محمد بن الإمام قَيّم الجوزية (٣) الزرعي (٤) الحنبلي الحافظ المصنف ، وهما إمامان عالمان عاملان ثقتان تقيان من أفضل علماء الحنابلة . وأحدهما يتبع الآخر (٥) وانفردا بأقوال واختيارات (٦) أنصفا في بعضها والله يحب (١) وللمصنف كلمة جميلة في الامام محمد بن عبد الوهاب في كتابه ((ألتاج المكلل)) ص ٣٢٩ فلتراجع . (٢) المتوفى سنة ٧٢٨ ترجمه المصنف في ((التاج المكلل)) ٤٢٠ و((أبجد العلوم)) ١٣٠/٣ و((اتحاف النبلاء)) ٢٠٢. (٣) نسبة الى المدرسة التي أنشأها محيي الدين أبو المحاسن يوسف بن عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ، المتوفى سنة ٦٥٦، وسمي بابن القيم لان أباه كان قيما عليها . (٤) المتوفى سنة ٧٥١ ترجمه المصنف في ((التاج المكلل)) ٤١٦ و((أبجد العلوم)) ١٣٨/٣ و((اتحاف النبلاء)) ٣٧٠، وتحرفت نسبته في ((الأصل)) الى : الدرعي، بالذال المهملة ، وهو تحريف ، صوابه: الزرعى ، بالزاي المعجمة ، نسبة الى ((زرع)) بحوران وهي المعروفة اليوم بـ (( أذرع)). (٥) يشير الى اتباع ابن القيم لشيخه ابن تيمية رحمهما الله تعالى. (٦) أنظر ((العقود الدرية)) ٣٣٨ لابن عبد الهادي و((غاية الاماني في الرد على النبهاني)) ٣٥١/١ و((جلاء العينين)) ٢٤٧. ١٢٦٥ الإنصاف وامتحنا بسبب بعضها (١) وبالجملة فقد تعبا لأنفسهما وأدّيا ما كان عليهما وبقي ما كان لهما ولم يتعبد أحد من الخلق باتباعهما ولا بالعمل بأقوالهما وفعالهما ولا غيرهما ممن قبلهما أو بعدهما . وإنما المتعبد به ما جاء عن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم من وحي متلو أو غير متلو من قول أو فعل أو تقرير وفي ذلك ما يكفي المُتبع ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) (الأنعام : ٣٨) ولم يُحوجِ الله الخلقَ إلى أحد بعد الكتاب والسنّة . فثبتنا اللّه الكريمُ بدينه سواءَ سبيل المصطفى المتثبت وأن ليس إلاّ اتباع لفرقة ومن ظن أن الأمر ليس بممكن وقبلته ليست إليه بوجهة (٢) فأحباره أربابه دون ربه بتيسيره القرآن في غير مرة (٣) وقد كرّر اللّهُ الحليمُ منبهاً مُسَهْلَةٌ للأخذ في كل بلدة وسنة خير المرسلين علومها انتهى ملخصاً . وقد أثنى عليهما الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي والشاه ولي الله المحدث في تآليفهما وذكراهما بخير وما أحقهما باتباع الحق الحقيق بالاتباع وتحقيق الصدق ، والصواب النائي عن وجوه الابتداع كيف وهما لا يقولان شيئاً إلاّ ومعه دليلُه من السنة والكتاب. وهذه هي السجيّةُ (١) قال الامام الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١٤٩٦/٤: وقد انفرد بفتاوى نيل من عرضه لاجلها ، وهي مغمورة في بحر علمه ، فالله تعالى يسامحه ويرضى عنه ، فما رأيت مثله ، وكل أحد من الامة فيؤخذ من قوله ويترك ، فكان ماذا ؟! (٢) فيه غلو وافراط ، كما لا يخفى . (٣) كما في سورة القمر : ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠ وسورة مريم: ٩٧ وسورة الدخان ٥٨ وغير ذلك . ٢٦٦ الرضيّةُ لأولي الألباب . وإنما المعترض عليهما بعيدٌ عن الإنصاف قريبٌ من التعصب والاعتساف ، ليس له من العلم خلاق ، وما له بأهل التقوى والحق من وفاق ، أو جاهل معاند أو مبغض حاسد ، وكل من له اطلاع على أحوال هؤلاء الكرام وعثور عن تآليف أولئك الأعلام ولا يتفوه أبداً بأمثال هذا الكلام الناشىء عن الطعن والملام . وهكذا الاعتقاد في جملة العلماء من دون تخصيص أحد من الفضلاء الصلحاء . وإنما المُصاب مَن حُرِم طريقَ الحق والصواب ، وإن شئت الحق الصريح والقول الصحيح ، فاعلم أن المحدثين ومن يسلك مسلكهم هم المجددون للدين في الحقيقة لا غيرهم وعليهم تنطبق صفة المجددين الواردة في الحديث دون من سواهم كما قال صاحب ((التفهيمات)) (١): وأقرب الناس إلى المجددية المحدّثون القدماء كالبخاري ومسلم وأشباههم . ولما تمت بي دورة الحكمة ألبَسَني اللهُ تعالى خِلْعة المُجددية . فعلمت علمَ الجمع بين المختلفات وعلمت أنَّ الرأي في الشريعة تحريفٌ وفي القضاء مكرمَةٌ وأشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة روحانية، أن مراد الحق فيلك أن تجمع شملاً من شمل الأمة المرحومة بك ، انتهى . وقد وقع كما قال : ولله الحمد ويؤيد هذا حديث إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قالى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدولُه ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. رواه البيهقي في كتاب ((المدخل)) مرسلاً (٢) . وهذا (١) هو الامام ولي الله الدهلوي، وقد تقدم الكلام على كتابه هذا وكلامه هنا، وفي كتابه هذا خاصة ، مستغرب من مثله، رحمه الله ، وعفا عنه. (٢) فان ابراهيم بن عبد الرحمن تابعي، وانظر ((الميزان)) ٤٥/١، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في أول الكتاب ، فليراجع . ٠٢٦٧ النفي أمر لا يشاهد في غير أهل الحديث كما هو الظاهر على المطلع العارف بأحوالهم قديماً وحديثاً . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)). رواه أبو داود (١) من حديث أبي هريرة. قال صاحب ((التفهيمات)): المجدد رجل رزقه الله سبحانه وتعالى حظاً من علم القرآن والحديث ثم أُليسَ لباسَ السكينة فجعل يضعُ التحليل والتحريمَ والوجوبَ والكراهةَ والاستحبابَ والإباحة موضعها ويُنقّح الشريعةَ عن الأحاديث الموضوعة وأقية القائسين وعن كل إفراط وتفريط في الدين ثم أظمأ اللّهُ أكباداً إليه فأخذوا عنه العلم . والفرق بينه وبين الوصيّ أنه متعلم من ظاهر العلم ، والوصيّ أخذَ حظه من شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم وُفَقَ بظاهر العلم وعندنا أن تخمين لا تعيين ويعتبر المئة من وفاته صلى الله عليه وسلم ، انتهى . وسبب ذلك انخرام العلماء غالباً على رأس كل مئة سنة واندراس السنن وظهور البدع فيحتاج إلى تجديد الدين للأمة المرحومة بإحياء ما اندرس من العمل بالسنّة والكتاب والأمر بمقتضاها فالمبعوث على رأس المئة ، والمجدد للدين لا بد أن يكون عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ناصراً للسنة قامعاً للبدعة . والمراد برأس المئة: أولها من الهجرة فيأتي الله من الخَلَف بعوض من السلف ، إما واحداً أو متعدداً في مكان واحد أو أمكنة متعددة كما وقع في رأس هذه المئة الحاضرة وقبلها بقليل زمان في الهند والعرب وغيرها (١) برقم ٤٢٩١ والحاكم ٤ / ٥٢٢ والخطيب في ((التاريخ)) ٦١/٢ واسناده صحيح . ٢٦٨ من البلدان . وهم أمثال الشاه ولي الله المحدث الدهلوي والمولى محمد إسماعيل الشهيد ، والشيخ محمد فاخر الإله آبادي ، والشيخ محمد حيات السندي المدني (١) المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وألف (٢) والسيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليمني والإمام محمد بن علي الشوكاني والشيخ صالح بن عمر الفلاني والسيد محمد بن ناصر الحازمي . ومن حَذَا حذْوهم من الأقاصي والأداني ، فأولئك فرسانُ هذا الميدان ومن لهم في السباحة يُدان. فمَنْ يستطيع أن ينقص طريقهم في هذا الشان ؟ أو يسبقهم يوم الرهان ؟ جزاهم الله تعالى على صنيعهم عَنّا وعَنْ جميعِ المسلمين جزاءً وفاقا وسقاهم من الرحيق المختوم كأساً دهاقا (٣) ورزقنا وجميع المتّبعين اتباعَ طريقهم الحق وسلوك منهاجهم الصدق على وجه الإنصاف وجنبنا وجملة المسلمين عن الزيغ والزلل والتعصب والتقشف والضلالة والاعتساف . والله ولي التوفيق . وقد بدا لي أن أختم هذا الفصل المستطاب بذكر قصيدة بديعة نظمها المولى الإمامُ تاجُ المسلمين والإسلام محمد بن إسماعيل الأمير (٤) رحمه القدير في الحث على العمل بالسنّة والكتاب تتميماً للكلام وتقريعاً للطعام ، ولله دَرّهُ وعلى الله أجرُه، فقد أتى فيها بالعجب العجاب وأدخل جنات الفوائد من كل باب وهي هذه : أما آن عمّا أنت فيهِ متابُ وهل لكَ من بعد البعاد إيابُ (١) ترجمه المصنف في ((أبجد العلوم)) ١٦٩/٣ والمرادي في ((سلك الدرر)) ٣٤/٤ وابن بشر في ((عنوان المجد)) ٢٥/١. (٢) هذا وهم من المصنف رحمه الله ، فالصواب في تاريخ وفاته ما ذكره هو رحمه الله في ((أبجد العلوم)) ومثله مصادر الترجمة الاخرى : سنة ١١٦٣ هـ . (٣) أي : مليئا . (٤) وهي في ((ديوانه)) ١٨ - ٢١ مطبعة المدني. ٢٦٩ تقضّت بك الأعمار في غير طاعة سوى عمل ترضاه وهو سرابُ وقد وافَقَهُ سنّةٌ وكتابُ فللعمل الإخلاصُ شرطٌ إذا أتى وقد صین عن کل ابتداع و کیف ذا طغى الماءُ من بحر ابتداع على الورى وطوفان نوح كان في الفُلْك أهله فأنّى لنا فُلْكٌ يُنجِّي وليته وأين إلى أين المطار وكلما وقد طبق الآفاق منه عبابُ فلم ينجُ منهُ مركب وركابُ فأنجاهُمُ والكافرونَ تَبَابُ يطير بنا عمّا نراه غراب على ظهرها يأتيك منه عجابُ نسائل من دار البلاد سياحةٌ عسى بلدة فيها هدى وصوابُ وليس لأهليها يكون متابُ فيخبر كلّ عن عجائب ما رأى لأنهم عَدّوا قبائحَ فعلهم كقوم عراة في ذرى مصرّ ما علا ويدورون فيها كاشفي عوراتهم يعدونهم في مصرهم فضلاءهم وفي كل مصر مثلُ مصرَ وإنما ترى الدين مثل الشاة قد وثبت لها فقد مزقتهُ بعد كل ممزق وليس اغتراب الدين إلاّ كما ترى فيا غربةً هل يرتجى منك أوبةٌ فلم يبقَ للراجي سلامةُ دينه كتابٌ حوى كلّ العلوم وكلّ ما فإن رُمْتُ تاريخاً رأيت عجائباً ولاقيت هابيلاً قتيل شقيقه محاسنَ يُرجى عندهنّ ثوابُ على عورة منهم هناك ثيابُ تواتَرَ هذا لا يُقال كذاب دعاؤهم فيما يرون مجابُ لكلٍ مُسمى والجميع ذئابُ ذئاب وما عنه لهنّ ذهابُ فلم تبق منه جثة وإهابُ فهل بعد هذا الاغتراب إيابُ فيُجْبَرَ من هذا البعاد مصابُ سوى عزلة فيها الجليسُ كتابُ حواهُ من العلم الشريف صوابُ ترى آدماً إذا كان وهو ترابُ يواريه لما أن رآه غراب ٢٧٠ وتنظر نوحاً وهو في الفلك إذ طغى وإن شئت كل الأنبياء وقومهم ترى كل ما تهوى ففي القوم مؤمن وجنات عدن حورها ونعيمها فتلك لأرباب البقاء وهذه فإن ترد الوعظ الذي إن عقلته تجده وما تهواهُ من أي مشرَب وإنْ رُمْتَ إبراز الأدلة في الذي تدلّ على التوحيد فيهِ قواطع وما مطلبٌ إلاّ وفيه دليلُه وفيه الدوا من كل داء فَئِقْ به وفي رقْيَةِ الصحب اللديغ قضيةٌ ولكنَّ سكّان البسيطة أصبحوا فلا يطلبون الحقّ منه وإنما فإن جاءهم فيه الدليل موافقاً رَضَوه وإلاً قيل هذا مُؤْولٌ تراه أسيراً كلّ حبر يقوده أتعرض عنهُ عن رياض أريضة بريك صراطاً مستقيماً وغيرُه تزيد على مَرّ الجَديدَيْن(١) جِدّةٌ على الأرض من ماء السماء عبابُ وما قال كل منهم وأجابوا وأكثرهم قد كذبوه وخابوا وناراً بها للمشركين عذابٌ لكل شقيّ قد حواهُ عقابُ فإن دموع العين عنه جوابُ فلاروح منهُ مطعم وشرابُ تريد فما تدعو إليه تجابُ بها قُطّعَتْ للملحدين رقابُ وليس عليهِ للذكيّ حجاب فوالله ما عنهُ ينوب كتابُ وقررها المختار حين أصابوا كأنهمْ عَمّا حواه غضاب يقولون من يتلوه فهو مُثاب لِمّا كان للآباء إليه ذهاب ويركب للتأويل فيه صعابُ إلى مذهبٍ قد قررته صحابٌ وتعتاض جهلاً بالریاض مضابُ مفاوزَ جهلٍ كلّها وشعابُ فألفاظه مهما تلوت عذاب (١) هما الليل والنهار، كما في ((جنى الجنتين)) ٣٣ للمحبي .. ٢٧١ وآياتُهُ في كلّ حين طَرِيّةٌ فقيهِ هدىِّ للعالمين ورحمةٌ فكل كلام غيره القشر لا سوى دعوا كل قول غيره ما سوى الذي وعَضّوا عليه بالنواجذ واصبروا ترَوْا كلّ ما ترجون من أي مطلب أطيلوا على السبع الطوال وقوفكم وكم من ألوف في المثاني فكن بها (١) وفي طيّ أثناء المثاني نفائسٌ وكم من فصول في المفصّل قد حوت وما كان في عصر الرسول وصحبه تلا ((فُصّلَت)) لما أتاهُ مجادلٌ أَقَرَّ بأنَّ القولَ فيهِ طلاوةٌ وأدبر عنه هائماً في ضلاله وقال ابنُ عم المصطفى(٢) ليس عندنا وإلاّ الذي أعطاهُ فهماً إِلهُه وتبلغ أقصى العمر وهي كِعابُ وفيه علوم جمّة وثوابُ وذا كله عند اللبيب لُبَابُ أتى عن رسول اللّهِ فهو صوابُ عليه ولو لم يبقَ في الفَمِ نابُ إذا كان فيكم همّة وطِلابُ تَدَرّ عليكم بالعلوم سحابُ ألوفاً تجد ما ضاق عنه حسابُ يطيب لها نَشْرٌ ويفتح بابُ أصولاً إليها للذكي مآبُ سواهُ لهَدي العالمين كتابُ فَأَبْلِسَ حتى لا يكونَ جوابُ يعلو ولا يعلو عليه خطابُ يُدَبَّرُ ماذا في الأنام يُعَابُ سواه وإلاّ ما حواه قِرابُ بآياته فاسئل عساك تجابُ (١) في ((الديوان)): وكم من ألوف في المئين وكم بها . (٢) آي الامام علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين ، رضى الله عنهم أجمعين وقوله المشار اليه هو الذي يرويه أبو جحيفة. قال: ((قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، الا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الاسير ، ولا يقتل مسلم بكافر )) رواه البخاري ١١١ و ١٨٧٠ و٣٠٤٧ و٣١٧٢ و٦٧٥٥ و ٦٩٠٣ و٦٩١٥ و ٧٣٠٠ والترمذي ١٤١٢ والنسائي ٢٣/٨ والدارمي ١٩٠/٢ واحمد ٧٩/١ والطيالسي ٩١ والحميدي ٤٠. ٢٧٢ فما الفهم إلاّ من عطاياه لا سوى بل الخيرُ كلّ الخيرِ منه يصابُ يُجِبْكَ سريعاً ما عليه حجابُ سليمان قد أعطاهُ فهماً فناده وسل منه توفيقاً ولطفاً ورحمة فتلك إلى حسن الختام .آبُ وقد استوفيت بحث العمل بالسنة في رسالتنا المسماة ((بالجنة)) (١) واستوعبت بحث التقليد في مؤلفنا المسمى ((بالتنقيد)) (٢) وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن لا تبقى بعدهما حاجةٌ للمنصف في تحقيق ذلك إلى غير ذلك . والله أعلم بالصواب . (١) وهي: ((الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة)) مطبوعة في بهوبال سنة ١٢٩٠ هـ (٢) لعله يشير الى رسالته المطبوعة باسم ((الا قليد لادلة الاجتهاد والتقليد)) وقد طبعت في الجوائب سنة ١٢٩٥ هـ . ٢٧٣ الحطة - ١٨ الباب الرابع في ذكر الامهات الست وشروحها وما يليها وفيه فصول : الفصل الأول (الموطأ ) في ذكر موطأ مالك بن أنس (١) رحمه الله تعانى إمام دار الهجرة المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة . وإنما قدَّمتُه في الذكر على ((صحيح البخاري)) مع علو شأنه ورفعة مكانه لتقدم الإمام مالك عليه زماناً وتأليفاً .. فإن الموطأ كتابٌ قديمٌ مباركٌ (١) ((كشف الظنون)) ١٩٠٧/٢، ١٩٠٨ ((شرح الأربعين العجلونية )٢٢٥ ((اتحاف النبلاء)) ١٦٤ و((الرسالة المستطرفة)) ١١ و((فهرست ابن خير)) ٧٧ - ٩٣ و ((تاريخ الأدب العربي)) ٢٧٥/٣ وقد اقيمت ندوة للامام مالك في المغرب في شهر جمادى الثانية عام ١٤٠٠ هـ ، وتحدث بها كثير من المختصين ، وتنوعت أبحاثهم عن شخصية الامام مالك . وعن فقهه ، وعن موطئه ، فمن الذين كتبوا في هذا الاستاذ علوي المالكي في بحثه ((شبهات حول الموطأ)) ١٠١/٢ - ١٥٨ والاستاذ عبد الغفور الناصر في بحثه ((الامام مالك وكتابه الموطأ)) ٢١٥/٢-٢٣٥ وغير ذلك. ٢٧٤ مجمع عليه بالصحة والشهرة والقبول (١) . وأول مؤلف صنّف في الحديث (٢) ، وكل من جمع صحيحاً فقد سلك على نهجه وأخذ طريقه وحذا حذوه . والفضل للمتقدم كما قيل في القول المنظم : فلو قبل مبكاها بكيت صبابة بسعدى شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت : الفضل للمتقدم قال الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى (٣): ما أعلم شيئاً بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك. وقال في ((المسوّى)) (٤): هو أصح كتب الفقه وأشهرها وأقدمها وأجمعها ، وقد اتفق السواد الأعظم من الأمة المرحومة على العمل به والاجتهاد في روايته ودرايته ، والاعتناء بشرح مشكلاته ومُعضلاته والاهتمام باستنباط معانيه وتشييد مبانيه ، ومن تتبع مذاهبهم، ورُزق الإنصاف من نفسه، علم لا محالة أن ((الموطأ)) عدة (١) نقل الشيخ أحمد شاكر في ((الباعث الحثيث)) ص ٨ قول الامام السيوطي في ((تنوير الحوالك)) ص ٨: (( الصواب اطلاق أن الموطأ صحيح ، لا يستثنى منه شيء)) فعلق قائلا : وهدا غير صواب ، والحق أن ما في ((الموطأ)) من الأحاديث الموصولة والمرفوعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين ، وان ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها ، مما تحويه الكتب الاخرى .. (٢) انظر ((ندوة الامام مالك)) ٢١٩/٢ و((محاضرة الاوائل ومسامرة الاواخر )) للبسنوي ٦٧ (٣) ((كشف المغطى من فضل الموطأ)) ص ١١ للحافظ ابن عساكرو ((الحلية)) ٣٢٩/٦ وقد فسر القاضي ابن جماعة في (المنهل الروي)) ١١٧،١١٦/١ هذه الكلمة بانها قبل وجود الصحيحين ، وقال مثله الامام الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٩٩/٨ . (٤) هو من تصنيف الشاه ولى الله الدهلوى، واسمه: ((المسوى من أحاديث الموطأ)» وهو مطبوع قديما، وطبع حديثا أيضا في بيروت وانظر ما قاله المصنف عنه في ((اتحاف النبلاء)) ١٤٧، وانظر ((تاريخ الادب العربي)) ٢٧٩/٣ لكارل بروكلمان وهذا الكلام فيه ٦٢/١. ٢٧٥، مذهب مالك وأساسُه وعُمدة مذهب الشافعي وأحمد ورأسُهُ ومصباحٌ مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ونبراسُه، وهذه المذاهب بالنسبة إلى ((الموطأ)) كالشروح للمتون ، وهو منها بمنزلة الدوحة من الغصون ، وإن الناس - وإن كانوا من فتاوى مالك في رد وتسليم وتنكيت وتقويم - ما صفا لهم المشربُ ولا تأتى لهم المذهب إلاّ بما سعى في ترتيبه واجتهد في تهذيبه. قال الشافعي: ليس أحد امنَّ عليَّ في دين الله من مالك (١). وعلم أيضا أن الكتب المصنفة في السنن، ((كصحيح )) مسلم و ((سنن)) أبي داود والنسائي وما يتعلق بالفقه من ((صحيح)) البخاري و((جامع)) الترمذي مستخرجات (٢) على ((الموطأ)) تحوم حومه وتروم رومه ، ومطمحَ نظرهم فيها وصلُ ما أرسَلَه ورفعُ ما أوقفه واستدراك ما فاتتَه وذكر المتابعات والشواهد لما أسنده وإحاطةُ جوانب الكلام بذكر ما رُوي خلافه . وبالجملة فلا يمكن تحقيق الحق في هذا ولا ذاك إلاّ بإكباب (٣) على هذا الكتاب ، انتهى . - (١) ((تزيين الممالك في مناقب مالك)) للامام السيوطي ١١/١ مطبوع في بداية المجلد الاول من ((المدونة الكبرى)) الطبعة الثانية، وانظر كلام الامام الشافعي في مدح الامام مالك في كتابه ((جماع العلم)) ٢٤٢ وفي (الانتقاء)) ٢٣ - ٢٥ . (٢) المستخرج هو : كتاب يروي فيه صاحبه أحاديث كتاب معين بأسانيد لنفسه ، فيلتقي في أثناء السند مع صاحب الكتاب الاصل ، وانظر (التدريب)) ١١١/١ و((علوم الحديث)) ١٩ والمصنف أراد أن اصحاب هذه الكتب تحوّلوا كثيرا على مرويات الامام مالك في ((موطئه)) فأصبحت تلك الكتب كالمستخرجات بالنسبة للموطأ ، والله أعلم . (٣) أي : الاقبال عليه والشغل به . ٢٧٦ قال القاضي أبو بكر في ((القبس)) (١): هذا أول كتاب ألّف في شرائع الإسلام وهو آخره لأنه لم يُؤْلّف مثله إذ بناه مالكٌ على تمهيد الأصول للفروع ، ونبّه فيه على معظم أصول الفقه التي يُرجع إليها في مسائله وفروعه ، انتهى . وفيه يقول القاضي عياض (٢). بكتب ((الموطأ)) من مصنف مالك إذا ذكرت كتب الحديث فحتيّ هل وأوضحها في الفقه نهجاً لسانك أصح أحاديثاً وأثبت حجة على رغم خيشوم الحسود المماحك عليه مضى الإجماع من كل أمة ومنه استفد شرع النبي المبارك فعنه فخذ علم الديانةِ خالصاً فمن حاد عنه هالك في الهوالك (٣) وشد به كف العناية تهتدي وفيه نسعدون (٤) الشاعر : (١) وهو شرح الموطأ، اسمه ((القبس في شرح موطأ مالك بن أنس)) ومنه نسخة مخطوطة في الرباط، رقم: ٢٥ - جلاوي وانظر ((ندوه الامام مالك)) ٢٣١/٢ وانظر ((كشف الظنون)) ١٢١٥/٢ والفاضي أبو بكر هو محمد بن عبدالله بن محمد الاشبيلي ، المشهور بابن العربي المالكي، توفي سنة ٥٤٣، ترجمته في ((التذكرة)) ١٢٩٤/٤ و((البداية والنهاية)) ٢٢٨/١٢ و((الشذرات)) ١٤١/٤ (٢) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، المتوفى سنة ٥٤٤، ترجمته في ((التذكرة)) ١٣٠٤/٤ و((تهذيب الاسماء واللغات): ٤٣/٢ و((النجوم الزاهرة)) ٢٨٥/٥ وقد ترجمه ابنه في جزء لطيف طبع في المغرب حديثا . (٣) هي في ((ترتيب المدارك)) ١٩٨/١ و((الديباج المذهب))١٢٣ و((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٩/١ وبينها فروق عديدة . (٤) هو الورجيني، كما في ((الديباج المذهب)) ١٢١/١ و((ترتيب المدارك)) ١٩٦/١-١٩٧ والابيات فيهما بأطول مما هنا، وبينها اختلاف يسير، وانظر ترجمته ومصادرها في تعليق الاستاذ بشير البكوش على ((رياض النفوس)) ٥٠١/١ فانه مهم. ٢٧٧ أقول لمن يروي الحدیث ویکتب إن أحببت أن تدعى لدى الحق عالماً أتترك داراً كان بين بيوتها ومات رسولُ اللّه فيها وبعده فبادر ((موطأ)) مالك قبل فَوْته ودع للموطأ كلّ علم تريدهُ ومن لم تكنْ كتب ((الموطأ)) ببيته جزى الله عنّا في موطاه مالكاً لقد فاق أهلَ العلم حياً وميتاً فلا زال يسقي قبره كلُّ عارض (١) ويسلك سبل الفقه فيهٍ ويطلبُ فلا تَعْدُ ما يحوي من العلم يثربُ يروح ويغدو جبرئيل المقرب بسنّته أصحابُه قد تأدبوا فما يسعده إن فات للحق مطلب فإن الموطأ الشمسُ والغير كوكب فذاك من التوفيق بيتٌ مخيب بأفضل ما يجري اللبيبُ المهذب وصارت به الأمثال في الناس تُضرب بمندفق ظلت عزاليه (٢) تسكبُ روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٣) عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال : شاورني هارون الرشيد في أن يعلق (الموطأ)) في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه . فقلت : لا تفعل ، فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل [ عند نفسه ] مصيب . فقال : وفقك الله تعالى يا أبا عبد الله. وروى ابن سعد في ((الطبقات)) (٤) عن مالك قال : لمّا حَجّ المنصورُ قال لي : عزمتُ على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتُنسخ ثم أبعثُ إلى كل مِصْرٍ من أمصارِ المسلمين منها نسخة وآمرُهم أنْ يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره . فقلت : يا أمير المؤمنين (١) هو السحاب المعترض في الافق . (٢) جمع عزلاء ، وهي مصب الماء من الراوية ونحوها ، يقال : أرسلت السماء عزاليها : انهمرت بالمطر . (٣) في ٣٣٢/٦ منه بتصرف من المصنف ، وما بين معقوفتين منه ، وهي زيادة مهمة . (٤) وانظر ((الديباج المذهب)) ١١٨/١ و((الانتقاء)) (مج و٤١). ٢٧٨ لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويلُ وسمعوا أحاديثُ ورووا روايات وأخذ كلّ قوم بما سبق إليهم ودانوا به فدع الناس وما اختار أهلُ كل بلد منهم لأنفسهم. كذا في ((عقود الجمان)) (١). وبالجملة فقال أبو القاسم بن محمد بن حسين الشافعي (٢) : الموطآت المعروفة عن مالك أحدَ عشر ، معناها متقارب والمستعمل منها أربعة : موطأ يحيى بن يحيى وموطأ ابن بكير وموطأ أبي مصعب وموطأ ابن وهب(٣) ثم ضعف الاستعمال إلاّ في موطأ يحيى ثم موطأ ابن بكير وفي تقديم الأبواب وتأخيرها اختلاف في النسخ . وأكثر ما يوجد فيه ترتيب الباجي (٤) وهو أن يعقب الصلاة بالجنائز ثم الزكاة ثم الصيام ثم اتفقت النسخ إلى الحج ثم اختلفت بعد ذلك . وقال المولى عبد العزيز الدهلوي في (( بستان المحدثين » (٥) : اعلم انه روى نحو ألف رجل في زمان الإمام مالك موطأه عنه وحصَّل طبقاتُ (١) في ((كشف الظنون)) ١١٥٤/٢ - ١١٥٥ و((ايضاح المكنون)) ١٠٦/١ مؤلفات كثيرة باسم ((عقود الجمان)) ليس هذا منها ، والله أعلم . (٢) كذا في ((كشف الظنون)) ١٩٠٨/٢ والمصنف رحمه الله ينقل منه، وفي ((التعليق المجد)) ٢١ عن ((الكشف)) أيضا: أبو القاسم محمد ابن حسين ... فليحرر . (٣) سيأتي كلام المصنف عن الموطأ ونسخه بتوسع بعد صفحات أن شاء الله . (٤) هو سليمان بن خلف بن سعيد ، المتوفى سنة ٤٧٤، ترجمته في (التذكرة)) ١١٧٨ و((وفيات الاعيان)) ٤٠٨/٢ و((الشذرات))٣/ ٣٣٤. والمصنف يذكر كتابه ((الترتيب)) ولا نعلم له كتابا بهذا الاسم، اما كتبه التي اعتنى بالموطأ فيها فهي: ((اختلاف الموطآت)) و((المنتقى)) وهذا الاخير شرح الموطأ مالك ، وقد طبع بسبعة مجلدات قديما . وانظر ( تاريخ الادب العربي)) ٢٧٧/٣ لكارل بروكلمان . (٥) انظر الفائدة السابعة من الفوائد الثلاثة عشر التي قدم بها العلامة اللكنوي كتابه ((التعليق الممجد على موطأ محمد)) ١٧-٢٠ ٢٧٩, الناس من المحدثينَ والصوفيةُ والفقهاءُ والأمراءُ والملوكُ والخلفاءُ سندَّه عن الإمام تبركاً به . ونسخهُ كثيرة والميسرة منها اليوم في ديار العرب عدة نسخ ، أروجها وأشهرها التي هي مخدومة طوائف العلماء نسخة يحيى ابن يحيى المصمودي الأندلسي (١) وهو المراد من ((الموطأ)) عند الإطلاق أوله : بسم الله الرحمن الرحيم . وقوت الصلاة . مالك عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوماً فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً وهو بالكوفة . فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم صلى ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : بهذا أمرت . فقال عمر بن عبد العزيز : إعلم ما تحدث به يا عروة أوَ انَّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة . قال عروة : كان كذلك بشير بن مسعود الأنصاري يحدث عن أبيه . قال عروة : لقد حدثني عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم أن النبي كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر (٢) . وقد فات يحيى بن يحيى سماع ثلاثة أبواب أعني : باب خروج المعتكف إلى العيد ، وباب قضاء الاعتكاف وباب النكاح في الاعتكاف بلا واسطة (١) المتوفى سنة ٢٣٤، ترجمته في ((الديباج المذهب)) ٣٥٢/٢ و((وفيات الاعيان)) ١٤٣/٦ و((شجرة النور الزكية)) ٦٣ وقد طبعت روايته من ((الموطأ)) طبعات عديدة أجودها وأتقنها طبعة الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله ، وهي سائرة متداولة . (٢) أخرجه البخاري ٥٢١ و٣٢٢١ و٤٠٠٧ ومسلم ٦١٠ و١٦٧ و٦١١ و ١٦٨، وقوله: قبل أن تظهر . معناه: قبل أن تخرج الشمس من الحجرة فينبسط الفيء فيها . ٢٨٠